النص المفهرس
صفحات 241-251
٢٤١ قوله تعالى: ((لو شاء الله ما أشركنا)) الآية سورة الأنعام ﴿ المسألة الثالثة﴾ أحتج أصحابنا على قولهم الكل بمشيئة الله تعالى بقوله ( فلو شاء لهداكم أجمعين) فكلمة ((لو)) في اللغة تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فدل هذا على أنه تعالى ما شاء أن يهديهم ، وما هداهم أيضاً . وتقريره بحسب الدليل العقلي ، أن قدرة الكافر على الكفر أن لم تكن قدرة على الايمان . فالله تعالى على هذا التقدير ما أقدره على الإيمان ، فلوشاء الإِيمان منه ، فقد شاء الفعل من غير قدرة على الفعل ، وذلك محال ومشيئة المحال محال ، وأن كانت القدرة على الكفر قدرة على الايمان توقف رجحان أحد الطرفين على حصول الداعية المرجحة . فان قلنا : أنه تعالى خلق تلك الداعية فقد حصلت الداعية المرجحة مع القدرة ، ومجموعهما موجب للفعل ، فحيث لم يحصل الفعل علمنا أن تلك الداعية لم تحصل . وإذا لم تحصل امتنع منه فعل الايمان ، وإذا امتنع ذلك منه ، امتنع أن يريده الله منه، لأن إرادة المحال محال ممتنع ، فثبت أن ظاهر القرآن دل على أنه تعالى ما أراد الايمان من الكافر ، والبرهان العقلى الذي قررناه يدل عليه أيضا ، فبطل قولهم من كل الوجوه ، وأما قوله : تحمل هذه الآية على مشيئة الالجاء فنقول : هذا التأويل إنما يحسن المصير إليه لو ثبت بالبرهان العقلي امتناع الحمل على ظاهر هذا الكلام ، أما لوقام البرهان العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه هذا الظاهر ، فكيف يصار اليه ؟ قم نقول : هذا الدليل باطل من وجوه : الأول : أن هذا الكلام لا بد فيه من إضمار ، فنحن نقول : التقدير : لو شاء الهداية لهداكم ، وأنتم تقولون التقدير : لو شاء الهداية على سبيل الالجاء لهداكم ، فاضماركم أكثر فكان قولكم مرجوحا . الثاني . أنه تعالى يريد من الكافر الايمان الاختياري ، والإيمان الحاصل بالالجاء غير الإِيمان الحاصل بالاختيار ، وعلى هذا التقدير يلزم كونه تعالى عاجزا عن تحصيل مراده ، لأن مراده هو الإيمان الاختياري ، وأنه لا يقدر البتة على تحصيله ، فكان القول بالعجز لازما . الثالث : أن هذا الكلام موقوف على الفرق بين الايمان الحاصل بالاختيار ، وبين الايمان الحاصل بالالجاء . أما الإِيمان الحاصل بالاختيار ، فانه يمتنع حصوله إلا عند حصول داعية جازمة ، وإرادة لازمة . فان الداعية التي يترتب عليها حصول الفعل ، إما أن تكون بحيث يجب ترتب الفعل عليها أو لا يجب . فان وجب فهي الداعية الضرورية ، وحينئذ لا يبقى بينها وبين الداعية الحاصلة بالالجاء فرق . وإن لم يجب ترتب الفعل عليها ، فحينئذ يمكن تخلف الفعل عنها فلنفرض تارة ذلك الفعل متخلفا عنها ، وتارة غير متخلف ، فامتياز أحد الوقتين عن الآخر لا بد وأن يكون لمرجح زائد فالحاصل قبل ذلك ما كان تمام الداعية ، وقد فرضناه كذلك ، وهذا خلف، ثم عند انضمام هذا القيد الزائد إن وجب الفعل لم يبقى بينه وبين الفخر الرازي ج١٣ م١٦ ٢٤٢ قوله تعالى: ((قل هلم شهداءكم الذين)) الآية الأنعا. قُلْ هَلُمَّ ◌ُهَدَآءَ كُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ الَّ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ◌َلَا تَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا وَالَّذِينَ لَ يُؤْمِنُونَ بِلَِّرَةِ وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ ٠٠ ١٥٠ الضرورية فرق ، وإن لم يجب افتقر إلى قيد زائد ولزم التسلسل ، وهو محال . فثبت أن الفرق الذي ذكروه بين الداعية الاختيارية وبين الداعية الضرورية وإن كان في الظاهر معتبرا ، إلا أنه عند التحقيق والبحث لا يبقى له محصول . قوله تعالى ﴿ قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فأن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ﴾ أعلم أنه تعالى لما أبطل على الكفار جميع أنواع حجهم بين أنه ليس لهم على قولهم شهود البتة ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ (هلم ) كلمة دعوة إلى الشيء، والمعنى : هاتوا شهداءكم ، وفيه قولان : الأول : أنه يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع ، والذكر والأنثى . قال تعالى ( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون ) وقال ( والقائلين لاخوانهم هلم إلينا) واللغة الثانية يقال للاثنين : هلما ، وللجمع : هلموا، وللمرأة : هلمى ، وللاثنين : هلما ، وللجمع : هلممن . والأول أفصح . ﴿ المسألة الثانية﴾ في أصل هذه الكلمة قولان: قال الخليل وسيبويه أنها ((ها)) ضمت اليها ((لم)) أي جمع، وتكون بمعنى: أدن . يقال : لفلان لمة . أي دنو، ثم جعلتا كالكلمة الواحدة ، والفائدة في قولنا ((ها)) استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الأمر ، إلا أنه لما كثر استعماله حذف عنه الألف على سبيل التخفيف ، كقولك : لم أبل ، ولم أر ، ولم تك ، وقال الفراء: أصلها ((هل)) أم أرادوا ((بهل)) حرف الاستفهام، وبقولنا ((أم)) أي أقصد ؟ والتقدير : هل قصد ؟ والمقصود من هذا الاستفهام الأمر بالقصد ، كأنك تقول : أقصد ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يقال : كان الأصل أن قالوا : هل لك في الطعام ، أم أي قصد ؟ ثم شاع في الكل كما أن كلمة ((تعالى)) كانت مخصوصة بصورة معينة ، ثم عمت . ٢٤٣ قوله تعالى ((قل تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم)) الآية سورة الأنعام قُلْ تَعَلَوْا أَثْلُ مَا حَّمَ رَبُّكُمْ عَبْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِءَ شَيْئًا وَبِلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَلَا تَقْتُوْاْأَوْلَ كُم مِّنْ إِمَنِّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَمِنْهَ وَمَا بَطَنَّ وَلَا تَقْتُلُواْ النّفْسَ الَّتِىِ حَّمَ اللهُ إِلَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنْكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ١٥٢ المسألة الثالثة ﴾ أنه تعالى نبه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه ، ومعنى ( هلم ) أحضروا شهداءكم . ثم قال ﴿ فأن شهدوا فلا تشهد معهم ﴾ تنبيها على كونهم كاذبين ، ثم بين تعالى أنه إن وقعت منهم تلك الشهادة فعن اتباع الهوى ، فأمر نبيه أن لا يتبع أهوائهم ، ثم زاد في تقبيح ذلك بأنهم لا يؤمنون بالآخرة ، وكانوا ممن ينكرون البعث والنشور، وزاد في تقبيحهم بأنهم يعدلون بربهم فيجعلون له شركاء . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ﴾ أعلم أنه تعالى لما بين فساد ما يقوله الكفار أن الله حرم علينا كذا وكذا ، أردفه تعالى ببيان الأشياء التي حرمها عليهم ، وهي الأشياء المذكورة في هذه الآية ، وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف ((تعال)) من الخاص الذي صار عاما، وأصله أن یقوله من کان في مكان عال لمن هو أسفل منه ، ثم كثر وعم ، وما في قوله ( ما حرم ربكم عليكم ) منصوب ، وفي ناصبه وجهان : الأول : أنه منصوب بقوله ( أتل ) والتقدير : أتل الذي حرمه عليكم ، والثاني : أنه منصوب بحرم ، والتقدير : أتل الأشياء التي حرم علیکم . فان قيل : قوله ( أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ) كالتفصيل لما أجمله في قوله ( ما حرم ربكم عليكم ) وهذا باطل ، لأن ترك الشرك والاحسان بالوالدين واجب ، لا محرم . ۔ ٢٤٤ قوله تعالى: ((قل تعالوا أتل ما حرم)) الآية سورة الأنعام والجواب من وجوه : الأول : أن المراد من التحريم أن يجعل له حريما معينا ، وذلك بأن ببينه بيانا مضبوطا معينا ، فقوله ( أتل ما حرم ربكم عليكم ) معناه : أتل عليكم ما بينه بيانا شافيا بحيث يجعل له حريما معينا ، وعلى هذا التقرير فالسؤال زائل ، والثاني : أن الكلام تم وانقطع عند قوله ( أتل ما حرم ربكم) ثم ابتدأ فقال ( عليكم أن لا تشركوا ) كما يقال :.. عليكم السلام ، أو أن الكلام ثم وانقطع عند قوله ( أتل ما حرم ربكم عليكم ) ثم ابتدأ فقال ( ألا تشركوا به شيئاً) بمعنى لئلا تشركوا ، والتقدير : أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا به شيئاً. الثالث: أن تكون ((أن)) في قوله ( أن لا تشركوا) مفسرة بمعنى : أي ، وتقدير الآية : أقل ما حرم ربكم عليكم ، أي لا تشركوا ، أي ذلك التحريم هو قوله ( لا تشركوا به شيئاً ) فاخ قيل : فقوله ( وبالوالدين إحسانا) معطوف على قوله ( أن لا تشركوا به شيئاً) فوجب أن يكون قوله ( وبالوالدين إحسانا) مفسراً لقوله ( أتل ما حرم ربكم عليكم ) فيلزم أن يكون الاحسان بالوالدين حراما ، وهو باطل . قلنا : لما أوجب الاحسان اليهما ، فقد حرم الاساءة اليهما . ﴿ المسألة الثانية﴾ أنه تعالى أوجب في هذه الآية أمور خمسة: أولها: قوله ( أن لا تشركوا به شيئاً ) وأعلم أنه تعالى قد شرح فرق المشركين في هذه السورة على أحسن الوجوه ، وذلك لأن طائفة من المشركين يجعلون الأصنام شركاء لله تعالى ، وإليهم الاشارة بقوله حكاية عن إبراهيم ( وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ) والطائفة الثانية ﴾ من المشركين عبدة الكواكب ، وهم الذين حكي الله عنهم ، أن إبراهيم عليه السلام أبطل قولهم بقوله ( لا أحب الآفلين ) ﴿ والطائفة الثالثة﴾ الذين حكي الله تعالى عنهم ( أنهم جعلوا لله شركاء الجن ) وهم القائلون بيزدان وأهرمن . والطائفة الرابعة ﴾ الذين جعلوا لله بنين وبنات، وأقام الدلائل على فساد اقوال هؤلاء الطوائف والفرق ، فلما بين بالدليل فساد قول هؤلاء الطوائف . قال ههنا ( ألا تشركوا به شيئاً ) ﴿ النوع الثاني﴾ من الاشياء التي أوجبها ههنا قوله ( وبالوالدين إحسانا) وانما ثنى ٢٤٥ قوله تعالى: ((ولا تقتلوا أولادكم من أملاق)) الآية سورة الأنعام بهذا التكليف ، لأن أعظم أنواع النعم على الانسان نعمة الله تعالى ، ويتلوها نعمة الوالدين ، لأن المؤثر الحقيقي في وجود الانسان هو الله سبحانه وفي الظاهر هو الأبوان ، ثم نعمهما على الانسان عظيمة وهي نعمة التربية والشفقة والحفظ عن الضياع والهلاك في وقت الصغر . . النوع الثالث ﴾ قوله ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ) فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) أي من خوف الفقر وقد صرح بذكر الخوف في قوله ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ) والمراد منه النهي عن الوأد ، إذ كانوا يدفنون البنات أحياء ، بعضهم للغيرة ، وبعضهم خوف الفقر ؛ وهو السبب الغالب ، فبين تعالى فساد هذه العلة بقوله ( نحن نرزقكم وإياهم لأنه تعالى إذا كان متكفلا برزق الوالد والولد ، فكما وجب على الوالدين تبقية النفس والاتكال في رزقها على الله، فكذلك القول في حال الولد . قال شمر : أملق ، لازم ومتعد . يقال : أملق الرجل ، فهو مملق ، إذا افتقر ، فهذا لازم ، وأملق الدهر ما عنده ، إذا أفسده ، والاملاق الفساد . والنوع الرابع ﴾ قوله (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) قال ابن عباس : كانوا يكرهون الزنا علانية ، ويفعلون ذلك سرا ، فنهاهم الله عن الزنا علانية وسرا ، والأولى أن لا يخصص هذا النهى بنوع معين ، بل يجري على عمومه في جميع الفواحش ظاهرها وباطنها لأن اللفظ عام. والمعنى الموجب لهذا النهي وهو كونه فاحشة عام أيضاً ومع عموم اللفظ والمعنى يكون التخصيص على خلاف الدليل ، وفي قوله (ما ظهر منها وما بطن) دقيقة، وهي: أن الأنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته، ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس، وذلك باطل ، لأن من كان مذمة الناس عنده اعظم وقعا من عقاب الله ونحوه فانه يخشى عليه من الكفر، ومن ترك المعصية ظاهرا وباطنا، دل ذلك على أنه إنما تركها تعظيما لأمر الله تعالى وخوفا من عذابه ورغبة في عبوديته . والنوع الخامس ﴾ قوله ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) وأعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش إلا أنه تعالى أفرده بالذكر لفائدتين : إحداهما : أن الافراد بالذكر يدل على التعظيم والتفخيم ، كقوله ( وملائكته وجبريل وميكال ) والثانية : أنه تعالى أراد أن يستثني منه ، ولا يتأتى هذا الاستثناء في جملة الفواحش . إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( إلا بالحق ) أي قتل النفس المحرمة قد يكون حقا لجرم يصدر منها ، والحديث أيضا موافق له وهو قوله عليه السلام ( لا يحل دم أمرىء مسلم إلا ٢٤٦ قوله تعالى ((ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن)) الآية سورة الأنعام وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْبَنِيمِ إِلَّ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَأْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْقُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنْكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَّرُونَ باحدى ثلاث كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق )» والقرآن دل على على سببٍ رابع ، وهو قوله تعالى ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ) والحاصل : أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت الا بدليل منفصل ، ثم أنه تعالى لما بين أحوال هذه الاقسام الخمسة أتبعه باللفظ الذي يقرب الى القلب القبول ، فقال ( ذلكم وصاكم به ) لما في هذه اللفظة من اللطف والرأفة ، وكل ذلك ليكون الكلف أقرب إلى القبول ، ثم أتبعه بقوله ( لعلكم تعقلون ) أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ، ومنافعها في الدين والدنيا . قوله تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكر ون ﴾ أعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى خمسة أنواع من التكاليف ، وهي أمور ظاهرة جلية لا حاجة فيها إلى الفكر والاجتهاد ، ثم ذكر تعالى في هذه الآية أربعة أنواع من التكاليف ، وهي أمور خفية يحتاج المرء العاقل في معرفته بمقدارها إلى التفكر ، والتأمل والاجتهاد . ﴿ فالنوع الأول﴾ من التكاليف المذكورة في هذه الآية قوله (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) وأعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة ( ويسألونك عن البتامى قل إصلاح لهم خير ) والمعنى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بأن يسعى في تنميته وتحصيل الربح به ورعاية وجوه الغبطة له ، ثم أن كان القيم فقيراً محتاجاً أخذ بالمعروف، وان كان غنيا فاحترز عنه كان أولى فقوله ( إلا بالتي هي أحسن ) معناه كمعنى قوله ( ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) ٢٤٧ قوله تعالى: ((واوفوا الكيل والميزان بالقسط)) الآيه سورة الأنعام وأما قوله ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ فالمعنى احفظوا ماله حتى يبلغ أشده ، فاذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله . وأما معنى الأشد وتفسيره : قال الليث : الأشد . مبلغ الرجل الحكمة والمعرفة . قال الفراء : الأشد . واحدها في القياس ، ولم أسمع لها بواحد . وقال أبو الهيثم : واحدة الأشد شدة كما أن واحدة الأنعم نعمة ، والشدة : القوة والجلادة ، والشديد الرجل القوي ، وفسروا بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحترام بشرط أن يؤنس منه الرشد ، وقد استقصينا في هذا الفصل في أول سورة النساء . ﴿والنوع الثاني﴾ قوله تعالى (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط) وأعلم أن كل شيء بلغ تمام الكمال ، فقد وفي وتم . يقال : درهم واف ، وکیل واف ، وأوفيته حقه ، ووفيته إذا أتممته ، وأوفى الكيل إذا اتمه ولم ينقص منه شيئاً وقوله ( والميزان ) أي الوزن بالميزان وقوله ( بالقسط) أي بالعدل لا بخس ولا نقصان . فان قيل : إيفاء الكيل والميزان ، هو عين القسط ، فما الفائدة في هذا التكرير ؟ قلنا : أمر الله المعطى بايفاء ذي الحق حقه من غير نقصان ، وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة . وأعلم أنه لما كان يجوز أن يتوهم الانسان أنه يجب على التحقيق وذلك صعب شديد في العدل أتبعه الله تعالى بما يزيل هذا التشديد فقال ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ) أي الواجب في إيفاء الكيل والوزن هذا القدر الممكن في إيفاء الكيل والوزن . أما التحقيق فغير واجب . قال. القاضي : إذا كان تعالى قد خفف على المكلف هذا التخفيف مع أن ما هو التضييق مقدور له ، فكيف يتوهم أنه تعالى يكلف الكافر الايمان مع أنه لا قدرة له عليه ؟ بل قالوا : يخلق الكفر فيه ، ويريده منه ، ويحكم به عليه ، ويخلق فيه القدرة الموجبة لذلك الكفر ، والداعية الموجبة له ، ثم ينهاه عنه فهو تعالى لما لم يجوز ذلك القدر من التشديد والتضييق على العبد ، وهو ايفاء الكيل والوزن على سبيل التحقيق ، فكيف يجوز أن يضيق على العبد مثل هذا التضييق والتشديد ؟ وأعلم أنا نعارض القاضي وشيخوخة في هذا الموضع بمسألة العلم ومسألة الداعي ، وحينئذ ينقطع ولا يبقى لهذا الكلام رواء ولا رونق . ﴿ النوع الثالث﴾ من التكاليف المذكورة في هذه الآية ، قوله تعالى (وإذا قلتم فاعدلوا ٢٤٨ قوله تعالى: ((وبعهد الله أوفوا)) الآية سورة الأنعام ولو كان ذاقر بي ) وأعلم أن هذا أيضاً من الأمور الخفية التي أوجب الله تعالى فيها أداء الأمانة ، والمفسرون حملوه على أداء الشهادة فقط ، والأمر والنهي فقط ، قال القاضي وليس الأمر كذلك بل يدخل فيه كل ما يتصل بالقول ، فيدخل فيه ما يقول المرء في الدعوة إلى الدين وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل ملخصا عن الحشو والزيادة بألفاظ مفهومة معتادة ، قريبة من الأفهام ، ويدخل فيه أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقعا على وجه العدل من غير زيادة في الايذاء والايجاش ، ونقصان عن القدر الواجب ، ويدخل فيه الحكايات التي يذكرها الرجل حتى لا يزيد فيها ولا ينقص عنها، ومن جملتها تبليغ الرسالات عن الناس ، فانه يجب أن يؤديها من غير زيادة ولا نقصان ، ويدخل فيه حكم الحاكم بالقول ، ثم إنه تعالى بين أنه يجب أن يسوى فيه بين القريب والبعيد ، لأنه لما كان المقصود منه طلب رضوان الله تعالى لم يختلف ذلك بالقريب والبعيد . ﴿والنوع الرابع ﴾ من هذه التكاليف قوله تعالى ( وبعهد الله أوفوا) وهذا من خفيات الأمور لأن الرجل قد يحلف مع نفسه ، فيكون ذلك الحلف خفيا ، ويكون بره وحنثه أيضاً خفيا ، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام قال ( ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) فان قيل : فما السبب في أن جعل خاتمة الآية الأولى بقوله ( لعلكم تعقلون ) وخاتمة هذه الآية بقوله ( لعلكم تذكرون ) قلنا : لأن التكاليف الخمسة المذكورة في الأولى أمور ظاهرة جلية ، فوجب تعقلها وتفهمها وأما التكاليف اربعة المذكورة في هذه الآية فأمور خفية غامضة ، لا بد فيها من الاجتهاد والفكر حتى حتى يقف على موضع الاعتدال ، فلهذا السبب قال ( لعلكم تذكرون ) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( تذكرون ) بالتخفيف ولاباقون ( تذكرون ) بتشديد الذال في كل القرآن وهما بمعنى واحد . تم الجز الثالث عشر، ويليه إن شاء اللّه تعالى الجزء الرابع عشر، وأوله قوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما﴾ من سورة الأنعام . أعان الله على إكماله ٢٤٩ فهرست الجزء الثالث عشر من التفسير الكبير للامام الفخر الرازي قوله تعالى ( وإذا جاءك الذين يؤمنون ٣ بآياتنا إ الآية قوله تعالى ( وكذلك نفصل الآيات ٧ ولتستبين سبيل المجرمين ( الآية قوله تعالى ( قل لو أن عندي ما ٩ تستعجلون به الآية قوله تعالى ( وعنده مفاتح الغيب الآية ١٠ قوله تعالى ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ١٣ ويعلم ماجر حتم بالنهار الآية ١٤ قوله تعالى وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظه الآية قوله تعالى ( ثم ردوا إلى الله مولاهم ١٨ الحق قوله تعالى: قل من ينجيكم من ٢٢ ظلمات البر والبحر الآية ٢٣ قوله تعالى: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا الآية قوله تعالى ١ وكذب به قومك وهو ٢٥ الحق ٢٦ قوله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا إ الآية ٢٨ قوله تعالى ( وما علی الذین ینفقون من حسابهم من شيء الآية قوله تعالى ( وذر الذين اتخذوا دينهم ٢٨ لعبا ولهوا الآية ٣٠ قوله تعالى ( قل اندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا الآية صفحة ٣٢ ٣٣ قوله تعالى ( وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق الآية ٣٦ قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر قوله تعالى ١ وكذلك نري إبراهيم ٤٣ قوله تعالى ( فلما جن علیه اللیل رأی ٤٩ کوکبا ٥٩ قوله تعالى ( فلما رأى القمر بازغا قال. هذاربي الآية ٦١ قوله تعالى ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض الآية ٦١ قوله تعالى ( وحاجة قومه قال اتحاجوني في الله وقد هدان الآية قوله تعالى ( وكيف أخاف ما أشركتم ٦٣ قوله تعالى ( وتلك حجتنا آتيناها ٦٦ ابرهيم على قومه الآية ٦٦ قوله تعالى ( ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا الآية قوله تعالى ( ومن آبائهم وذرياتهم ٦٧ واخوانهم الآية قوله تعالى ( أولئك الذين آتيناهم ٧١ الكتاب والحكم والنبوة الآية قوله تعالى ( اولئك الذين هدى الله ٧٣ فبهداهم اقتده، الآية ٢٥٠ صفحة ٨٤ قوله تعالى ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك ومصدق الذي بین یدیه الآية ٨٨ قوله تعالى ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا الآية ٩١ قوله تعالى ( لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم أول مرة ٩٤ قوله تعالى ( أن الله فالق الحب والنوى ٩٩ قوله تعالى ( فالق الاصباح وجعل الليل سكنا الآية ١٠٥ قوله تعالى ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها الآية ١٠٧ قوله تعالى ( وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة الآية ١١٠ قوله تعالى ( وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به الآية ١١٨ قوله تعالى ( وجعلوا لله شركاء الجن ١٢٤ قوله تعالى (بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد الآية ١٢٦ قوله تعالى ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شىء الآية ١٣٠ قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار الآية ١٤٠ قوله تعالى ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه الآية ١٤١ قوله تعالى ( وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست الآية ١٤٤ قوله تعالى ( اتبع ما أوحى إليك من ربك ١٤٦ قوله تعالى ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله الآية صفحة ١٤٩ قوله تعالى ( وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن جائتھم آیة لیؤمنن بها ١٥٤ قوله تعالى ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة الآية ١٥٧ قوله تعالى ( ولو أننا نزلنا اليهم الملائكة وكلهم الموتى. الآية ١٦٠ قوله تعالى ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شیاطین الانس والجن ١٦٤ قوله تعالى ( ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة الآية ١٦٦ قوله تعالى ( أفغير الله ابتغى حكما الآية ١٦٨ قوله تعالى ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلا ١٧١ قوله تعالى ( وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله_الآية ١٧٣ قوله تعالى ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه. إن كنتم بآياته مؤمنین ١٧٤ قوله تعالى ( وما لكم ألا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ١٧٦ قوله تعالى ( وذروا ظاهر الأثم وباطنه ١٧٧ قوله تعالى ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله علیه ١٧٩ قوله تعالى ( أو من كان ميتافأ حييناه وجعلنا له نوراً الآية ١٨٣ قوله تعالى ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها الآية ٢٥١ صفحة ١٨٤ قوله تعالى ( وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ١٨٦ قوله تعالى( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدرِه للاسلام الآية ١٩٦ قوله تعالى ( وهذا صراط ربك مستقيما ١٩٨ قوله تعالى ( لهم دار السلام عند ربهم ٢٠٠ قوله تعالى ( ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن الآية ٢٠٣ قوله تعالى ( وكذلك نولى بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون ٢٠٤ قوله تعالى ( يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم الآية ٢٠٦ قوله تعالى ( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى ٢٠٨ قوله تعالى ولکل درجات مما عملوا ٢٠٨ قوله تعالى ( وربك الغني ذو الرحمة الآية ٢١٣ قوله تعالى ( قل يا قوم اعملوا على ٢١٢ مكانتكم إني عامل إ الآية ٢١٤ قوله تعالى ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا الآية ٢١٦ قوله تعالى ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم الآية صفحة ٢١٨ قوله تعالى ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر الآية ٢١٩ قوله تعالى ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا الآية ٢٢٠ قوله تعالى ( قد خسر الذين قتلوا أو لادهم سفها بغير عليم الآية ٢٢١ قوله تعالى ( وهو الذي انشأ جنات معروشات الآية ٢٢٧ قوله تعالى ( ومن الأنعام حمولة وفرشا ! ٢٢٨ قوله تعالى (ثمانية أزواج من الضأن اثنين الآية ٢٣٠ قوله تعالى ( قل لا أجد فيما أوحى الى محرما ٢٣٥ قوله تعالى ' وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر الآية ٢٣٦ قوله تعالى ( فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة الآية ٢٣٧ قوله تعالى ( سيقول الذين أشركوا لوشاء الله ما أشركنا الآية ٢٤٢ قوله تعالى ( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ٢٤٣ قوله تعالى ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم الآية ٢٤٦ قوله تعالى ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن الآية تم الفهرس