النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ قوله تعالى: ((وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست)) الآية سورة الأنعام ١٠٥ وَكَّلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيْنَهُ، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ وأما القسم الثاني ) وهو الذي لا يتعلق بالرسول ، فاقدامهم على الايمان وترك الكفر ، فان هذا لا يتعلق بالرسول ، بل يتعلق باختيارهم ، ونفعه وضره عائد إليهم ، والمعنى من أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر، وإياها نفع ، ومن عمی عنه فعلى نفسه عمی وإياها ضر بالعمى ( وما أنا عليكم بحفيظ) احفظ أعمالكم وأجازيكم عليها . إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم . ﴿ المسألة الثانية﴾ في أحكام هذه الآية، وهي أربعة ذكرها القاضي: فالأول: الغرض بهذه البصائر أن ينتفع بها اختيار استحق بها الثواب لا أن يحمل عليها أو يلجأ إليها ، لأن ذلك يبطل هذا الغرض والثاني. أنه تعالى إنما دلنا وبين لنا منافع، وأغراض المنافع تعود الينا لا لمنافع تعود إلى الله تعالى. والثالث : أن المرء بعدوله عن النظر والتدبر يضر بنفسه، ولم يؤت إلا من قبله لا من قبل ربه . والرابع : انه متمكن من الأمرين، فلذلك قال ( فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها) قال: وفيه إبطال قول المجبرة في المخلوق، وفي أنه تعالى يكلف بلا قدرة . وأعلم أنه متى شرعت المعتزلة في الحكمة والفلسفة والأمر والنهي ، فلا طريق فيه إلا معارضته بسؤال الداعي فانه یهدم كل ما يذكرونه . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ المراد من الابصار ههنا العلم، ومن العمى الجهل ، ونظيره قوله تعالى ( فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال المفسرون قوله ( فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها) معناه لا آخذكم بالايمان أخذ الحفيظ عليكم والوكيل . قالوا : وهذا إنما كان قبل الأمر بالقتال ، فلما أمر بالقتال صار حفيظا عليهم ، ومنهم من يقول آية القتال ناسخة لهذه الآية ، وهو بعيد فكان هؤلاء المفسرين مشغوفون بتكثير النسخ من غير حاجة اليه ، والحق ما تقرره أصحاب أصول الفقه إن الأصل عدم النسخ ، فوجب السعي في تقليله بقدر الامكان قوله تعالى ﴿ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعملون ﴾ أعلم أنه تعالى لما تم الكلام في الالهيات إلى هذا الموضع شرع من هذا الموضع في إثبات النبوات فبدأ تعالى بحكاية شبهات المنكرين لنبوة محمد ولية ، ١٤٢ قوله تعالى: ((وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست)) الآية سورة الأنعام فالشبهة الأولى ﴾ قولهم يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به كلام تستفيده من مدارسة العلماء ومباحثة الفضلاء، وتنظمه من عند نفسك ثم تقرأه علينا، وتزعم أنه وحي نزل عليك من الله تعالى، ثم أنه تعالى أجاب عنه بالوجوه الكثيرة ، فهذا تقرير النظم ، وفي الآية مسائل : ﴿المسألة الأولى﴾ أعلم أن المراد من قوله (وكذلك نصرف الآيات ) يعني أنه تعالى يأتي بها متواترة حالا بعد حال ، ثم قال ( وليقولوا درست ) وفيه مباحث . ﴿ البحث الأول﴾ حكي الواحدي: في قوله درس الكتاب قولين: الأول: قال الأصمعي أصله من قولهم : درس الطعام إذا داسه ، يدرسه دراسا والدراس الدياس بلغة أهل الشام قال : ودرس الكلام من هذا أي يدرسه فيخف على لسانه ، والثاني : قال أبو الهيثم درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه ، من قولهم درست الثوب أدرسه درسا فهو مدروس ودريس ، أي أخلقته ، ومنه قيل للثوب الخلق دريس لأنه قدلان ، والدراسة الرياضة ، ومنه درست السورة حتى حفظتها ، ثم قال الواحدي : وهذا القول قريب مما قاله الأصمعى بل هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى التدليل والتليين. ﴿ البحث الثاني ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست بالألف ونصب التاء، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد وتفسيرها قرأت على اليهود وقرؤ عليك ، وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة ، ويقوى هذه القراءة قوله تعالى ( إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ) وقرأ ابن عامر ( درست ) أي هذه الاخبار التي تلوتها علينا قديمة قد درست وانمحت ، ومضت من الدرس الذي هو تعفى الأثر وإمحاء الرسم ، قال الأزهري من قرأ ( درست ) فمعناه تقادمت أي هذا الذي تتلوه علينا قد تقادم وتطاول وهو من قولهم درس الأثر يدرس دروسا . وأعلم أن صاحب الكشاف روى ههنا قرا آت أخرى : فاحداها : ( درست ) بضم الراء مبالغة في ( درست ) أي اشتد دروسها . وثانيها ( درست ) على البناء المفعول بمعنى قدمت وعفت . وثالثها : ( دارست ) وفسروها بدارست اليهود محمدا . ورابعها ( درس ) أي درس محمد . وخامسها ( دارسات ) على معنى هي دارسات أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية . ﴿ البحث الثالث﴾ ((الواو)) في قوله (وليقولوا) عطف على مضمر والتقدير وكذلك نصرف الآيات لتلزمهم الحجة وليقولوا فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه . ﴿ البحث الرابع﴾ اعلم أنه تعالى قال (وكذلك نصرف الآيات ) ثم ذكر الوجه الذي ١٤٣ قوله تعالى ((وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست)) الآية سورة الأنعام لأجله صرف هذه الآيات وهو أمران : أحدهما قوله تعالى ( وليقولوا دارست ) والثاني قوله ( ولنبينه لقوم يعلمون ) أما هذا الوجه الثاني فلا إشكال فيه لأنه تعالى بين أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والفهم والعلم . وإنما الكلام في الوجه الأول وهو قوله ( وليقولوا دارست ) لأن قولهم للرسول دارست كفر منهم بالقرآن والرسول ، وعند هذا الكلام عاد بحث مسألة الجبر والقدر . فأما أصحابنا فانهم أجروا الكلام على ظاهره فقالوا معناه إنا ذكرنا هذه الدلائل حالا بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزداد كفراً على كفر ، وتثبيتاً لبعضهم فيزداد إيماناً على إيمان ، ونظيره قوله تعالى ( يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا) وقوله ( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم ) وأما المعتزلة فقد تحيروا . قال الجبائي والقاضى : وليس فيه إلا أحد وجهين : الأول : أن يحمل هذا الاثبات على النفي ، والتقدير : وكذلك نصرف الآيات لئلا يقولوا درست . ونظيره قوله تعالى ( يبين الله لكم أن تضلوا ) ومعناه : لئلا تضلوا . والثاني : أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة . والتقدير : أن عاقبة أمرهم عند تصريفنا هذه الآيات أن يقولوا هذا القول مستندين الى اختيارهم ، عادلين عما يلزم من النظر في هذه الدلائل . هذه غاية كلام القوم في هذا الباب . ولقائل أن يقول : أما الجواب الأول فضعيف من وجهين : الأول : أن حمل الاثبات على النفي تحريف لكلام الله وتغيير له ، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يبقى وثوق لا بنفيه ولا باثباته ، وذلك يخرجه عن كونه حجة وأنه باطل . والثاني : أن بتقدير أن يجوز هذا النوع من التصرف في الجملة ، إلا أنه غير لائق البتة بهذا الموضع، وذلك لأن النبي ◌َّ كان يظهر آيات القرآن نجما نجما ، والكفار كانوا يقولون : إن محمدا يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض ويتفكر فيها ويصلحها آية فآية ثم يظهرها ، ولو كان هذا بوحي نازل اليه من السماء ، فلم لا يأت بهذا القرآن دفعة واحدة ؟ كما أن موسى عليه السلام أتى بالتوراة دفعة واحدة . إذا عرفت هذا فنقول : إن تصريف هذه الآيات حالا فحالا هي التي أوقعت الشبهة للقوم في أن محمد الرّ ، إنما يأتي بهذا القرآن على سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين وعلى ما يقول الجبائي والقاضي فانه يقتضى بأن يكون تصريف هذه الآيات حالا بعد حال يوجب أن يمتنعوا من القول بأن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما أتى بهذا القرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة . فثبت أن الجواب الذي ذكره إنما يصح لو جعلنا تصريف الآيات علة لأن يمتنعوا من ذلك القول ، مع أنا بينا أن تصريف الآيات ، هو الموجب لذلك القول فسقط هذا الكلام . وأما الجواب الثاني : وهو حمل اللام على لام العاقبة ، فهو أيضا بعيد لأن حمل هذه اللام ١٤٤ قوله تعالى: ((إتبع ما اوحي إليك من ربك)) الآية سورة الأَنْعام أَنَّبِعْ مَ أُوِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَآَ إِلَهَ إلَّا هَوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ( على لام العاقبة مجاز، وحمله على الغرض حقيقة، والحقيقة أقوى من المجاز فلو قلنا ((اللام)) في قوله ﴿ وليقولوا درست﴾ لام العاقبة في قوله ﴿ولنبينه لقوم يعلمون﴾ للحقيقة فقد حصل تقديم المجاز على الحقيقة في الذكر وأنه لا يجوز . فثبت بما ذكرنا ضعف هذين الجوابين وأن الحق ما ذكرنا أن المراد منه عين المذكور في قوله تعالى ﴿ يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا ﴾ ومما يؤكد هذا التأويل قوله ﴿ ولنبينه لقوم يعلمون ﴾ يعني أنا ما بيناه إلا لهؤلاء، فأما الذين لا يعلمون فما بينا هذه الآيات لهم ، ولما دل هذا على أنه تعالى ما جعله بيانا إلا للمؤمنين ثبت أنه جعله ضلالا للكافرين وذلك ما قلنا. والله اعلم . قوله تعالى ﴿ اتبع ما أوحى إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ﴾ اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن إلى الافتراء أو الى أنه يدارس أقواما ويستفيد هذه العلوم منهم ثم ينظمها قرآنا ويدعي أنه نزل عليه من الله تعالى ، أتبعه بقوله ﴿ اتبع ما أوحى اليك من ربك ﴾ لئلا يصير ذلك القول سببا لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة ، والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حصل بسبب سماع تلك الشبهة ، ونبه بقوله ﴿ لا إله إلا هو﴾ على أنه تعالى لما كان واحدا في الالهية فانه يجب طاعته، ولا يجوز الاعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين . وأما قوله ﴿ وأعرض عن المشركين﴾ فقيل: المراد ترك المقابلة ، فلذلك قالوا إنه منسوخ ، وهذا ضعيف لأن الأمر بترك المقابلة في الحال لا يفيد الأمر بتركها دائما ، واذا كان الأمر كذلك لم يجب التزام النسخ . وقيل المراد ترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه ، وأن يعدل صلوات الله عليه الى الطريق الذي يكون أقرب الى القبول وأبعد عن التنفير والتغليظ . قوله تعالى ﴿ ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ﴾ اعلم أن هذا الكلام أيضا متعلق بقولهم للرسول عليه السلام إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم ، فكأنه تعالى يقول له لا تلتفت الى سفاهات هؤلاء الكفار ، ولا ١٤٥ قوله تعالى: ((ولو شاء الله ما أشركوا)) الآية سورة الأنعام يثقلن عليك كفرهم ، فاني لو أردت إزالة الكفر عنهم لقدرت ، ولكني تركتهم مع كفرهم ، فلا ينبغي أن تشغل قلبك بكلماتهم . أوأعلم أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى ( ولوشاء الله ما أشركوا ) والمعنى : ولو شاء الله أن لا يشركوا ما أشركوا ، وحيث لم يحصل الجزاء علمنا أنه لم يحصل الشرط ، فعلمنا أن مشيئة الله تعالى بعدم إشراكهم غير حاصلة . قالت المعتزلة : ثبت بالدليل أنه تعالى أراد من "الكل الايمان، وما شاء من أحد الكفر والشرك، وهذه الآية تقتضي أنه تعالى ما شاء من الكل الايمان، فوجب التوفيق بين الدليلين فيحمل مشيئة الله تعالى لايمانهم على مشيئة الايمان الاختياري الموجب للثواب والثناء ويحمل عدم مشيئته لايمانهم على الايمان الحاصل بالقهر والجبر والالجاء . يعني أنه تعالى ما شاء منهم أن يحملهم على الايمان على سبيل القهر والالجاء ، لأن ذلك يبطل التكليف ويخرج الانسان عن استحقاق الثواب . هذا ما عول القوم عليه في هذا الباب، وهو في غاية الضعف ويدل عليه وجوه : الأول : لا شك أنه تعالى هو الذي أقدر الكافر على الكفر فقدرة الكفر إن لم تصلح للايمان فخالق تلك القدرة لا شك أنه كان مريدا للكفر ، وان كانت صالحة للايمان لم يترجح جانب الكفر على جانب الايمان إلا عند حصول داع يدعوه الى الايمان ، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا المرجح وهو محال ، ومجموع القدرة مع الداعي إلى الكفر يوجب الكفر ، وإذا كان خالق القدرة والداعي هو الله تعالى، وثبت أن مجموعها يوجب الكفر. ثبت أنه تعالى قد أراد الكفر من الكافر . الثاني: في تقرير هذا الكلام أن نقول : إنه تعالى كان عالما بعدم الايمان من الكافر ، ووجود الايمان مع العلم بعدم الايمان متضادان ومع وجود أحد الضدين كان حصول الضد الثاني محالا ، والمحال مع العلم بكونه محالا غير مراد ، فامتنع أن يقال إنه تعالى يريد الايمان من الكافر . الثالث : هب أن الايمان الاختياري أفضل وأنفع من الايمان الحاصل بالجبر والقهر إلا أنه تعالى لما علم أن ذلك الانفع لا يحصل البتة ، فقد كان يجب في حكمته ورحمته أن يحلق فيه الايمان على سبيل الالجاء ، لأن هذا الايمان وان كان لا يوجب الثواب العظيم ، فأقل ما فيه أن يخلصه من العقاب العظيم ، فترك ايجاد هذا الايمان فيه على سبيل الالجاء يوجب وقوعه في أشد العذاب ، وذلك لا يليق بالرحمة والاحسان ومثاله أن من كان له ولد عزيز وكان هذا الأب في غاية الشفقة وكان هذا الولد واقفا على طرف البحر فيقول الوالد له : غص في قعر هذا البحر لتستخرج اللآلي العظيمة الرفيعة العالية منه ، وعلم الوالد قطعا أنه إذا غاص في البحر هلك وغرق ، فهذا الأب ان كان ناظرا في حقه مشفقا عليه وجب عليه أن يمنعه من الغوص في قعر البحر ويقول له : اترك طلب تلك اللآ لي فانك لا تجدها وتهلك ، ولكن الأولى لك أن تكتفي بالرزق القليل الفخر الرازي ج١٣ م١٠ ١٤٦ قوله تعالى: ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله)) الآية سورة الأنعام وَلَ تَّسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَسُبُواْ الَّهَ عَدْوَاْ بِغَيْرٍ عِلٍْ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مِّرْجِعُهُمْ فَيُغَيِّئُهُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( مع السلامة ، فأما أن يأمره بالغوص في قعر البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فهذا يدل على عدم الرحمة وعلى السعي في الاهلاك فكذا ههنا والله أعلم . وأعلم أنه تعالى لما بين أنه لا قدرة لأحد على إزالة الكفر عنهم ختم الكلام بما يكمل معه تبصير الرسول عليه السلام ، وذلك أنه تعالى بين له قدر ما جعل اليه فذكر أنه تعالى ما جعله عليهم حفيظا ولا وكيلا على سبيل المنع لهم ، وإنما فوض اليه البلاغ بالأمر والنهي في العمل والعلم وفي البيان بذكر الدلائل والتنبيه عليها فان انقادوا للقبول فنفعه عائد اليهم وإلا فضرره عائد عليهم وعلى التقديرين فلا يخرج منّ من الرسالة والنبوة والتبليغ . قوله تعالى ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فیسبوا الله عدوا بغیر علم کذلك زینا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ﴾ أعلم أن هذا الكلام أيضا متعلق بقولهم للرسول عليه السلام : إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم ، فانه لا يبعد أن بعض المسلمين إذا سمعوا ذلك الكلام من الكفار غضبوا وشتموا آلهتهم على سبيل المعارضة، فنهى الله تعالى عن هذا العمل ، لأنك متى : شتمت آلهتهم غضبوا فربما ذكروا الله تعالى بما لا ينبغي من القول ، فلأجل الاحتراز عن هذا المحذور وجب الاحتراز عن ذلك المقال ، وبالجملة فهو تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجزلك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فان ذلك يوجب فتح باب المشائمة والسفاهة وذلك لا يليق بالعقلاء ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا في سبب نزول الآية وجوها: الأول: قال ابن عباس : لما نزل ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) قال المشركون : لئن لم تنته عن سب آلهتنا وشتمها لنهجون إلهك فنزلت هذه الآية أقول : لي ههنا إشكالان : الأول : أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة فكيف يمكن أن يقال : إن سبب نزول هذه الآية كذا وكذا . الثاني : أن الكفار كانوا مقرين بالاله تعالى وكانوا يقولون : إنما حسنت عبادة الأصنام لتصير شفعاءلهم عند الله تعالى، وإذا كان كذلك ، فكيف يعقل اقدامهم على شتم الله تعالى وسبه . ١٤٧ قوله تعالى: ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله)) الآية سورة الأنعام والقول الثاني ﴾ في سبب نزول هذه الآية. قال السدى: لما قربت وفاة أبي طالب قالت قريش : ندخل عليه ونطلب منه أن ينهى ابن أخيه عنا فانا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب : كان يمنعه فلما مات قتلوه فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث مع جماعة اليه وقالوا له : أنت كبيرنا وخاطبوه بما أرادوا . فدعا محمدا عليه الصلاة والسلام وقال : هؤلاء قومك وبنو عمك يطلبون منك أن تتركهم على دينهم ، وأن يتركوك عن دينك فقال عليه الصلاة والسلام ( قولوا لا إله إلا الله)) فأبو فقال أبو طالب: قل غير هذه الكلمة فان قومك يكرهونها . فقال عليه الصلاة والسلام))ما أنا بالذي أقول غيرها حتى تأتوني، بالشمس فتضعوها في يدي فقالوا له اترك شتم آلهتنا وإلا شتمناك ، ومن يأمرك بذلك فذلك قوله تعالى ( فيسبوا الله عدوا بغير علم ) وأعلم أنا قد دللنا على أن القوم كانوا مقرين بوجود الاله تعالى فاستحال اقدامهم على شتم الاله بل ههنا احتمالات : أحدها : أنه ربما كان بعضهم قائلا بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي بهذا النوع من السفاهة . وثانيها : أن الصحابة متى شتموا الاصنام فهم كانوا يشتمون الرسول عليه الصلاة والسلام فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى شتم الله تعالى كما في قوله ( أن الذين يبايعونك انما يبايعون الله) وكقوله ( ان الذين يؤذون الله ) وثالثها : أنه ربما كان في جهالهم من كان يعتقد أن شيطانا يحمله على ادعاء النبوة والرسالة ، ثم إنه لجهله كان يسمى ذلك الشيطان بأنه إله محمد عليه الصلاة والسلام فكان يشتم إله محمد بناء على هذا التأويل . المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول : إن شتم الأصنام من أصول الطاعات ، فكيف يحسن من الله تعالى أن ينهي عنها . والجواب : أن هذا الشتم ، وإن كان طاعة . إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم ، وجب الاحتراز منه والامر ههنا كذلك ، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله وشتم رسوله ، وعلى فتح باب السفاهة ، وعلى تنفيرهم عن قبول الدين ، وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم ، فنكونه مستلزما لهذه المنكرات ، وقع النهي عنه . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ الحسن ( فيسبوا الله عدوا ) بضم العين وتشديد الواو ، ويقال : عدا فلان عدوا وعدوا وعدوانا وعدا . أي ظلم ظلما جاوز القدر . قال الزجاج : وعدوا منصوب على المصدر ، لأن المعنى فيعدوا عدوا . قال : ويجوز أن يكون بارادة اللام ، والمعنى : فينسبوا الله للظلم . ١٤٨ قوله تعالى: ((وكذلك زينا لكل أمة عملهم)) الآية سورة الأنعام ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال الجبائي: دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يفعل بالكفار ما يزدادون به بعدا عن الحق ونفورا . إذ لو جاز أن يفعله لجاز أن يأمر به ، وكان لا ينهي عما ذكرنا ، وكان لا يأمر بالرفق بهم عند الدعاء . كقوله لموسى وهرون ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) وذلك يبين بطلان مذهب المجبرة . المسألة الخامسة ) قالوا هذه الآية تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر ، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر ، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين ، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب ، لأن وصف الأوثان بانها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها ، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها . وأما قوله تعالى ﴿ كذلك زينا لكل أمة عملهم ﴾ فاحتج أصحابنا بهذا على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر، وللمؤمن الايمان ، وللعاصي المعصية ، وللمطيع الطاعة . قال الكعبي: حمل الآية على هذا المعنى محال لأنه تعالى هو الذي يقول (الشيطان رسول لهم ) ويقول (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) ثم إن القوم ذكروا في الجواب وجوها : الأول : قال الجبائي : المراد زينا لكل أمة تقدمت ما أمرناهم به من قبول الحق والكعبى أيضا ذكر عين هذا الجواب فقال: المراد أنه تعالى زين لهم ما ينبغي أن يعملوا وهم لا ينتهون . الثاني: قال آخرون : المراد زينا لكل امة من أمم الكفار سوء عملهم ، أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم . والثالث: أمهلنا الشيطان حتى زين لهم ، والرابع : زيناه في زعمهم وقولهم : إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا هذا مجموع التأويلات المذكورة في هذه الآية والكل ضعيف وذلك لأن الدليل العقلى القاطع دل على صحة ما أشعر به ظاهر هذا النص ، وذلك لأنا بينا غير مرة أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على حصول الداعي . وبينا أن تلك الداعية لا بد وأن تكون بخلق الله تعالى ، ولا معنى لتلك الداعية الاعلمه واعتقاده أو ظنه باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد ، ومصلحة راجحة ، وإذا كانت تلك الداعية حصلت بفعل الله تعالى ، وتلك الداعية لا معنى لها إلا كونه معتقدا لاشتمال ذلك الفعل على النفع الزائد ، والمصلحة الراجحة . ثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل ، ولا قول ولا حركة ولا سكون ، إلا إذا زين الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده ، وأيضا الانسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرا وجهلا ، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيمانا وعلما ١٤٩ قوله تعالى: ((واقسموا بالله جهد ايمانهم)) الآية سورة الأنعام وَأَقْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِمْ لَيْنِ جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا آْآَيَتُ عِنْدَ الهِ وَمَا يُشْعُرُ كُمْ أَّهَآ إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ وصدقا وحقا فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل . الثاني : ثم أنا ننقل الكلام إلى أنه لم اختار ذلك الجهل السابق ، فان كان ذلك لسابقة جهل آخر فقد لزم أن يستمر ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات وذلك محال ، ولما كان ذلك باطلا وجب انتهاء تلك الجهالات إلى جهل أول يخلقه الله تعالى فيه ابتداء ، وهو بسبب ذلك الجهل ظن في الكفر كونه ايمانا وحقا وعلما وصدقا ، فثبت انه يستحيل من الكافر اختيار الجهل والكفر إلا إذازين الله تعالى ذلك الجهل في قلبه ، فثبت بهذين البرهانين، القاطعين القطعيين أن الذي يدل عليه ظاهر هذه الآية هو الحق الذي لا محيد عنه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد بطلت التأويلات المذكورة بأسرها ، لأن المصير إلى التأويل إنما يكون عند تعذر حمل الكلام على ظاهره أما لما قام الدليل على أنه لا يمكن العدول عن الظاهر ، فقد سقطت هذه التكليفات بأسرها والله أعلم . وأيضاً فقوله تعالى ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) بعد قوله ( فيسبوا الله عدوا بغير علم ) مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله تعالى . فاما أن يحمل ذلك على أنه تعالى زين الأعمال الصالحة في قلوب الأمم ، فهذا كلام منقطع عما قبله ، وأيضاً فقوله ( کذلك زینا لكل أمة عملهم ) يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة ، فتخصيص هذا الكلام بالأمة المؤمنة ترك لظاهر العموم ، وأما سائر التأويلات ، فقد ذكرها صاحب الكشاف : وسقوطها لا يخفي ، والله أعلم . أما قوله تعالى ﴿ ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ﴾ فالمقصود منه أن أمرهم مفوض إلى الله تعالى، وأن الله تعالى عالم بأحوالهم مطلع على ضمائرهم . ورجوعهم يوم القيامة إلى الله فيجازي كل أحد بمقتضى عمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. / قوله تعالى ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما یشعر کم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ أعلم أنه تعالى حكى عن الكفار شبهة توجب الطعن في نبوته ، وهي قولهم أن هذا القرآن إنما جئتنا به لانك تدارس العلماء ، وتباحث الأقوام الذين عرفوا التوراة والانجيل . ثم تجمع هذه السور وهذه الآيات بهذا الطريق. ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بما سبق، ١٥.١ قوله تعالى: ((واقسموا بالله جهد أيمانهم)) الآية سورة الأنعام وهذه الآية مشتملة على شبهة أخرى وهي قولهم له إن هذا القرآن كيفما كان أمره، فليس من جنس المعجزات البتة، ولو انك يا محمد جئتنا بمعجزة قاهرة وبينة ظاهرة لآمنا بك، وحلفوا على ذلك وبالغوا في تأكيد ذلك الحلف، فالمقصود من هذه الآية تقرير هذه الشبهة. وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال الواحدى . إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضوعة لتوكيد الخبر الذى يخبر به الانسان : إما مثبتا للشيء ، وإما نافيا . ولما كان الخبر يدخله الصدق والكذب احتاج المخبر الى طريق به يتوسل إلى ترجيح جانب الصدق على جانب الكذب ، وذلك هو الحلف ولما كانت الحاجة الى ذكر الحلف إنما تحصل عند انقسام الناس عند سماع ذلك الخبر الى مصدق به ومكذب به . سموا الحلف بالقسم ، وبنوا تلك الصيغة على - افعل - فقالوا . أقسم فلان يقسم إقساما : وأرادوا أنه أكد القسم الذى اختاره وأحال الصدق الى القسم الذى اختاره بواسطة الحلف واليمين . ﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: قالوا لما نزل قوله تعالى ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) أقسم المشركون بالله لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها فنزلت هذه الآية . الثاني : قال محمد بن كعب القرظى : إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم تخبرنا أن موسى ضرب الحجر بالعصا فانفجر الماء ، وأن عيسى أحيا الميت ، وأن صالحا أخرج الناقة من الجبل ، فأتنا أيضا أنت بآية لنصدقك فقال عليه الصلاة والسلام ((ما الذى تحبون)) فقالوا أن تجعل لنا الصفا ذهبا ، وحلفوا لئن فعل ليتبعونه أجمعون ، فقام عليه الصلاة والسلام يدعو ، فجاءه جبريل عليه السلام فقال إن شئت كان ذلك ، ولئن كان فلم يصدقوا عنده ، ليعذبنهم ، وإن تركوا تاب على بعضهم . فقال صلى الله عليه وسلم (( بل يتوب على بعضهم )) فأنزل الله تعالى هذه الآية . ﴿ المسألة الثالثة﴾ ذكروا في تفسير قوله ( جهد أيمانهم ) وجوها : قال الكلبي ومقاتل : إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه . وقال الزجاج : بالغوا في الايمان وقوله ( لئن جاءتهم آية ) اختلفوا في المراد بهذه الآية . فقيل : ما روينا من جعل الصفا ذهبا ، وقيل : هي الأشياء المذكورة في قوله تعالى ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين الذين كذبوا أنبياءهم فالمشركون طلبوا مثلها . ١٥١ قوله تعالى: قل انما الآيات عند الله وما يشعركم)) الآية سورة الأنعام وقوله ﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ ذكروا في تفسير لفظة (عند) وجوها ، فيحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى هو المختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره لأن المعجزات الدالة على النبوات شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلا الله سبحانه وتعالى ، ويحتمل أن يكون المراد بالعندية أن العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضى إقدام هؤلاء الكفار على الايمان أم لا ليس إلا عند الله ؟ ولفظ العندية بهذا المعنى كما في قوله (وعنده مفاتح الغيب ) ويحتمل أن يكون المراد أنها وإن كانت في الحال معدومة ، إلا أنه تعالى متى شاء إحداثها أحدثها ، فهي جارية مجرى الأشياء الموضوعة عند الله يظهرها متى شاء ، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها ولفظ ( عند ) بهذا المعنى هنا كما في قوله ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) . ثم قال تعالى ﴿وما يشعركم﴾ قال أبو على ((ما)) استفهام وفاعل يشعركم ضمير ((ما)) والمعنى : وما يدريكم إيمانهم ؟ فحذف المفعول ، وحذف المفعول كثير . والتقدير : وما يدريكم إيمانهم ، أى بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات فهم لا يؤمنون . وقوله ( أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) قرأ بن كثير وأبو عمرو ( إنها ) بكسر الهمزة على الاستئناف وهي القراءة الجيدة . والتقدير : أن الكلام تم عند قوله ( وما يشعركم ) أى وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال ( أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) قال سيبويه : سألت الخليل عن القراءة بفتح الهمزة في أن وقلت لم لا يجوز أن يكون التقدير ما يدريك أنه لا يفعل ؟ فقال الخليل : إنه لا يحسن ذلك ههنالأنه لو قال ( وما يشعركم أنها ) بالفتح لصار ذلك عذرا لهم ، هذا كلام الخليل . وتفسيره إنما يظهر بالمثال فاذا اتخذت ضيافة وطلبت من رئيس البلد أن يحضر فلم يحضر، فقيل لك لو ذهبت أنت بنفسك اليه لحضر، فاذا قلت وما يشعركم أني لو ذهبت اليه لحضر كان المعنى : أني لو ذهبت اليه بنفسي فانه لا يحضر أيضا فكذا ههنا قوله ( وما يشعركم إنها اذا جاءت لا يؤمنون) معناه أنها إذا جاءت آمنوا . وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذرا للكفار في طلب تلك الآيات ، والمقصود من الآية دفع حجتهم في طلب الآيات ، فهذا تقرير كلام الخليل وقرأ الباقون من القراء ( أنها ) بالفتح وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الخليل ( أن ) بمعنى لعل تقول العرب أئت السوق أنك تشترى لنا شيئا أى لعلك ، فكأنه تعالى قال لعلها إذا جاءت لا يؤمنون قال الواحدى ( أن ) بمعنى لعل كثير في كلامهم قال الشاعر : أرى ما تريني أو بخيلا مخلدا أريني جوادا مات هولا لأنني وقال آخر : نرى العرضات أو أثر الخيام هل أنتم عاجلون بنا لأنا ١٥٢ قوله تعالى: ((قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم)) الآية سورة الأنعام وقال عدى بن حاتم : أعادل ما يدريك أن منيتي. الى ساعة في اليوم أو في ضحی الغد وقال الواحدى : وفسر على - لعل منيتي - روى صاحب الكشاف أيضا في هذا المعنى قول امرىء القيس : نبکي الديار كما بكى ابن خذام عوجا على الطلل المحيل لأننا قال صاحب الكشاف ويقوى هذا الوجه قراءة أبي ( لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون ) ﴿ الوجه الثاني﴾ في هذه القراءة أن تجعل ( لا) صلة ومثله ( ما منعك أن لا تسجد ) معناه أن تسجد وكذلك قوله ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) أى يرجعون فكذا ههنا التقدير وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون والمعنى : أنها لو جاءت لم يؤمنوا قال الزجاج ، وهذا الوجه ضعيف لأن ما كان لغوا يكون لغوا على جميع التقديرات ومن قرأ ( إنها ) بالكسر فكلمة ( لا ) في هذه القراءة ليست بلغو فثبت أنه لا يجوز جعل هذا اللفظ لغوا . قال أبو على الفارسى : لم لا يجوز أن يكون لغوا على أحد التقديرين ويكون مفيدا على التقدير الثاني ؟ واختلف القراء أيضا في قوله ( لا يؤمنون ) فقرأ بعضهم بالياء وهو الوجه لأن قوله ( وأقسموا بالله ) إنما يراد به قوم مخصوصون ، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية ( ولو أننا نزلنا اليهم الملائكة ) وليس كل الناس بهذا الوصف ، والمعنى وما يشعركم أيها المؤمنون لعلهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها لم يؤمنوا فالوجه الياء وقرأ حمزة وابن عامر بالتاء وهو على الانصراف من الغيبة الى الخطاب ، والمراد بالمخاطبين في ( تؤمنون ) هم الغائبون المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون ، وذهب مجاهد وابن زيد الى أن الخطاب في قوله ( وما يشعركم ) للكفار الذين أقسموا . قال مجاهد وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت ، وهذا يقوى قراءة من قرأ ( تؤمنون ) بالتاء . على ما ذكرنا أولا : الخطاب في قوله ( وما يشعركم ) للكفار الذين أقسموا . وعلى ما ذكرنا ثانيا : الخطاب في قوله ( وما يشعركم ) للمؤمنين ، وذلك لأنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون وهو الوجه كأنه قيل للمؤمنين تتمنون ذلك وما یدریکم أنهم يؤمنون ؟ ﴿ المسألة الرابعة﴾ حاصل الكلام أن القوم طلبوا من الرسول معجزات قوية وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا ، فبين اللّه تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك ، إلا أنه تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا ، واذا كان الأمر كذلك لم يجب في الحكمة إجابتهم الى هذا المطلوب . قال ١٥٣ قوله تعالى: ((قل انما الآيات عند الله وما يشعركم)) الآية سورة الأنعام الجبائي والقاضى : هذه الآية تدل على أحكام كثيرة متعلقة بنصرة الاعتزال . 1 الحكم الاول أنها تدل على أنه لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده لفعله لا محالة ، إذ لو جاز أن لا يفعله لم يكن لهذا الجواب فائدة ، لأنه اذا كان تعالى لا يجيبهم الى مطلوبهم سواء آمنوا أو لم يؤمنوا لم يكن تعليق ترك الاجابة بأنهم لا يؤمنون عنده منتظما مستقيما ، فهذه الآية تدل على أنه تعالى يجب عليه أن يفعل كل ما هو في مقدوره من الالطاف والحكمة . الحكم الثاني أن هذا الكلام إنما يستقيم لو كان لاظهار هذه المعجزات أثر في حملهم على الايمان ، وعلى قول المجبرة ذلك باطل ، لأن عندهم الايمان إنما يحصل بخلق الله تعالى ، فاذا خلقه حصل ، واذا لم يخلقه لم يحصل ، فلم يكن لفعل الالطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات . وأقول هذا الذى قاله القاضي غير لازم . أما الأول : فلأن القوم قالوا : لو جئتنا يا محمد بآية لآمنا بك ، فهذا الكلام في الحقيقة مشتمل على مقدمتين : إحداهما : أنك لوجئتنا بهذه المعجزات لآمنا بك . والثانية . أنه متى كان الأمر كذلك وجب عليك أن تأتينا بها ، والله تعالى كذبهم في المقام الأول ، وبين أنه تعالى وإن أظهرها لهم فهم لا يؤمنون ، ولم يتعرض البتة للمقام الثاني ، ولكنه في الحقيقة باق . فان لقائل أن يقول : هب أنهم لا يؤمنون عند إظهار تلك المعجزات ، فلم لم يجب على الله تعالى إظهارها ؟ اللهم إلا اذا ثبت قبل هذا البحث أن اللطف واجب على الله تعالى ، فحينئذ يحصل هذا المطلوب من هذه الآية ، إلا أن القاضى جعل هذه الآية دليلا على وجوب اللطف ، فثبت أن كلامه ضعيف . ﴿ وأما البحث الثاني ﴾ وهو قوله : اذا كان الكل بخلق الله تعالى لم يكن لهذه الالطاف أثر فيه ، فنقول : الذى نقول به أن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي والعلم بحصول هذا اللطف أحد أجزاء الداعي وعلى هذا التقدير . فيكون لهذا اللطف أثر في حصول الفعل ./ ١٥٤ قوله تعالى: ((ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا)) الآية سورة الأنعام ٠٠٤٠٠١٠٠٠٤ ٠١٠ وَنُقَلِبُ أَفْئِدَتْهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَالَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَتِهِمْ ١٠٠٠ يَعْمَهُونَ لِّ) قوله تعالى ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ هذا أيضا من الآيات الدالة على قولنا: إن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره ، والتقلب والقلب واحد ، وهو تحويل الشيء عن وجهه ، ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار : هو أنه إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها وعرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول ، إلا أنه تعالى إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات ، والمقصود من هذه الآية تقرير ما ذكرناه في الآية الأولى من أن تلك الآيات القاهرة لو جاءتهم لما آمنوا بها ولما انتفعوا بظهورها البتة . أجاب الجبائي عنه بأن قال : المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وجمرها لنعذبهم کما لم يؤمنوا به أول مرة في دار الدنيا . وأجاب الكعبي عنه : بأن المراد من قوله ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) بأنا لا نفعل بهم ما نفعله بالمؤمنين من الفوائد والالطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم . وأجاب القاضي : بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات التي قد ظهرت فلا تجدهم يؤمنون بها آخرا كما لم يؤمنوا بها أولا .. واعلم أن كل هذه الوجوه في غاية الضعف، وليس لأحد ان يعيبنا ، فيقول : إنكم تكررون هذه الوجوه في كل موضع ، فانا نقول : إن هؤلاء المعتزلة لهم وجوه معدودة في تأويلات آيات الجزاء ، فهم يكررونها في كل آية ، فنحن أيضا نكرر الجواب عنها في كل آية ، فنقول : قد بينا أن القدرة الأصلية صالحة للضدين وللطرفين على السوية . فاذا لم ينضم على تلك القدرة داعية مرجحة امتنع حصول الرجحان، فإذا انضمت الداعية المرجحة إما الى جانب الفعل أو إلى جانب الترك ظهر الرجحان ، وتلك الداعية ليست إلا من الله تعالى قطعا للتسلسل. وقد ظهر صحة هذه المقدمات بالدلائل القاطعة اليقينية التي لا يشك فيها العاقل. وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم ((قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء)) فالقلب كالموقوف بين داعية الفعل وبين داعية الترك ، فان حصل في القلب داعي ١٥٥ قوله تعالى: ((ونقلب أفئدتهم وأبصارهم)) الآية سورة الأنعام الفعل ترجح جانب الفعل، وإن حصل فيه داعي الترك ترجح جانب الترك، وهاتان الداعيتان لما كانتا لا تحصلان إلا بايجاد الله وتخليقه وتكوينه، عبر عنهما بأصبعي الرحمن، والسبب في حسن هذه الاستعارة أن الشيء الذي يحصل بين أصبعي الانسان يكون كامل القدرة عليه. فان شاء أمسكه وإن شاء أسقطه، فههنا أيضا كذلك القلب واقف بين هاتين الداعيتين ، وهاتان الداعيتان حاصلتان بخلق الله تعالى، والقلب مسخر لهاتين الداعيتين، فلهذا السبب حسنت هذه الاستعارة، وكان عليه الصلاة والسلام يقول ((يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك)) والمراد من قوله - مقلب القلوب - أن الله تعالى يقلبه تارة من داعي الخير الى داعي الشر وبالعكس . اذا عرفت هذه القاعدة فقوله تعالى ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) محمول على هذا المعنى الظاهر الجلى الذى يشهد بصحته كل طبع سليم وعقل مستقيم ، فلا حاجة البتة الى ما ذكروه من التأويلات المستكرهة . وإنما قدم الله تعالى ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب . فاذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر اليه شاء أم أبى ، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف البصر عنه ، فهو وان كان يبصره في الظاهر . إلا أنه لا يصير ذلك الأبصار سببا للوقوف على الفوائد المطلوبة . وهذا هو المراد من قوله تعالى ( ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) فلما كان المعدن هو القلب ، وأما السمع والبصر فهما آلتان للقلب ، كانا لا محالة تابعين لأحوال القلب . فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب في هذه الآية ، ثم أتبعه بذكر تقليب البصر، وفي الآية الأخرى وقع الأبتداء بذكر تحصيل الكنان في القلب ثم اتبعه بذكر السمع ، فهذا هو الكلام القوى العقلى البرهاني الذى ينطبق عليه لفظ القرآن ، فكيف يحسن مع ذلك حمل هذا اللفظ على التكلفات التي ذكروها ؟ ولنرجع الى ما يليق بتلك الكلمات الضعيفة فنقول : أما الوجه الذى ذكره الجبائي فمدفوع لأن الله تعالى قال ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) ثم عطف عليه فقال ( ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) ولا شك أن قوله ( ونذرهم ) انما يحصل في الدنيا ، فلو قلنا : المراد من قوله (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) انما يحصل في الآخرة ، كان هذا سوأ للنظم في كلام الله تعالى حيث قدم المؤخر وأخر المقدم من غير فائدة ، وأما الوجه الذى ذكره الكعبي فضعيف أيضا لأنه إنما استحق الحرمان من تلك الالطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر ، فهو الذى اوقع نفسه في ذلك الحرمان والخذلان فكيف تحسن إضافته إلى الله تعالى في قوله تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) وأما الوجه الثاني الذى ذكره القاضي فبعيدا أيضا لأن المراد من قوله ( ونقلب أفئدتهم ١٥٦ قوله تعالى: ((كما لم يؤمنوا به اول مرة)) الآية سورة الأنعام وأبصارهم ) تقليب القلب من حالة إلى حالة ونقله من صفة الى صفة . وعلى ما يقوله القاضى فليس الأمر كذلك بل القلب باق على حالة واحدة إلا أنه تعالى أدخل التقليب والتبديل في الدلائل ، فثبت أن الوجوه التي ذكروها فاسدة باطلة بالكلية . أما قوله تعالى ﴿ كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ فقال الواحدى فيه وجهان : ﴿ الوجه الأول) دخلت الكاف على محذوف تقديره فلا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات ، والتقدير فلا يؤمنون في المرة الثانية من ظهور الآيات كما لم يؤمنوا به في المرة الأولى ، وأما الكناية في ( به ) فيجوز أن تكون عائدة إلى القرآن أو الى محمد عليه الصلاة والسلام أو الى ما طلبوا من الآيات . ﴿ الوجه الثاني﴾ قال بعضهم: الكاف في قوله (كما لم يؤمنوا به ) بمعنى الجزاء، ومعنى الآية ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على تركهم الايمان في المرة الأولى ، يعني كما لم يؤمنوا به أول مرة ، فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم في المرة الثانية ، وعلى هذا الوجه فليس في الآية محذوف ولا حاجة فيها الى الاضمار . وأما قوله تعالى ( ونذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ فالجبائي قال ( ونذرهم ) أی لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم من ذلك بمعاجلة الهلاك وغيره ، لكنا نمهلهم فان أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم ، وهو يوجب تأكيد الحجة عليهم ، وقال أصحابنا : معناه إنا نقلب أفئدتهم من الحق الى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان وفي ذلك الضلال والعمه . ولقائل أن يقول للجبائي : إنك تقول إن إله العالم ما أراد بعبيده إلا الخير والرحمة ، فلم ترك هذا المسكين حتى عمه في طغيانه ؟ ولم لا يخلصه عنه على سبيل الالجاء والقهر ؟ أقصى ما في الباب أنه إن فعل به ذلك لم يكن مستحقا للثواب فيفوته الاستحقاق فقط ، ولكن يسلم من العقاب ، أما إذا تركه في ذلك العمه مع علمه بانه يموت عليه ، فانه لا يحصل استحقاق الثواب . ويحصل له العقاب العظيم الدائم ، فالمفسدة الحاصلة عند خلق الايمان فيه على سبيل الالجاء مفسدة واحدة وهي فوت استحقاق الثواب أما المفسدة الحاصلة عند ابقائه على ذلك العمه والطغيان حتى يموت عليه فهي فوت أستحقاق الثواب مع استحقاق العقاب الشديد، والرحيم المحسن الناظر لعباده لا بد وأن يرجح الجانب الذي هو أكثر صلاحا وأقل فسادا، فعلمنا أن إبقاء ذلك الكافر في ذلك العمه والطغيان يقدح في أنه لا يريد به إلا الخير والاحسان . ١٥٧ قوله تعالى: ((ولو أننا انزلنا اليهم الملائكة)) الآية سورة الأنعام وَلَوْ أَنَّنَا ◌َلْنَآَ إِلَيْهِمُ الْمَتِكَ وَكََّهُمُ الْمَوْنَّى وَحَشَّرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوا إِلَّ أَن يَسَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ قوله تعالى ﴿ ولو أننا نزلنا اليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية تفصيل ما ذكره على سبيل الاجمال بقوله ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) فبين أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من إنزال الملائكة وإحياء الموتى حتى كلموّهم بل لو زاد في ذلك ما لا يبلغه اقتراحهم بأن يحشر عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس : المستهزئون بالقرآن كانوا خمسة : الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي ، والأسود بن عبد يغوث الزهرى ، والأسود بن المطلب ، والحرث بن حنظلة ، ثم انهم أتوا الرسول صلى الله عليه وسلم في رهط من أهل مكة ، وقالوا له أرنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقوله أم باطل ؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا أى كفيلا على ما تدعيه ، فنزلت هذه الآية ، وقد ذكرنا مرارا أنهم لما اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة كان القول بأن هذه الآية ، نزلت في الواقعة الفلانية مشكلا صعبا ، فأما على الوجه الذى قررناه وهو أن المقصود منه جواب ما ذكره بعضهم وهو أنهم أقسموا بالله جهدا أيمانهم لو جاءتهم آية لآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فذكر الله تعالى هذا الكلام بیانا لكذبهم ، وانه لا فائدة في إنزال الآيات بعد الآيات وإظهار المعجزات بعد المعجزات ، بل المعجزة الواحدة لا بد منها ليتميز الصادق عن الكاذب ، فأما الزيادة عليها فتحكم محض ولا حاجة إليه وإلا فلهم أن يطلبوا بعد ظهور المعجزة الثانية ثالثة ، وبعد الثالثة رابعة ، ويلزم أن لا تستقر الحجة وأن لا ينتهي الأمر الى مقطع ومفصل ، وذلك يوجب سد باب النبوات . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ نافع وابن عامر (قبلا) ههنا وفي الكهف بكسر القاف وفتح الباء ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالضم فيهما في السورتين ، وقرأ ابن كثير وأبو عمروههنا وفي الكهف بالكسر، قال الواحدى : قال أبو زيد يقال لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا وقبلا وقبيلا كله واحد . وهو المواجهة قال الواحدى : فعلى قول أبي زيد المعنى في القراءتين واحد ١٥٨ قوله تعالى: ((ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله)) الآية سورة الأنعام وان اختلف اللفظان ، ومن الناس من أثبت بين اللفظين تفاوتا في المعنى ، فقال أما من قرأ ( قبلا ) بكسر القاف وفتح الباء ، فقال أبو عبيدة والفراء والزجاج : معناه عيانا ، يقال لقيته قبلا أى معاينة ، وروى عن أبي ذر قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم أكان آدم نبيا ؟ قال ((نعم كان نبيا كلمه الله تعالى قبلا)) وأما من قرأ ( قبلا) فله ثلاثة اوجه . أحدها : أن يكون جمع قبيل الذى يراد به الكفيل ، يقال قبلت بالرجل أقبل قبالة أى كفلت به . ويكون المعنى لو حشر عليهم كل شيء وكفلوا بصحة ما يقول لما آمنوا ، وموضع الاعجاز فيه أن الاشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق ، فاذا أنطق الله الكل وأطبقوا على قبول هذه الكفالة كان ذلك من أعظم المعجزات . وثانيها : أن يكون ( قبلا ) جمع قبيل بمعنى الصنف والمعنى : وحشرنا عليهم كل شيء قبيلا قبيلا ، وموضع الاعجاز فيه هو حشرها بعد موتها ، ثم إنها على اختلاف طبائعها تكون مجتمعة في موقف واحد . وثالثها : أن يكون ( قبلا ) بمعنى قبلا أى مواجهة ومعاينة کما فسره أبو زيد . أما قوله تعالى ﴿ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ﴾ ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ المراد من الآية أنه تعالى لو أظهر جميع تلك الاشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار فانهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله إيمانهم . قال أصحابنا : فلما لم يؤمنوا دل ذلك الدليل على أنه تعالى ما شاء منهم الايمان ، وهذا نص في المسألة . قالت المعتزلة : دل الدليل على أنه تعالى أراد الايمان من جميع الكفار ، والجبائي ذكر الوجوه المشهورة التي لهم في هذه المسألة . أولها : أنه تعالى لو لم يرد منهم الايمان لما وجب عليهم الايمان كما لو لم يأمرهم لم يجب عليهم وثانيها : لو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر مطيعا لله بفعل الكفر، لأنه لا معنى للطاعة إلا بفعل المراد ، وثالثها : لو جاز من الله أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به ، ورابعها : لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد منهم الكفر . قالوا : فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلا الايمان منهم وظاهر هذه الآية يقتضى أنه تعالى ما شاء الايمان منهم ، والتناقض بين الدلائل ممتنع فوجب التوفيق ، وطريقه أن نقول إنه تعالى شاء من الكل الايمان الذى يفعلونه على سبيل الاختيار وانه تعالى ما شاء منهم الايمان الحاصل على سبيل الالتجاء والقهر وبهذا الطريق زال الاشكال واعلم أن هذا الكلام أيضا ضعيف من وجوه . الأول : أن الايمان الذى سموه بالايمان الاختيارى إن عنوا به أن قدرته صالحة للايمان والكفر على السوية ، ثم إنه يصدر عنها الايمان دون الكفر لا لداعية مرجحة ولا لارادة مميزة ، فهذا قول برجحان أحد طرفي الممكن على ١٥٩ قوله تعالى: ((ما كانوا ليؤمنوا الا ان يشاء الله)) الآية سورة الأنعام الآخر لا لمرجع وهو محال ، وأيضا فبتقدير أن يكون ذلك معقولا في الجملة إلا أن حصول ذلك الايمان لا يكون منه ، بل يكون حادثا لا لسبب ولا مؤثر أصلا لأن الحاصل هناك ليس إلا القدرة وهي بالنسبة الى الضدين على السوية ، ولم يصدر من هذا القدر تخصيص لأحد الطرفين على الآخر بالوقوع والرجحان ، ثم إن أحد الطرفين قد حصل بنفسه فهذا لا يكون صادرا منه بل يكون صادرا لا عن سبب البتة ، وذلك يبطل القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر أصلا ، ولا يقوله عاقل ، وإما أن يكون هذا الذى سموه بالايمان الاختيارى هو أن قدرته وإن كانت صالحة للضدين إلا أنها لا تصير مصدر للايمان إلا اذا انضم الى تلك القدرة حصول داعية الايمان كان هذا قولا بأن مصدر الايمان هو مجموع القدرة مع الداعي ، وذلك المجموع موجب للايمان ، فذلك هو عين ما يسمونه بالجبر وأنتم تنكرونه . فثبت أن هذا الذى سموه بالايمان الاختيارى لم يحصل منه معنى معقول مفهوم ، وقد عرفت أن هذا الكلام في غاية القوة . والوجه الثاني ﴾ سلمنا أن الايمان الاختيارى مميز عن الايمان الحاصل بتكوين الله تعالى إلا أنا نقول قوله تعالى ( ولو أننا نزلنا اليهم الملائكة ) وكذا وكذا ما كانوا ليؤمنوا ، معناه : ما كانوا ليؤمنوا إيمانا اختياريا بدليل أن عند ظهور هذه الاشياء لا يبعد أن يؤمنوا إيمانا على سبيل الالجاء والقهر . فثبت أن قوله ( ما كانوا ليؤمنوا ) المراد : ما كانوا ليؤمنوا على سبيل الاختيار ، ثم استثنى عنه فقال ( إلا أن يشاء الله ) والمستثنى يجب أن يكون من جنس المستثنى عنه . والايمان الحاصل بالالجاء والقهر ليس من جنس الايمان الاختيارى . فثبت أنه لا يجوز أن يقال المراد بقولنا إلا أن يشاء الله ، الايمان الاضطرارى بل يجب أن يكون المراد منه الايمان الاختيارى ، وحينئذ يتوجه دليل أصحابنا ويسقط عنه سؤال المعتزلة بالكلية . ﴿ المسألة الثانية) قال الجبائي قوله تعالى ( الا أن يشاء الله) يدل على حدوث مشيئته الله تعالى، لأنها لو كانت قديمة لم يجز أن يقال ذلك، كما لا يقال لا يذهب زيد الى البصرة إلا أن يوحد الله تعالى، وتقريره، أنا اذا قلنا : لا يكون كذلك إلا أن يشاء الله فهذا يقتض تعليق حدوث هذا الجزاء على حصول المشيئة فلو كانت المشيئة قديمة لكان الشرط قديما ، ويلزم من حصول الشرط حصول المشروط، فيلزم كون الجزاء قديما . والحس دل على أنه محدث فوجب كون الشرط حادثا ، واذا كان الشرط هو المشيئة لزم القول بكون المشيئة حادثة . هذا تقرير هذا الكلام . ١٦٠ قوله تعالى ((وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً) الآية سورة الأنعام وَكَّلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَتِطِينَ الْإِنسِ وَإِنِّ يُرِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُنْحُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتُرُونَ ﴿ـ والجواب : أن المشيئة وإن كانت قديمة إلا أن تعلقها باحداث ذلك المحدث في الحال إضافة حادثة وهذا القدر يكفي لصحة هذا الكلام ، ثم أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله ( ولكن أكثرهم يجهلون ) قال أصحابنا : المراد ، يجهلون بأن الكل من الله وبقضائه وقدره . وقالت المعتزلة : المراد ، أنهم جهلوا أنهم يبقون كفارا عند ظهور الآيات التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها وكان أكثرهم يظنون ذلك . قوله تعالى ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غر ورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (وكذلك) منسوق على شيء وفي تعيين ذلك الشيء قولان: الأول : أنه منسوق على قوله ( وكذلك زينا لكل أمة عملهم ) أي كما فعلنا ذلك ( كذلك جعلنا لكل نبي عدوا ) الثاني : معناه : جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الانبياء فيكون قوله ( كذلك ) عطفا على معنى ما تقدم من الكلام ، لأن ما تقدم يدل على أنه تعالى جعل له أعداء . ﴿ المسألة الثانية﴾ ظاهر قوله تعالى (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا) أنه تعالى هو الذي جعل أولئك الاعداء أعداء للنبي ◌ّ، ولا شك أن تلك العداوة معصية وكفر . فهذا يقتضي أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله تعالى ، أجاب الجبائي عنه : بأن المراد بهذا الجعل الحكم والبيان ، فان الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل : أنه كفره ، وإذا أخبر عن عدالته قيل : أنه عدله ، فكذا ههنا أنه تعالى لما بين للرسول عليه الصلاة والسلام كونهم أعداء له لا جرم قال إنه جعلهم أعداء له ، وأجاب أبو بكر الاصم عنه : بأنه تعالى لما أرسل محمد ◌َّ الى العالمين وخصه بتلك المعجزة حسدوه، وصار ذلك الحسد سببا للعداوة القوية ، فلهذا التأويل قال إنه تعالى جعلهم أعداء له ونظيره قول المتنبي :