النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
قوله تعالى: ((وجعلنا له نورا يمشي به في الناس)) الآية سورة الأنعام
البشرية لها أربع مراتب في المعرفة . فأولها : كونها مستعدة لقبول هذه المعارف وذلك الاستعداد
الأصلى يختلف في الأرواح ، فربما كانت الروح موصوفة باستعداد كامل قوي شريف، وربما
كان ذلك الاستعداد قليلا ضعيفا ، ويكون صاحبه بليدا ناقصا .
والمرتبة الثانية ﴾ أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية ، وهي المسماة بالعقل.
والمرتبة الثالثة ﴾ أن يحاول ذلك الانسان تركيب تلك البديهيات : ويتوصل بتركيبها
إلى تعرف المجهولات الكسبية ، إلا أن تلك المعارف ربما لا تكون حاضرة بالفعل ، ولكنها
تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها ، يقدر عليه .
والمرتبة الرابعة ﴾ أن تكون تلك المعارف القدسية والجلايا الروحانية حاضرة
بالفعل ، ويكون جوهر ذلك الروح مشرقا بتلك المعارف مستضيئا بها مستكملا بظهورها فيه .
إذا عرفت هذا فنقول :
﴿ المرتبة الأولى) وهي حصول الاستعداد فقط، هي المسماة بالموت.
﴿ والمرتبة الثانية﴾ وهي أن تحصل العلوم البديهية الكلية فيه فهي المشار اليها بقوله
( فأحييناه )
﴿ والمرتبة الثالثة) وهي تركيب البديهيات حتى يتوصل بتركيباتها إلى تعرف المجهولات
النظرية ، فهي المراد من قوله تعالى ( وجعلنا له نورا )
﴿ والمرتبة الرابعة) وهي قوله (يمشي به في الناس ) إشارة إلى كونه مستحضرا لتلك
الجلايا القدسية ناظرا إليها ، وعند هذا تتم درجات سعادات النفس الانسانية ، ويمكن أن
يقال أيضاً الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح ، والنور عبارة عن إيصال نور
الوحي والتنزيل به . فانه لا بد في الابصار من أمرين : من سلامة الحاسة ، ومن طلوع
الشمس ، فكذلك البصيرة لا بد فيها من أمرين : من سلامة حاسة العقل ، ومن طلوع نور
الوحي والتنزيل ، فلهذا السبب قال المفسرون : المراد بهذا النور ، القرآن . ومنهم من قال :
هو نور الدين ، ومنهم من قال : هو نور الحكمة ، والاقوال بأسرها متقاربة ، والتحقيق ما
ذكرناه. وأما مثل الكافر (فهو كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) وفي قوله (ليس بخارج
منها) دقيقة عقلية، وهي أن الشيء إذا دام حصوله مع الشيء صار كالأمر الذاتي والصفة
اللازمة له ، فاذا دام كون الكافر في ظلمات الجهل والاخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات

١٨٢
قوله تعالى: ((وجعلنا له نورا يمشي به)) الآية سورة الأنعام
كالصفة الذاتية اللازمة له يعسر إزالتها عنه ، نعوذ بالله من هذه الحالة . وأيضا الواقف في
الظلمات يبقى متحيرا لا يهتدى إلى وجه صلاحه فيستولي عليه الخوف والفزع ، والعجز
والوقوف .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في أن هذين المثلين المذكورين هل هما مخصوصان بانسانين
معينين أو عامان في كل مؤمن وكافر . فيه قولان : الأول : أنه خاص بانسانين على التعيين ،
ثم فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس: إن أبا جهل رمى النبي ◌َّ بفرث وحمزة يومئذ لم
يؤمن، فأخبر حمزة بذلك عند قدومه من صيد له والقوس بيده، فعمد إلى أبي جهل وتوخاه
بالقوس، وجعل يضرب رأسه، فقال له أبو جهل: أما ترى ما جاء به؟ سفه عقولنا، وسب
آلهتنا، فقال حمزة: أنتم أسفة الناس، تعبدون الحجارة من دون الله ، أشهدان لا إله إلا الله
وحده لا شريك له وإن محمدا عبده ورسوله، فنزلت هذه الآية .
﴿ والرواية الثانية﴾ قال مقاتل: نزلت هذه الآية في النبي وسلّ وأبي جهل وذلك أنه
قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان ، قالوا منا نبي يوحى إليه .
والله لا نؤمن به ، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية .
والرواية الثالثة ﴾ قال عكرمة والكلبي : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل .
﴿ والرواية الرابعة﴾ قال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل.
﴿والقول الثاني﴾ إن هذه الآية عامة في حق جميع المؤمنين والكافرين، وهذا هو
الحق ، لأن المعنى إذا كان حاصلا في الكل ، كان التخصيص محض التحكم ، وأيضا قد ذكرنا
أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة ، فالقول بأن سبب نزول هذه الآية المعينة ، كذا وكذا
مشكل ، إلا إذا قيل إن النبي وسلّ قال إن مراد الله تعالى من هذه الآية العامة ، فلان بعينه .
﴿ المسألة الخامسة﴾ هذه الآية من أقوى الدلائل أيضاً على أن الكفر والإيمان من الله
تعالى ، لأن قوله (فأحييناه ) وقوله ( وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) قد بينا أنه كناية عن
المعرفة والهدى ، وذلك يدل على أن كل هذه الأمور إنما تحصل من الله تعالى وبأذنه ، والدلائل
العقلية ساعدت على صحته ، وهو دليل الداعي على ما لخصناه ، وأيضا أن عاقلا لا يختار
الجهل والكفر لنفسه ، فمن المحال أن يختار الانسان جعل نفسه جاهلا كافرا ، فلما قصد
تحصيل الايمان والمعرفة ، ولم يحصل ذلك ، وإنما حصل ضده وهو الكفر والجهل ، علمنا أن
ذلك حصل بأيجاد غيره .

١٨٣
قوله تعالى ((وكذلك جعلنا في كل قرية اكابر مجرميها » الآية سورة الأنعام
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلّ قَرْيَةٍ أَكَثِرَ مُجْرِمِيِهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا
بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشِّعَرُونَ
فان قالوا إنما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل أنه علم
قلنا : فحاصل هذا الكلام أنه إنما اختار هذا الجهل لسابقه جهل آخر ، فان كان الكلام
في ذلك الجهل السابق كما في المسبوق لزم الذهاب إلى غير النهاية ، وإلا فوجب الانتهاء إلى
جهل يحصل فيه لا بايجاده وتكوينه ، وهو المطلوب .
قوله تعالى ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكر وا فيها وما يمكرون إلا
بأنفسهم وما يشعرون ﴾ فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ((الكاف)) في قوله (وكذلك) يوجب التشبيه ، وفيه قولان :
الأول : وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها ، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر
مجرميها . الثاني : أنه معطوف على ما قبله ، أي كما زينا للكافرين أعمالهم ، كذلك جعلنا .
﴿ المسألة الثانية﴾ الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم، والآية على التقديم والتأخير
تقديره : جعلنا مجرميها أكابر ، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة ، فانه لا يتم المعنى ، ويحتاج
إلى إضمار المفعول الثاني للجعل ، لأنك إذا قلت : جعلت زيدا ، وسكت ، لم يفد الكلام
حتى تقول رئيسا أو ذليلا أو ما أشبه ذلك ، لاقتضاء الجعل مفعولين ، ولأنك إذا أضفت
الأكابر ، فقد أضفت الصفة إلى الموصوف، وذلك لا يجوز عند البصريين .
المسألة الثالثة ﴾ صار تقدير الآية : جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ليمكروا فيها ،
وذلك يقتضى أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة ، لأنه أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فهذا أيضاً
يدل على أن الخير والشر بارادة الله تعالى .
أجاب الجبائي عنه : بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة . وذكر غيره أنه تعالى لما لم
يمنعهم عن المكر صار شبيها بما إذا أراد ذلك ، فجاء الكلام على سبيل التشبيه ، وهذا السؤال
مع جوابه قد تكرر مرارا خارجة عن الحد والحصر .
المسألة الرابعة﴾ قال الزجاج : إنما جعل المجرمين أكابر، لأنهم لأجل رياستهم

١٨٤
قوله تعالى ((وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن)) الآية سورة الأنعام
وَإِذَا جَآءَتُمْ ءَايَةٌ قَالُواْلَنَ نُؤْمِنَ خَّى نُؤْقَى مِثْلَ مَا أُوِىَ رُسُلُ الَّهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ
يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ
يمْتُونَ
أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم ، ولأن كثرة المال وقوة الجاه
تحمل انسان على المبالغة في حفظهما ، وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من
الغدر والمكر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والأيمان الكاذبة ، ولو لم يكن المال والجاه
عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه ،
لكفى ذلك دليلا على خساسة المال والجاه .
ثم قال تعالى ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون﴾ والمراد منه ما ذكره الله تعالى في
آية أخرى ، وهي قوله ( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة
البقرة في تفسير قوله تعالى ( الله يستهزىء بهم ) قالت المعتزلة : لا شك أن قوله ( وما يمكرون
إلا بأنفسهم وما يشعرون) مذكور في معرض التهديد والزجر ، فلو كان ما قبل هذه الآية يدل
على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فكيف يليق بالرحيم الكريم الحكيم الحليم أن
يريد منهم المكر ، ويخلق فيهم المكر ، ثم يهددهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه ؟ وأعلم
أن معارضة هذا الكلام بالوجوه المشهورة قد ذكرناها مرارا .
قوله تعالى ﴿ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم
حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ﴾
أعلم أنه تعالى حكي عن مكر هؤلاء الكفار وجسدهم أنهم متى ظهرت لهم معجزة
قاهرة تدل على نبوة محمد . قالوا: لن نؤمن حتى يحصل لنا مثل هذا المنصب من عند الله،
وهذا يدل على نهاية حسدهم ، وأنهم إنما بقوا مصرين على الكفر لا لطلب الحجة والدلائل ،
بل لنهاية الحسد . قال المفسرون : قال الوليد بن المغيرة . والله لو كانت النبوة حقاً لكنت أنا
أحق بها من محمد ، فاني أكثر منه مالا وولدا ، فنزلت هذه الآية . وقال الضحاك : أراد كل
واحد منهم أن يخص بالوحي والرسالة ، کما أخبر الله تعالى عنهم في قوله ( بل یرید کل امرىء
منهم أن يؤتى صحفاً منشرة ) فظاهر الآية التي نحن في تفسيرها يدل على ذلك أيضاً لأنه تعالى

١٨٥
قوله تعالى: ((وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن)) الآية سورة الأنعام
قال ( وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله ) وهذا يدل على أن جماعة
منهم كانوا يقولون هذا الكلام وأيضاً فما قبل هذه الآية يدل على ذلك ايضاً، وهو قوله
( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ) ثم ذكر عقيب تلك الآية انهم قالوا
( لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله ) وظاهره يدل على أن المكر المذكور في الآية الأولى
هو هذا الكلام الخبيث .
وأما قوله تعالى ﴿ لن نؤمن حتى تؤتي مثل ما أوتى رسل الله﴾ ففيه قولان:
﴿ القول الأول) وهو المشهور، أراد القوم أن تحصل لهم النبوة والرسالة ، كما
حصلت لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ، ومخدوعين لا
خادمین .
﴿والقول الثاني﴾ وهو قول الحسن، ومنقول عن ابن عباس: أن المعنى، وإذا
جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع النبي . قالوا ( لن نؤمن حتى مثل ما أوتي رسل الله ) وهو
قول مشرکي العرب ( لن نؤمن لك حتی تفجر لنا من الأرض ینبوعا ) إلى قوله ( حتى تنزل علينا
كتابا نقرؤه ) من الله إلى أبي جهل ، وإلى فلان كتابا على حدة ، وعلى هذا التقدير : فالقوم ما
طلبوا النبوة ، وإنما طلبوا أن تأتيهم آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء
المتقدمين كي تدل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . قال المحققون : والقول الأول
أقوى واولى ، لأن قوله ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) لا يليق إلا بالقول الأول ، ولمن ينصر
القول الثاني أن يقول : إنهم لما اقترفوا تلك الآيات القاهرة ، فلو أجابهم الله اليها وأظهر تلك
المعجزات على وفق التماسهم ، لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة ، وحينئذ يصلح أن يكون
قوله ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) جوابا على هذا الكلام .
وأما قوله ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ فالمعنى أن للرسالة موضعا مخصوصا لا
يصلح وضعها إلا فيه ، فمن كان مخصوصا موصوفا بتلك الصفات التي لأجلها يصلح وضع
الرسالة فيه كان رسولا وإلا فلا ، والعالم بتلك الصفات ليس إلا الله تعالى .
وأعلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة ، فقال بعضهم : النفوس والأرواح متساوية في
تمام الماهية ، فحصول النبوة والرسالة لبعضها دون البعض تشريف من الله واحسان وتفضل .
وقال آخرون : بل النفوس البشرية مختلفة بجواهرها وماهياتها ، فبعضها خيرة طاهرة من
علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الالهية مستعلية منورة وبعضها خسيسة كدرة محبة
للجسمانيات ، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول ، لم تصلح لقبول الوحي والرسالة . ثم
فخدومين

١٨٦
قوله تعالى ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)) الآية سورة الأنعام
◌َمَنْ يُدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ، لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ
صَدْرَهُ ضَبِقًا حَرَجًا كَأَمَا يَصَّعَّدُ فِ السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (9)
إن القسم الأول يقع الاختلاف فيه بالزيادة والنقصان والقوة والضعف إلى مراتب لا نهاية لها ،
فلا جرم كانت مراتب الرسل مختلفة ، فمنهم من حصلت له المعجزات القوية والتبع القليل ،
ومنهم من حصلت له معجزة واحدة أو اثنتان وحصل له تبع عظيم ، ومنهم من كان الرفق
غالبا عليه ، ومنهم من كان التشديد غالبا عليه ، وهذا النوع من البحث فيه استقصاء ، ولا
يليق ذكره بهذا الموضع وقوله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) فيه تنبيه على دقيقة أخرى .
وهي : أن أقل مالا بد منه في حصول النبوة والرسالة البراءة عن المكر والغدر ، والغل
والحسد. وقوله (لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتى رسل الله) عين المكر والغدر والحسد، فكيف
يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات؟ ثم بين تعالى أنهم لكونهم موصوفين بهذه
الصفات الذميمة سيصيبهم صغار عند الله وعذاب شديد وتقريره أن الثواب لا يتم إلا
بأمرين ، التعظيم والمنفعة ، والعقاب أيضاً إنما يتم بأمرين : الاهانة والضرر . والله تعالى
توعدهم بمجموع هذين الأمرين ، في هذه الآية ، أما الاهانة فقوله ( سيصيبهم صغار عند الله
وعذاب شديد ) وإنما قدم ذكر الصغار على ذكر الضرر ، لأن القوم إنما تمردوا عن طاعة محمد
عليه الصلاة والسلام طلبا للعز والكرامة ، فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مطلوبهم ، فأول ما
يوصل إليهم إنما يوصل الصغار والذل والهوان ، وفي قوله ( صغار عند الله ) وجوه : الأول :
أن يكون المراد أن هذا الصغار إنما يحصل في الآخرة ، حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه .
والثاني : أنهم يصيبهم صغار بحكم الله وإيجابه في دار الدنيا ، فلما كان ذلك الصغار هذا
حاله ، جاز أن يضاف إلى عند الله. الثالث: أن يكون المراد ( سيصيب الذين أجرموا صغار)
ثم استأنف . وقال (عند الله ) أي معدلهم ذلك ، والمقصود منه التأكيد ، الرابع : أن يكون
المراد صغار من عند الله، وعلى هذا التقدير: فلا بد من إضمار كلمة ((من)) وأما بيان الضرر
والعذاب ، فهو قوله ( وعذاب شديد ) فحصل بهذا الكلام أنه تعالى أعدلهم الخزى العظيم
والعذاب الشديد ، ثم بين أن ذلك إنما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم .
/ قوله تعالى ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره
ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾

١٨٧
قوله تعالى: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره)) الآية سورة الأنعام
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله
تعالى .
واعلم أن هذه الآية كما أن لفظها يدل على قولنا ، فلفظها أيضاً يدل على الدليل القاطع
العقلى الذي في هذه المسألة ، وبيانه أن العبد قادر على الايمان وقادر على الكفر ، فقدرته
بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية ، فيمتنع صدور الايمان عنه بدلا من الكفر أو
الكفر بدلا من الايمان ، إلا إذا حصل في القلب داعية اليه ، وقد بينا ذلك مرارا كثيرة في هذا
الكتاب ، وتلك الداعية لا معنى لها إلى علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملا على
مصلحة زائدة ومنفعة راجحة ، فأنه إذا حصل هذا المعنى في القلب دعاه ذلك إلى فعل ذلك
الشيء ، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن بكون ذلك الفعل مشتملا على ضرر زائد
ومفسدة راجحة دعاء ذلك إلى تركه ، وبينا بالدليل أن حصول هذه الدواعي لا بد وأن تكون
من الله تعالى ، وان مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل .
إذا ثبت هذا فنقول : يستحيل أن يصدر الايمان عن العبد إذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن
الايمان راجح المنفعة زائد المصلحة ، وإذا حصل في القلب هذا الاعتقاد مال القلب ، وحصل
في النفس رغبة شديدة في تحصيله ، وهذا هو انشراح الصدر للايمان . فأما إذا حصل في القلب
اعتقاد أن الايمان بمحمد مثلا سبب مفسدة عظيمة في الدين والدنيا ، ويوجب المضار الكثير ،
فعند هذا يترتب على حصول هذا الاعتقاد نفرة شديدة عن الايمان بمحمد عليه الصلاة
والسلام ، وهذا هو المراد من أنه تعالى يجعل ضيقا حرجا ، فصار تقدير الآية : أن من أراد الله
تعالى منه الايمان قوي دواعيه إلى الايمان ، ومن أراد الله منه الكفر قوي صوارفه عن الايمان ،
وقوي دواعيه إلى الكفر . ولما ثبت بالدليل العقلى أن الأمر كذلك ، ثبت أن لفظ القرآن مشتمل
على هذه الدلائل العقلية ، وإذا انطبق قاطع البرهان على صريح لفظ القرآن ، فليس وراءه
بيان ولا برهان . قالت المعتزلة : لنا في هذه الآية مقامان :
المقام الأول ﴾ بيان أنه لا دلالة في هذه الآية على قولكم.
﴿ المقام الثاني﴾ مقام التأويل المطابق لمذهبنا وقولنا.
أما المقام الأول : فتقريره من وجوه :

١٨٨
قوله تعالى: ((ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقاً) الآية سورة الأنعام
﴿ الوجه الأول﴾ أن هذه الآية ليس فيها أنه تعالى أضل قوما أو يضلهم ، لأنه ليس
فيها أكثر من أنه متى أراد أن يهدي إنسان فعل به كيت وكيت ، وإذا أراد إضلاله فعل به كيت
وكيت ، وليس في الآية أنه تعالى يريد ذلك أولا يريده . والدليل عليه أنه تعالى قال ( لو أردنا
أن نتخذ لهوا لاتخاذناه من لدنا إن كنا فاعلين) فبين تعالى أنه يفعل اللهو لو أراده ، ولا خلاف
أنه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله .
﴿ الوجه الثاني﴾ أنه تعالى لم يقل: ومن يرد أن يضله عن الاسلام ، بل قال ( ومن
يرد أن يضله )
فلم قلتم أن المراد ؟ ومن يرد أن يضله عن الايمان .
﴿ الوجه الثالث﴾ أنه تعالى بين في آخر الآية أنه إنما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء
على كفره ، وأنه ليس ذلك على سبيل الابتداء ، فقال ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا
يؤمنون )
﴿ الوجه الرابع﴾ أن قوله (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ) فهذا يشعر
بأن جعل الصدر ضيقا حرجا يتقدم حصوله على حصول الضلالة ، وأن لحصول ذلك المتقدم
أثرا في حصول الضلال وذلك باطل بالإجماع . أما عندنا : فلا نقول به . وأما عندكم : فلأن
المقتضي لحصول الجهل والضلال هو أن الله تعالى يخلقه فيه لقدرته . فثبت بهذه الوجوه الاربعة
أن هذه الآية لا تدل على قولكم .
﴿ أما المقام الثاني) وهو أن تفسير هذه الآية على وجه يليق بقولنا، فتقريره من وجوه:
الأول : وهو الذي اختاره الجبائي ، ونصره القاضي ، فنقول : تقدير الآية : ومن يرد الله أن
يهديه يوم القيامة الى طريق الجنة ، يشرح صدره للاسلام حتى يثبت عليه ، ولا يزول عنه ،
وتفسير هذا الشرح هو أنه تعالى يفعل به ألطافا تدعوه إلى البقاء على الايمان والثبات عليه ، وفي
هذا النوع ألطاف لا يمكن فعلها بالمؤمن ، إلا بعد أن يصير مؤمنا ، وهي بعد أن يصير الرجل
مؤمنا يدعوه إلى البقاء على الايمان والثبات عليه وإليه الاشارة بقوله تعالى ( ومن يؤمن بالله يهد
قلبه ) وبقوله ( والذين جاهدوا فينا لنهديهم سلبنا ) فاذا آمن عبد وأراد الله ثباته فحينئذ يشرح
صدره ، أي يفعل به الالطاف التي تقتضي ثباته على الايمان ودوامه عليه . فاما إذا كفر وعاند ،
وأراد الله تعالى أن يضله عن طريق الجنة ، فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج . ثم سأل
الجبائي نفسه وقال : كيف يصح ذلك ونجد الكفار طيبي النفوس لا غم لهم البتة ولا حزن ؟

قوله تعالى: ((كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)) الآية سورة الأنعام ١٨٩
وأجاب عنه : بأنه تعالى لم يخبر بأنه يفعل بهم ذلك في كل وقت فلا يمتنع كونهم في
بعض الأوقات طيبي القلوب . وسأل القاضي نفسه على هذا الجواب سؤالا آخر فقال: فيجب
أن تقطعوا في كل كافر بأنه يجد من نفسه ذلك الضيق والحرج في بعض الأوقات .
وأجاب عنه بأن قال : وكذلك نقول ودفع ذلك لا يمكن خصوصا عند ورود أدلة الله
تعالى وعند ظهور نصرة الله للمؤمنين ، وعند ظهور الذلة والصغار فيهم ، هذا غاية تقرير هذا
الجواب .
﴿والوجه الثاني﴾ في التأويل قالوا لم لا يجوز أن يقال: المراد فمن يرد الله أن يهديه
إلى الجنة يشرح صدره للإسلام ؟ أي يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى
الجنة ، لأنه لما رأى أن بسبب الايمان وجد هذه الدرجة العالية ، والمرتبة الشريفة يزداد رغبة في
الايمان ، ويحصل في قلبه مزيد انشراح وميل إليه ، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق
الجنة ، ففي ذلك الوقت يضيق صدره ، ويحرج صدره بسبب الحزن الشديد الذي ناله عند
الحرمان من الجنة والدخول في النار . قالوا : فهذا وجه قريب واللفظ محتمل له ، فوجب حمل
اللفظ عليه .
والوجه الثالث ﴾ في التأويل أن يقال : حصل في الكلام تقديم وتأخير ، فيكون
المعنى من شرح صدر نفسه بالايمان فقد أراد الله أن يهديه أي يخصه بالالطاف الداعية إلى
الثبات على الايمان ، أو يهديه بمعنى أنه يهديه إلى طريق الجنة ، ومن جعل صدره ضيقا حرجا
عن الايمان ، فقد أراد الله أن يضله عن طريق الجنة ، أو يضله بمعنى أنه يحرمه عن الالطاف
الداعية إلى الثبات على الايمان ، فهذا هو مجموع كلامهم في هذا الباب .
والجواب عما قالوه أولا : من أن الله تعالى لم يقل في هذه الآية أنه يضله ، بل المذكور
فيه أنه لو أراد أن يضله لفعل كذا وكذا .
فنقول : قوله تعالى في آخر الآية ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون )
تصريح بأنه يفعل بهم ذلك الاضلال لأن حرف ( الكاف في قوله ( كذلك ) يفيد التشبيه ،
والتقدير : وكما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره ، فكذلك نجعل الرجس على قلوب
الذين لا يؤمنون .
والجواب عما قالوه ثانيا وهو قوله : ومن يرد الله أن يضله عن الدين .
فنقول : إن قوله في آخر الآية ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) تصريح

١٩٠
:
قوله تعالى: ((كذلك يجعل الله الرجس)) الآية سورة الأنعام
بأن المراد من قوله ( ومن يرد أن يضله ) هو أنه يضله عن الدين .
والجواب عما قالوه ثالثا : من أن قوله ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون )
يدل على أنه تعالى إنما يلقى ذلك الضيق والحرج في صدورهم جزاء على كفرهم .
فنقول : لا نسلم أن المراد ذلك ، بل المراد كذلك يجعل الله الرجس على قلوب الذين
قضى عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وإذا حملنا هذه الآية على هذا الوجه ، سقط ما ذكروه .
والجواب عما قالوه رابعاً : من أن ظاهر الآية يقتضى أن يكون ضيق الصدر وحرجة شيئاً
متقدماً على الضلال وموجبا له .
فنقول : الأمر كذلك ، لأنه تعالى إذا خلق في قلبه اعتقاداً بأن الايمان محمد + * يوجب
الذم في الدنيا والعقوبة في الآخرة ، فهذا الاعتقاد يوجب إعراض النفس ونفور القلب عن
قبول ذلك الايمان ويحصل في ذلك القلب نفرة ونبوة عن قبول ذلك الايمان وهذه الحالة شبيهة
بالضيق الشديد ، لأن الطريق إذا كان ضيقاً لم يقدر الداخل على أن يدخل فيه ، فكذلك
القلب إذا حصل فيه هذا الاعتقاد امتنع دخول الايمان فيه ، فلأجل حصول هذه المشابهة من
هذا الوجه ، أطلق لفظ الضيق والحرج عليه ، فقط سقط هذا الكلام .
وأما الوجه الأول ﴾ من التأويلات الثلاثة التي ذكروها .
فالجواب عنه : أن حاصل ذلك الكلام يرجع إلى تفصيل الضيق والحرج باستيلاء الغم
والحزن على قلب الكافر ، وهذا بعيد ، لأنه تعالى ميز الكافر عن المؤمن بهذا الضيق والحرج ،
فلو كان المراد منه حصول الغم والحزن في قلب الكافر ، لوجب أن يكون ما يحصل في قلب
الكافر من الغموم والهموم والأحزان أزيد مما يحصل في قلب المؤمن زيادة يعرفها كل أحد ،
ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، بل الأمر في حزن الكافر والمؤمن على السوية ، بل الحزن
والبلاء في حق المؤمن أكثر . قال تعالى ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر
بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة) وقال عليه السلام ((خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل
فالأمثل ))
وأما الوجه الثاني ﴾ من التأويلات الثلاثة فهو أيضا مدفوع، لأنه يرجع حاصله الى إيضاح
الواضحات لأن كل أحد يعلم بالضرورة أن كل من هداه الله تعالى الى الجنة بسبب الايمان فانه
يفرح بسبب تلك الهداية وينشرح صدره للايمان مزيد انشراح في ذلك الوقت . وكذلك القول

١٩١
قوله تعالى: ((كذلك يجعل الله الرجس)) الآية سورة الأنعام
في قوله ( ومن يريد أن يضله ) المراد من يضله عن طريق الجنة فانه يضيق قلبه في ذلك الوقت
فان حصول هذا المعنى معلوم بالضرورة ، فحمل الآية عليه إخراج لهذه الآية من الفائدة .
وأما الوجه الثالث ﴾ من الوجوه الثلاثة ، فهو يقتضى تفكيك نظم الآية ، وذلك لأن
الآية تقتضى أن يحصل انشراح الصدر من قبل الله أولا ، ثم يترتب عليه حصول الهداية
والايمان ، وأنتم عكستم القضية فقلتم العبد يجعل نفسه أولا منشرح الصدر ، ثم إن الله تعالى
بعد ذلك يهديه بمعنى أنه يخصه بمزيد الألطاف الداعية له الى الثبات على الايمان ، والدلائل
اللفظية إنما يمكن التمسك بها إذا أبقينا ما فيها من التركيبات والترتيبات فأما إذا أبطلناها
وأزلناها لم يمكن التمسك بشيء منها أصلا ، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يمكن التمسك
بشيء من الآيات ، وإنه طعن في القرآن وإخراج له عن كونه حجة ، فهذا هو الكلام الفصل في
هذه السؤالات ، ثم إنا نختم الكلام في هذه المسألة بهذه الخاتمة القاهرة وهي أنا بينا أن فعل
الايمان يتوقف على أن يحصل في القلب داعية جازمة الى فعل الايمان وفاعل تلك الداعية هو الله
تعالى ، وكذلك القول في جانب الكفر ولفظ الآية منطبق على هذا المعنى ، لأن تقدير الآية فمن
يرد الله أن يهديه قوی في قلبه ما يدعوه الى الايمان ومن يرد أن يضله ألقى في قلبه ما يصرفه عن
الايمان ويدعوه الى الكفر ، وقد ثبت بالبرهان العقلى ان الأمر يجب أن يكون كذلك ، وعلى
هذا التقدير : فجميع ما ذكرتموه من السؤالات ساقط ، والله تعالى أعلم بالصواب .
﴿ المسألة الثالثة﴾ في تفسير ألفاظ الآية ، أما شرح الصدر ففي تفسيره وجهان:
﴿ الوجه الأول﴾ قال الليث: يقال شرح الله صدره فانشرح أى وسع صدره لقبول
ذلك الأمر فتوسع . وأقول : إن الليث فسر شرح الصدر بتوسیع الصدر ، ولا شك أنه ليس
المراد منه أن يوسع صدره على سبيل الحقيقة ، لأنه لا شبهة أن ذلك محال ، بل لا بد من تفسير
توسيع الصدر فنقول : تحقيقه ما ذكرناه فيما تقدم ولا بأس باعادته . فنقول إذا اعتقد الانسان
في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال. طبعه اليه ، وقويت رغبته في حصوله
وحصل في القلب استعداد شديد لتحصيله ، فتسمى هذه الحالة بسعة النفس ، وإذا اعتقد في
عمل من الأعمال أن شره زائد وضرره راجح عظمت النفرة عنه وحصل في الطبع نفرة ونبوة عن
قبوله ، ومعلوم أن الطريق إذا كان ضيقا لم يتمكن الداخل من الدخول فيه ، وإذا كان واسعا
قدر الداخل على الدخول فيه فاذا حصل اعتقاد أن الأمر الفلاني زائد النفع والخير وحصل
الميل اليه ، فقد حصل ذلك الميل في ذلك القلب ، فقيل : اتسع الصدر له وإذا حصل اعتقاد
أنه زائد الضرر والمفسدة لم يحصل في القلب ميل اليه فقيل إنه ضيق فقد صار الصدر شبيها
بالطريق الضيق الذى لا يمكن الدخول فيه ، فهذا تحقيق الكلام في سعة الصدر وضيقه .

١٩٢
قوله تعالى: ((كذلك يجعل الله الرجس)) الآية سورة الأنعام
والوجه الثاني ﴾ في تفسير الشرح يقال: شرح فلان أمره إذا أظهره وأوضحه وشرح
المسألة إذا كانت مشكلة فبينها .
واعلم أن لفظ الشرح غير مختص بالجانب الحق ، لأنه وارد في الاسلام في قوله ( أفمن
شرح الله صدره للإسلام ) وفي الكفر في قوله ( ولكن من شرح بالكفر صدرا ) قال المفسرون :
لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل له : کیف یشرح الله صدره ؟ فقال
عليه السلام (( يقذف فيه نورا حتى ينفسح وينشرح)) فقيل له وهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟
فقال عليه السلام ((الانابة الى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل
نزول الموت)) وأقول هذا الحديث من أدل الدلائل على صحة ما ذكرناه في تفسير شرح الله
الصدر ، وتقريره أن الانسان إذا تصور أن الاشتغال بعمل الآخرة زائد النفع والخير ، وأن
الاشتغال بعمل الدنيا زائد الضرر والشر، فإذا حصل الجزم بذلك إما بالبرهان أو بالتجربة أو
التقليد لا بد وأن يترتب على حصول هذا الاعتقاد حصول الرغبة في الآخرة ، وهو المراد من
الانابة الى دار الخلود والنفرة عن دار الدنيا ، وهو المراد من التجافي عن دار الغرور ، وأما
الاستعداد للموت قبل نزول الموت فهو مشتمل على الأمرين ، أعني النفرة عن الدنيا والرغبة
في الآخرة .
إذا عرفت هذا فنقول : الداعي إلى الفعل لا بد وأن يحصل قبل حصول الفعل ، وشرح
الصدر للايمان عبارة عن حصول الداعي الى الايمان ، فلهذا المعنى أشعر ظاهر هذه الآية بأن
شرح الصدر متقدم على حصول الاسلام ، وكذا القول في جانب الكفر .
أما قوله ﴿ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ﴾ ففيه مباحث :
﴿ البحث الأول﴾ قرأ ابن كثير (ضيقا) ساكنة الياء وكذا في كل القرآن ، والباقون
مشددة الياء مكسورة ، فيحتمل أن يكون المشدد والمخفف بمعنى واحد ، كسيد وسيد ، وهين
وهين ولين ولين ، وميت وميت ، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ( حرجا ) بكسر الراء ،
والباقون بفتحها قال الفراء : وهو في كسره ونصبه بمنزلة الوجل والوجل ، والقرد والقرد ،
والدنف والدنف . قال الزجاج : الحرج في اللغة أضيق الضيق ومعناه : أنه ضيق جدا ، فمن
قال : أنه رجل حرج الصدر بفتح الراء فمعناه : ذو حرج في صدره ، ومن قال : حرج جعله
فاعلا ، وكذلك رجل دنف ذو دنف ، ودنف نعت .
﴿ البحث الثاني﴾ قال بعضهم: الحرج. بكسر الراء الضيق ، والحرج بالفتح جمع
حرجة ، وهو الموضع الكثير الاشجار الذى لا تناله الراعية . وحكى الواحدى في هذا الباب

١٩٣
قوله تعالى: ((كذلك يجعل الله الرجس)) الآية سورة الأنعام
حكايتين: إحداهما : روى عن عبيد بن عمير عن ابن عباس أنه قرأ هذه الاية وقال: هل ههنا
أحد من بني بكر. قال رجل: نعم. قال: ما الحرجة فيكم. قال: الوادي الكثير الشجر
المشتبك الذي لا طريق فيه. فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر. الثانية: روى الواحدي
عن أبي الصلت الثقفي قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الاية ، ثم قال: ائتوني
برجل من كنانة جعلوه راعيا فاتوا به، فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم . قال: الحرجة فينا
الشجرة تحدق بها الاشجار فلا يصل اليها راعية ولا وحشية. فقال عمر: كذلك قلب الكافر لا
يصل اليه شيء من الخير .
أما قوله تعالى ﴿ كأنما يصعد في السماء ﴾ ففيه بحثان :
﴿ البحث الأول﴾ قرأ ابن كثير (يصعد) ساكنة الصاد وقرأ أبو بكر عن عاصم
( يصاعد ) بالالف وتشديد الصاد بمعنى يتصاعد ، والباقون ( يصعد ) بتشديد الصاد والعين
بغير الف، أما قراءة ابن كثير ( يصعد ) فهي من الصعود ، والمعنى : أنه في نفوره عن الاسلام
وثقله عليه بمنزلة من تكلف الصعود الى السماء ، فكما أن ذلك التكليف ثقيل على القلب ،
فكذلك الايمان ثقيل على قلب الكافر وأما قراءة أبي بكر ( يصاعد ) فهو مثل يتصاعد . وأما
قراءة الباقين ( يصعد ) فهي بمعنى يتصعد فادغمت التاء في الصاد ومعنى يتصعد يتكلف ما
يثقل عليه .
﴿ البحث الثاني﴾ في كيفية هذا التشبيه وجهان: الأول: كما أن الانسان إذا كلف
الصعود الى السماء ثقل ذلك التكليف عليه ، وعظم وصعب عليه ، وقويت نفرته عنه ،
فكذلك الكافر يثقل عليه الايمان وتعظم نفرته عنه . والثاني : أن يكون التقدير أن قلبه ينبو
عن الاسلام ويتباعد عن قبول الايمان ، فشبه ذلك البعد ببعد من يصعد من الأرض الى
السماء .
أما قوله ﴿ كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ﴾ ففيه بحثان :
﴿ البحث الأول ﴾ الكلف في قوله ( كذلك) يفيد التشبيه بشيء ، وفيه وجهان :
الأول : التقدير أن يجعل الله الرجس عليهم كجعله ضيق الصدر في قلوبهم . والثاني : قال
الزجاج التقدير : مثل ما قصصنا عليك ، يجعل الله الرجس .
﴿ البحث الثاني﴾ اختلفوا في تفسير (الرجس ) فقال ابن عباس: هو الشيطان يسلطه
الله عليهم وقال مجاهد ( الرجس ) ما لا خير فيه . وقال عطاء ( الرجس ) العذاب . وقال
الفخر الرازي ج١٣ م١٣

١٩٤
قوله تعالى: ((كذلك يجعل الله الرجس )) الآية سورة الأنعام
الزجاج ( الرجس ) اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة .
ولنختم تفسير هذه الآية بما روى عن محمد بن كعب القرظي أنه قال تذاكرنا في أمرٍ
القدرية عند ابن عمر. فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً. منهم نبينا صلى الله عليه
وسلم، فاذا كان يوم القيامة نادى مناد، وقد جمع الناس بحيث يُسمع الكل أين خصماء الله،
فتقوم القدرية وقد أورد القاضي هذا الحديث في تفسيره. وقال: هذا الحديث من أقوى ما يدل
على أن القدرية هم الذين ينسبون أفعال العباد الى الله تعالى قضاء وقدراً وخلقا، لأن الذين
يقولون هذا القول، هم خصماء الله، لأنهم يقولون لله أي ذنب لنا حتى تعاقبنا، وأنت الذي
خلقته فينا وأردته منا، وقضيته علينا، ولم تخلقنا إلا له، وما يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا بد وأن
يكونوا خصماء الله بسبب هذه الحجة أما الذين قالوا: ان الله ممكن وأزاح العلة، وانما أتى
العبد من قبل نفسه، فكلامه موافق لما يعامل به من انزال العقوبة، فلا يكونون خصماء الله،
بل يكونون منقادين لله هذا كلام القاضي وهو عجيب جدا وذلك لأنه يقال له يبعد منك انك
عرفت من مذاهب خصومك انه ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه، وأن
كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب، وليس للعبد على الرب اعتراض ولا مناظرة،
فكيف يصير الانسان الذي هذا دينه واعتقاده خصما لله تعالى. أما الذين يكونون خصماء الله
فهم المعتزلة وتقريره من وجوه: الأول: انه يدعى عليه وجوب الثواب والعوض ، ويقول: لو
لم تعطني ذلك لخرجت عن الالهية وصرت معز ولا عن الربوبية وصرت من جملة السفهاء، فهذا
الذي مذهبه واعتقاده ذلك هو الخصم الله تعالى. والثاني: أن من واظب على الكفر سبعين
سنة، ثم أنه في آخر زمن حياته قال: لا اله إلا الله محمد رسول الله عن القلب، ثم مات، ثم
ان رب العالمين أعطاه النعم الفائقة والدرجات الزائدة ألف ألف سنة، ثم أراد أن يقطع تلك
النعم عنه لحظة واحدة، فذلك العب يقول: أيها الاله إياك، ثم إياك أن تترك ذلك لحظة
واحدة، فانك ان تركته لحظة واحدة صرت معزولا عن الالهية والحاصل: أن إقدام ذلك العبد
على ذلك الايمان لحظة واحدة أوجب على الاله إيصال تلك النعم مدة لا آخر لها، ولا طريق له
البتة الى الخلاص عن هذه العهدة، فهذا هو الخصومة . أما من يقول إنه لا حق لأحد من
الملائكة والأنبياء على الله تعالى. وكل ما يوصل اليهم من الثواب فهو تفضل وإحسان من الله
تعالی، فهذا لا یکون خصما .
والوجه الثالث ﴾ في تقرير هذه الخصومة ما حكى أن الشيخ أبا الحسن الاشعرى لما
فارق مجلس أستاذه أبي على الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة

١٩٥
قوله تعالى: ((ويجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)) الآية سورة الأنعام
بينهما فاتفق أن يوما من الأيام عقد الجبائي مجلس التذكير وحضر عنده عالم من الناس ، وذهب
الشيخ أبو الحسن الى ذلك المجلس ، وجلس في بعض الجوانب مختفيا عن الجبائي ، وقال
لبعض من حضر هناك من العجائز إني أعلمك مسألة فاذکر یها هذا الشیخ قولي له کان لي ثلاثة
من البنين واحد كان في غاية الدين والزهد ، والثاني كان في غاية الكفر والفسق ، والثالث كان
صبيا لم يبلغ ، فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم . فقال الجبائي :
أما الزاهد ، ففي درجات الجنة ، وأما الكافر ، ففي دركات النار ، وأما الصبي ، فمن أهل
السلامة . قال قولي له : لو أن الصبي أراد أن يذهب الى تلك الدرجات العالية التي حصل
فيها أخوه الزاهد هل يمكن منه . فقال الجبائي : لا لأن الله يقول له إنما وصل الى تلك
الدرجات العالية بسبب أنه أتعب نفسه في العلم والعمل ، وأنت فليس معك ذاك فقال أبو
الحسن : قولي له لو أن الصبي حينئذ يقول : يا رب العالمين ليس الذنب لي ، لأنك أمتني قبل
البلوغ ولو أمهلتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد والدين . فقال الجبائي : يقول الله له
علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب النار ، فقبل أن تصل الى تلك الحالة
راعيت مصلحتك وأمتك حتى تنجو من العقاب ، فقال أبو الحسن : قولي له لو أن الأخ
· الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار ، فقال : يا رب العالمين ، ويا أحكم
الحاكمين ، ويا أرحم الراحمين ، كما علمت من ذلك الأخ الصغير أنه لو بلغ كفر علمت منى
ذلك ، فلم راعيت مصلحته وما راعيت مصلحتي ؟ قال الراوى : فلما وصل الكلام الى هذا
الموضع انقطع الجبائي . فلما نظر رأى أبا الحسن ، فعلم أن هذه المسألة منه ، لا من
العجوز ، ثم إن أبا الحسين البصرى جاء بعد أربعة أدوار أو أكثر من بعد الجبائي فأراد أن
يجيب عن هذا السؤال ، فقال : نحن لا نرضى في حق هؤلاء الاخوة الثلاثة بهذا الجواب الذى
ذكرتم ، بل لنا ههنا جوابان آخران سوى ما ذكرتم ، ثم قال : وهو مبني على مسألة اختلف
شيوخنا فيها ، وهي أنه هل يجب على اللّه أن يكلف العبد أم لا ؟ فقال البصريون : التكليف
محض التفضل والاحسان ، وهو غير واجب على الله تعالى . وقال البغداديون : إنه واجب على
الله تعالى . قال : فان فرعنا على قول البصريين ، فالله تعالى أن يقول لذلك الصبي إني طولت
عمر الأخ الزاهد ، وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلا على أخيك الزاهد
بهذا الفضل أن أكون متفضلا عليك بمثله . وأما إن فرعنا على قول البغداديين . فالجواب أن
يقال : إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف عليه كان إحسانا في حقه ، ولم يلزم منه عود
مفسدة الى الغير فلا جرم . فعلته وأما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك كان يلزم منه عود
مفسدة الى غيرك ، فلهذا السبب ما فعلت ذلك في حقك فظهر الفرق . هذا تلخيص كلام أبي

١٩٦
قوله تعالى ((وهذا صراط ربك مستقيم)) الآية سورة الأنعام
وَهَذَا صِرَطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّعُونَ (
الحسين البصرى سعيا منه في تخليص شيخه المتقدم عن سؤال الأشعرى ، بل سعيا منه في
تخليص إلهه عن سؤال العبد ، وأقول قبل الخوض في الجواب عن كلام أبي الحسين : صحة
هذه المناظرة الدقيقة بين العبد وبين الله ، إنما لزمت على قول المعتزلة . وأما على قول
أصحابنا رحمهم الله فلا مناظرة البتة بين العبد وبين الرب ، وليس للعبد أن يقول لربه ، لم
فعلت كذا ؟ أو ما فعلت كذا . فثبت أن خصماء الله هم المعتزلة ، لا أهل السنة وذلك يقوى
غرضنا ويحصل مقصودنا ، ثم نقول :
أما الجواب الأول: وهو أن إطالة العمر وتوجيه التكليف تفصل. فيجوز ان يخص به
بعضنا دون بعض. فنقول : هذا الكلام مدفوع، لأنه تعالى لما أوصل التفضل الى أحدهما .
فالامتناع من إيصاله الى الثاني قبيح من اللّه تعالى، لأن الايصال الى هذا الثاني ، ليس فعلا
شاقا على الله تعالى، ولا يوجب دخول نقصان في ملكه بوجه من الوجوه ، وهذا الثاني يحتاج الى
ذلك التفضل ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد . ألا ترى أن من منع غيره من النظر في مرآته
المنصوبة على الجدار لعامة الناس قبح ذلك منه ، لأنه منع من النفع من غير اندفاع ضرر اليه ،
ولا وصول نفع اليه فان كان حكم العقل بالتحسين والتقبيح مقبولا ، فليكن مقبولا ههنا، وإن
لم يكن مقبولاً لم يكن مقبولا البتة في شيء من المواصع ، وتبطل كلية مذهبكم . فثبت أن هذا
الجواب فاسد .
وأما الجواب الثاني : فهو أيضاً فاسد ، وذلك لأن قولنا تكليفه يتضمن مفسدة ليس
معناه أن هذا التكليف يوجب لذاته حصول تلك المفسدة ، وإلا لزم أن تحصل هذه المفسدة
أبدا في حق الكل وأنه باطل ، بل معناه : أن الله تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص ، فان
إنساناً آخر يختار من قبل نفسه فعلا قبيحاً، فان اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه ،
فكذلك قد علم من ذلك الكافر أنه إذا كلفه فانه يختار الكفر عند ذلك التكليف ، فوجب أن
يترك تكليفه ، وذلك يوجب قبح تكليف من علم الله من حاله أنه يكفر ، وإن لم يجب ههنا لم
يجب هنالك ، وأما القول بأنه يجب عليه تعالى ترك التكليف إذا علم أن غيره يختار فعلا قبيحاً
عند ذلك التكليف ، ولا يجب عليه تركه إذا علم تعالى أن ذلك الشخص يختار القبيح عند ذلك
التكليف ، فهذا محض التحكم . فثبت أن الجواب الذي استخرجه أبو الحسين بلطيف فكره ،
ودقيق نظره بعد أربعة أدوار ضعيف ، وظهر أن خصماء الله هم المعتزلة ، لا أصحابنا ، والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكر ون ﴾

١٩٧
قوله تعالى: ((وهذا صراط ربك مستقيماً)) الآية سورة الأنعام
في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قوله (وهذا) إشارة إلى مذكور تقدم ذكره . وفيه قولان : الأول :
وهو الأقوى عندي أنه إشارة إلى ما ذكره وقرره في الآية المتقدمة وهو أن الفعل يتوقف على
الداعي وحصول تلك الداعية من الله تعالى ، فوجب كون الفعل من الله تعالى ، وذلك يوجب
التوحيد المحض وهو كونه تعالى مبدئاً لجميع الكائنات والممكنات ، وإنما سماه صراطاً لأن العلم
به يؤدي إلى العلم بالتوحيد الحق ، وإنما وصفه بكونه مستقيما لأن قول المعتزلة غير مستقيم ،
وذلك لأن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر إما أن يتوقف على المرجح أو لا يتوقف ، فان
توقف على المرجح لزم أن يقال الفعل لا يصدر عن القادر إلا عند انضمام الداعي اليه ، وحينئذ
يتم قولنا . ويكون الكل بقضاء الله وقدره ويبطل قول المعتزلة ، وإما أن لا يتوقف رجحان
أحد طرفي الممكن على الآخر على مرجح وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات
والمحدثات ، وحينئذ يلزم نفي الصنع والصانع وإبطال القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر .
فأما القول بأن هذا الرجحان يحتاج إلى المؤثر في بعض الصور دون البعض كما يقول هؤلاء
المعتزلة فهو معوج غير مستقيم ، إنما المستقيم هو الحكم بثبوت الحاجة على الاطلاق ، وذلك
يوجب عين مذهبنا . فهذا القول هو المختار عندي في تفسير هذه الآية .
﴿ القول الثاني﴾ أن قوله (وهذا صراط ربك مستقيما) إشارة إلى كل ما سبق ذكره في
كل القرآن قال ابن عباس : يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك مستقيماً وقال ابن
مسعود يعني القرآن . والقول الأول أولى . لأن عود الأشارة إلى أقرب المذكورات أولى .
وإذا ثبت هذا فنقول : لما أمر الله تعالى بمتابعة ما في الآية المتقدمة وجب أن تكون من
المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى إذا ذكر شيئاً وبالغ في الأمر بالتمسك به والرجوع إليه
والتعويل عليه وجب أن يكون من المحكمات . فثبت أن الآية المتقدمة من المحكمات وأنه يجب
إجراؤها على ظاهرها ويحرم التصرف فيها بالتأويل .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الواحدي: انتصب مستقيما على الحال، والعامل فيه معنى
هذا وذلك لأن ((اذا)) يتضمن معنى الأشارة ، كقولك : هذا زيد قائما معناه أشير اليه في حال
قيامه ، وإذا كان العامل في الحال معنى الفعل لا الفعل ، لم يجز تقديم الحال عليه لا يجوز قائما
هذا زيد ، ويجوز ضاحكا جاء زيد .
أما قوله ﴿ قد فصلنا الآيات لقوم یذکر ون ﴾
فنقول : أما تفصيل الآيات فمعناه ذكرها فصلا فصلا بحيث لا يختلط واحد منها

١٩٨
قوله تعالى ((لهم دار السلام عند ربهم)) الآية سورة الأنعام
٨٠٠٠٠٠
لَهُمْ دَارُ السَّلَنِمِ عِندَ رَبِهِمْ وَهُوَ وَلُِّهُمْ بِمَاكَانُوا يَعْمَلُونَ
٢٧
بالآخر ، والله تعالى قد بين صحة القول بالقضاء والقدر في آيات كثيرة من هذه السورة متوالية
متعاقبة ، بطرق كثيرة ووجوه مختلفة . وأما قوله ( لقوم يذكرون ) فالذي أظنه والعلم عند الله
أنه تعالى إنما جعل مقطع هذه الآية هذه اللفظة لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي
الممكن لا يترجح على الآخر إلا لمرجح ، فكأنه تعالى يقول للمعتزلي : أيها المعتزلي تذكر ما
تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر ، إلا لمرجح ، حتى تزول الشبهة
عن قلبك بالكلية في مسألة القضاء والقدر .
قوله تعالى ﴿ لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ﴾
أعلم أنه تعالى لما بين عظيم نعمه في الصراط المستقيم وبين أنه تعالى معد مهىء لمن
يكون من المذكورين بين الفائدة الشريفة التي تحصل من التمسك بذلك الصراط المستقيم ،
فقال ( لهم دار السلام عند ربهم ) وفي هذه الآية تشريفات .
﴿ النوع الأول﴾ قوله (لهم دار السلام) وهذا يوجب الحصر، فمعناه: لهم دار
السلام لا لغيرهم ، وفي قوله ( دار السلام ) قولان :
القول الأول﴾ أن السلام من أسماء الله تعالى، فدار السلام هي الدار المضافة إلى الله
تعالى، كما قيل للكعبة - بيت الله تعالى - وللخليفة - عبد الله -
والقول الثاني ﴾ أن السلام صفة الدار، ثم فيه وجهان : الأول : المعنى دار
السلامة ، والعرب تلحق هذه الهاء في كثير من المصادر وتحذفها يقولون ضلال وضلالة ،
وسفاه وسفاهة ، ولذاذ ولذاذة ، ورضاع ورضاعة ، الثاني : أن السلام جمع السلامة ، وإنما
سميت الجنة بهذا الاسم لأن أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها .
إذا عرفت هذين القولين : فالقائلون بالقول الأول قالوا به لأنه أولى ، لأن إضافة الدار
إلى الله تعالى نهاية في تشريفها وتعزيمها وإكبار قدرها ، فكان ذكر هذه الاضافة مبالغة في تعظيم
الأمر والقائلون بالقول الثاني رجحوا قولهم من وجهين : الأول : أن وصف الدار بكونها دار
السلامة أدخل في الترغيب من إضافة الدار إلى الله تعالى ، والثاني : أن وصف الله تعالى بأنه
السلام في الأصل مجاز ، وإنما وصف بذلك لأنه تعالى ذو السلام ، فإذا أمكن حمل الكلام على
حقيقته كان أولى .

١٩٩
قوله تعالى: ((وهو وليهم بما كانوا يعملون)) الآية سورة الأنعام
النوع الثاني ﴾ من الفوائد المذكورة في هذه الآية قوله ( عند ربهم ) وفي تفسيره
وجوه :
﴿ الوجه الأول﴾ المراد أنه معه عنده تعالى كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة ،
ونظيره قوله تعالى ( جزاؤهم عند ربهم ) وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها ، وكونهم على ثقة من
ذلك .
﴿ الوجه الثاني﴾ وهو الأقرب إلى التحقيق أن قوله (عند ربهم ) يشعر بأن ذلك الأمر
المدخر موصوف بالقرب من الله تعالى ، وهذا القرب لا يكون بالمكان والجهة ، فوجب كونه
بالشرف والعلو والرتبة ، وذلك يدل على أن ذلك الشيء بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا
يعرف كنهه إلا الله تعالى، ونظيره قوله تعالى ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين )
﴿ الوجه الثالث) أنه قال في صفة الملائكة ( ومن عنده لا يستكبرون ) وقال في صفة
المؤمنين في الدنيا - أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلى - وقال أيضاً - أنا عند ظن عبدي بي - وقال في
صفتهم يوم القيامة (في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) وقال في دارهم (لهم دار السلام عند
ربهم ) وقال في ثوابهم (جزاؤهم عند ربهم) وذلك يدل على أن حصول كمال صفة العبودية
بواسطة صفة العندية .
النوع الثالث ﴾ من التشريفات المذكورة في هذه الآية قوله (وهو وليهم ) والوالي
معناه القريب ، فقوله ( عند ربهم ) يدل على قربهم من الله تعالى ، وقوله ( وهو وليهم ) يدل
على قرب الله منهم ، ولا نرى في العقل درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة ، وأيضاً فقوله ( وهو
وليهم ) يفيد الحصر، أي لاولى لهم إلا هو، وكيف وهذا التشريف إنما حصل على التوحيد
المذكور في قوله ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره
ضيقا حرجا ) فهؤلاء الأقوام قد عرفوا من هذه الآية أن المدبر والمقدر ليس إلا هو، وأن النافع
والضار ليس إلا هو، وأن المسعد والمشقى ليس إلا هو، وأنه لا مبدىء للكائنات والممكنات
إلا هو، فلما عرفوا هذا انقطعوا عن كل ما سواه ، فما كان رجوعهم إلا اليه ، وما كان توكلهم
إلا عليه ، وما كان أنسهم إلا به ، وما كان خضوعهم إلا له ، فلما صاروا بالكلية ، لا جرم ،
قال تعالى ( وهو وليهم ) وهذا إخبار بأنه تعالى متكفل بجميع مصالحهم في الدين والدنيا ،
ويدخل فيها الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة وإيصال الخيرات ودفع الآفات والبليات .
ثم قال تعالى ﴿ بما كانوا يعملون﴾ وإنما ذكر ذلك لئلا ينقطع المرء عن العمل ، فان
العمل لا بد منه ، وتحقيق القول فيه : أن بين النفس والبدن تعلقا شديداً، فكما أن الهيآت

٢٠٠
قوله تعالى ((ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن)) الآية سورة الأنعام
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جِيعًا يَدَمَعْشَ أَلْنّ قَدِ أَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ
آلْإِنِسِ رَبَّنَا أَسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَنَا الَّذِىّ أَجَلْتَ لَنَّا قَالَ النَّارُ مَنْوَلَكُمْ
◌َدِينَ فِيَهَا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
١٢٨
النفسانية قد تنزل من النفس إلى البدن ، مثل ما إذا تصور أمرا مغضبا ظهر الأثر عليه في
البدن ، فيسخن البدن ويحمى ، فكذلك الهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس ، فاذا
واظب الانسان على أعمال البر والخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس ، وذلك يدل
على أن السالك لا بد له من العمل ، وأنه لا سبيل له إلى تركه البتة .
قوله تعالى ﴿ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال أولياؤهم
من الأنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين
فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ﴾
أعلم أنه تعالى لما بين حال من يتمسك بالصراط المستقيم ، بين بعده حال من يكون
بالضد من ذلك لتكون قصة أهل الجنة مردفة بقصة أهل النار ، وليكون الوعيد مذكورا بعد
الوعد ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ ( ويوم يحشرهم ) منصوب بمحذوف، أي واذكر يوم نحشرهم ، أو
يوم نحشرهم قلنا يا معشر الجن ، أو يوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن ، كان ما لا يوصف
لفظاعته .
﴿ المسألة الثانية﴾ الضمير في قوله (ويوم يحشرهم ) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان :
الأول : يعود إلى المعلوم ، لا إلى المذكور، وهو الثقلان ، وجميع المكلفين الذين علم أن الله
يبعثهم . والثاني : أنه عائد إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله ( وكذلك جعلنا لكل نبي
عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا )
﴿ المسألة الثالثة﴾ في الآية محذوف والتقدير: يوم نحشرهم جميعا فنقول : يا معشر
الجن ، فيكون هذا القائل هو الله تعالى ، كما انه الحاشر لجميعهم ، وهذا القول منه تعالى بعد
الحشر لا يكون إلا تبكيتا وبيانا لجهة أنهم وإن تمردوا في الدنيا فينتهي حالهم في الآخرة إلى