النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
قوله تعالى ((وضل عنهم ما كانوا يفترون)) الآية سورة الأعراف
( يقول الذين نسوه من قبل ) معناه أنهم صاروا في الاعراض عنه بمنزلة من نسيه ، ويجوز أن
یکون معنی ( نسوه ) أی تركوا العمل به والايمان ، به وهذا کما ذکرنا في قوله ( كما نسوا لقاء
یومهم هذا) ثم بین تعالى أن هؤلاء الذين نسوا يوم القيامة يقولون ( قد جاءت رسل ربنا
بالحق ) والمراد أنهم أقروا بأن الذى جاءت به الرسل من ثبوت الحشر، والنشر، والبعث ،
والقيامة ، والثواب ، والعقاب ، كل ذلك كان حقا ، وإنما أقروا بحقيقة هذه الأشياء لأنهم
شاهدوها وعاينوها ، وبين الله تعالى أنهم لما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا ( هل لنا من شفعاء
فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذى كنا نعمل ) والمعنى إنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه
من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين . وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك الشفاعة
يزول هذا العذاب أو يردنا الله تعالى الى الدنيا حتى نعمل غير ما كنا نعمل يعنى نوحد الله تعالى
بدلا عن الكفر ونطيعه بدلا عن المعصية .
فان قيل : أقالوا هذا الكلام مع الرجاء أو مع اليأس ؟ وجوابنا عنه مثل ما ذكرناه في قوله
( أفيضوا علينا من الماء ) ثم بين تعالى بقوله ( قد خسروا أنفسهم ) أن الذى طلبوه ، لا يكون
لأن ذلك المطلوب لو حصل لما حكم الله عليهم بأنهم قد خسروا أنفسهم .
ثم قال ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ يريد أنهم لم ينتفعوا بالأصنام التي عبدوها في
الدنيا ولم ينتفعوا بنصرة الأديان الباطلة التي بالغوا في نصرتها ، قال الجبائي : هذه الآية تدل
على حكمين
الحكم الأول
قال : الآية تدل على أنهم كانوا في حال التكليف قادرين على الايمان والتوبة فلذلك
سألوا الرد ليؤمنوا ويتوبوا ولو كانوا في الدنيا غير قادرين كما يقوله المجبرة لم يكن لهم في الرد
فائدة ولا جاز أن يسألوا ذلك .
الحكم الثاني
أن الآية تدل على بطلان قول المجبرة والذين يزعمون أن أهل الآخرة مكلفون لأنه لو
كان كذلك لما سألوا الرد الى حال وهم في الوقت على مثلها بل كانوا يتوبون ويؤمنون في الحال ،
فبطل ما حكى عن النجار وطبقته من أن التكليف باق على أهل الآخرة .

١٠٢ قوله تعالى ((إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض)) الآية سورة الأعراف
إِنَّ رَبَّكُ اللهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِتَّةِ أَيٍَّ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
يُغْشِى الَّيْلَ النََّارَ يَطْلُبُهُ، حَنِيْئًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنّجُومَ مُسَخِرَتٍ بِأَمْرِهِة
أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُّ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلِينَ.
بـ
قوله تعالى ﴿ إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض في ستة ايام ثم استوى على العرش
يغشَّى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر
تبارك الله رب العالمين ﴾
اعلم أنا بينا أن مدار أمر القرآن على تقدير هذه المسائل الأربع ، وهي التوحيد والنبوة
والمعاد والقضاء والقدر ، ولا شك أن مدار إثبات المعاد على إثبات التوحيد والقدرة والعلم ،
فلما بالغ الله تعالى في تقرير أمر المعاد عاد الى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد، وكمال القدرة،
والعلم، لتصير تلك الدلائل مقررة الأصول التوحيد، ومقررة أيضا لاثبات المعاد وفي الآية
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ حكى الواحدى عن الليث انه قال: الأصل في الست والستة سدس
وسدسة ابدل السين تاء ، ولما كان مخرج الدال والتاء قريبا أدغم أحدهما في الآخر واكتفى
بالتاء ، عليه أنك تقول في تصغير ستة سديسة ، وكذلك الاسداس وجميع تصرفاته يدل عليه .
والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ (الخلق ) التقدير على ما قررناه فخلق السموات والأرض إشارة الى
تقدير حالة من أحوالهما ، وذلك التقدير يحتمل وجوها كثيرة : أولها : تقدير ذواتهما بمقدار
معين مع أن العقل يقضي بأن الأزيد منه والأنقص منه جائز ، فاختصاص كل واحد منهما
بمقداره المعين لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص ، وذلك يدل على افتقار خلق السموات
والارض الى الفاعل المختار . وثانيها : أن كون هذه الأجسام متحركة في الأزل محال ، لأن
الحركة انتقال من حال إلى حال ، فالحركة يجب كونها مسبوقة بحالة أخرى ، والأزل ينافي
المسبوقية فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالا .
إذا ثبت هذا فنقول : هذه الافلاك والكواكب اما أن يقال : أن ذواتها كانت معدومة في
الأزل ثم وجدت ، أو يقال : انها وان كانت موجودة لكنها كانت واقفة ساكنة في الأزل ، ثم
ابتدأت بالحركة ، وعلى التقديرين فتلك الحركات ابتدأت بالحدوث والوجود في وقت معين مع

١٠٣
قوله تعالى ((إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض)) الآية سورة الأعراف
جواز حصولها قبل ذلك الوقت وبعده ، وإذا كان كذلك كان اختصاص ابتداء تلك الحركات
بتلك الاوقات المعينة تقديرا وخلقا ، ولا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر
ومختار . وثالثها : أن اجرام الافلاك والكواكب والعناصر مركبة من أجزاء صغيرة ، ولا بد وأن
يقال : إن بعض تلك الاجزاء حصلت في داخل تلك الاجرام وبعضها حصلت على سطوحها
فاختصاص حصول كل واحدة من تلك الاجزاء بحيزه المعين ووضعه المعين لا بد وأن يكون
لتخصيص المخصص القادر المختار . ورابعها : أن بعض الافلاك أعلى من بعض ، وبعض
الكواكب حصل في المنطقة وبعضها في القطبين ، فاختصاص كل واحد منهما بموضعه المعين لا
بد وأن يكون لتخصيص مخصص قادر مختار . وخامسها : أن كل واحد من الافلاك متحرك
الى جهة مخصوصة ، وحركة مختصة بمقدار معين مخصوص من البطء والسرعة ، وذلك أيضا
خلق وتقدير ويدل على وجود المخصص القادر . وسادسها : أن كل واحد من الكواكب
مختص بلون مخصوص مثل كمودة زحل ، ودرية المشترى ، وحمرة المريخ ، وضياء الشمس ، فى محم
وإشراق الزهرة ، وصفرة عطارد ، وزهور القمر ، والاجسام متماثلة في تمام الماهية . فكان
اختصاص كل واحد منها بلونه المعين خلقا وتقديرا ودليلا على افتقارها الى الفاعل المختار .
وسابعها : أن الافلاك والعناصر مركبة من الاجزاء الصغيرة ، وواجب الوجود لا يكون أكثر
من واحد فهي ممكنة الوجود في ذواتها ، فكل ما كان ممكنا لذاته فهو محتاج الى المؤثر ، والحاجة
الى المؤثر لا تكون في حال البقاء ، وإلا لزم تكون الكائن فتلك الحاجة لا تحصل إلا في زمان
الحدوث ، أو في زمان العدم ، وعلى التقديرين فيلزم كون هذه الاجزاء محدثة ومتى كانت
محدثة كان حدوثها مختصا بوقت معين وذلك خلق وتقدير ويدل على الحاجة الى الصانع القادر
المختار . وثامنها : ان هذه الاجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما محدثان ، وما لا يخلوعن
المحدث فهو محدث ، فهذه الاجسام محدثة ، وكل محدث فقد حصل حدوثه في وقت معين ،
وذلك خلق وتقدير ولا بد له من الصانع القادر المختار . وتاسعها : أن الأجسام متماثلة
فاختصاص بعضها بالصفات التي لأجلها كانت سموات وكواكب ، والبعض الآخر بالصفات
التي لأجلها كانت أرضا أو ماء أو هواء أو نارا لا بد وأن يكون أمرا جائزا ، وذلك لا يحصل إلا
بتقدير مقدر وتخصيص مخصص وهو المطلوب . وعاشرها : أنه كما حصل الامتياز المذكور بين
الافلاك والعناصر فقد حصل أيضا مثل هذا الامتياز بين الكواكب وبين الافلاك وبين العناصر،
بل حصل مثل هذا الامتياز بين كل واحد من الكواكب، وذلك يدل على الافتقار الى الفاعل
القادر المختار .
واعلم أن الخلق عبارة عن التقدير ، فاذا دللنا على أن الاجسام متماثلة وجب القطع بأن كل
صفة حصلت لجسم معين ، فان حصول تلك الصفة ممكن لسائر الاجسام ، وإذا كان الأمر

١٠٤ قوله تعالى ((ان ربكم الله الذي خلق السموات والأرض)) الآية سورة الأعراف
كذلك كان اختصاص ذلك الجسم المعين بتلك الصفة المعينة خلقا وتقديرا فكان داخلا تحت
قوله سبحانه ( إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض ) والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ لسائل أن يسأل فيقول : كون هذه الأشياء مخلوقة في ستة أيام لا
يمكن جعله دليلا على اثبات الصانع ؟ وبيانه من وجوه . الأول : أن وجه دلالة هذه المحدثات
على وجود الصانع هو حدوثها أو إمكانها أو مجموعهما فاما وقوع ذلك الحدوث في ستة ايام أو في
يوم واحد فلا أثر له في ذلك البتة . والثاني : ان العقل يدل على أن الحدوث على جميع الاحوال
جائز ، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بان هذا الحدوث وقع في ستة أيام إلا باخبار مخبر
صادق ، وذلك موقوف على العلم بوجود الاله الفاعل المختار ، فلو جعلنا هذه المقدمة مقدمة في
إثبات الصانع لزم الدور . والثالث : أن حدوث السموات والأرض دفعة واحدة أدل على
كمال القدرة والعلم من حدوثها في ستة أيام .
إذا ثبت ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة فنقول : ما الفائدة في ذكر أنه تعالى خلقها في ستة
أيام في اثبات ذكر ما يدل على وجود الصانع ؟ والرابع : أنه ما السبب في انه اقتصرههنا على
ذكر السموات والأرض ، ولم يذكر خلق سائر الأشياء ؟
السؤال الخامس ﴾ اليوم إنما يمتاز عن الليلة بسبب طلوع الشمس وغروبها فقبل خلق
الشمس والقمر كيف يعقل حصول الأيام ؟
﴿ والسؤال السادس﴾ أنه تعالى قال (وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر) وهذا
كالمناقض لقوله ( خلق السموات والأرض في ستة أيام )
﴿ والسؤال السابع ﴾ أنه تعالى خلق السموات والأرض في مدة متراخية، فما الحكمة
في تقييدها وضبطها بالأيام الستة ؟ فنقول : أما على مذهبنافالأمر في الكل سهل واضح ، لأنه
تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا اعتراض عليه في أمر من الأمور ، وكل شيء صنعه
ولا علة لصنعه . ثم نقول :
أما السؤال الأول ﴾ فجوابه أنه سبحانه ذكر في أول التوراة أنه خلق السموات
والأرض في ستة أيام ، والعرب كانوا يخالطون اليهود والظاهر أنهم سمعوا ذلك منهم فكأنه
سبحانه يقول لا تشتغلوا بعبادة الأوثان والأصنام فان ربكم هو الذى سمعتم من عقلاء الناس
أنه هو الذى خلق السموات والأرض على غاية عظمتها ونهاية جلالتها في ستة أيام .
وأما السؤال الثالث ﴾ فجوابه أن المقصود منه أنه سبحانه وتعالى وان كان قادرا على

١٠٥
قوله تعالى ((إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض)) الآية سورة الأعراف
إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنه جعل لكل شيء حدا محدودا ووقتا مقدرا ، فلا يدخله في
الوجود إلا على ذلك الوجه، فهو وان كان قادرا على إيصال الثواب الى المطيعين في الحال، وعلى
إيصال العقاب الى المذنبين في الحال، إلا أنه يؤخرهما إلى أجل معلوم مقدر، فهذا التأخير
ليس لأجل انه تعالى أهمل العباد بل لما ذكرنا أنه خص كل شيء بوقت معين لسابق مشيئته فلا
يفتر عنه ، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة ق ( ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في
ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون ) بعد أن قال قبل هذا ( وكم أهلكنا قبلهم
من قرن هم أشد منھم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محیص إن فيذلكلذکریمن کان لهقلب أو
ألقى السمع وهو شهيد ) فأخبرهم بأنه قد أهلك من المشركين به والمكذبين لأنبيائه من كان
أقويبطشا من مشركي العرب ، إلا أنه أمهل هؤلاء لما فيه من المصلحة ، كما خلق السموات
والأرض وما بينهما في ستة أيام متصلة لا لأجل لغوب لحقه في الامهال ، ولما بين بهذا الطريق
أنه تعالى إنما خلق العالم لا دفعة واحدة لكن قليلا قليلا قال بعده ( فاصبر على ما يقولون ) من
الشرك والتكذيب ولا تستعجل لهم العذاب بل توكل على الله تعالى وفوض الأمر اليه ، وهذا
يعنى ما يقوله المفسرون من أنه تعالى إنما خلق العالم في ستة أيام ليعلم عباده الرفق في الأمور
والصبر فيها ولأجل أن لا يحمل المكلف تأخر الثواب والعقاب على الاهمال والتعطيل . ومن
العلماء من ذكر فيه وجهين آخرين :
﴿ الوجه الأول﴾ أن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع طريق الاحداث فلعله
يخطر ببال بعضهم ان ذاك إنما وقع على سبيل الاتفاق ، أما إذا حدثت الأشياء على التعاقب
والتواصل مع كونها مطابقة للمصلحة والحكمة ، كان ذلك أقوى في الدلالة على كونها واقعة
باحداث محدث قدیم حکیم ، وقادر علیم رحیم .
الوجه الثاني﴾ أنه قد ثبت بالدليل أنه تعالى يخلق العاقل أولا ثم يخلق السموات
والأرض بعده ، ثم أن ذلك العاقل إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء آخر على التعاقب
والتوالي ، كان ذلك أقوى لعلمه وبصيرته ، لأنه يتكرر على عقله ظهور هذا الدليل لحظة بعد
لحظة ، فكان ذلك أقوى في إفادة اليقين .
﴿ وأما السؤال الرابع﴾ فجوابه أن ذكر السموات والارض في هذه الآية يشتمل أيضا
على ذكر ما بينهما ، والدليل عليه أنه تعالى ذكر سائر المخلوقات في سائر الآيات فقال ( الله
الذى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من
ولی ولا شفیع ) وقال ( وتوكل على الحي الذى لا يموت وسبح بحمده وکفی به بذنوب عباده
خبيرا الذى خلق السموات والأرض وما بينهما ) وقال ( ولقد خلقنا السموات والأرض وما

١٠٦
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
بينهما في ستة أيام )
وأما السؤال الخامس﴾ فجوابه أن المراد أنه تعالى خلق السموات والأرض في مقدار
ستة أيام وهو كقوله ( لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ) والمراد على مقدار البكرة والعشي في الدنيا
لأنه لا لیل ثم ولا نهار .
وأما السؤال الخامس﴾ فجوابه أن قوله ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) محمول
على ايجاد كل واحد من الذوات وعلى إعدام كل واحد منها ، لأن ايجاد الذات الواحدة وإعدام
الموجود الواحد لا يقبل التفاوت فلا يمكن تحصيله إلا دفعة واحدة وأما الامهال والمدة فذاك لا
يحصل إلا في المدة .
وأما السؤال السابع ﴾ وهو تقدير هذه المدة بستة أيام ، فهو غير وارد لأنه تعالى لو
أحدثه في مقدار آخر من الزمان لعاد ذلك السؤال ، وأيضا قال بعضهم لعدد السبعة شرف
عظيم ، وهو مذكور في تقرير أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين ، وإذا ثبت هذا قالوا :
فالأيام الستة في تخليق العالم واليوم السابع في حصول كمال الملك والملكوت . وبهذا الطريق
حصل الكمال في الأيام السبعة انتهى .
المسألة الرابعة ﴾ في هذه الآية بشارة عظيمة للعقلاء لأنه قال ( إن ربكم الله الذى
خلق السموات والأرض ) والمعنى أن الذى يربيكم ويصلح شأنكم ويوصل اليكم الخيرات
ويدفع عنکم المكروهات هو الذى بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته الى حيث خلق هذه
الأشياء العظيمة وأودع أصناف المنافع وأنواع الخيرات ، ومن كان له مرب موصوف بهذه
الحكمة القدرة والرحمة ، فكيف يليق أن يرجع الى غيره في طلب الخيرات أو يعول على غيره في
تحصيل السعادات ؟ ثم في الآية دقيقة أخرى فانه لم يقل أنتم عبيده بل قال هو ربكم ،
ودقيقة أخرى وهي أنه تعالى لما نسب نفسه الينا سمى نفسه في هذه الحالة بالرب ، وهو مشعر
بالتربية وكثرة الفضل والاحسان ، فكأنه يقول من كان له مرب مع كثرة هذه الرحمة والفضل ،
فكيف يليق به أن يشتغل بعبادة غيره ؟
أما قوله تعالى ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ فاعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد منه كونه
مستقرا على العرش ويدل على فساده وجوه عقلية ، ووجوه نقلية . أما العقلية فأمور : أولها :
أنه لو كان مستقرا على العرش لكان من الجانب الذى يلي العرش متناهيا والالزم كون العرش
داخلا في ذاته وهو محال ، وكل ما كان متناهيا فان العقل يقضي بأنه لا يمنع أن يصير أزيد منه أو
أنقص منه بذرة والعلم بهذا الجواز ضرورى ، فلو كان البارى تعالى متناهيا من بعض الجوانب

١٠٧
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
لكانت ذاته قابلة للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين
لتخصيص مخصص وتقدير مقدر ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت أنه تعالى لو كان على
العرش لكان من الجانب الذى يلي العرش متناهيا ، ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا محال
فكونه على العرش يجب أن يكون محالا . وثانيها : لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون
غير متناه من كل الجهات ، وإما أن يكون متناهيا في كل الجهات . وإما أن يكون متناهيا من
بعض الجهات دون البعض والكل باطل فالقول بكونه في المكان والحيز باطل قطعا .
﴿ بيان فساد القسم الأول ﴾ أنه يلزم أن تكون ذاته مخالطة لجميع الأجسام السفلية
والعلوية ، وأن تكون مخالطة للقاذورات والنجاسات ، وتعالى الله عنه ، وأيضا فعلى هذا
التقدير : تكون السموات حالة في ذاته ، وتكون الأرض أيضا حالة في ذاته .
إذا ثبت هذا فنقول : ء الذى هو محل السموات ، إما أن يكون هوعين الشيء الذى هو
محل الأرضين أو غيره ، فان كان الأول لزم كون السموات والأرضين حالتين في محل واحد من
غير امتياز بين محليهما أصلا ، وكل حالين حلا في محل واحد ، لم يكن أحدهما ممتازا عن
الآخر. فلزم أن يقال : السموات لا تمتاز عن الأرضين في الذات ، وذلك باطل ، وإن كان
الثاني : لزم أن تكون ذات الله تعالى مركبة من الأجزاء والابعاض وهو محال . والثالث : وهو
أن ذات الله تعالى إذا كانت حاصلة في جميع الاحياز والجهات ، فأما أن يقال : الشيء الذى
حصل فوق هو عين الشيء الذى حصل تحت ، فحينئذ تكون الذات الواحدة قد حصلت دفعة
واحدة في أحياز كثيرة ، وإن عقل ذلك فلم لا يعقل أيضا حصول الجسم الواحد في أحياز
كثيرة دفعة واحدة ؟ وهو محال في بديهة العقل . وأما إن قيل : الشيء الذى حصل فرق غير
الشيء الذى حصل تحت ، فحينئذ يلزم حصول التركيب والتبعيض في ذات الله تعالى وهو
محال .
وأما القسم الثاني ﴾ وهو أن يقال : أنه تعالى متناه من كل الجهات . فنقول : كل ما
كان كذلك فهو قابل للزيادة والنقصان في بديهة العقل ، وكل ما کان کذلك كان اختصاصه
بالمقدار المعين ، لأجل تخصيص مخصص ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، وأيضا فان جاز أن
يكون الشيء المحدود من كل الجوانب قديما أزليا فاعلا للعالم ، فلم لا يعقل أن يقال : خالق
العالم هو الشمس ، أو القمر ، أو كوكب آخر ، وذلك باطل باتفاق .
﴿ وأما القسم الثالث) وهو أن يقال : أنه متناه من بعض الجوانب ، وغير متناه من
سائر الجوانب ، فهذا أيضا باطل من وجوه : أحدها : أن الجانب الذى صدق عليه كونه

١٠٨
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
متناهيا غير ما صدق عليه كونه غير متناه ، وإلا لصدق النقيضان معا وهو محال . واذا حصل
التغاير لزم كونه تعالى مركبا من الأجزاء والأبعاض . وثانيها : أن الجانب الذى صدق حكم
العقل عليه بكونه متناهيا ، إما أن يكون مساويا للجانب الذى صدق حكم العقل عليه بكونه
غير متناه ، وإما أن لا يكون كذلك ، والأول باطل ، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما
صح على واحد منها صح على الباقي ، وإذا كان كذلك ، فالجانب الذى هو غير متناه يمكن أن
یصیر متناهیا ، والجانب الذى هو متناه یمکن أن یصیر غير متناه ، ومتی کان الأمر كذلك كان
النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفرق والتمزق على ذاته ممکنا ، وکل ما کان کذلك فهو
محدث ، وذلك على الاله القديم محال ، فثبت أنه تعالى لو كان حاصلا في الحيز والجهة ، لكان
إما أن يكون غير متناه من كل الجهات . وإما أن يكون متناهيا من كل الجهات ، أو كان
متناهيا من بعض الجهات ، وغير متناه من سائر الجهات ، فثبت أن الأقسام الثلاثة باطلة ،
فوجب أن نقول القول بكونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة محال.
﴿والبرهان الثالث﴾ لو كان البارى تعالى حاصلا في المكان والجهة، لكان الأمر
المسمى بالجهة إما أن يكون موجودا مشار اليه ، وإما أن لا يكون كذلك ، والقسمان
باطلان ، فكان القول بكونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة باطلاً .
أما بيان فساد القسم الأول : فلأنه لو كان المسمى بالحيز والجهة موجودا مشارا اليه ،
فحينئذ يكون المسمى بالحيز والجهة بعدا وامتداد ، والحاصل فيه أيضا يجب أن يكون له في
نفسه بعد وامتداد ، وإلا لامتنع حصوله فيه ، وحينئذ يلزم تداخل البعدين ، وذلك محال
للدلائل الكثيرة المشهورة في هذا الباب ، وأيضا فيلزم من كون البارى تعالى قديما أزليا كون
الحيز والجهة أزليين ، وحينئذ يلزم أن يكون قد حصل في الأزل موجود قائم بنفسه سوى الله
تعالى ، وذلك بجماع أكثر العقلاء باطل .
وأما بيان فساد القسم الثاني : فهو من وجهين : أحدهما : أن العدم نفي محض ،
وعدم صرف، وما كان كذلك امتنع كونه ظرفا لغيره وجهة لغيره . وثانيهما : أن كل ما كان
حاصلا في جهة فجهته ممتازة في الحس عن جهة غيره ، فلو كانت تلك الجهة عدما محضا لزم كون
العدم المحض مشار اليه بالحس، وذلك باطل ، فثبت أنه تعالى لو كان حاصلا في حيز وجهة
لأفضى الى أحد هذين القسمين الباطلين ، فوجب أن يكون القول به باطلا .
فان قيل : فهذا أيضا وارد عليكم في قولكم : الجسم حاصل في الحيز والجهة .
فنقول : نحن على هذا الطريق لا نثبت للجسم حيزا ولا جهة أصلا البتة ، بحيث
.
٠

١٠٩
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
تكون ذات الجسم نافذة فيه وسارية فيه ، بل المكان عبارة عن السطح الباطن من الجسم
الحاوى الماس للسطح الظاهر من الجسم المحوى ، وهذا المعنى محال بالاتفاق في حق الله
تعالى ، فسقط هذا السؤال .
البرهان الرابع ﴾ لو امتنع وجود البارى تعالى إلا بحيث يكون مختصا بالحيز والجهة ،
لكانت ذات البارى مفتقرة في تحققها ووجودها الى الغير ، وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته
ينتج أنه لو امتنع وجود البارى إلا في الجهة والحيز ، لزم كونه ممكنا لذاته ، ولما كان هذا محالا
كان القول بوجوب حصوله في الحيز محالا .
﴿ بيان المقام الأول﴾ هو أنه امتنع حصول ذات الله تعالى، إلا إذا كان مختصا بالحيز
والجهة . فنقول : لا شك أن الحيز والجهة أمر مغاير لذات الله تعالى ، فحينئذ تكون ذات الله
تعالى مفتقرة في تحققها الى أمر يغايرها ، وكل ما افتقر تحققه الى ما يغايره ، كان ممكنا لذاته .
والدليل عليه : أن الواجب لذاته هو الذى لا يلزم من عدم غيره عدمه ، والمفتقر إلى الغير هو
الذى يلزم من عدم غيره عدمه ، فلو كان الواجب لذاته مفتقرا إلى الغير لزم أن يصدق عليه
النقيضان ، وهو محال . فثبت أنه تعالى لو وجب حصوله في الحیز لكان ممكنا لذاته ، لا واجبا
لذاته ، وذلك محال .
والوجه الثاني ﴾ في تقرير هذه الحجة : هو أن الممكن محتاج الى الحيز والجهة . أما
عند من يثبت الخلاء ، فلا شك أن الحيز والجهة تتقرر مع عدم التمكن ، وأما عند من ينفي
الخلاء فلا لأنه وإن کان معتقدا أنه لا بد من متمکن یحصل في الجهة ، إلا أنه لا يقول بأنه لا بد
لتلك الجهة من متمكن معين ، بل أى شيء كان فقد كفى في كونه شاغلا لذلك الحيز . اذا ثبت
هذا فلو كان ذات الله تعالى مختصة بجهة وحيز لكانت ذاته مفتقرة الى ذلك الحيز ، وكان ذلك
الحيز غنيا تحققه عن ذات الله تعالى . وحينئذ يلزم أن يقال : الحيز واجب لذاته غنّ عن غيره
وأن يقال ذات الله تعالى مفتقرة في ذاتها واجبة بغيرها وذلك يقدح في قولنا : الاله تعالى واجب
الوجود لذاته .
فان قيل : الحيز والجهة ليس بأمر موجود حتى يقال ذات الله تعالى مفتقرة اليه ومحتاجة
اليه ، فنقول : هذا باطل قطعا لأن بتقدير أن يقال إن ذات الله تعالى مختصة بجهة فوق فانما
نميز بحسب الحس بين تلك الجهة وبين سائر الجهات وما حصل فيه الامتياز بحسب الحس
كيف يعقل أن يقال إنه عدم محض ونفي صرف؟ ولو جاز ذلك لجاز مثله في كل المحسوسات
وذلك يوجب حصول الشك في وجود كل المحسوسات وذلك لا يقوله عاقل .

١١٠
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعرافى
﴿ البرهان الخامس﴾ في تقرير أنه تعالى يمتنع كونه بالحيز والجهة. نقول: الحيز
والجهة لا معنى له إلا الفراغ المحض ، والخلاء الصرف، وصريح العقل يشهد أن هذا المفهوم
مفهوم واحد لا اختلاف فيه البتة ، وإذا كان الأمر كذلك كانت الأحياز بأسرها متساوية ف تمام
الماهية .
وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان الاله تعالى مختصا بحيز، لكان محدثا ، وهذا محال ،
فذاك محال . وبيان الملازمة : أن الأحياز لما ثبت أنها بأسرها متساوية ، فلو اختص ذات الله
تعالى بحيز معين لكان اختصاصه به ، لأجل أن مخصصا خصصه بذلك الحيز . وكل ما كان
فعلا لفاعل مختار ، فهو محدث . فوجب أن يكون اختصاص ذات الله المعين محدثا ، فاذا كانت
ذاته ممتنعة الخلو عن الحصول في الحيز، وثبت أن الحصول في الحيز محدث ، وبديهة العقل
شاهدة بأن ما لا يخلو عن المحدث فهو محدث ، لزم القطع بأنه لو كان حاصلا في الحيز لكان
محدثا ، ولما كان هذا محالا كان ذلك ايضا محالا .
فان قالوا : الأحياز مختلفة بحسب أن بعضها علو وبعضها سفل ، فلم لا يجوز أن يقال
ذات الله تعالى مختصة بجهة علو؟ فنقول : هذا باطل . لأن كون بعض تلك الجهات علو ،
وبعضها سفلا ، أحوال لا تحصل ، إلا بالنسبة الى وجود هذا العالم ، فلما كان هذا العالم
محدثا كان قبل حدوثه لا علو ولا سفل ولا يمين ولا يسار ، بل ليس إلا الخلاء المحض ، وإذا
كان الأمر كذلك ، فحينئذ يعود الالزام المذكور بتمامه ، وأيضا لو جاز القول بأن ذات الله تعالى
مختصة ببعض الأحياز على سبيل الوجوب ؟ فلم لا يعقل أيضا أن يقال : إن بعض الأجسام
اختص ببعض الاحياز على سبيل الوجوب ؟ وعلى هذا التقدير . فذلك اسم لا يكون قابلا
للحركة والسكون . فلا يجرى فيه دليل حدوث الاجسام ، والقائل بهذا القول ، لا يمكنه إقامة
الدلالة على حدوث كل الأجسام بطريق الحركة والسكون ، والكرامية وافقونا على أن تجويز
هذا يوجب الكفر . والله أعلم .
البرهان السادس ﴾ لو كان البارى تعالى حاصلا في الحيز والجهة لكان مشار اليه
بحسب الحس وكل ما كان كذلك ، فاما أن لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه وإما أن يقبل
القسمة .
فان قلنا : إنه تعالى يمكن أن يشار اليه بحسب الحس ، مع أنه لا يقبل القسمة المقدارية
البتة ، كان ذلك نقطة لا تنقسم ، وجوهرا فردا لا ينقسم ، فكان ذلك في غاية الصغر
والحقارة ، وهذا باطل باجماع جميع العقلاء ، وذلك لأن الذين ينكرون كونه تعالى في الجهة

١
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
ينكرون كونه تعالى كذلك ، والذين يثبتون كونه تعالى في الجهة ينكرون كونه تعالى في الصغر
والحقارة مثل الجزء الذى لا يتجزأ ، فثبت أن هذا باجماع العقلاء باطل . وأيضا فلو جاز
ذلك ، فلم لا يعقل أن يقال : إله العالم جزء من ألف جزء من رأس إبرة ، أو ذرة ملتصقة
بذنب قملة ، أو ملة ؟ ومعلوم أن كل قول يفضى الى مثل هذه الأشياء فان صريح العقل يوجب
تنزيه الله تعالى عنه .
وأما القسم الثاني ﴾ وهو أنه يقبل القسمة ، فنقول : كل ما كان كذلك ، فذاته
مركبة وكل مركب فهو ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو مفتقر إلى الموجد والمؤثر ، وذلك على
الاله الواجب لذاته محال .
البرهان السابع ﴾ أن نقول : كل ذات قائمة بنفسها مشارا اليها بحسب الحس فهو
منقسم وكل منقسم ممكن فكل ذات قائمة بنفسها مشار اليها بحسب الحس فهو ممكن . فما لا
یکون ممكنا لذاته بل كان واجبا لذاته امتنع كونه مشارا اليه بحسب الحس .
أما المقدمة الأولى ﴾ فلأن كل ذات قائمة بالنفس مشار اليها بحسب الحس فلا بد
وأن يكون جانب يمينه مغايرا لجانب يساره وكل ما هو كذلك فهو منقسم .
﴿ وأما المقدمة الثانية) وهي أن كل منقسم ممكن فانه يفتقر الى كل واحد من أجزائه
وكل واحد من أجزائه غيره ، وكل منقسم فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن
لذاته .
واعلم أن المقدمة الأولى من مقدمات هذا الدليل إنما تتم بنفي الجوهر الفرد .
﴿ البرهان الثامن﴾ لو ثبت كونه تعالى في حيز لكان إما أن يكون أعظم من العرش أو
مساويا له أو أصغر منه فان كان الأول كان منقسما لأن القدر الذى منه يساوى العرش يكون
مغايرا للقدر الذى يفضل على العرش وإن كان الثاني كان منقسما لأن العرش منقسم والمساوى
للمنقسم منقسم وإن كان الثالث ، فحينئذ يلزم أن يكون العرش أعظم منه وذلك باطل
باجماع الأمة ، أما عندنا فظاهر ، وأما عند الخصوم فلأنهم ينكرون كون غير الله تعالى أعظم
من الله تعالى ، فثبت أن هذا المذهب باطل .
﴿ البرهان التاسع﴾ لو كان الاله تعالى حاصلا في الحيز والجهة لكان إما أن يكون
متناهيا من كل الجوانب . وإما أن لا يكون كذلك والقسمان باطلان ، فالقول بكونه حاصلا
في الحيز والجهة باطل أيضا . أما بيان أنه لا يجوز أن يكون متناهيا من كل الجهات ، فلأن على

١١٢
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
هذا التقدير يحصل فوقه أحياز خالية ، وهو تعالى قادر على خلق الجسم في ذلك الحيز الخالي ،
وعلى هذا التقدير لو خلق هناك عالما آخر لحصل هو تعالى تحت العالم وذلك عند الخصم محال
وأيضا فقد كان يمكن أن يخلق من الجوانب الستة لتلك الذات أجساما أخرى ، وعلى هذا
التقدير فتحصل ذاته في وسط تلك الأجسام محصورة فيها ويحصل بينه وبين الأجسام الاجتماع
تارة والافتراق أخرى ، وكل ذلك على الله تعالى محال .
﴿ وأما القسم الثاني﴾ وهو أن يكون غير متناه من بعض الجهات فهذا أيضا محال ،
لأنه ثبت بالبرهان أنه يمتنع وجود بعد لا نهاية له ، وأيضا فعلى هذا التقدير لا يمكن إقامة الدلالة
على أن العالم متناه لأن كل دليل يذكر في تناهي الابعاد ، فان ذلك الدليل ينتقض بذات الله
تعالى فانه على مذهب الخصم بعد لا نهاية له ، وهو وان كان لا يرضى بهذا اللفظ إلا أنه يساعد
على المعنى . والمباحث العقلية مبنية على المعاني ، لا على المشاحة في الألفاظ .
البرهان العاشر﴾ لو كان الاله تعالى حاصلا في الحيز والجهة لكان كونه تعالى هناك .
إما أن يمنع من حصول جسم آخر هناك أو لا يمنع ، والقسمان باطلان فبطل القول بكونه
حاصلا في الحيز
﴿ أما فساد القسم الأول ﴾ فلأنه لما كان كونه هناك مانعا من حصول جسم آخر هناك .
كان هو تعالى مساويا لسائر الاجسام في كونه حجما متحيزا ممتدا في الحيز والجهة مانعا من
حصول غيره في الحيز الذى هو فيه . وإذا ثبت حصول المساواة في ذلك المفهوم بينه وبين سائر
الاجسام فاما أن يحصل بينه وبينها مخالفة من سائر الوجوه أو لا يحصل ، والأول باطل
لوجهين : الأول : أنه إذا حصلت المشاركة بين ذاته تعالى وبين ذوات الاجسام من بعض
الوجوه ، والمخالفة من سائر الوجوه كان مابه المشاركة مغايرا لمابه المخالفة ، وحينئذ تكون ذات
البارى تعالى مركبة من هذين الاعتبارين ، وقد دللنا على أن كل مركب ممكن فواجب الوجود
لذاته ممكن الوجود لذاته هذا خلف. والثاني : وهو ان مابه المشاركة وهو طبيعة البعد
والامتداد . إما أن يكون محلا لما به المخالفة . وإما أن يكون حالا فيه . وإما أن يقال : إنه لا
محل له ولا جالا فيه . أما الأول : وهو أن يكون محلا لما به المخالفة ، فعلى هذا التقدير طبيعة
البعد والامتداد هي الجوهر القائم بنفسه ، والأمور التي حصلت بها المخالفة أعراض
وصفات ، وإذا كانت الذوات متساوية في تمام الماهية فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح
على البواقي ، فعلى هذا التقدير كل ما صح على جميع الاجسام ، وجب أن يصح على البارى
تعالى وبالعكس ، ويلز منه صحة التفرق والتمزق والنمو والذبول والعفوية والفساد على ذات
الله تعالى وكل ذلك محال .

١١٣
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
وأما القسم الثاني ﴾ وهو أن يقال: ما به المخالفة محل وذات ، وما به المشاركة حال
وصفة فهذا محال ، لأن على هذا التقدير تكون طبيعة البعد والامتداد صفة قائمة بمحل ، وذلك
! المحل ان كان له أيضا اختصاص بحيز وجهة ، وجب افتقاره الى محل آخر لا الى نهاية ، وان لم
يكن كذلك فحينئذ يكون موجودا مجردا لا تعلق له بالحيز والجهة والاشارة الحسية البتة ،
وطبيعة البعد والامتداد واجبة الاختصاص بالحيز والجهة والاشارة الحسية ، وحلول ما هذا
شأنه في ذلك المحل يوجب الجمع بين النقيضين وهو محال .
﴿ وأما القسم الثالث) وهو أن لا يكون أحدهما حالا في الآخر ولا محلا له . فنقول :
فعلى هذا التقدير يكون كل واحد منهما متباينا عن الآخر ، وعلى هذا التقدير فتكون ذات الله
تعالى مساوية لسائر الذوات الجسمانية في تمام الماهية ، لأن ما به المخالفة بین ذاته وبین سائر
الذوات ليست حالة في هذه الذوات ، ولا محالا لها بل أمور أجنبية عنها فتكون ذات الله تعالى
مساوية لذوات الاجسام في تمام الماهية ، وحينئذ يعود الالزام المذكور ، فثبت أن القول : بأن
ذات الله تعالى مختصة بالحيز والجهة بحيث يمنع من حصول جسم آخر في ذلك الحيز يفضي الى
هذه الأقسام الثلاثة الباطلة فوجب كونه باطلا .
﴿وأما القسم الثاني﴾ وهو أن يقال: إن ذات الله تعالى وان كانت مختصة بالحيز
والجهة ، إلا أنه لا يمنع من حصول جسم آخر في ذلك الحيز والجهة ، فهذا أيضا محال لأنه
يوجب كون ذاته مخالطة سارية في ذات ذلك الجسم الذى يحصل في ذلك الجنب والحيز وذلك
بالاجماع محال ، لأنه لو عقل ذلك فلم لا يعقل حصول الاجسام الكثيرة في الحيز الواحد ؟ فثبت
أنه تعالى لو كان حاصلا في حيز لكان : إما أن يمنع حصول جسم آخر في ذلك الحيز أو لا
يمنع ، وثبت فساد القسمين ، فكان القول بحصوله تعالى في الحيز والجهة محالا باطلا .
﴿ البرهان الحادى عشر﴾ على أنه يمتنع حصول ذات الله تعالى في الحيز والجهة هو أن
نقول : لو كان مختصا بحيز وجهة لكان . إما أن يكون بحيث يمكنه أن يتحرك عن تلك الجهة
أو لا يمكنه ذلك ، والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونه حاصلا في الحيز .
﴿ أما القسم الأول﴾ وهو أنه يمكنه أن يتحرك فنقول: هذه الذات لا تخلو عن الحركة
والسكون وهما محدثان ، لأن على هذا التقدير السكون جائز عليه والحركة جائزة عليه ، ومتى
كان كذلك لم يكن المؤثر في تلك الحركة ولا في ذلك السكون ذاته ، وإلا لامتنع طريان ضده
والتقدير : هو تقدير انه يمكنه أن يتحرك وأن يسكن ، وإذا كان كذلك كان المؤثر في حصول
تلك الحركة ، وذلك السكون هو الفاعل المختار وكل ما كان فعلا لفاعل مختار فهو محدث ،

١١٤
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
فالحركة والسكون محدثان وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث فيلزم أن تكون ذاته تعالى محدثة
وهو محال .
﴿ وأما القسم الثاني﴾ وهو أنه يكون مختصا بحيز وجهة مع أنه لا يقدر أن يتحرك عنه
فهذا أيضا محال لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير يكون كالزمن المقعد العاجز ، وذلك
نقص ، وهو على الله محال . والثاني : أنه لو لم يمتنع فرض موجود حاصل في حيز معين بحيث
يكون حصوله فيه واجب التقرر ممتنع الزوال لم يبعد أيضا فرض أجسام أخرى مختصة باحياز
معینة بحیث یمتنع خروجها عن تلك الاحياز ، وعلى هذا التقدير فلا يمكن إثبات حدوثها بدليل
الحركة والسكون ، والكرامية يساعدون على أنه كفر. والثالث : أنه تعالى لما كان حاصلا في
الحيز والجهة كان مساويا للاجسام في كونه متحيزا شاغلا للاحياز ، ثم نقيم الدلالة المذكورة
على أن المتحيزات لما كانت متساوية في صفة التحيز وجب كونها متساوية في تمام الماهية ، لأنه لو
خالف بعضها بعضا لكان مابه المخالفة إما أن يكون حالا في المتحيز أو محلا له أو لا حالا ولا
محلا . والاقسام الثلاثة باطلة على ما سبق . وإذا كانت متساوية في تمام الماهية فكما أن الحركة
صحيحة على هذه الاجسام وجب القول بصحتها على ذات الله تعالى وحينئذ يتم الدليل .
﴿ الحجة الثانية عشرة﴾ لو كان تعالى مختصا بحيز معين لكنا إذا فرضنا وصول إنسان الى
طرف ذلك الشيء وحاول الدخول فيه ، فاما أن يمكنه النفوذ والدخول فيه أو لا يمكنه ذلك ،
فان کان الأول کان کالهواء اللطيف، والماء اللطيف، وحينئذ يكون قابلا للتفرق والتمزق وان
کان الثاني کان صلبا کالحجر الصلد الذی لا يمكنه النفوذ فيه ، فثبت أنه تعالی لو کان مختصا
بمكان وحيز وجهة لكان إما أن يكون رقيقا سهل التفرق والتمزق كالماء والهواء ، وإما أن
يكون صلبا جاسئا كالحجر الصلد ، وقد أجمع المسلمون على أن إثبات هاتين الصفتين في حق
الاله تعالى كفر وإلحاد في صفته ، وأيضا فبتقدير أن يكون مختصا بمكان وجهة ، لكان إما أن
يكون نورانيا وظلمانيا ، وجمهور المشبهة يعتقدون أنه نور محض ، لاعتقادهم أن النور شريف
والظلمة خسيسة ، إلا أن الاستقراء العام دل على أن الأشياء النورانية رقيقة لا تمنع النافذ من
النفوذ فيها ، والدخول فيما بين اجزائها ، وعلى هذا التقدير فان ذلك الذى ينفذ فيه يمتزج به
ويفرق بين أجزائه ويكون ذلك الشيء جاريا مجرى الهواء الذى يتصل تارة وينفصل أخرى ،
ويجتمع تارة ويتمزق أخرى ، وذلك مما لا يليق بالمسلم أن يصف إله العالم به ، ولو جاز ذلك
فلم لا يجوز أن يقال ان خالق العالم هو بعض هذه الرياح التي تهب ؟ أو يقال إنه بعض هذه
الأنوار والأضواء التي تشرق على الجدران ؟ والذين يقولون إنه لا يقبل التفرق والتمزق ولا
يتمكن النافذ من النفوذ فانه يرجع حاصل كلامهم الى أنه حصل فوق العالم جبل صلب شديد

١١٥
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
وإله هذا العالم هو ذلك الجبل الصلب الواقف في الحيز العالى ، وأيضا فان كان له طرف وحد
ونهاية فهل حصل لذلك الشيء عمق وثخن أولم يحصل ؟ فان كان الأول فحينئذ يكون ظاهره
غير باطنه وباطنه غير ظاهره ، فكان مؤلفا مركبا من الظاهر والباطن مع أن باطنه غير ظاهره
وظاهره غير باطنه ، وان كان الثاني فحينئذ يكون ذاته سطحا رقيقا في غاية الرقة مثل قشرة الثوم
بل أرق منه ألف ألف مرة ، والعقل لا يرضى أن يجعل مثل هذا الشيء إله العالم ، فثبت أن
كونه تعالى في الحيز والجهة يفضى الى فتح باب هذه الأقسام الباطلة الفاسدة .
﴿ الحجة الثالثة عشرة﴾ العالم كرة، واذا كان الأمر كذلك امتنع أن يكون إله العالم
حاصلا في جهة فوق .
﴿ أما المقام الأول ﴾ فهو مستقصى في علم الهيئة إلا أنا نقول انا إذا اعتبرنا كسوفا قمريا
حصل في أول الليل بالبلاد الغربية كان عين ذلك الكسوف حاصلاً في البلاد الشرقية في أول
النهار ، فعلمنا أن أول الليل بالبلاد الغربية هو بعينه أول النهار في البلاد الشرقية ، وذلك لا
يمكن إلا إذا كانت الأرض مستديرة من المشرق الى المغرب ، وأيضا إذا توجهنا الى الجانب
الشمالي فكلما كان توغلنا أكثر، كان ارتفاع القطب الشمالي أكثر وبمقدار ما يرتفع القطب
الشمالي ينخفض القطب الجنوبي وذلك يدل على أن الأرض مستديرة من الشمال الى الجنوب ،
ومجموع هذين الاعتبارين يدل على أن الأرض كرة .
واذا ثبت هذا فنقول : إذا فرضا انسانين وقف أحدهما على نقطة المشرق والآخر على
نقطة المغرب صار أخمص قدميهما متقابلين ، والذى هو فوق بالنسبة الى أحدهما يكون تحت
بالنسبة الى الثاني ، فلو فرضنا أن إله العالم حصل في الحِيز الذى فوق بالنسبة الى أحدهما ،
فذلك الحيز بعينه هو تحت بالنسبة الى الثاني ، وبالعكس فثبت أنه تعالى لو حصل في حيز معين
لكان ذلك الحيز تحتا بالنسبة الى أقوام معينين ، وكونه تعالى تحت أهل الدنيا محال بالاتفاق ،
فوجب أن لا يكون حاصلا في حيز معين ، وأيضا فعلى هذا التقدير أنه كلما كان فوق بالنسبة
الى اقوام كان تحت بالنسبة الى أقوام آخرين ، وكان يمينا بالنسبة الى ثالث ، وشمالا بالنسبة الى
رابع ، وقدام الوجه بالنسبة الى خامس ، وخلف الرأس بالنسبة الى سادس ، فإن كون الأرض
كرة يوجب ذلك إلا أن حصول هذه الاحوال باجماع العقلاء محال في حق إله العالم إلا إذا قيل
إنه محيط بالارض من جميع الجوانب فيكون هذا فلكا محيطا بالأرض وحاصله يرجع الى أن إله
العالم هو بعض الأفلاك المحيطة بهذا العالم . ذلك لا يقوله مسلم ، والله أعلم .
﴿ الحجة الرابعة عشرة﴾ لو كان إله العالم فوق العرش لكان إما أن يكون مماسا

١١٦
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
للعرش ، أو مبايناً له ببعد متناه أو ببعد غير متناه ، والأقسام الثلاثة باطلة، فالقول بكونه فوق
العرش باطل
أما بيان فساد القسم الأول : فهو أن بتقدير ان يصير مماسا للعرش كان الطرف الأسفل
منه مماسا للعرش فهل يبقى فوق ذلك الطرف منه شيء غير نماس للعرش أو لم يبق ؟ فان كان
الأول فالشيء الذى منه صار مماسا لطرف العرش غير ما هو منه غير مماس لطرف العرش ، فيلزم
أن يكون ذات الله تعالى مركبا من الأجزاء والأبعاض فتكون ذاته في الحقيقة مركبة من سطوح
متلاقية موضوعة بعضها فوق بعض ، وذلك هو القول بكونه جسما مركبا من الأجزاء والأبعاض
وذلك محال ، وان كان الثاني فحينئذ يكون ذات الله تعالى سطحا رقيقا لا ثخن له أصلا ، ثم
يعود التقسيم فيه ، وهو أنه ان حصل له تمدد في اليمين والشمال والقدام والخلف كان مركبا من
الأجزاء والأبعاض ، وان لم يكن له تمدد ولا ذهاب في الاحياز بحسب الجهات الستة كان ذرة
من الذرات وجزءا لا يتجزأ مخلوطا بالهباآت ، وذلك لا يقوله عاقل .
﴿ وأما القسم الثاني﴾ وهو أن يقال بينه وبين العالم بعد متناه ، فهذا أيضا محال ، لأن
على هذا التقدير لا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه الى الجهة التي فيها حصلت ذات الله تعالى
الى ان يصير العالم مماسا له ، وحينئذ يعود المحال المذكور في القسم الأول .
﴿ وأما القسم الثالث ) وهو أن يقال أنه تعالى مباين للعالم بينونة غير متناهية ، فهذا
أظهر فسادا من كل الأقسام لانه تعالى لما كان مباينا للعالم كانت البينونة بينه تعالى وبن غيره
محدودة بطرفين وهما ذات الله تعالى وذات العالم ، ومحصورا بين هذين الحاصرين ، والبعد
المحصور بين الحاصرين والمحدود بين الحدين والطرفين يمتنع كونه بعدا غير متناه .
فان قيل : أليس أنه تعالى متقدم على العالم من الأزل إلى الأبد ، فتقدمه على العالم
محصور بين حاصرين ومحدود بين حدين وطرفين أحدهما : الأزل والثاني : أول وجود العالم
ولم يلزم من كون هذا التقدم محصورا بين حاصرين أن يكون لهذا التقدم أول وبداية ، فكذا
ههنا ، وهذا هو الذى عول عليه محمد بن الهيثم في دفع هذا الاشكال عن هذا القسم .
والجواب : أن هذا محض المغالطة ، لأنه ليس الأزل عبارة عن وقت معين وزمان معين
حتى يقال أنه تعالى متقدم على العالم من ذلك الوقت الى الوقت الذى هو اول العالم ، فان كل
وقت معين يفرض من ذلك الوقت الى الوقت الآخر يكون محدودا بين حدين ومحصورا بين
حاصرين ، وذلك لا يعقل فيه أن يكون غير متناه . بل الأزل عبارة عن نفي الأولية من غير أن
يشار به الى وقت معين البتة .
-

١١٧
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
إذا عرفت هذا فنقول : إما أن نقول انه تعالى مختص بجهة معينة ، وحاصل في حيز
معين وإما أن لا نقول ذلك ، فان قلنا بالأول كان البعد الحاصل بين ذينك الطرفين محدودا بين
ذينك الحدين والبعد المحصور بين الحاصرين لا يعقل كونه غير متناه ، لأن كونه غير متناه عبارة
عن عدم الحد والقطع والطرف، وكونه محصورا بين الحاصرين معناه إثبات الحد والقطع
والطرف والجمع بينهما يوجب الجمع بين النقيضين ، وهو محال . ونظيره ما ذكرناه أنا متى عينا
قبل العالم وقتا معينا كان البعد بينه وبين الوقت الذى حصل فيه أول العالم بعدا متناهيا لا
محالة . وأما ان قلنا بالقسم الثاني : وهو أنه تعالى غير مختص بحيز معين وغير حاصل في جهة
معينة فهذا عبارة عن نفي كونه في الجهة . لأن كون الذات المعينة حاصلة لا في جهة معينة في
نفسها قول محال ، ونظير هذا قول من يقول الأزل ليس عبارة عن وقت معين بل إشارة الى نفي
الاولية والحدوث ، فظهر ان هذا الذى قاله ابن الهيثم تخييل خال عن التحصيل .
الحجة الخامسة عشرة) انه ثبت في العلوم العقلية أن المكان: إما السطح الباطن من
الجسم الحاوى . وإما البعد المجرد والفضاء الممتد ، وليس يعقل في المكان قسم ثالث .
إذا عرفت هذا فنقول : ان كان لمكان هو الأول . فنقول : ثبت أن أجسام العالم
متناهية ، فخارج العالم الجسماني لا خلاء ولا ملاء ولا مكان ولا جهة ، فيمتنع أن يحصل
الاله في مكان خارج العالم ، وان كان المكان هو الثاني ، فنقول طبيعة البعد طبيعة واحدة
متشابهة في تمام الماهية ، فلو حصل الاله في حيز لكان ممكن الحصول في سائر الاحياز ، وحينئذ
يصح عليه الحركة والسكون وكل ما كان كذلك كان محدثا بالدلائل المشهورة المذكورة في علم
الأصول ، وهي مقبولة عند جمهور المتكلمين ، فيلزم كون الاله محدثا ، وهو محال . فثبت ان
القول بأنه تعالى حاصل في الحيز والجهة قول باطل على كل الاعتبارات .
و الحجة السادسة عشرة ) وهي حجة استقرائية اعتبارية لطيفة جدا ، وهي أنا رأينا ان
الشيء كلما كان حصول معنى الجسمية فيه أقوى وأثبت ، كانت القوة الفاعلية فيه أضعف
وأنقص ، وكلما كان حصول معنى الجسمية فيه أقل وأضعف، كان حصول القوة الفاعلية
أقوى وأكمل ، وتقريره ان نقول وجدنا الأرض أكثف الأجسام وأقواها حجمية ، فلا جرم لم
يحصل فيها إلا خاصة قبول الاثر فقط، فأما أن يكون للأرض الخالصة تأثير في غيره فقليل
جدا . وأما الماء فهو أقل كثافة وحجمية من الأرض ، فلا جرم حصلت فيه قوة مؤثرة ، فان الماء
الجارى بطبعه إذا اختلط بالأرض اثر فيها أنواعا من التأثيرات . وأما الهواء فانه أقل حجمية
وكثافة من الماء فلا جرم كان أقوى على التأثير من الماء ، فلذلك قال بعضهم ان الحياة لا تكمل

١١٨
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
إلا بالنفس ، وزعموا أنه لا معنى للروح إلا الهواء المستنشق . وأما النار ، فانها أقل كثافة من
الهواء فلا جرم كانت أقوى الاجسام العنصرية على التأثير فبقوة الحرارة يحصل الطبخ والنضج ،
وتكون المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان . وأما الافلاك فانها ألطف من الاجرام
العنصرية ، فلا جرم كانت هي المستولية على مزاج الاجرام العنصرية بعضها البعض ، وتوليد
الأنواع والاصناف المختلفة من تلك التمزيجات ، فهذا الاستقراء المطرد يدل على أن الشيء
·كلما كان أكثر حجمية وجرمية وجسمية كان أقل قوة وتأثيرا وكلما كان أقوى قوة وتأثيرا كان أقل
حجمية وجرمية وجسمية ، وإذا كان الأمر كذلك أفاد هذا الاستقراء ظنا قويا أنه حيث حصل
كمال القوة والقدرة على الاحداث والابداع لم يحصل هناك البتة معنى الحجمية والجرمية
والاختصاص بالحيز والجهة ، وهذا وان كان بحثاً استقرائيا إلا أنه عند التأمل التام شديد
المناسبة للقطع بكونه تعالى منزها عن الجسمية والموضع والحيز ، وبالله التوفيق . فهذه جملة
الوجوه العقلية في بيان كونه تعالى منزها عن الاختصاص بالحيز والجهة .
وأما الدلائل السمعية فكثيرة : أولها : قوله تعالى ( قل هو الله أحد ) فوصفه بكونه
أحدا والأحد مبالغة في كونه واحدا . والذى يمتلىء منه العرش ويفضل عن العرش يكون مركبا
من أجزاء كثيرة جدا فوق أجزاء العرش ، وذلك ينافي كونه أحدا ورأيت جماعة من الكرامية
عند هذا الالزام يقولون انه تعالى ذات واحدة ، ومع كونها واحدة حصلت في كل هذه الاحياز
دفعة واحدة . قالوا : فلأجل انه حصل دفعة واحدة في جميع الاحياز امتلأ العرش منه . فقلت
حاصل هذا الكلام يرجع الى انه يجوز حصول الذات الشاغلة للحيز والجهة في أحياز كثيرة
دفعة واحدة والعقلاء اتفقوا على أن العلم بفساد ذلك من أجل العلوم لضرورية ، وأيضا فان
جوزتم ذلك فلم لا تجوزون أن يقال : إن جميع العالم من العرش الى ما تحت الثرى جوهر
واحد وموجود واحد إلا أن ذلك الجزء الذى لا يتجزأ حصل في جملة هذه الاحياز ، فيظن أنها
أشياء كثيرة ، ومعلوم ان من جوزه فقد التزم منكرا من القول عظيما .
فان قالوا : إنما عرفنا ههنا حصول التغاير بين هذه الذوات لأن بعضها يفني مع بقاء
الباقي . وذلك يوجب التغاير ، وأيضا فنرى بعضها متحركا ، وبعضها ساكنا والمتحرك غير
الساكن ، فوجب القول بالتغاير ، وهذه المعاني غير حاصلة في ذات الله فظهر الفرق ، فنقول :
أما قولك بأنا نشاهد ان هذا الجزء يبقى مع أنه يفنى ذلك الجزء الآخر ، وذلك يوجب التغاير .
فنقول : لا نسلم أنه فنى شيء من الاجزاء بل نقول لم لا يجوز أن يقال ان جميع أجزاء العالم
جزء واحد فقط؟ ثم انه حصل ههنا وهناك ، وأيضا حصل موصوفا بالسواد والبياض وجميع

١١٩
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)» الآية سورة الأعراف
الألوان والطعوم ، فالذى يفنى إنما هو حصوله هناك ، فأما أن يقال انه فنى في نفسه ، فهذا غير
مسلم وأما قوله نرى بعض الاجسام متحركا وبعضها ساكنا ، وذلك يوجب التغاير ، لأن
الحركة والسكون لا يجتمعان . فنقول : إذا حكمنا بأن الحركة والسكون لا يجتمعان لاعتقادنا
ان الجسم الواحد لا يحصل دفعة واحدة في حيزين ، فاذا رأينا ان الساكن بقى هنا ، وان
المتحرك ليس هنا قضينا ان المتحرك غير الساكن . وأما بتقدير ان يجوز كون الذات الواحدة
حاصلة في حيزين دفعة واحدة ، لم يمتنع كون الذات الواحدة متحركة ساكنة معا ، لأن أقصى
ما في الباب ان بسبب السكون بقي هنا ، وبسبب الحركة حصل في الحيز الآخر ، إلا أنا لما
جوزنا ان تحصل الذات الواحدة دفعة واحدة في حيزين معا لم يبعد أن تكون الذات الساكنة
هي عين الذات المتحركة ، فثبت أنه لو جاز ان يقال إنه تعالى في ذاته واحد لا يقبل القسمة ، ثم
مع ذلك يمتلىء العرش منه ، لم يبعد أيضا أن يقال : العرش في نفسه جوهر فرد وجزء لا
يتجزأ ، ومع ذلك فقد حصل في كل تلك الأحياز ، وحصل منه كل العرش ومعلوم أن تجويزه
يفضي الى فتح باب الجهالات . وثانيها : أنه تعالى قال ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ
ثمانية ) فلو كان إله العالم في العرش ، لكان حامل العرش حاملا للاله ، فوجب أن يكون
الاله محمولا حاملا ، ومحفوظا حافظا ، وذلك لا يقوله عاقل . وثالثها : أنه تعالى قال ( والله
الغنى ) حكم بكونه غنيا على الاطلاق ، وذلك يوجب كونه تعالى غنيا عن المكان والجهة .
ورابعها : أن فرعون لما طلب حقيقة الاله تعالى من موسى عليه السلام ولم يزد موسى عليه
السلام على ذكر صفة الخلاقية ثلاث مرات ، فانه لما قال ( وما رب العالمين ) ففي المرة الأولى
قال ( رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) وفي الثانية قال ( ربكم ورب آبائكم
الاولين ) وفي المرة الثالثة ( قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ) وكل ذلك
إشارة الى الخلاقية ، وأما فرعون لعنه الله فانه قال ( ياهامان ابن لى صرحا لعلي أبلغ الأسباب
أسباب السموات فأطلع الى إله موسى ) فطلب الاله في السماء ، فعلمنا أن وصف الاله
بالخلاقية ، وعدم وصفه بالمكان والجهة دين موسى ، وسائر جميع الأنبياء ، وجميع وصفه تعالى
بكونه في السماء دين فرعون واخوانه من الكفرة . وخامسها : أنه تعالى قال في هذه الآية ( إن
ربكم الله الذى خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ) وكلمة (( ثم))
للتراخي وهذاً يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد تخليق السموات والارض فان كان
المراد من الاستواء الاستقرار ، لزم أن يقال : إنه ما كان مستقرا على العرش ، بل كان معوجا
مضطربا ، ثم استوى عليه بعد ذلك ، وذلك يوجب وصفه بصفات سائر الاجسام من
الاضطراب والحركة تارة والسكون أخرى وذلك لا يقوله عاقل. وسادسها : هو أنه تعالى حكى
عن إبراهيم عليه السلام أنه إنما طعن في إلهية الكوكب والقمر والشمس بكونها آفلة غاربة فلو

١٢٠
قوله تعالى ((ثم استوى على العرش)) الآية سورة الأعراف
١
كان إله العالم جسمها ، لكان أبدا غاربا آفلا . وكان منتقلا من الاضطراب والاعوجاج الى
الاستواء والسكون والاستقرار ، فكل ما جعله إبراهيم عليه السلام طعنا في إلهية الشمس
والكوكب والقمر يكون حاصلا في إله العالم ، فكيف يمكن الاعتراف بالهيته . وسابعها : أنه
تعالى ذكر قبل قوله ( ثم استوى على العرش ) شيئا وبعده شيئا آخر . أما الذى ذكره قبل هذه
الكلمة فهو قوله ( إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض ) وقد بينا أن خلق السموات
والأرض يدل على وجود الصانع وقدرته وحكمته من وجوه كثيرة . وأما الذى ذكره بعد هذه
الكلمة فأشياء : أولها قوله ( يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا ) وذلك أحد الدلائل الدالة على
وجود الله ، وعلى قدرته وحكمته . وثانيها : قوله ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات
بأمره ) وهو أيضا من الدلائل الدالة على الوجود والقدرة والعلم . وثالثها : قوله ( ألا له الخلق
والأمر ) وهو أيضا اشارة الى كمال قدرته وحكمته .
إذا ثبت هذا فنقول : أول الآية إشارة الى ذكر ما يدل على الوجود والقدرة والعلم ،
وآخرها يدل أيضا على هذا المطلوب ، واذا كان الأمر كذلك فقوله ( ثم استوى على العرش )
وجب ان يكون أيضا دليلا على كمال القدرة والعلم ، لأنه لو لم يدل عليه بل كان المراد كونه
مستقرا على العرش كان ذلك كلاما أجنبيا عما قبله وعما بعده ، فان كونه مستقرا على العرش لا
يمكن جعله دليلا على كماله في القدرة والحكمة وليس أيضا من صفات المدح والثناء ، لأنه تعالى
قادر على أن يجلس جميع اعداد البق والبعوض على العرش وعلى ما فوق العرش ، فثبت أن كونه
جالسا على العرش ليس من دلائل اثبات الصفات والذات ولا من صفات المدح والثناء ، فلو
كان المراد من قوله ( ثم استوى على العرش ) كونه جالسا على العرش لكان ذلك كلاما أجنبيا
عما قبله وعما بعده ، وهذا يوجب نهاية الركاكة ، فثبت أن المراد منه ليس ذلك بل المراد منه
كمال قدرته في تدابير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ولما بعدها وهو
المطلوب . وثامنها : أن السماء عبارة عن كل ما ارتفع وسما وعلا، والدليل عليه أنه تعالى
سمى السحاب سماء حيث قال ( وينزل من السماء ماء ليطهركم به ) واذا كان الأمر كذلك
فكل ما له ارتفاع وعلو وسمو كان سماء ، فلو كان إله العالم موجودا فوق العرش ، لکان ذات
الاله تعالى سماء لساكني العرش . فثبت أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان سماء والله تعالى
حكم بكونه خالقا لكل السموات في آيات كثيرة منها هذه الآية وهو قوله ( إن ربكم الله الذى
خلق السموات والأرض ) فلو كان فوق العرش سماء لسكان أهل العرش لكان خالقا لنفسه
وذلك محال .
واذا ثبت هذا فنقول : قوله ( الذى خلق السموات والارض ) آية محكمة دالة على أن