النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
قوله تعالى ((إن رحمة الله قريب من المحسنين)) الآية سورة الأعراف
عبيده بما شاء كيف شاء ، فلا يعتبر منه كونه في نفسه صلاحا وحسنا ، وهذا قول أهل السنة .
ومنهم من قال : التكاليف إنما وردت لكونها في أنفسها مصالح ، وهذا هو قول المعتزلة .
إذا عرفت هذا فنقول : أما على القول الأول : فوجه وجوب بعض الأعمال ، وحرمة
بعضها مجرد أمر الله بما أوجبه ، ونهيه عما حرمه ، فمن أتى بهذه العبادات صحت . أما من
أتى بها خوفا من العقاب ، أو طمعا في الثواب ، وجب أن لا يصح ، لأنه ما أتى بها لأجل وجه
وجوبها ، وأما على القول الثاني : فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح ، فمن أتى بها
للخوف من العقاب ، أو للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها ، فوجب أن لا تصح ،
فثبت أن كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب والطمع في
الثواب وجب أن لا يصح .
إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله ( وادعوه خوفا وطمعا) يقتضي أنه تعالى أمر المكلف
بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض ، وقد ثبت بالدليل فساده ، فكيف طريق التوفيق بين ظاهر هذه
الآية وبين ما ذكرناه من المعقول .
والجواب : ليس المراد من الآية ما ظننتم ، بل المراد : وادعوه مع الخوف من وقوع
التقصير ، في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء ، ومع الطمع في حصول تلك الشرائط
بأسرها ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل ؟
﴿ السؤال الثالث﴾ هل تدل هذه الآية على أن الداعي لا بد وأن يحصل في قلبه هذا
الخوف والطمع ؟
والجواب : أن العبد لا يمكنه أن يقطع بكونه آتيا بجميع الشرائط المعتبرة في قبول
الدعاء ، ولأجل هذا المعنى يحصل الخوف، وأيضا لا يقطع بأن تلك الشرائط مفقودة فوجب
كونه طامعا في قبولها فلا جرم .
قلنا : بأن الداعي لا يكون داعيا إلا إذا كان كذلك فقوله ( خوفا وطمعا) أى أن تكونوا
جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم ، ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم فقد
أديتم حق ربكم . ويتأكد هذا بقوله ( يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة )
ثم قال تعالى ﴿ إن رحمة الله قريب من المحسنين ) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في أن الرحمة عبارة عن إيصال الخير والنعمة أو عن إرادة
إيصال الخير والنعمة ، فعلى التقدير الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال ، وعلى هذا التقدير

١٤٢
قوله تعالى ((إن رحمة الله قريب من المحسنين)) الآية سورة الأعراف
الثاني تكون من صفات الذات ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير ( بسم الله الرحمن
الرحيم )
﴿ المسألة الثانية﴾ قال بعض أصحابنا: ليس لله في حق الكافر رحمة ولا نعمة.
واحتجوا بهذه الآية ، وبيانه : أن هذه الآية تدل على أن كل ما كان رحمة فهي قريبة من
المحسنين ، فيلزم أن يكون كل ما لا يكون قريبا من المحسنين ، أو لا يكون رحمة ، والذى
حصل في حق الكافر غير قريب من المحسنين ، فوجب أن لا يكون رحمة من الله ولا نعمة منه .
﴿ المسألة الثالثة) قالت المعتزلة: الآية تدل على أن رحمة الله قريب من المحسنين،
فلما كان كل هذه الماهية حصل للمحسنين وجب أن لا يحصل منها نصيب لغير المحسنين ،
فوجب أن لا يحصل شيء من رحمة الله في حق الكافرين ، والعفو عن العذاب رحمة ،
والتخلص من النار بعد الدخول فيها رحمة ، فوجب أن لا يحصل ذلك لمن لم يكن من
المحسنين ، والعصاة وأصحاب الكبائر ليسوا محسنين ، فوجب أن لا يحصل لهم العفو عن
العقاب ، وأن لا يحصل لهم الخلاص من النار .
والجواب : أن من آمن بالله وأقر بالتوحيد والنبوة ، فقد أحسن بدليل أن الصبي اذا
بلغ وقت الضحوة ، وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول الى الظهر فقد أجمعت
الأمة على أنه دخل تحت قوله ( للذين أحسنوا الحسنى ) ومعلوم أن هذا الشخص لم يأت
بشيء من الطاعات سوى المعرفة والاقرار ، لأنه لما بلغ بعد الصبح لم تجب عليه صلاة
الصبح ، ولما مات قبل الظهر لم تجب عليه صلاة الظهر ، وظاهره أن سائر العبادات لم تجب
عليه . فثبت أنه محسن ، وثبت أنه لم يصدر منه إلا المعرفة والاقرار ، فوجب كون هذا القدر
إحسانا ، فيكون فاعله محسنا .
إذا ثبت هذا فنقول : كل من حصل له الاقرار والمعرفة كان من المحسنين ، ودلت هذه
٠ ٠٩-
الآية على أن رحمة الله قريب من المحسنين ، فوجب بحكم هذه الآية أن تصل الى صاحب
الكبيرة من أهل الصلاة رحمة الله ، وحينئذ تنقلب هذه الآية حجة عليهم .
فان قالوا : المحسنون هم الذين أتوا بجميع وجوه الاحسان . فنقول : هذا باطل ،
لأن المحسن من صدر عنه مسمى الاحسان وليس من شرط كونه محسنا أن يكون آتيا بكل وجوه
الاحسان كما أن العالم هو الذى له العلم وليس من شرطه أن يحصل جميع أنواع العلم . فثبت
أن السؤال الذى ذكروه ساقط وأن الحق ما ذهبنا اليه .
﴿ المسألة الرابعة﴾ لقائل أن يقول مقتضى علم الاعراب أن يقال: إن رحمة الله قريبة
من المحسنين فما السبب في حذف علامة التأنيث ؟ وذكروا في الجواب عنه وجوها : الأول : أن

١٤٣
قوله تعالى ((وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)) الآية. سورة الأعراف
وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ آلْرِّيَحَ بُشْرَأْ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، خَّىَ إِذَا أَقَالَّتْ سَمَابًا ثِقَالًا
سُقْتَهُ لِبَلَدٍ مَيْتٍ فَأَزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَنْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الَّمَرَتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ
الْمَوْقَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
٥٧
الرحمة تأنيثها ليس بحقيقي وما كان كذلك فانه يجوز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة .
الثاني : قال الزجاج : إنما قال ( قريب ) لأن الرحمة والغفران والعفو والانعام بمعنى واحد
فقوله ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) بمعنَى إنعام الله قريب وثواب الله قريب فاجرى حكم
أحد اللفظين على الآخر . الثالث : قال النضر بن شميل : الرحمة مصدر ومن حق المصادر
التذكير كقوله ( فمن جاءه موعظة ) فهذا راجع الى قول الزجاج لأن الموعظة أريد بها الوعظ ،
فلذلك ذكره قال الشاعر :
قبرا بمرو على الطريق الواضح
إن السماحة وبالمر وأة ضمنا
قيل : أراد بالسماحة السخاء وبالمروؤة الكرم . والرابع : أن يكون التأويل إن رحمة
الله ذات مكان قريب من المحسنين كما قالوا : حائض ولابن وتامر أى ذات حيض ولبن وتمر .
قال الواحدى : أخبرني العروضى عن الأزهرى عن المنذرى عن الحراني عن ابن السكيت قال
تقول العرب هو قريب مني وهما قريب مني وهم قريب مني وهي قریب مني ، لأنه في تأويل
هو في مكان قريب مني وقد يجوز أيضا قريبة وبعيدة تنبيها على معنى قربت وبعدت بنفسها .
المسألة الخامسة ﴾ تفسير هذا القرب هو أن الانسان يزداد في كل لحظة قربا من
الآخرة ، وبعدا من الدنيا ، فان الدنيا كالماضي ، والآخرة كالمستقبل ، والانسان في كل ساعة
ولحظة ولمحة يزداد بعدا عن الماضي ، وقربا من المستقبل . ولذلك قال الشاعر :
ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس
فلا زال ما تهواه أقرب من غد
ولما ثبت ان الدنيا تزداد بعدا في كل ساعة ، وأن الآخرة تزداد قربا في كل ساعة ، وثبت .
أن رحمة الله إنما تحصل بعد الموت ، لا جرم ذكر الله تعالى ( إن رحمة الله قريب من المحسنين )
بناء على هذا التأويل .
قوله تعالى ( وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا
سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتی لعلكم تذكرون.

١٤٤
قوله تعالى ((وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)) الآية سورة الأعراف
وَالْبَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ
نُصَرِّفُ الْآَيَنْتِ لِقَوْمٍ يَسْكُرُونَ
٥٨
والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم
يشكرون )
اعلم ان في كيفية النظم وجهين: الأول: أنه تعالى لما ذكر دلائل الالهية . وكمال العلم،
والقدرة من العالم العلوى، وهو السموات والشمس والقمر والنجوم، أتبعه بذكر الدلائل من
بعض أحوال العالم السفلي . واعلم أن أحوال هذا العالم محصورة في أمور أربعة: الآثار
العلوية، والمعادن، والنبات، والحيوان، ومن جملة الآثار العلوية، والمعادن ، والنبات ،
والحيوان ، ومن جملة الآثار العلوية الرياح ، والسحاب ، والأمطار ويترتب على نزول الأمطار
أحوال النبات ، وذلك هو المذكور في هذه الآية .
الوجه الثاني ﴾ في تقرير النظم انه تعالى لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود الاله
القادر العالم الحكيم الرحيم ، أقام الدلالة في هذه الآية على صحة القول بالحشر والنشر
والبعث والقيامة ليحصل بمعرفة هاتين الآيتين كل ما يحتاج اليه في معرفة المبدأ والمعاد ، وفي
الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ( الريح ) على لفظ الواحد والباقون
( الرياح ) على لفظ الجمع ، فمن قرأ ( الرياح ) بالجمع حسن وصفها بقوله ( بشرا) فانه
وصف الجمع بالجمع ، ومن قرأ ( الريح ) واحدة قرأ ( بشرا) جمعا لأنه أراد بالريح الكثرة
كقولهم كثير الدرهم والدينار والشاة والبعير وكقوله (ان الانسان لفي خسر) ) إلا الذين
آمنوا) فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع وأما قوله (نشأ)) ففيه قراءات: احدها:
قراءة الأكثرين (نشرا) بضم النون والشين، وهو جمع نشور مثل رسل ورسول ، والنشور بمعنى
المنشر كالركوب بمعنى المركوب ، فكان المعنى رياح منشرة أي مفرقة من كل جانب والنشر
التفريق ، ومنه نشر الثوب، ونشر الخشبة بالمنشار، وقال الفراء: النشر من الرياح الطيبة اللينة
التي تنشر السحاب واحدها نشور وأصله من النشر، وهو الرائحة الطيبة ومنه قول امرىء.
القيس ونشر العطر .
﴿ والقراءة الثانية ﴾ قرأ ابن عامر ( نشرا) بضم النون واسكان الشين ، فخفف العين
كما يقال كتب ورسل .

١٤٥
قوله تعالى ((وهو الذي يرسل الرياح بشرا)) الآية سورة الأعراف
والقراءة الثالثة ﴾ قرأ حمزه (نشرا) بفتح النون واسكان الشين والنشر مصدر نشرت
الثوب ضد طويته ويراد بالمصدر ههنا المفعول . والرياح كأنها كانت مطوية ، فأرسلها الله
تعالى منشورة بعد انطوائها ، فقوله ( نشرا) مصدر هو حال من الرياح والتقدير : أرسل
الرياح منشرات ، ويجوز أيضا ان يكون النشرهنا بمعنى الحياة من قولهم أنشر الله الميت فنشر.
قال الاعشى :
یا عجبا للميت الناشر
فاذا حملته على ذلك وهو الوجه . كان المصدر مرادا به الفاعل كما تقول : أتاني ركضا
أى راكضا ، ويجوز أيضا أن يقال : أن أرسل ونشر متقاربان ، فكأنه قيل : وهو الذى ينشر
الرياح نشرا .
﴿ والقراءة الرابعة﴾ حكى صاحب الكشاف عن مسروق (نشرا) بمعنى منشورات .
فعل بمعنى مفعول كنقض وحسب ومنه قولهم : ضم نشره .
والقراءة الخامسة﴾ قراءة عاصم (بشرا) بالباء المنقطة بالمنقطة الواحدة من تحت جمع
بشيرا على بشر من قوله تعالى ( يرسل الرياح مبشرات ) أى تبشر بالمطر والرحمة ، وروى
صاحب الكشاف ( بشرا ) بضم الشين وتخفيفه و( بشرا) بفتح الباء وسكون الشين مصدر من
بشره بمعنى بشره أى باشرات وبشرى .
﴿ المسألة الثانية ﴾ اعلم أن قوله ( وهو الذى يرسل الرياح ) معطوف على قوله (إن
ربكم الله الذى خلق السموات والأرض ) ثم نقول : حد الريح أنه هواء متحرك . فنقول :
كون هذا الهواء متحركا ليس لذاته ولا للوازم ذاته ، وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته فلا بد وأن
يكون لتحريك الفاعل المختار وهو الله جل جلاله . قالت الفلاسفة : ههنا سبب آخر وهو انه
يرتفع من الأرض أجزاء أرضية لطيفة تسخنه تسخينا قويا شديدا فبسبب تلك السخونة
الشديدة ترتفع وتتصاعد ، فاذا وصلت الى القرب من الفلك كان الهواء الملتصق بمقعر الفلك
متحركا على استدارة الفلك بالحركة المستديرة التي حصلت لتلك الطبقة من الهواء فيمنع هذه
الأدخنة من الصعود بل يردها عن سمت حركتها ، فحينئذ ترجع تلك الأدخنة وتتفرق في
الجوانب ، وبسبب ذلك التفرق تحصل الرياح ، ثم كلما كانت تلك الأدخنة أكثر ، وكان
صعودها أقوى كان رجوعها أيضا أشد حركة فكانت الرياح ، أقوى وأشد ، هذا حاصل ما
ذكروه ، وهو باطل ، ويدل على بطلانه وجوه : الأول : ان صعود الاجزاء الأرضية إنما يكون
لاجل شدة تسخينها ، ولا شك ان ذلك التسخين عرض لأن الأرض باردة يابسة بالطبع ، فاذا
الفخر الرازي ج١٤ م١٠

١٤٦
قوله تعالى ((وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)) الآية سورة الأعراف
كانت تلك الاجزاء الارضية متصعدة جدا كانت سريعة الانفعال ، فاذا تصاعدت ، ووصلت
الى الطبقة الباردة من الهواء امتنع بقاء الحرارة فيها بل تبرد جدا . وإذا بردت امتنع بلوغها في
الصعود الى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك ، فبطل ما ذكروه .
﴿ الوجه الثاني﴾ هب أن تلك الاجزاء الدخانية صعدت الى الطبقة الهوائية المتحركة
بحركة الفلك لكنها لما رجعت ، وجب ان تنزل على الاستقامة ، لأن الأرض جسم ثقيل ،
والثقيل انما يتحرك بالاستقامة والرياح ليست كذلك ، فانها تتحرك يمنة ويسرة .
﴿الوجه الثالث) وهو أن حركة تلك الاجزاء الارضية النازلة لا تكون حركة قاهرة ،
فان الرياح إذا أحضرت الغبار الكثير ، ثم عاد ذلك الغبار ، ونزل على السطوح لم يحس أحد
بنزولها ، وترى هذه الرياح تقلع الاشجار وتهدم الجبال وتموج البحار .
والوجه الرابع ﴾ انه لو كان الأمر على ما قالوه ، لكانت الرياح كلما كانت أشد ،
:(وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر ، لكنه ليس الأمر كذلك لأن الرياح قد
يعظم عصوفها وهبوبها في وجه البحر مع أن الحس يشهد أنه ليس في ذلك الهواء المتحرك
العاصف شيء من الغبار والكدرة فبطل ما قالوه ، وبطل بهذا الوجه العلة التي ذكروها في حركة
الرياح . قال المنجمون : إن قوى الكواكب هي التي تحرك هذه الرياح وتوجب هبوبها ،
وذلك أيضا بعيد لأن الموجب لهبوب الرياح ان كان طبيعة الكواكب وجب دوام الرياح بدوام
تلك الطبيعة ، وان كان الموجب هو طبيعة الكوكب بشرط حصوله في البرج المعين والدرجة
المعينة وجب أن يتحرك هواء كل العالم، وليس كذلك، وأيضا قد بينا أن الأجسام متماثلة
باختصاص الكوكب المعين والبرج المعين فالطبيعة التي لأجلها اقتضت ذلك الأثر الخاص، لا
بد وأن تكون بتخصيص الفاعل المختار. فثبت بهذا البرهان الذي ذكرناه أن محرك الرياح هو
الله سبحانه وتعالى. وثبت بالدليل العقلي صحة قوله وهو ( الذي يرسل الرياح)
المسألة الثالثة) قوله ( بشرا بين يدى رحمته) فيه فائدتان : إحداهما : أن قوله
( نشرا) أى منشرة متفرقة ، فجزء من أجزاء الريح يذهب يمنة ، وجزء آخر يذهب يسرة ،
وكذا القول في سائر الأجزاء فان كل واحد منها يذهب الى جانب آخر فنقول : لا شك ان طبيعة
الهواء طبيعة واحدة ونسبة الافلاك والانجم والطبائع الى كل واحد من الأجزاء التي لا تتجزأ
من تلك الريح نسبة واحدة ، فاختصاص بعض أجزاء الريح بالذهاب يمنة والجزء الآخر
بالذهاب يسرة وجب أن لا يكون ذلك إلا بتخصيص الفاعل المختار .
والفائدة الثانية ﴾ في الآية أن قوله ( بين يدى رحمته) أى بين يدى المطر الذى هو

١٤٧
قوله تعالى ((حتى إذا أقلت سحابا ثقالا)) الآية سورة الأعراف
رحمته والسبب في حسن هذا المجاز أن اليدين يستعملهما العرب في معنى التقدمة على سبيل
المجاز يقال : إن الفتن تحدث بين يدى الساعة ، يريدون قبيلها ، والسبب في حسن هذا
المجاز ، أن يدى الانسان متقدماته فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق عليه لفظ اليدين على سبيل
المجاز لأجل هذه المشابهة . فلما كانت الرياح تتقدم المطر ، لا جرم عبر عنه بهذا اللفظ .
فان قيل : فقد نجد المطر ولا تتقدمه الرياح . فنقول : ليس في الآية إن هذا التقدم
حاصل في كل الأحوال ، فلم يتوجه السؤال ، وأيضا فيجوز أن تتقدمه هذه الرياح وإن كنا لا
نشعر بها
ثم قال تعالى ﴿ حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ﴾ يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله. قال
صاحب الكشاف: واشتقاق الاقلال من القلة ، لأن من يرفع شيئا فانه يرى ما يرفعه قليلا ،
وقوله (سحابا ثقالا ) أى بالماء جمع سحابة ، والمعنى حتى إذا حملت هذه الرياح سحابا ثقالا بما
فيها من الماء والمعنى ان السحاب الكثيف المستطير للمياه العظيمة إنما يبقى معلقا في الهواء لأنه
تعالى دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكا شديدا ، فلأجل الحركات الشديدة التي في تلك
الرياح تحصل فوائد : إحداها : أن أجزاء السحاب ينضم بعضها الى البعض ويتراكم وينعقد
السحاب الكثيف الماطر . وثانيها : أن بسبب تلك الحركات الشديدة التي في تلك الرياح يمنة
ويسرة يمتنع على تلك الاجزاء المائية النزول ، فلا جرم يبقى متعلقا في الهواء . وثالثها : أن
بسبب حركات تلك الرياح ينساق السحاب من موضع الى موضع آخر وهو الموضع الذى علم
الله تعالى احتياجهم الى نزول الأمطار وانتفاعهم بها . ورابعها : أن حركات الرياح تارة تكون
جامعة لأجزاء السحاب موجبة لانضمام بعضها الى البعض حتى ينعقد السحاب الغليظ ، وتارة
تكون مفرقة لأجزاء السحاب مبطلة لها . وخامسها : أن هذه الرياح تارة تكون مقوية للزروع
والاشجار مكملة لما فيها من النشو والنماء وهي الرياح اللواقح ، وتارة تكون مبطلة لها كما
تكون في الخريف. وسادسها : أن هذه الرياح تارة تكون طيبة لذيذة موافقة للأبدان وتارة
تكون مهلكة إما بسبب ما فيها من الحر الشديد كما في السموم أو بسبب ما فيها من البرد
الشديد كما في الرياح الباردة المهلكة جدا . وسابعها : أن هذه الرياح تارة تكون شرقية ،
وتارة تكون غربية وشمالية وجنوبية . وهذا ضبط ذكره بعض الناس وإلا فالرياح تهب من كل
جانب من جوانب العالم ولا ضبطلها ، ولا اختصاص لجانب من جوانب العالم بها . وثامنها :
أن هذه الرياح تارة تصعد من قعر الأرض فان من ركب البحر يشاهد أن البحر يحصل غليان
شديد فيه بسبب تولد الرياح في قعر البحر الى ما فوق البحر ، وحينئذ يعظم هبوب الرياح في
وجه البحر ، وتارة ينزل الريح من جهة فوق فاختلاف الرياح بسبب هذه المعاني أيضا

١٤٨
قوله تعالى ((فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات)) الآية سورة الأعراف
عجيب ، وعن ابن عمر رضى الله عنهما : الرياح ثمان : أربع منها : عذاب ، وهو
القاصف، والعاصف، والصرصر، والعقيم، وأربعة منها رحمة: الناشرات، والمبشرات ،
والمرسلات ، والذاريات ، والمبشرات . وعن النبي صلى الله عليه وسلم ((نصرت بالصبا،
وأهلكت عاد بالدبور)» والجنوب من ريح الجنة، وعن كعب: لو حبس الله الريح عن عبادة
ثلاثة ايام لأنتن أكثر الأرض، وعن السدى: أنه تعالى يرسل الرياح فيأتي بالسحاب ثم إنه
تعالى يبسطه في السماء كيف يشاء ثم يفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم يمطر
السحاب بعد ذلك ، ورحمته هو المطر .
إذا عرفت هذا فنقول : اختلاف الرياح في الصفات المذكورة ، مع ان طبيعة الهواء
واحدة ، وتأثيرات الطبائع والأنجم والأفلاك واحدة ، يدل على أن هذه الاحوال . لم تحصل
إلا بتدبير الفاعل المختار سبحانه وتعالى .
ثم قال تعالى ﴿ سقناه لبلد ميت﴾ والمعنى أنا نسوق ذلك السحاب الى بلد ميت لم
ينزل فيه غيث ولم ينبت فيه خضرة .
فان قيل : السحاب إن كان مذكرا يجب أن يقول : حتى إذا أقلت سحابا ثقيلا ، وإن
كان مؤنثا يجب أن يقول سقناه فكيف التوفيق ؟
والجواب : أن السحاب لفظه مذكر وهو جمع سحابة . فكان ورود الكتابة عنه على
سبيل التذكير جائزا ، نظرا الى اللفظ ، وعلى سبيل التأنيث أيضا جائزا ، نظرا الى كونه جمعا ، أما
((اللام)) في قوله ( سقناه لبلد) ففيه قولان: قال بعضهم هذه ((اللام)) بمعنى الى يقال هديته
للدين والى الدين. وقال آخرون هذه ((اللام)) بمعنى من أجل ، والتقدير سقناه لأجل بلد
ميت ليس فيه حيا يسقيه . وأما البلد فكل موضع من الأرض عامر أو غير عامر ، خال أو
مسكون فهو بلد والطائفة منه بلدة والجميع البلاد والفلاة تسمى بلدة . قال الاعشى :
للجن باللیل في حافاتها زجل
وبلدة مثل ظهر الترس موحشة
ثم قال تعالى ﴿ فأنزلنا به الماء ﴾ اختلفوا في أن الضمير في قوله ( به ) الى ماذا يعود ؟ قال
الزجاج وابن الانبارى : جائز أن يكون فأنزلنا بالبلد الماء ، وجائز ان يكون فأنزلنا بالسحاب
الماء ، لأن السحاب آلة لانزال الماء .
ثم قال ﴿ فأخرجنا به من كل الثمرات ﴾ الكناية عائدة الى الماء ، لأن إخراج الثمرات
كان بالماء . قال الزجاج : وجائز أن يكون التقدير فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات ، لأن البلد

١٤٩
قوله تعالى ((كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون)) الآية سورةم راف
ليس يخص به هنا بلد دون بلد ، وعلى القول الأول ، فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة
الماء . وقال أكثر المتكلمين : إن الثمار غير متولدة من الماء ، بل الله تعالى أجرى عادته بخلق
النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب ، وقال جمهور الحكماء : لا يمتنع أن يقال إنه تعالى
أودع في الماء قوة طبيعية ، ثم إن تلك القوة الطبيعية توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند
امتزاج الماء بالتراب وحدوث الطبائع المخصوصة . والمتكلمون احتجوا على فساد هذا
القول ، بأن طبيعة الماء والتراب واحدة . ثم إنا نرى أنه يتولد في النبات الواحد أحوال مختلفة
مثل العنب فان قشره بارد يابس ، ولحمه وماؤه حار رطب ، وعجمه بارد يابس ، فتولد الاجسام
الموصوفة بالصفات المختلفة من الماء والتراب ، يدل على انها انما حدثت باحداث الفاعل المختار
لا بالطبع والخاصة .
ثم قال تعالى ﴿ كذلك نخرج الموتى ﴾ وفيه قولان: الأول: أن المراد هو أنه تعالى كما
يخلق النبات بواسطة إنزال الأمطار ، فكذلك يحيى الموتى بواسطة مطر ينزله على تلك الأجسام
الرميمة . وروى انه تعالى يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطر كالمنى أربعين يوما ،
وانهم ينبتون عند ذلك ويصيرون أحياء قال مجاهد : إذا اراد الله ان يبعثهم أمطر السماء عليهم
حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور والثمر ، ثم يرسل الأرواح فتعود كل
روح الی جسدها .
والقول الثاني﴾ أن التشبيه انما وقع بأصل الأحياء بعد ان كان ميتا، والمعنى : أنه
تعالى كما أحيا هذا البلد بعد خرابه ، فأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر ؛ فكذلك يحيى الموتى
بعد ان كانوا أمواتا ، لأن من يقدر على إحداث الجسم ، وخلق الرطوبة والطعم فيه ، فهو
أيضا يكون قادرا على إحداث الحياة في بدن الميت، والمقصود منه إقامة الدلالة على أنه لا يمكن
بعث الاجساد إلا بأن يمطر على تلك الاجساد البالية مطرا على صفة المنى ، فقد أبعد ، ولأن
الذى يقدر على أن يحدث في ماء المطر الصفات التي باعتبارها صار المنى منيا ابتداء ، فلم لا
يقدر على خلق الحياة والجسم ابتداء ؟ وأيضا فهب أن ذلك المطر ينزل إلا أن أجزاء الأموات
غير مختلطة ، فبعضها يكون بالمشرق ، وبعضها يكون بالمغرب ، فمن أين ينفع انزال ذلك
المطر في توليد تلك الاجساد ؟
فان قالوا : إنه تعالى بقدرته وبحكمته يخرج تلك الاجزاء المتفرقة فلم لم يقولوا إنه
بقدرته وحكمته يخلق الحياة في تلك الأجزاء ابتداء من غير واسطة ذلك المطر ؟ وان اعتقدوا أنه
تعالى قادر على إحياء الأموات ابتداء ، إلا أنه تعالى انما يحييهم على هذا الوجه كما أنه قادر على

١٥٠
قوله تعالى ((والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه)) الآية سورة الأعراف
خلق الاشخاص في الدنيا ابتداء ، إلا أنه أجرى عادته بأنه لا يخلقهم إلا من الأبوين فهذا
جائز .
ثم قال تعالى ﴿لعلكم تذكرون﴾ والمعنى: انكم لما شاهدتم أن هذه الأرض كانت
مزينة وقت الربيع والصيف بالأزهار والثمار ، ثم صارت عند الشتاء ميتة عارية عن تلك
الزينة ، ثم أنه تعالى أحياها مرة أخرى ، فالقادر على إحيائها بعد موتها يجب كونه أيضا قادرا
على إحياء الاجساد بعد موتها ، فقوله ﴿ لعلكم تذكرون﴾ المراد منه تذكر أنه لما لم يمتنع هذا
المعنى في إحدى الصورتين وجب أن لا يمتنع في الصورة الأخرى .
ثم قال تعالى ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدا ﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في هذه الآية قولان :
القول الأول﴾ وهو المشهور أن هذا مثل ضربة الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض
الخيرة والأرض السبخة ، وشبه نزول القرآن بنزول المطر ، فشبه المؤمن بالأرض الخيرة التي نزل
عليها المطر فيحصل فيها أنواع الأزهار والثمار ، وأما الأرض السبخة فهي وان نزل المطر عليها
لم يحصل فيها من النبات إلا النزر القليل ، فكذلك الروح الطاهرة النقية عن شوائب الجهل
والاخلاق الذميمة إذا اتصل به نور القرآن ظهرت فيه أنواع من الطاعات والمعارف والأخلاق
الحميدة ، والروح الخبيثة الكدرة وان اتصل به نور القرآن لم يظهر فيه من المعارف والأخلاق
الحميدة إلا القليل .
﴿ والقول الثاني﴾ أنه ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر، وإنما المراد أن الأرض
السبخة يقل نفعها وثمرتها ، ومع ذلك فان صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها
طمعا منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة . فمن طلب هذا النفع اليسير بالمشقة العظيمة ،
فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لا بد من تحملها في أداء
الطاعات ، كان ذلك أولى .
﴿ المسألة الثانية ﴾ هذه الآية دالة على أن السعيد لا ينقلب شقيا وبالعكس، وذلك
لأنها دلت على أن الأرواح قسمان : منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن
تعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به . ومنها ما تكون في أصل جوهرها غليظة كدرة بطيئة
القبول للمعارف الحقيقية ، والأخلاق الفاضلة ، كما أن الأراضي منها ما تكون سبخة فاسدة ،

١٥١
قوله تعالى ((كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون)) الآية سورة الأعراف
وكما أنه لا يمكن أن يتولد في الأراضي السبخة تلك الأزهار والثمار التي تتولد في الأرض
الخيرة ، فكذلك لا يمكن أن يظهر في النفس البليدة والكدرة الغليظة من المعارف اليقينية
والأخلاق الفاضلة مثل ما يظهر في النفس الطاهرة الصافية، ومما يقوى هذا الكلام أنا نرى
النفوس مختلفة في هذه الصفات فبعضها مجبولة على حب عالم الصفاء والالهيات منصرفة عن
اللذات الجسمانية كما قال تعالى ( وإذا سمعوا ما أنزل الى الرسول ترى أعينهم تفيض من
الدمع مما عرفوا من الحق) ومنها قاسية شديدة القسوة والنفرة عن قبول هذه المعاني كما قال
( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) ومنها ما تكون شديدة الميل الى قضاء الشهوة متباعدة عن
أحوال الغضب ، ومنها ما تكون شديدة الميل الى إمضاء الغضب ، وتكون متباعدة عن أعمال
الشهوة بل نقول : من النفوس ما تكون عظيمة الرغبة في المال دون الجاه ، ومنهم من يكون
بالعكس ، والراغبون في طلب المال منهم من يكون عظيم الرغبة في العقار وتفضل رغبته في
النقود ، ومنهم من تعظم رغبته في تحصيل النقود ولا يرغب في الضياع والعقار ، وإذا تأملت في
هذا النوع من الاعتبار تيقنت أن أحوال النفوس مختلفة في هذه الاحوال اختلافا جوهريا ذاتيا
لا يمكن إزالته ولا تبديله ، وإذا كان كذلك امتنع من النفس الغليظة الجاهلة المائلة بالطبع الى
أفعال الفجور ان تصير نفسا مشرقة بالمعارف الالهية والاخلاق الفاضلة ، ولما ثبت هذا كان
تكليف هذه النفس بتلك المعارف اليقينية والاخلاق الفاضلة جاريا مجرى تكليف ما لا يطاق .
فثبت بهذا البيان : أن السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه ، وأن
النفس الطاهرة يخرج نباتها من المعارف اليقينية والاخلاق الفاضلة باذن ربها ، والنفس الخبيثة
لا يخرج نباتها إلا نكدا قليل الفائدة والخير ، كثير الفضول والشر.
والوجه الثاني ﴾ من الاستدلال بهذه الآية في هذه المسألة قوله تعالى (باذن ربه ) وذلك
يدل على أن كل ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى .
المسألة الثالثة) قرىء ( يخرج نباته ) أى يخرجه البلد وينبته .
أما قوله تعالى ﴿ والذى خبث﴾ قال الفراء : يقال : خبث الشيء يخبث خبثا وخباثة.
وقوله ( إلا نكدا ) النكد : العسر الممتنع من إعطاء الخير على جهة البخل . وقال الليث :
النكد : الشؤم واللؤم وقلة العطاء ، ورجل أنكد ونكد قال :
لا خير في المنکود والناكد
وأعط ما أعطيته طيبا
إذا عرفت هذا فنقول: قوله (والذي خبث) صفة للبلد ومعناه البلد الخبيث لا يخرج نباته

١٥٢
قوله تعالى ((لقد أرسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله)) الآية سورة الأعراف
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَنْقَوْمِ أَعُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَّهٍ غَيْرُهُ: إِنَّ أَخَافُ
◌َلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١﴾ قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ، إِنَّا لَغَرَكَ فِ ضَلَِلٍ مُبِينٍ
٦٠
قَالَ يَنْقَوْمِ لَيْسَ بِ ضَالَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلِينَ. (﴾ أُبَلِفُكُمْ
رِسَلَتِ رَبِ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَلَا تَعْلُونَ ()
إلا نكدا، فحذف المضاف الذي هو النبات، وأقيم المضاف اليه الذي هو الراجع الى ذلك البلد
مقامه، إلا أنه كان مجرورا بار زاً فانقلب مرفوعا مستكنا لوقوعه موقع الفاعل، أو يقدر ونبات
الذي خبث، وقریء (نکدا) بفتح الکاف على المصدر أي ذا نكد .
ثم قال تعالى ﴿ كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون) قرىء ( يصرف) أى يصرفها
الله، وإنما ختم هذه الآية بقوله ( لقوم يشكرون ) لأن الذى سبق ذكره هو أنه تعالى يحرك
الرياح اللطيفة النافعة ويجعلها سببا لنزول المطر الذى هو الرحمة ويجعل تلك الرياح والأمطار
سببا لحدوث أنواع النبات النافعة اللطيفة اللذيذة ، فهذا من أحد الوجهين ذكر الدليل الدال
على وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ، ومن الوجه الثاني تنبيه على إيصال هذه النعمة
العظيمة الى العباد ، فلا جرم كانت من حيث انها جلا ئل على وجود الصانع وصفاته آيات ومن
حيث أنها نعم يجب شكرها ، فلا جرم قال ﴿ نصرف الآيات لقوم يشكرون ﴾ وإنما خص
كونها آيات بالقوم الشاكرين لأنهم هم المنتفعون بها ، فهو كقوله ( هدى للمتقين )
قوله تعالى ﴿لقد أرسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني
أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين قال يا قوم ليس بي
ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا
تعلمون ﴾
اعلم انه تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة وبينات قاهرة ، وبراهين باهرة
أتبعها بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ، وفيه فوائد : أحدها : التنبيه على أن إعراض
الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات ليس من خواص قوم محمد عليه الصلاة والسلام بل هذه

١٥٣
قوله تعالى ((لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم)) الآية سورة الأعراف
العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السالفة ، والمصيبة إذا عمت خفت. فكان ذكر
قصصهم وحكاية إصرارهم على الجهل والعناد يفيد تسلية الرسول عليه السلام وتخفيف ذلك
على قلبه . وثانيها : أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر اولئك النكرين كان الى
الكفر واللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة وعاقبة أمر المحقين الى الدولة في الدنيا والسعادة في
الآخرة ، وذلك يقوى قلوب المحقين ويكسر قلوب المبطلين . وثالثها : التنبيه على أنه تعالى
وان كان يمهل هؤلاء المبطلين ولكنه لا يهملهم بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه . ورابعها :
بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لأنه عليه السلام كان أميا وما
طالع كتابا ولا تلمذ أستاذا ، فاذا ذكر هذه القصص على الوجه من غير تحريف ولا خطأ ، دل
ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله ، وذلك يدل على صحة نبوته .
ولقائل أن يقول : الاخبار عن الغيوب الماضية لا يدل على المعجز ، لاحتمال أن يقال إن
إبليس شاهد هذه الوقائع فألقاها اليه ، أما الإخبار عن الغيوب المستقبلة فانه معجز لأن علم
الغيب ليس إلا لله سبحانه وتعالى .
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصة آدم عليه السلام ، وقد سبق ذكرها .
﴿والقصة الثانية) قصة نوح عليه السلام وهي المذكورة في هذه الآية وهو نوح بن لمك
بن متوشلخ بن أخنوخ اسم إدريس النبي عليه السلام ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: قوله (لقد ارسلنا) جواب قسم محذوف .
فان قالوا : ما السبب في أنهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد ، وذكر هذه اللام
بدون قد نادر كقوله :
حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا
قلنا : إنما كان كذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي
هي جوابها. فكانت مظنة لمعنى التوقع الذى هو معنى ((قد )) عند استماع المخاطب كلمة
القسم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ الكسائى (غيره) بكسر الراء على أنه نعت للاله على اللفظ
والباقون بالرفع على أنه صفة للاله على الموضع . لأن تقدير الكلام ما لكم إله غيره ، وقال أبو
على : وجه من قرأ بالرفع قوله ( وما من إله إلا الله ) فكما أن قوله ( إلا الله ) بدل من قوله ( ما

١٥٤
قوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم)) الآية سورة الأعراف
من إله ) كذلك قوله ( غيره ) يكون بدلا من قوله ( من إله ) فيكون ( غير ) رفعا بالاستثناء ،
وقال صاحب الكشاف : قرىء ( غير ) بالحركات الثلاث ، وذكر وجه الرفع والجر كما تقدم ،
قال وأما النصب فعلى الاستثناء بمعنى ما لكم من إله الا إياه كقولك ما في الدار من أحد إلا
زیدا وغير زيد .
المسألة الثالثة ﴾ قال الواحدى : في الكلام حذف، وهو خبر ( ما ) لأنك اذا جعلت
( غيره ) صفة لقوله ( إله) لم يبق لهذا المنفى خبر . والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف،
لأنك اذا قلت زيد العاقل وسكت ، لم يفد ما لم تذكر خبره . ويكون التقدير ما لكم من إله
غيره في الوجود ، أقول : اتفق النحويون على أن قولنا لا إله إلا الله لا بد فيه من إضمار ،
والتقدير : لا اله في الوجود أو لا اله لنا إلا الله ولم يذكروا على هذا الكلام حجة فانا نقول لم لا
يجوز أن يقال دخل حرف النفي على هذه الحقيقة ؟ وعلى هذه الماهية ، فيكون المعنى انه لا تحقق
لحقيقة الالهية إلا في حق الله ، واذا حملنا الكلام على هذا المعنى استغنينا عن الاضمار الذى
ذكروه .
فان قالوا : صرف النفي إلى الماهية لا يمكن لأن الحقائق لا يمكن نفيها ، فلا يمكن أن
يقال : لا سواد بمعنى ارتفاع هذه الماهية ، وانما الممكن أن يقال إن تلك الحقائق غير موجودة
ولا حاصلة ، وحينئذ يجب إضمار الخبر .
فنقول : هذا الكلام بناء على أن الماهية لا يمكن انتقاؤها وارتفاعها ، وذلك باطل
قطعا . إذ لو كان الأمر كذلك لوجب امتناع ارتفاع الوجود لأن الوجود أيضا حقيقة من الحقائق
وماهية فلم لا يمكن ارتفاع سائر الماهيات ؟
فان قالوا: إذا قلنا لا رجل، وعنينا به نفى كونه موجودا ، فهذا النفي لم ينصرف الى
ماهية الوجود، وإنما انصرف إلى كون ماهية الرجل موصوفة بالوجود .
فنقول : تلك الموصوفية يستحيل ان تكون أمرا زائدا على الماهية وعلى الوجود ، إذ لو
كانت الموصوفية ماهية ، والوجود ماهية أخرى ، لكانت تلك الماهية موصوفة أيضا بالوجود
والكلام فيه كما فيما قبله ، فيلزم التسلسل ، ويلزم أن لا يكون الموجود الواحد موجودا واحدا ،
بل موجودات غير متناهية وهو محال . ثم نقول موصوفية الماهية بالوجود إما أن يكون أمرا
مغايرا للماهية والوجود ، وإما أن لا يكون كذلك . فان لم يكن أمرا مغايرا لها فحينئذ يكون
لذلك المغاير ماهية ووجود ، وماهيته لا تقبل الارتفاع ، وحينئذ يعود السؤال المذكور. فثبت بما
ذكرنا ان الماهية ان لم تقبل النفي والرفع ، امتنع صرف حرف النفي إلى شيء من المفهومات ،

١٥٥
قوله تعالى ((إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم)) الآية سورة الأعراف
فان كانت الماهية قابلة للنفي والرفع فحينئذ يمكن صرف كلمة ((لا)) في قولنا لا إله إلا الله الى
هذه الحقيقة ، وحينئذ لا يحتاج الى التزام الحذف والاضمار الذى يذكره النحويون ، فهذا كلام
عقلي صرف وقع في هذا البحث الذى ذكره النحويون .
﴿ المسألة الرابعة ) قوله تعالى (لقد أرسلنا) فيه قولان : قال ابن عباس: بعثنا .
وقال آخرون معنى الارسال انه تعالى حمله رسالة يؤديها ، فالرسالة على هذا التقدير تكون
متضمنة للبعث ، فيكون البعث كالتابع أنه الأصل ، وهذا البحث بناء على مسألة أصولية ،
وهي انه هل من شرط إرسال الرسول الى قوم ، أن يعرفهم على لسانه أحكاما لا سبيل لهم الى
معرفتها بعقولهم ، أو ليس ذلك بشرط؟ بل يكون الغرض من بعثة الرسل مجرد تأكيد ما في
العقول ، وهذا الخلاف إنما يليق بتفاريع المعتزلة ، ولا يليق بتفاريع مذاهبنا وأصولنا .
المسألة الخامسة ﴾ في الآية فوائد .
الفائدة الأولى ﴾ انه تعالى حكى عن نوح في هذه الآية ثلاثة أشياء: أحدها : انه
عليه السلام أمرهم بعبادة الله تعالى . والثاني : انه حكم أن لا إله غير الله ، والمقصود من
الكلام الأول إثبات التكليف، والمقصود من الكلام الثاني الاقرار بالتوحيد .
ثم قال عقيبه ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ ولا شك ان المراد منه إما عذاب يوم
القيامة ، وعلى هذا التقدير : فهو قد خوفهم بيوم القيامة ، وهذا هو الدعوى الثالثة . أو
عذاب يوم الطوفان ، وعلى هذا التقدير : فقد ادعى الوحي والنبوة من عند الله ، والحاصل انه
تعالى حكى عنه انه ذكر هذه الدعاوى الثلاثة ، ولم يذكر على صحة واحد منها دليلا ولا
حجة ، فان كان قد أمرهم بالانذار بها على سبيل التقليد ، فهذا باطل ، لما ان القول بالتقليد
باطل ، وأيضا فالله تعالى قد ملأ القرآن من ذم التقليد ، فكيف يليق بالرسول المعصوم الدعوة
الى التقليد ؟ وان كان قد أمرهم بالاقرار بها مع ذكر الدليل ، فهذا الدليل غير مذكور .
واعلم أنه تعالى ذكر في أول سورة البقرة دلائل التوحيد والنبوة ، وصحة المعاد ، وذلك
تنبيه منه تعالى على ان أحدا من الأنبياء لا يدعو أحدا الى هذه الاصول لا بذكر الحجة والدليل .
أقصى ما في الباب انه تعالى ما حكى عن نوح تلك الدلائل في هذا المقام إلا أن تلك الدلائل لما
كانت معلومة لم يكن الى ذكرها حاجة في هذا المقام ، فترك الله تعالى ذكر الدلائل لهذا
السبب .
الفائدة الثانية ﴾ انه علیه السلام ذکر أولا قوله ( اعبدوا الله ) وثانیا قوله ( ما لكم من

١٥٦
قوله تعالى ((قال الملأ من قومه انا لنراك في ضلال مبين)) الآية سورة الأعراف
إله غيره ) والثاني كالعلة للأول ، لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من
وجوه النفع والاحسان والبر واللطف حاصلا من الله ، ونهاية الانعام توجب نهاية التعظيم ،
فانما وجبت عبادة الله لأجل العلم بأنه لا إله إلا الله ويتفرع على هذا البحث مسألة وهي : انا
قبل العلم بأن لا إله واحد أو أكثر من واحد لا نعلم ان المنعم علينا بوجوه النعم الحاصلة عندنا
هو هذا أم ذاك ؟ وإذا جهلنا ذلك فقد جهلنا من كان هو المنعم في حقنا ، وحينئذ لا يحسن
عبادته ، فعلى هذا القول كان العلم بالتوحيد شرطا للعلم بحسن العبادة .
﴿ الفائدة الثالثة ) في هذه الآية ان ظاهر هذه الآية يدل على ان الاله هو الذى يستحق
العبادة لأن قوله ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) إثبات ونفي ، فيجب ان يتواردا على مفهوم
واحد حتى يستقيم الكلام ، فكان المعنى اعبدوا الله ما لكم من معبود غيره ، حتى يتطابق
النفي والاثبات ، ثم ثبت بالدليل ان الاله ليس هو المعبود والا لوجب كون الاصنام آلهة ، وان
لا يكون الاله إلها في الازل لأجل انه في الأزل غير معبود ، فوجب حمل لفظ الاله على انه
المستحق للعبادة .
وأعلم انهم اختلفوا في معنى قوله ( إني أخاف عليكم ) هل هو اليقين ، او الخوف بمعنى
الظن والشك . قال قوم : المراد منه الجزم واليقين ، لأنه كان جازما بأن العذاب ينزل بهم إما في
الدنيا وإما في الآخرة ان لم يقبلوا ذلك الدين . وقال آخرون : بل المراد منه الشك وتقريره من
وجوه : الأول : انه إنما قال ( إني أخاف عليكم ) لأنه جوز أن يؤمنوا كما جوز أن يستمروا على
كفرهم ، ومع هذا التجويز لا يكون قاطعا بنزول العذاب ، فوجب أن يذكره بلفظ الخوف .
والثاني : أن حصول العقاب على الكفر والمعصية أمر لا يعرف إلا بالسمعَ ولعل الله تعالى ما
بين له كيفية هذه المسألة فلا جرم بقي متوقفا مجوزر انه تعالى هل يعاقبهم على ذلك الكفر ام لا ؟
والثالث : يحتمل ان يكون المراد من الخوف الحذر كما قال في الملائكة ( يخافون ربهم ) أى
يحذرون المعاصي خوفا من العقاب . الرابع : انه بتقدير أن يكون قاطعا بنزول أصل العذاب
لكنه ما كان عارفا بمقدار ذلك العذاب ، وهو انه عظيم جدا أو متوسط، فكان هذا الشك
راجعا إلى وصف العقاب ، وهو كونه عظيما ام لا ، لا في أصل حصوله .
ثم انه تعالی حکی ما ذكره في قومه . فقال ( قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين ﴾
قال المفسرون ( الملأ ) الكبراء والسادات الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء ، والدليل عليه
ان قوله (من قومه) يقتضى ان ذلك الملأ بعض قومه ، وذلك البعض لا بد وأن يكونوا
موصوفين بصفة لأجلها استحقوا هذا الوصف، وذلك بأن يكونوا هم الذين يملؤن صدور
المجالس ، وتمتلىء القلوب من هيبتهم ، وتمتلىء الأبصار من رؤيتهم ، وتتوجه العيون في

١٥٧
قوله تعالى ((قال الملأ من قومه انا لنراك في ضلال)) الآية سورة الأعراف
المحافل اليهم ، وهذه الصفات لا تحصل إلا في الرؤساء ، وذلك يدل على ان المراد من الملأ
الرؤساء والأكابر . وقوله ( إنا لنراك ) هذه الرؤية لا بد وأن تكون بمعنى الاعتقاد والظن دون
المشاهدة والرؤية . وقوله ( في ضلال مبين ) أی في خطأ ظاهر وضلال بين ، ولا بد وان يكون
مرادهم نسبة نوح الى الضلال في المسائل الأربع التي بينا ان نوحا عليه السلام ذكرها ، وهي
التكليف والتوحيد والنبوة والمعاد ، ولما ذکروا هذا الكلام . أجاب نوح عليه السلام بقوله ( یا
قوم ليس بي ضلالة )
فان قالوا : ان القوم قالوا ( إنا لنراك في ضلال مبين )
فجوابه أن يقال : ليس بي ضلال ، فلم ترك هذا الكلام وقال : ليس بي ضلالة ؟
قلت لأن قوله ( ليس بي ضلالة ) أى ليس بي نوع من أنواع الضلالة البتة ، فكان هذا
أبلغ في عموم السلب ، ثم انه عليه السلام لما نفى عن نفسه العيب الذى وصفوه به ، ووصف
نفسه بأشرف الصفات وأجلها ، وهو كونه رسولا الى الخلق من رب العالمين . ذكر ما هو
المقصود من الرسالة ، وهو أمران : الأول : تبليغ الرسالة . والثاني : تقرير النصيحة . فقال
( أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو (أبلغكم) بالتخفيف، من أبلغ، والباقون بالتشديد .
قال الواحدى : وكلا الوجهين جاء في التنزيل ، فالتخفيف قوله ( فان تولوا فقد أبلغتكم )
والتشديد ( فما بلغت رسالته )
المسألة الثانية ) الفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة معناه :
أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه ، وأما النصيحة : فهو أنه يرغبه في
الطاعة ، ويحذره عن المعصية ، ويسعى في تقرير ذلك الترغيب لأبلغ وجوه ، وقوله ( رسالات
ربي ) يدل على أنه تعالى حمله أنواعا كثيرة من الرسالات . وهي أقسام التكاليف من الأوامر
والنوهي ، وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ، ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا ،
وقوله ( وأنصح لكم) قال الفراء : لا تكاد العرب تقول : نصحتك، إنما تقول: نصحت
لك ، ويجوز أيضا نصحتك. قال النابغة :
نصحت بنی عوف فلم يتقبلوا رسولي ولم تنجح لديهم رسائلی
وحقيقة النصح الارسال الى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه ، والمعنى :
أني أبلغ إليكم تكاليف الله ، ثم ارشدكم الى الأصوب الأصلح ، وأدعوكم الى ما دعاني ،

١٥٨
قوله تعالى ((او عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم)) الآية سورة الأعراف
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَ كُمْ ذِ كَرُ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ
تُرْهُونَ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَنََّهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ، فِ الْفُلْكِ وَأَغْرَ فْنَا الَّذِينَ كَُّواْبِعَايَئِنَآ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (3)
وأحب اليكم ما أحبه لنفسي .
ثم قال ﴿ واعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وفيه وجوه : الأول وأعلم أنكم إن عصيتم
أمره عاقبكم بالطوفان . الثاني : وأعلم أنه يعاقبكم في الآخرة عقابا شديدا خارجا عما
تتصوره عقولكم . الثالث : يجوز أن يكون المراد : وأعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا
تعلمون . ويكون المقصود من ذكر هذا الكلام : حمل القوم على ان يرجعوا اليه في طلب تلك
العلوم .
قوله تعالى ﴿ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا
ولعلكم ترحمون فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا
قوما عمين ﴾
اعلم أن قوله (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا )
يدل على أن مراد القوم من قولهم لنوح عليه السلام ( إنا لنراك في ضلال مبين ) هو أنهم نسبوه
في ادعاء النبوة الى الضلال ، وذلك من وجوه : أحدها : انهم استبعدوا ان يكون الله رسول الى
خلقه ، لأجل انهم اعتقدوا ان المقصود من الارسال هو التكليف. والتكليف لا منفعة فيه
للمعبود لكونه متعاليا عن النفع والضرر ، ولا منفعة فيه للعابد ، لأنه في الحال يوجب المضرة
العظيمة ، وكل ما يرجى فيه من الثواب ودفع العقاب ، فالله قادر على تحصيله بدون واسطة
التكليف، فيكون التكليف عبثا . والله متعال عن العبث ، واذا بطل التكليف بطل القول
بالنبوة . وثانيها : أنهم وإن جوزوا التكليف إلا أنهم قالوا : ما علم حسنه بالعقل فعلناه ، وما
علم قبحه تركناه ، وما لا طاقة له به ، وإن لم نكن مضطرين اليه تركناه للحذر عن خطر
العقاب ، ولما كان رسول العقل كافيا فلا حاجة الى بعثة رسول آخر . وثالثها : أن بتقدير : أنه
لا بد من الرسول ، فان إرسال الملائكة اولى ، لأن مهابتهم أشد ، وطهارتهم أكمل ،
واستغناءهم عن المأكول والمشروب أظهر ، وبعدهم عن الكذب والباطل أعظم . ورابعها :
أن بتقدير : أن يبعث رسولا من البشر، فلعل القوم اعتقدوا ان الذى ظن نوح عليه السلام انه

١٥٩
قوله تعالى ((أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم)) الآية سورة الأعراف
من باب الوحي ، فهو من جنس الجنون والعته وتخييلات الشيطان ، فهذا هو الاشارة الى مجامع
الوجوه التي لأجلها أنكر الكفار رسالة رجل معين ، فلهذه الأسباب حكموا على نوح
بالضلالة ، ثم أن نوحا عليه السلام أزال تعجبهم وقال : إنه تعالى خالق الخلق فله بحكم
الالهية ان يأمر عبيده ببعض الاشياء وينهاهم عن بعضها ، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك
التكاليف من غير واسطة ، لأن ذلك ينتهي الى حد الالجاء ، وهو ينافي التكليف، ولا يجوز أن
يكون ذلك الرسول واحدا من الملائكة لما ذكرناه في سورة الانعام في تفسير قوله تعالى ( ولو
جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) فبقي أن يكون إيصال تلك التكاليف الى الخلق بواسطة انسان ،
وذلك الانسان إنما يبلغهم تلك التكاليف لأجل أن ينذرهم ويحذرهم ، ومتى أنذرهم اتقوا
مخالفة تكليف الله ، ومتى اتقوا مخالفة تكليف الله استوجبوا رحمة الله ، فهذا هو المراد من قوله
( لينذركم ولتتقوا لعلكم ترحمون )
إذا عرفت هذا فلنرجع الى تفسير ألفاظ الآية .
أما قوله ﴿ أوعجبتم ﴾ فالهمزة للانكار، والواو العطف، والمعطوف عليه محذوف،
كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم أن جاءكم ؟ أى عجبتم أن جاءكم ذكر . وذكروا في تفسير هذا
الذكر وجوها . قال الحسن : إنه الوحي الذى جاءهم به . وقال آخرون : المراد بهذا الذكر
المعجز ، ثم ذلك المعجر يحتمل وجهين : أحدهما : أنه تعالى كان قد أنزل عليه كتاباوكان ذلك
الكتاب معجزا ، فسماه الله تعالى ذكرا ، كما سمى القرآن بهذا الاسم ، وجعله معجزة لمحمد
صلى الله عليه وسلم . والثاني : أن ذلك المعجز كان شيئا آخر سوى الكتاب . وقوله ( على
رجل ) قال الفراء : (على ) ههنا بمعنى مع كما تقول : جاء بالخبر على وجهه ومع وجهه ،
كلاهما جائز . وقال ابن قتيبة : أى على لسان رجل منكم ، كما قال ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على
رسلك ) أى على لسان رسلك . وقال آخرون ( ذكر من ربكم ) منزل على رجل ، وقوله
( منكم ) أى تعرفون نسبه فهو منكم نسبا ، وذلك لأن كونه منهم يزيل التعجب ، لأن المرء
بمن هو من جنسه أعرف، وبطهارة أحواله أعلم ، وبما يقتضي السكون اليه أبصر، ثم بين
تعالى ما لأجله يبعث الرسول ، فقال ( لينذركم ) وما لأجله ينذر ، فقال ( ولتتقوا ) وما لأجله
يتقون ، فقال ( ولعلكم ترحمون ) وهذا الترتيب في غاية الحسن فان المقصود من البعثة
الانذار ، والمقصود من الانذار ، التقوى عن كل ما لا ينبغي ، والمقصود من التقوى ، الفوز
بالرحمة في دار الآخرة . قال الجبائي والكعبي والقاضي : هذه الآية دالة على أنه تعالى أراد من
الذين بعث الرسل اليهم ، التقوى والفوز بالرحمة ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه تعالى
أراد من بعضهم الكفر والعناد ، وخلقهم لأجل العذاب والنار .

١٦٠
قوله تعالى ((وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم.)) الآية سورة الأعراف
٠
وَإِلَ عَدٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُ واْ اللّهَمَالَكُمْ مِنْ إِلٍَّ غَيْرُهُوَ أَفَلا ◌َتَّقُونَ ﴿٥
قَالَ
اَلْمَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِعِةٍ إِنَّ لَغَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّالَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِينَ
قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِ سَفَاهَةٌ وَلَِكِنّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَبَلِّمُكُمْ
رِسَتْلَتِ رَبِ وَأَثْلَكُمْ نَاصِحُ لِّ ﴾ أَوَ عَجِبُ أَن ◌َ كُمْذِ كٌمِّن رَبِكُمُ عَلَى رَجُلٍ
مِنْكُرْ لِيُنْذِرَكُرْ وَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَ كُمْ فِ اَلْخَلْقِ
بَصْطَةٌ فَأَذْ كُرُوَاْءَ الَآءَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
وجواب أصحابنا أن نقول : إن لم يتوقف الفعل على الدواعي لزم رجحان الممكن لا
المرجح ، وإن توقف لزم الجبر ، ومتى لزم ذلك وجب القطع ، فانه تعالى أراد الكفر من
الكافر ، وذلك يبطل مذهبكم ، ثم بين تعالى أنهم مع ذلك كذبوه في ادعاء النبوة وتبليغ
التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب ، ثم إنه تعالى أنجاه في الفلك وأنجى من كان
ـمعه من المؤمنين وأغرق الكفار والمكذبين . وبين العلة في ذلك فقال ( إنهم كانوا قوما عمين )
قال ابن عباس : عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد ، قال أهل اللغة : يقال
رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر (فعميت عليهم الانبياء يومئذ ) وقال ( قد جاءكم بصائر
من ربكم فمن اهتدی فلنفسه ومن عمی فعليها ) قال زهیر :
ولكنني عن علم ما في غد عمى
وأعلم ما في اليوم والأمس قبلة
قال صاحب الكشاف : قرىء ( عامين ) والفرق بين العمى والعامي أن العمى يدل على
عمى قابت . والعامى على عمى حادث ، ولا شك ان عما هم كان ثابتا راسخا ، والدليل عليه
قوله تعالى في آية أخرى ( وأوحى الى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن )
قوله تعالى ﴿ والى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون
قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي
سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ابلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أو عجبتم أن
جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح
وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلآء الله لعلكم تفلحون ﴾