النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ قوله تعالى ((وهو الذي أنشأ جنات معروشات)) الآية سورة الأنعام وَهُوَ الَّذِىَّ أَسَّأْ جَنَّتِ مَّعْرُوشَيْتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَنْتٍ وَلَّخْلَ وَّرْعَ مُخْتَلِفًا أَكُ. وَالَّيْتُونَ وَالْمَّنَ مُتَشَئِهَا وَغَيْرَ مُتَشَدِهِ كُواْ مِنْ تَمَرِهِ، إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ, يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (g) ١ القتل ناجز وذلك الفقر موهوم فالتزام أعظم المضار على سبيل القطع حذرا من ضرر قليل موهوم ، لا شك أنه سفاهة . ﴿ والنوع الثالث﴾ قوله ( بغير علم ) فالمقصود أن هذه السفاهة إنما تولدت من عدم العلم ولا شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح . ﴿ والنوع الرابع ﴾ تحريم ما أحل الله لهم ، وهو أيضا من أعظم أنواع الحماقة ، لأنه يمنع نفسه تلك المنافع والطيبات ، ويستوجب بسبب ذلك المنع أعظم أنواع العذاب والعقاب . والنوع الخامس ﴾ الافتراء على الله، ومعلوم أن الجراءة على الله، والافتراء عليه أعظم الذنوب وأكبر الكبائر . ﴿ والنوع السادس ﴾ الضلال عن الرشد في مصالح الدين ومنافع الدنيا . ﴿ والنوع السابع ﴾ أنهم ما كانوا مهتدين، والفائدة فيه أنه قد يضل الانسان عن الحق إلا أن يعود الى الاهتداء ، فبين تعالى أنهم قد ضلوا ولم يحصل لهم الاهتداء قط . فثبت أنه تعالى ذم الموصوفين بقتل الأولاد وتحريم ما أحله الله تعالى لهم بهذه الصفات السبعة الموجبة لأعظم أنواع الذم ، وذلك نهاية المبالغة . قوله تعالى ﴿وهو الذى انشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ في الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى مدار هذا الكتاب الشريف على تقرير التوحيد والنبوة ٢٢٢ قوله تعالى: ((وهو الذي انشأ جنات معروشات)) الآية سورة الأنعام والمعاد وإثبات القضاء والقدر ، وأنه تعالى بالغ في تقرير هذه الأصول ، وانتهى الكلام الى شرح أحوال السعداء والاشقياء ، ثم انتقل منه الى تهجين طريقة من أنكر البعث والقيامة ، ثم أتبعه بحكاية أقوالهم الركيكة ، وكلماتهم الفاسدة في مسائل أربعة . والمقصود التنبيه على ضعف عقولهم ، وقلة محصولهم ، وتنفير الناس عن الالتفات الى قولهم ، والاغترار بشبهاتهم . فلما تمم هذه الأشياء عاد بعدها الى ما هو المقصود الأصلي ، وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد فقال ( وهو الذى انشأ جنات معروشات ) واعلم أنه قد سبق ذكر هذا الدليل في هذه السورة ، وهو قوله ( وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه جبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا الى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) فالآية المتقدمة ذكر تعالى فيها خمسة أنواع ، وهي : الزرع والنخل ، وجنات من أعناب والزيتون والرمان ، وفي هذه الآية التي نحن في تفسيرها ذكر هذه الخمسة بأعيانها لكن على خلاف ذلك الترتيب لأنه ذكر العنب ، ثم النخل ، ثم الزرع ، ثم الزيتون ثم الرمان . وذكر في الآية المتقدمة ( مشتبها وغير متشابه ) وفي هذه الآية ( متشابها وغير متشابه ) ثم ذكر في الآية المتقدمة ( انظروا الى ثمره إذا أثمر وينعه ) فأمر تعالى هناك بالنظر في أحوالها والاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم ، وذكر في هذه الآية ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) فأذن في الانتفاع بها ، وأمر بصرف جزء منها الى الفقراء ، فالذى حصل به الامتياز بين الآيتين أن هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم . وههنا أذن في الانتفاع بها ، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم مقدم على الاذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الاستدلال بها سعادة روحانية أبدية . والحاصل من الانتفاع بهذه سعادة جسمانية سريعة الانقضاء ، والأول أولى بالتقديم ، فلهذا السبب قدم الله تعالى الأمر بالاستدلال بها على الاذن بالانتفاع بها . ﴿ المسألة الثانية ) قوله (وهو الذى انشأ) أى خلق ، يقال : نشأ الشيء ينشأ نشأة ونشاءة إذا ظهر وارتفع والله ينشئه انشاء أى يظهره ويرفعه وقوله ( جنات معروشات ) يقال عرشت الكرم أعرشه عرشا وعرشته تعريشا ، إذا عطفت العيدان التي يرسل عليها قضبان الكرم ، والواحد عرش ، والجمع عروش ، ويقال : عريش وجمعه عرش ، واعترش العنب العريش اعتراشا إذا علاه . إذا عرفت هذا فنقول : في قوله ( معروشات وغير معروشات ) أقوال : الأول : أن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم ، فان بعض الاعناب يعرش وبعضها لا يعرش ، ٢٢٣ قوله تعالى: ((كلوا من ثمره إذا أثمر)) الآية سورة الأنعام بل يبقى على وجه الأرض منبسطا . والثاني : المعروشات العنب الذى يجعل لها عروش ، وغير المعروشات كل ما ينبت منبسطا على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ . والثالث : المعروشات ما يحتاج الى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه ، وهو الكرم وما يجرى مجراه ، وغير المعروش هو القائم من الشجر المستغنى باستوائه وذهابه علوا لقوة ساقه عن التعريش . والرابع : المعروشات ما يحصل في البساتين والعمرانات مما يغرسه الناس واهتموا به فعرشوه ( وغير معروشات ) مما أنبته اللّه تعالى وحشيا في البرارى والجبال فهو غير معروش وقوله ( والنخل والزرع ) فسرابن عباس ( الزرع ) ههنا بجميع الحبوب التي يقتات بها ( مختلفا أكله) أى لكل شيء منها طعم غير طعم الآخر (والأكل ) كل ما أكل ، وههنا المراد ثمر النخل والزرع ومضى القول في ( الأكل ) عند قوله ( فآتت أكلها ضعفين ) وقوله ( مختلفا ) نصب على الحال . أى أنشأه في حال اختلاف أكله ، وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله وأكل ثمره . الجواب : أنه تعالى أنشأها حال اختلاف ثمرها وصدق هذا لا ينافي صدق انه تعالى أنشأها قبل ذلك أيضا . وأيضا نصب على الحال مع أنه يؤكل بعد ذلك بزمان ، لأن اختلاف أكله مقدر كما تقول : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، أى مقدرا للصيد به غدا . وقرأ ابن كثير ونافع ( أكله) بتخفيف الكاف والباقون ( أكله ) في كل القرآن . وأما توحيد الضمير في قوله ( مختلفا أكله ) فالسبب فيه : انه اكتفى باعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعا كقوله تعالى ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا اليها ) والمعنى : اليهما وقوله ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) وأما قوله ﴿ متشابها وغير متشابه ﴾ فقد سبق تفسيره في الآية المتقدمة . ثم قال تعالى ﴿ كلوا من ثمره إذا أثمر ﴾ وفيه مباحث . ﴿ البحث الأول﴾ انه تعالى لما ذكر كيفية خلقه لهذه الأشياء ذكر ما هو المقصود الأصلي من خلقها ، وهو انتفاع المكلفين بها ، فقال ( كلوا من ثمره ) واختلفوا ما الفائدة منه ؟ فقال بعضهم : الاباحة . وقال آخرون : بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق ، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه ، كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المساكين فيه ، بل هذا هو الظاهر فأباح تعالى هذا الأكل ، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من هذا التصرف . ٢٢٤ قوله تعالى: ((كلوا من ثمره إذا أثمر)) الآية سورة الأنعام وقال بعضهم : بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم . إما الأكل وإما التصدق ، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق ، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير . قال تعالى ( ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله اليك ) ﴿ البحث الثاني﴾ تمسك بعضهم بقوله ( كلوا من ثمره إذا أثمر ) بأن الأصل في المنافع الاباحة والاطلاق ، لأن قوله ( كلوا ) خطاب عام يتناول الكل ، فصار هذا جاريا مجرى قوله تعالى ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) وأيضا يمكن التمسك به على أن الأصل عدم وجوب الصدقة ، وان من ادعى إيجابه كان هو المحتاج الى الدليل ، فيتمسك به في أن المجنون إذا أفاق في اثناء الشهر ، لا يلزمه قضاء ما مضى ، وفي أن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الاتمام . ﴿ البحث الثالث ﴾ قوله ( كلوا من ثمره) يدل على ان صيغة الأمر قد ترد في غير موضع الوجوب وفي غير موضع الندب ، وعند هذا قال بعضهم : الأصل في الاستعمال الحقيقة ، فوجب جعل هذه الصيغة مفيدة لرفع الحجر ، فلهذا قالوا : الأمر مقتضاه الاباحة ، إلا أنا نقول : نعلم بالضرورة من لغة العرب أن هذه الصيغة تفيد ترجيح جانب الفعل ، وأن حملها على الاباحة لا يصار اليه إلا بدليل منفصل . أما قوله تعالى ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ ففيه أبحاث : ﴿ البحث الأول﴾ قرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم (حصاده ) بفتح الحاء والباقون بكسر الحاء قال الواحدى : قال جميع أهل اللغة يقال : حصاد وحصاد ، وجداد وجداد ، وقطاف وقطاف ، وجذاذ وجذاذ ، وقال سيبويه جاؤا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال ، وربما قالوا فيه فعال . البحث الثاني ﴾ في تفسير قوله ( وآتوا حقه ) ثلاثة أقوال . ﴿ القول الأول ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء يريد به العشر فيما سقت السماء، ونصف العشر فيما سقى بالدواليب ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك . ٢٢٥ قوله تعالى: ((وآتوا حقه يوم حصاده)) الآية سورة الأنعام فان قالوا : كيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل ؟ وأيضا هذه السورة مكية ، وإيجاب الزكاة مدنى . قلنا : لما تعذر إجراء قوله ( وآتوا حقه ) على ظاهره بالدليل الذى ذكرتم . لا جرم حملناه على تعلق حق الزكاة به في ذلك الوقت ، والمعنى : اعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الايتاء . والجواب عن السؤال الثاني : لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة ، بل لانزاع أن الآية المدنية وردت بايجابها ، إلا أن ذلك لا يمنع أنها كانت واجبة بمكة . وقيل أيضا : هذه الآية مدنية والقول الثاني ﴾ أن هذا حق في المال سوى الزكاة . وقال مجاهد: إذا حصدت فحضرت المساكين فاطرح لهم منه ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه ، وإذا كربلته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت کیله فاعزل زكاته . والقول الثالث ﴾ أن هذا كان قبل وجوب الزكاة ، فلما فرضت الزكاة نسخ هذا ، وهذا قول سعيد بن جبير، والأصح هو القول الأول ، والدليل عليه أن قوله تعالى ( وآتوا حقه ) إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوما قبل ورود هذه الآية لئلا تبقى هذه الآية مجملة . وقد قال عليه الصلاة والسلام (( ليس في المال حق سوى الزكاة )) فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة . ﴿ البحث الثالث﴾ قوله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده) بعد ذكر الأنواع الخمسة ، وهو العنب والنخل والزيتون والرمان ، يدل على وجوب الزكاة في الكل ، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار ، كما كان يقوله أبو حنيفة رحمه الله . فان قالوا : لفظ الحصاد مخصوص بالزرع . فنقول : لفظ الحصد في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع ، والدليل عليه ، أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع ، وذلك يتناول الكل وأيضا الضمير في قوله حصاده يجب عوده الى أقرب المذكورات وذلك هو الزيتون والرمان ، فوجب أن يكون الضمير عائدا اليه . الفخر الرازي ج١٣ م١٥ ٢٢٦ قوله تعالى: ((وآتوا حقه يوم حصاده)) الآية سورة الأنعام البحث الرابع ﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله: العشر واجب في القليل والكثير . وقال الأكثرون إنه لا يجب إلا إذا بلغ خمسة أو ست . واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية فقال : قوله ( وآتوا حقه يوم حصاده ) يقتضي ثبوت حق في القليل والكثير ، فاذا كان ذلك الحق هو الزكاة وجب القول بوجوب الزكاة في القليل والكثير . أما قوله تعالى ﴿ ولا تسرفوا ﴾ فاعلم أن لأهل اللغة في تفسير الاسراف قولين: الأول: قال ابن الاعرابي : السرف تجاوز ما حد لك. الثاني : قال شمر : سرف المال ، ما ذهب منه في غير منفعة . إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه أقوال : الأول : أن الانسان إذا أعطى كل ماله ولم يوصل الى عياله شيئا فقد أسرف ، لأنه جاء في الخبر ، ابدأ بنفسك ثم بمن تعول . وروى أن ثابت ابن قيس بن شماس عمد الى خمسمائة نخلة فجذها ، ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها الى منزله شيئا فأنزل الله تعالى قوله ( وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا ) أى ولا تعطوا كله . والثاني : قال سعيد بن المسيب ( لا تسرفوا) أى لا تمنعوا الصدقة ، وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الاسراف مجاوزة الحد ، إلا أن الأول مجاوزة في الاعطاء . والثاني : مجاوزة في المنع . الثالث : قال مقاتل : معناه : لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام ، وهذا أيضا من باب المجاوزة ، لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام ، فقد جاوز ما حد له . الرابع : قال الزهرى معناه : لا تنفقوا في معصية الله تعالى . قال مجاهد : لو ·كان أبو قبيس ذهبا ، فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفا . ولو أنفق درهما في معصية الله كان مسرفا. وهذا المعنى أراده حاتم الطائي حين قيل له: لا خير في السرف . فقال لا سرف في الخير ، وهذا على القول الثاني في معنى السرف ، فان من أنفق في معصية الله ، فقد انفق فيما لا نفع فيه . ثم قال تعالى ﴿ إنه لا يحب المسرفين ) والمقصود منه الزجر ، لأن كل مكلف لا يحبه الله تعالى فهو من أهل النار ، والدليل عليه قوله تعالى ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) فدل هذا على أن كل من أحبه الله فليس هو من أهل النار . وذلك يفيد من بعض الوجوه أن من لم يحبه الله فهو من أهل النار . ٢٢٧ قوله تعالى (( ومن الانعام حمولة وفرشا)) الآية الأنعام وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُوَةٌ وَفَرْشًا كُواْ بِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلَ ◌َّعُواْ خُطُوَّتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّمُبِينٌ ﴾ فَنِيَّةَ أَزْوَجٍ مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ ءَ الَّكَيْنِ حَّمَ أَمِ آلْأُنَْبَيْنِ أَمَّا أَشْتَعَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَمُ الْأُنْثَبَيْنِ نَبِعُونِ يِعِلْمِ إِذْ كُنتُمْ صَدِينَ ﴿ وَمِنَ الْإِ أَثْتَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ أَثْنَيْنِّ قُلْ ءَالَّكَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنَيْنِ أَّ اشْتَعَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْفَيَيْنِ أَمْ كُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصِّنْكُ الله ◌ِهَذَا قَنْ أَظْلَمُ ◌ِّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ اَلنَّاسَ بِغَيْرٍ عِلْمِ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ (4) قوله تعالى ﴿ ومن الانعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل الذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين قل الذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدى القوم الظالمين ﴾ اعلم انه تعالى لما ذكر كيفية إنعامه على عباده بالمنافع النباتية أتبعها بذكر إنعامه عليهم بالمنافع الحيوانية فقال ( ومن الأنعام حمولة وفرشا ) وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ((الواو)) في قوله (ومن الأنعام حمولة وفرشا) توجب العطف على ما تقدم من قوله ( وهو الذى انشأ جنات معروشات ) والتقدير : وهو الذى انشأ جنات معر وشات وغير معروشات ، وانشأ من الأنعام حمولة وفرشا وكثر أقوالهم في تفسير الحمولة والفرش وأقر بها الى التحصيل وجهان : الأول أن الحمولة ما تحمل الاثقال والفرش ما يفرش للذبح أو " ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش . والثاني: الحمولة - الكبار التي تصلح للحمل ، والفرش - الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض بسبب صغر اجرامها مثل الفرش والمفروش عليها . ثم قال تعالى ﴿ كلوا مما رزقكم الله﴾ يريد ما أحلها لكم . قالت المعتزلة: إنه تعالى أمر بأكل الرزق ، ومنع من أكل الحرام ، ينتج أن الرزق ليس بحرام . ثم قال ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ أى في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما ٢٢٨ قوله تعالى: ((ومن الأنعام حمولة وفرشا)) الآية سورة الأنعام فعله أهل الجاهلية ( خطوات ) جمع خطوة . وهي ما بين القدمين . قال الزجاج : وفي ( خطوات الشيطان ) ثلاثة أوجه : بضم الطاء وفتحها وباسكانها ، ومعناه : طرق الشيطان . اى لا تسلكوا الطريق الذى يسوله لكم الشيطان . ثم قال تعالى ﴿ إنه لكم عدو مبين﴾ أى بين العداوة ، أخرج آدم من الجنة ، وهو القائل ( لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) ثم قال تعالى ﴿ ثمانية أزواج ﴾ وفيه بحثان : ﴿ البحث الأول﴾ في انتصاب قوله (ثمانية) وجهان: الأول : قال الفراء : انتصب ثمانية بالبدل من قوله ( حمولة وفرشا ) والثاني : أن يكون التقدير : كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج . ﴿ البحث الثاني ﴾ الواحد إذا كان وحده فهو فر، فاذا كان معه غيره من جنسه سمي زوجا، وهما زوجان بدليل قوله ( خلق الزوجين الذكر والانثى ) وبدليل قوله ( ثمانية ازواج ) ثم فسرها بقوله ( من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين ) ثم قال ﴿ ومن الضأن اثنين﴾ يعني الذكر والانثى ، والضأن ذوات الصوف من الغنم . قال الزجاج : وهي جمع ضائن وضائنة مثل تاجر وتاجرة . ويجمع الضأن أيضا على الضئين بكسر الضاد وفتحها وقوله ( ومن المعز اثنين ) قرىء ( ومن المعز ) بفتح العين ، والمعز ذوات الشعر من الغنم . ويقال للواحد : ماعز. وللجمع معزى . فمن قرأ ( المعز ) بفتح العين فهو جمع ماعز ، مثل خادم وخدم وطالب وطلب ، وحارس وحرس . ومن قرأ بسكون العين فهو أيضا جمع ماعز كصاحب وصحب ، وتاجر وتجر ، وراكب وركب . وأما انتصاب اثنين فلأن تقدير الآية أنشأ ثمانية أزواج انشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين وقوله ( قل الذكرين حرم أم الأنثيين ) نصب الذكرين بقوله ( حرم ) والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله . قال المفسرون : ان المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الانعام ، فاحتج الله تعالى على ابطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز والابل والبقر وذكر من كل واحد من هذه الأربعة زوجين ، ذكرا وأنثى . ثم قال ان کان حرم منها الذکر وجب أن یکون کل ذکورها حراما وان كان حرم الأنثى ، وجب أن يكون كل أناثها حراما ، وقوله ( أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ) تقديره : أن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثين وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والاناث ، هذا ما أطبق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية ، وهو عندي ٢٢٩ قوله تعالى: ((أم كنتم شهداء إذا وصاكم)) الآية سورة الأنعام بعيد جدا ، لأن لقائل أن يقول : هب أن هذه الأنواع الأربعة ، أعني : الضأن ، والمعز ، والأبل ، والبقر ، محصورة في الذكور والاناث ، إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة ، بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاما أو سائر الاعتبارات، كما أنا إذا قلنا : أنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل . فاذا قيل : أن ذلك الحيوان ان كان قد حرم لكونه ذكرا وجب أن يحرم كل حيوان ذكر ، وأن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى ، ولما لم يكن هذا الكلام لازما علينا ، فكذا هذا الوجه الذي ذكره المفسرون في تفسير هذه الآية ، ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير كلام اللّه تعالى وجها صحيحا فاما تفسيره بالوجوه الفاسدة فلا يجوز والاقرب عند فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم ، بل هو استفهام على سبيل الانكار يعني أنكم لا تقرون بنبوة نبي ، ولا تعرفون شريعة شارع ، فكيف تحكمون بأن هذا يحل وأن ذلك يحرم ؟ وثانيهما : أن حكمهم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوص بالابل ، فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة ، فلما لم تحكموا بهذه الاحكام في الاقسام الثلاثة ، وهي : الضأن والمعز والبقر ، فكيف خصصتم الابل بهذا الحكم على التعيين ؟ فهذا ما عندي في هذه الآية والله أعلم بمراده . ثم قال تعالى ﴿ أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ﴾ والمراد هل شاهدتم الله حرم هذا أم كنتم لا تؤمنون برسول ؟ وحاصل الكلام من هذه الآية : أنكم لا تعترفون بنبوة أحد من الأنبياء ، فكيف تثبتون هذه الاحكام المختلفة ؟ ولما بين ذلك قال ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ) قال ابن عباس : يريد عمرو بن لحي ، لأنه هو الذي غير شريعة اسمعيل ، والاقرب أن يكون هذا محمولا على كل من فعل ذلك ، لأن اللفظ عام والعلة الموجبة لهذا الحكم عامة ، فالتخصيص تحكم محض . قال المحققون : إذا ثبت أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحق هذا الوعيد الشديد ، فمن افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق . قال القاضي : ودل ذلك على أن الاصلال عن الدين مذموم ، لا يليق بالله ، لأنه تعالى إذا ذم الاضلال الذي ليس فيه إلا تحريم المباح ، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم . وجوابه : أنه ليس كل ما كان مذموما منا كان مذموما من الله تعالى . ألا ترى أن الجمع بين العبيد والاماء وتسليط الشهوة عليهم وتمكينهم من أسباب الفجور مذموم وغير مذموم من الله تعالى فكذا ههنا . ثم قال ( أن الله لا يهدي القوم الظالمين ) قال القاضي : لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات ٢٣٠ قوله تعالى ((قل لا اجد فيما يوحى الي محرماً)) الآية سورة الأنعام قُل لَّا أَجِدُ فِى مَا أُوِىَ إِلَىَّ مُرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُوَ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْدَمًا ◌َّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ ◌ِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسَ أَوْ فِسْقًا أَهِلَّ لِغَيرِ اللهِ، لَمْنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاِغ ◌َلَا عٍَ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمُ (١) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَمْنَا كُلَّ ذِى ◌ُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَم ◌َّمْنَا عَلَيْهِمْ تُومَهُمَآ إِلَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا آخَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ بَيْنَُهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنَّا لَصَدِقُونَ (٤) فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُورَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَ يُرَدُّبَأْسُهُ، عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (1) الهدى التي يختص المهتدى بها . وقال أصحابنا : المراد منه الاخبار بأنه تعالى لا يهدي أولئك المشركين ، أي لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الايمان ، والكلام في ترجيح أحد القولين على الآخر معلوم قوله تعالى ﴿ قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وأنا لصادقون . فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب ، فقال ( قل لا أجد فيما أوحى إلي ) وفي الآية مسائل . ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وحمزة (إلا أن تكون) بالتاء ( ميتة ) بالنصب على تقدير : الا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة . وقرأ ابن غامر إلا أن تكون بالتاء (ميتة) بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون ( إلا أن يكون ميتة ) أي إلا أن يكون المأكول ميتة ، أو الا أن يكون الموجود ميتة . ﴿ المسألة الثانية﴾ لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا بالوحي. قال ( قل لا أجد فيما أوحى إلا محرما على طاعم يطعمه ) أي على آكل يأكله ، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات . ثم ذكر أمور أربعة . أولها : الميتة ، وثانيها : ٢٣١ قوله تعالى: ((قل لا أجد فيما أوحى)) الآية سورة الأَنّعام الدم المسفوح ، وثالثها : لحم الخنزير فانه رجس ، ورابعها : الفسق وهو الذي أهل به لغير الله، فقوله تعالى ( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما) إلا هذه الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوخي ، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا محمد عليه الصلاة والسلام ، وثبت أنه تعالى يأمره أن يقول : إني لا أجد فيما أوحى إلي محرما من المحرمات إلا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة . واعلم أن هذه السورة مكية ، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم ) وكلمة ( إنما ) تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة ، فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضا أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ) وكلمة ( إنما ) تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة ( إنما ) تفيد الحصر، فكلمة ( إنما ) في الآية المدنية مطابقة لقوله ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) ألا كذا وكذا في الآية المكية ، ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله ( إلا ما يتلى عليكم ) هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل، وهو قوله ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع . إلا ما ذكيتم ) وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل ، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر. فإن قال قائل : فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات ، ويلزم عليه أيضا تحليل الخمر ، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها قلنا : هذا لا يلزمنا من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه الآية ( أو لحم خنزير فانه رجس ) ومعناه أنه تعالى انما حرم لحم الخنزير لكونه نجسا ، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل .. فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله ، وإذا كان هذا مذكورا في الآية كان السؤال ساقطا . والثاني : أنه تعالى قال في آية أخرى ( ويحرم عليهم الخبائث ) وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث ، والنجاسات خبائث ، فوجب القول بتحريمها . الثالث : أن الأمة مجمعة ٢٣٢ قوله تعالى: ((قل لا أجد فيما أوحى)) الآية سورة الأنعام على حرمة تناول النجاسات ، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد في باب النجاسات . فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكا بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية ، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات ، وأما الخمر فالجواب عنه : أنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله ( رجس ) وتحت قوله ( ويحرم عليهم الخبائث ) وأيضا ثبت تخصصه بالنقل المتواتر من دين محمد ◌ٍَّ في تحريمه ، وبقوله تعالى ( فاجتنبوه ) وبقوله (وإثمهما أكبر من نفعهما ) والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة . وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطيحة فالجواب عنه من وجوه : أولها : أنها ميتات . فكانت داخلة تحت هذه الآية . وثانيها : أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية ، وثالثها : أن نقول إنها كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية ، وأن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية فان قال قائل : المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها ؟ أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أن المعنى لا اجد محرما مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذا الآية ، وثانيها : أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك . وثالثها : هب أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا العموم بأخبار الآحاد . ورابعها : أن مقتضى هذه الآية أن نقول أنه لا يجد في القرآن ، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام . ولقائل أن يقول : هذه الأجوبة ضعيفة . أما الجواب الأول : فضعيف لوجوه : أحدها : لا يجوز أن يكون المراد من قوله ( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما) ما كان يحرمه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته ، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة تحت قوله ( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما ) لما حسن استثناؤها ، ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة ، علمنا أنه ليس المراد من تلك الكلمة ما ذكروه . وثانيها : أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم تلك الأشياء ، ثم أنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها ، فوجب ابقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها ٢٣٣ قوله تعالى: ((قل لا أجد فيما أوحى إليّ)) الآية سورة الأنعام من غير دليل ، وثالثها : أنه تعالى قال في سورة البقرة ( إنما حرم عليكم ) وذكر هذه الأشياء الأربعة ، وكلمة ( إنما ) تفيد الحصر وهذه الآية في سورة البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب فسقط هذا العذر . وأما جوابهم الثاني : وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرما إلا هذه الأربعة فجوابه من وجوه : أولها : أن قوله تعالى في سورة البقرة (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ) آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة ، وكلمة ( إنما ) تفيد الحصر فدل هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء ، وثانيها : أنه لما ثبت بمقتضى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الأربعة كان هذا اعترافا بحل ما سواها ، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخا ، ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ ، لأنه لو كان أحتمال جريان الناسخ معادلا لاحتمال بقاء الحكم على ما كان ، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الاحكام لاحتمال أن يقال : إنه وإن كان ثابتا إلا أنه زال ، ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ ، وأن القائل به والذاهب اليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال . وأما جوابهم الثالث : وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد . فنقول : ليس هذا من باب التخصيص ، بل هو صريح النسخ ، لأن قوله تعالى ( قل لا أجد فيما أوحى إلى وُمَا على طاعم يطعمه ) مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة ، وقوله في سورة البقرة ( إنما حرم عليكم الميتة ) وكذا وكذا ، تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة، لأن كلمة (إنما ) تفيد الحصر، فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعا لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الايتين أنه كان ثابتا في أول الشريعة بمكة، وفي آخرها بالمدينة، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز . وأما جوابهم الرابع : فضعيف أيضا ، لأن قوله تعالى ( قل لا أجد فيما أوحى إلى) يتناول كل ما كان وحيا ، سواء كان ذلك الوحي قرآناً أو غيره ، وأيضاً فقوله في سورة البقرة ( إنماحرم عليكم الميتة ) يزيل هذا الاحتمال . فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام ، وصحة هذا المذهب ، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله ، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيرا من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال ( ما استخبثه العرب فهو حرام)) وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط ، فسيد العرب ٢٣٤ قوله تعالى: ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد)) الآية سورة الأَنْعامِ بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه، لما رآهم يأكلون الضب قال ((يعافه طبعى)) ثم إن هذا الاستقذار ما صار سببا لتحريم الضب . وأما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئاً ، وقد يختلفون في بعض الأشياء ، فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون ، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط ، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم ؟ ﴿المسألة الثالثة﴾ اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء ، فلا فائدة في الاعادة . فأولها : الميتة ، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام ((أحلت لنا ميتتان السمك والجراد)) وثانيها: الدم المسفوح، والسفح الصب . يقال : سفح الدم سفحا ، وسفح هو سفوحا إذا سال . وأنشد أبو عبيدة لكثير : عليك سلام الله والدمع يسفح أقول ودمعي واكف عند رسمها قال ابن عباس : يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء ، وما يخرج من الأوداج عند الذبح ، وعلى هذا التقدير : فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودها ، ولا ما يختلط باللحم من الدم فأنه غير سائل ، وسئل أبو مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم . وعن القدرى : يرى فيها حمرة الدم ، فقال لا بأس به ، إنما نهى عن الدم المسفوح . وثالثها : لحم الخنزير فانه رجس : ورابعها : قوله ( أو فسقا أهل لغير الله به) وهو منسوق على قوله ( إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ) ما أهل لغير الله به فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال : فلان کرم وجود إذا كان كاملا فيهما ، ومنه قوله تعالى ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) وأما قوله تعالى ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم ﴾ فالمعنى أنه لما بين في هذه الأربعة أنها محرمة ، بين أن عند الاضطرار يزول ذلك التحريم ، وهذه الآية قد استقصينا تفسيرها في سورة البقرة . وقوله عقيب ذلك ( فان ربك غفور رحيم ) يدل على حصول الرخصة ، ثم بين تعالى أنه حرم على اليهود أشياء أخرى سوى هذه الأربعة ، وهي نوعان : الأول : أنه تعالى حرم عليهم كل ذي ظفر . وفيه مباحث . ﴿البحث الأول ﴾ قال الواحدي: في الظفر لغات ظفر بضم التاء، وهو أعلاها وظفر بسكون الفاء ، وظفر بكسر الظاء وسكون الفاء ، وهي قراءة الحسن وظفر بكسرهما وهي قراءة أبي السمال ﴿ البحث الثاني ﴾ قال الواحدي: اختلفوا في كل ذي ظفر حرمه الله تعالى على اليهود ٢٣٤ قوله تعالى: ((وعلى الذين هادوا حرمنا)) الآية سورة الأنعام روي عن ابن عباس : أنه الابل فقط . وفي رواية أخرى عن ابن عباس : أنه الابل والنعامة ، وهو قوله مجاهد . وقال عبدالله بن مسلم : أنه كل ذي مخلب من الطير وكل حافر من الدواب. ثم قال ( كذلك ) قال المفسرون . وقال : وسمي الحافر ظفرا على الاستعارة . وأقول أما حمل الظفر على الحافر فبعيد من وجهين : الأول : أن الحافر لا يكاد يسمى ظفرا . والثاني : أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال إنه تعالى حرم عليهم كل حيوان له حافر ، وذلك باطل لأن الآية تدل على ان الغنم والبقر مباحان لهم من حصول الحافر لهما . وإذا ثبت هذا فنقول : وجب حمل الظفر على المخالب والبراثن لأن المخالب آلات الجوارح في الاصطياد والبراثن آلات السباع في الاصطياد ، وعلى التقدير : يدخل فيه أنواع السباع والكلاب والسنانير ، ويدخل فيه الطيور التي تصطاد لأن هذه الصفة تعم هذه الأجناس إذا ثبت فنقول : قوله تعالى ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ) يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين : الأول : أن قوله ( وعلى الذين هادوا حرمنا ) كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة . والثاني : أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبقى لقوله ، وعلى الذين هادوا حرمنا فائدة . فثبت أن تحريم السباع وذوي المخلب من الطير مختص باليهود ، فوجب أن لا تكون محرمة على المسلمين ، فصارت هذه الآية دالة على هذه الحيوانات على المسلمين ، وعند هذا نقول : ما روي أنه ي حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ضعيف لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى، فوجب أن لا يكون مقبولا ، وعلى هذا التقدير : يقوى قول مالك في هذه المسألة . ﴿ النوع الثاني﴾ من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة. قوله تعالى ( ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ) فبين تعالى انه حرم على اليهود شحوم البقر والغنم ، ثم في الآية قولان الأول : أنه تعالى استثنى عن هذا التحريم ثلاثة أنواع : أولها : قوله ( إلا ما حملت ظهورهما ) قال ابن عباس : إلا ما علق بالظهر من الشحم ، فاني لم أحرمه . وقال قتادة إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها ، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير : فذلك اللحم السمين الملتصق مسمم بالشحم ، وبهذا التقدير : لو حلف لا يأكل الشحم ، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين . ﴿ والاستثناء الثاني) قوله تعالى ( أو الحوايا) قال الواحدي : وهي المباعر ٢٣٦ قوله تعالى: ((ذلك جزيناهم ببغيهم)) الآية سورة الأنعام والمصارين ، واحدتها حاوية وحوية . قال ابن الأعرابي : هي الحوية أو الحاوية ، وهي الدوارة التي في بطن الشاة . وقال ابن السكيت : يقال حاوية وخوايا ، مثل رواية وروايا . إذا عرفت هذا : فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة . ﴿ والاسثناء الثالث﴾ قوله ( وما اختلط بعظم ) قالوا: إنه شحم الآلية . في قول جميع المفسرين وقال ابن جريج : كل شحم في القائم والجنب والرأس ، وفي العينين والأذنيين . يقول : إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم ، وعلى هذا التقدير : فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية ﴿ القول الثاني﴾ في الآية أن قوله ( أو الحوايا) غير معطوف على المستثنى ، بل على المستثنى منه والتقدير : حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فانه غير محرم قالوا : ودخلت كلمة ( أو كدخولها في قوله تعالى ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا) والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى ، فاعص هذا واعص هذا ، فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا . ثم قال تعالى ﴿ ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ والمعنى : أنا إنما خصصناهم بهذا التحريم جزاء على بغيهم ، وهو قتلهم الأنبياء ، وأخذهم الربا ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، ونظيره قوله تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) ثم قال تعالى ﴿وإنا لصادقون﴾ أي في الاخبار عن بغيهم وفي الاخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم . قال القاضي : نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم ، لأن التكليف تعريض للثواب ، والتعريض للثواب إحسان . فلم يجز أن يكون التكليف جزاء على الجرم المتقدم . فالجواب : أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد استحقاق الثواب ، ويمكن أيضاً أن يكون للجرم المتقدم ، وكل واحد منهما غير مستبعد . ثم قال تعالى ﴿ فان كذبوك﴾ يعني إن كذبوك في إدعاء النبوة والرسالة، وكذبوك في تبليغ هذه الأحكام ( فقل ربكم ذو رحمة واسعة ) فلذلك لا يجعل عليكم بالعقوبة ( ولا يرد بأسه) أي عذابه إذا جاء الوقت ( عن القوم المجرمين ) يعني الذين كذبوك فيما تقول . والله أعلم . ٢٣٧ قوله تعالى ((سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما أشركنا)) الآية سورة الأنعام سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ لَوْشَآءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكَ وَلَآ ءَابَا ؤُنَا وَلَا حَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ خَّىَ ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَ كُمْ مِّنْ عِلٍْ فَتُخْرِجُرُهُ ◌َنّآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْشَآءَ ١٤ لَدَ مَكُمْ أَجْمَعِينَ قوله تعالى ﴿ سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء هداكم أجمعين﴾. أعلم أنه تعالى لما حكى عن أهل الجاهلية إقامهم على الحكم في دين الله بغير حجة ولا دليل ، حكى عنهم عذرهم في كل ما يقدمون عليه من الكفريات ، فيقولون : لو شاء اللّه منا : أن لا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر ، وحيث لم يمنعنا عنه ، ثبت أنه مريد لذلك فاذا أراد الله ذلك منا امتنع منا تركه فكنا معذورين فيه ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أعلم أن المعتزلة زعموا أن هذه الآية تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه : . فالوجه الأول ﴾ أنه تعالى حكي عن الكفار صريح قول المجبرة وهو قولهم : لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك، وإنما حكي عنهم هذا القول في معرض الذم والتقبيح ، فوجب كون هذا المذهب مذموما باطلا . ﴿والوجه الثاني﴾ أنه تعالى قال ( كذب) وفيه قراءتان بالتخفيف وبالتثقيل. أما القراءة بالتخفيف فهي تصريح بأنهم قد كذبوا في ذلك القول ، وذلك يدل على أن الذي تقوله المجبرة في هذه المسألة كذب . وأما القراءة بالتشديد ، فلا يمكن حملها على أن القوم استوجبوا الذم بسبب أنهم كذبوا أهل المذاهب ، لأنا لو حملنا الآية عليه لكان هذا المعنى ضدأً للمعنى الذي يدل عليه قراءة ( كذب ) بالتخفيف، وحينئذ تصير إحدى القراءتين ضداً للقراءة الأخرى ، وذلك يوجب دخول التناقض في كلام الله تعالى ، وإذا بطل ذلك وجب على أن المراد ٢٣٨ قوله تعالى: ((قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا)) الآية سورة الأنعام منه أن كل من كذب نبياً من الأنبياء في الزمان المتقدم ، فانه كذبه بهذا الطريق ، لأنه يقول الكل بمشيئة الله تعالى، فهذا الذي أنا عليه من الكفر ، إنما حصل بمشيئة الله تعالى ، فلم يمنعني منه ، فهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء ، وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم ، فاذا حملنا الآية على هذا الوجه صارت القراءة بالتشديد مؤكدة للقراءة بالتخفيف ويصير مجموع القراءتين دالا على إبطال قول المجبرة . ﴿ الوجه الثالث﴾ في دلالة الآية على قولنا قوله تعالى ( حتى ذاقوا بأسنا ) وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من اللّه تعالى في ذهابهم إلى هذا المذهب . الوجه الرابع﴾ قوله تعالى ( قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا) ولا شك أنه استفهام على سبيل الانكار ، وذلك يدل على أن القائلين بهذا القول ليس لهم به علم ولا حجة ، وهذا يدل على فساد هذا المذهب ، لأن كل ما كان حقاً كان القول به علما . ﴿ الوجه الخامس) قوله تعالى (إن يتبعون إلا الظن ) مع أنه تعالى قال في سائر الآيات ( إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) ﴿ والوجه السادس﴾ قوله تعالى (وإن هم إلا يخرصون) والخرص أقبح أنواع الكذب ، وأيضاً قال تعالى ( قتل الخراصون ) ﴿ والوجه السابع) قوله تعالى (قل فلله الحجة البالغة) وتقريره: أنهم احتجوا في دفع دعوة الأنبياء والرسل على أنفسهم بأن قالوا : كل ما حصل فهو بمشيئة الله تعالى ، وإذا شاء الله منا ذلك ، فكيف يمكننا تركه ؟ وإذا كنا عاجزين عن تركه ، فكيف يأمرنا بتركه ؟ وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة الله تعالى ؟ فهذا هو حجة الكفار على الانبياء ، فقال تعالى ( قل فالله الحجة البالغة ) وذلك من وجهين : ﴿ الوجه الأول﴾ أنه تعالى أعطاكم عقولا كاملة، وأفهاماً وافية ، وآذاناً سامعة ، وعيوناً باصرة ، وأقدركم على الخير والشر، وأزال الأعذار والموانع بالكلية عنكم ، فان شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات ، وإن شئتم الى عمل المعصي والمنكرات ، وهذه القدرة والممكنة معلومة الثبوت بالضرورة ، وزوال الموانع والعوائق معلوم الثبوت أيضاً بالضرورة ، وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم أنكم عاجزون عن الايمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على الله حجة بالغة ! بل لله الحجة البالغة عليكم. ﴿ والوجه الثاني﴾ أنكم تقولون: لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة الله تعالى، ٢٣٩ قوله تعالى: ((لو شاء الله ما أشركنا)) الآية سورة الأنعام لكنا قد غلبنا اللّه وقهرناه ، وأتينا بالفعل على مضادته ومخالفته ، وذلك يوجب كونه عاجزاً ضعيفاً ، وذلك يقدح في كونه إلها . فأجاب تعالى عنه : بأن العجز والضعف إنما يلزم إذا لم أكن قادرا على حملهم على الايمان والطاعة على سبيل القهر والألجاء ، وأنا قادر على ذلك وهو المراد من قوله ( ولو شاء لهداكم أجمعين ) إلا أني لا أحملكم على الايمان والطاعة على سبيل القهر والألجاء ، لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف، فثبت بهذا البيان أن الذي يقولونه من أنا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله ، فانه يلزم منه كونه تعالى عاجزا ضعيفا ، كلام باطل . فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسك المعتزلة بهذه الآية . والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول : أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا ، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات . وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة . وإذا ثبت هذا ، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فانه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه . إذا ثبت هذا فنقول : أنه تعالى حكي عن القوم أنهم قالوا ( لو شاء الله ما أشرك ) ثم ذكر عقيبه ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره ، كان التكليف عبثا، فكانت دعوى الأنبياء باطلة ، ونبوتهم ورسالتهم باطلة ، ثم أنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل ، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا أعتراض عليه لأحد في فعله ، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر . ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالايمان ، وورود الأمر على خلاف الارادة غير ممتنع . فالحاصل : أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء ، ثم أنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل ، فانه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله فى كل الأمور دفع دعوة الأنبياء ، وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية ، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع الأنبياء ، فيكون الحاصل : أن هذا الاستدلال باطل ، وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشيئة باطل . فأن قالوا : هذا العذر إنما يستقيم إذا قرأنا قوله تعالى ( كذلك كذب ) بالتسديد . وأما ٢٤٠ قوله تعالى ((لوشاء الله ما أشركنا)) الآية سورة الأنعام إذا قرأناه بالتخفيف ، فانه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان . الأول : أنا نمنع صحة هذه القراءة ، والدليل عليه أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا : فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم ، لوقع التناقض ، ولخرج القرآن عن كونه كلاما لله تعالى ، ويندفع هذا التناقض بأن لا تقبل هذه القراءة ، فوجب المصير اليه . الثاني : سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم ، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة ، والحمد لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية ، ومما يقوى ما ذكرناه ما روي أن ابن عباس قيل له بعد ذهاب بصره ما تقول فيمن يقول : لاقدر ، فقال إن كان في البيت أحد منهم أتيت عليه ويله أما يقرأ ( إنا كل شيء خلقناه بقدر . إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ) وقال ابن عباس : أول ما خلق اللّه القلم ، قال له اكتب القدر ، فجرى بما يكون إلى قيام الساعة ، وقال صلوات الله عليه ( المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة ا ﴿ المسألة الثانية﴾ زعم سيبويه أن عطف الظاهر على المضمر المرفوع قبيح ، فلا يجوز أن يقال : قمت وزيد ، وذلك لأن المعطوف عليه أصل ، والمعطوف فرع ، والمضمر ضعيف ، والمظهر قوي ، وجعل القوي فرعا للضعيف ، لا يجوز . إذا عرفت هذا الأصل فنقول : إن جاء الكلام في جانب الاثبات ، وجب تأكيد الضمير فنقول : قمت أنا وزيد ، وأن جاء في جانب النفي قلت ما قمت ولا زيد . إذا ثبت هذا فنقول قوله ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) فعطف قوله (ولا آباؤنا ) على الضمير في قوله ( ما أشركنا) إلا أنه تخلل بينهما كلمة لا فلا جرم حسن هذا العطف . قال في جامع الأصفهاني : إن حرف العطف يجب أن يكون متأخرا عن اللفظة المؤكدة للضمير حتى يحسن العطف ويندفع المحذور المذكور من عطف القوي على الضعيف، وهذا المقصود إنما يحصل إذا قلنا ( ما أشركنا نحن ولا إاباؤنا) حتى تكون كلمة ( لا ) مقدمة على حرف العطف . أما ههنا حرف العطف مقدم على كلمة ( لا ) وحينئذ يعود المحذور المذكور . فالجواب : أن كلمة ( لا) لما أدخلت على قوله ( آباؤنا ) كان ذلك موجبا إضمار فعل هناك ، لأن صرف النفي ذوات الآباء محال ، بل يجب صرف هذا النفي إلى فعل يصدر منهم ، وذلك هو الاشراك ، فكان التقدير : ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا ، وعلى هذا التقدير فالاشكال زائل