النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
قوله تعالى: ((وما قدروا الله حق قدره)) الآية سورة الأنعام
وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات القاهرة على يد موسى عليه
السلام مثل انقلاب العصا ثعبانا ، وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها والكفار كانوا يطعنون في
نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بسبب أنهم كانوا يطلبون منه أمثال هذه المعجزات وكانوا
يقولون لو جئتنا بأمثال هذه المعجزات لآمنا بك ، فكان مجموع هذه الكلمات جاریا مجرى ما
يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى عليه السلام ، وإذا كان الأمر كذلك لم يبعد ايراد نبوة
موسى عليه السلام إلزاما عليهم في قولهم ( ما أنزل الله على بشر من شيء )
وأما السؤال الثاني ﴾ فجوابه: أن كفار قريش واليهود والنصارى ، لما كانوا
متشاركين في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لم يبعد أن يكون الكلام الواحد واردا على
سبيل أن يكون بعضه خطابا مع كفار مكة وبقيته يكون خطابا مع اليهود والنصارى ، فهذا ما
يحضرنا في هذا البحث الصعب ، وبالله التوفيق .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ مذهب كثير من المحققين أن عقول الخلق لا تصل الى كنه معرفة الله
تعالى البتة ، ثم إن الكثير من أهل هذا المذهب يحتجون على صحته بقوله تعالى ( وما قدروا الله
إ حق قدره ) أى وما عرفوا الله حق معرفته ، وهذا الاستدلال بعيد ، لأنه تعالى ذكر هذه اللفظة
في القرآن في ثلاثة مواضع ، وكلها وردت في حق الكفار فههنا ورد في حق اليهود أو كفار مكة ،
وكذا القول في الموضعين الآخرين ، وحينئذ لا يبقى في هذا الاستدلال فائدة . والله أعلم .
المسألة الخامسة ﴾ في هذه الآية أحكام .
الحكم الاول
أن النكرة في موضع النفي تفيد العموم ، والدليل عليه هذه الآية فان قوله ( وما أنزل الله
على بشر من شيء ) نكرة في موضع النفي ، فلولم تفد العموم لما كان قوله تعالى ( قل من أنزل
الكتاب الذى جاء به موسى ) إبطالا له ، ونقضا عليه ، ولو لم يكن كذلك لفسد هذا
الاستدلال ، ولما كان ذلك باطلا ، ثبت أن النكرة في موضع النفي تعم . والله أعلم .
الحكم الثاني
النقض يقدح في صحة الكلام ، وذلك لأنه تعالى نقض قولهم ( ما أنزل الله على بشرمن
شيء ) بقوله ( قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى ) فلولم يدل النقض على فساد الكلام
لما كانت حجة الله مفيدة لهذا المطلوب .
الفخر الرازي ج١٣ م٦

٨٢
قوله تعالى: ((قل من انزل الكتاب)) الآية سورة الأنعام
واعلم أن قول من يقول : ابداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلا
ضعيف، إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت حجة الله في هذه الآية لأن اليهودى كان يقول
معجزات موسى أظهر ، وأبهر من معجزاتك ، فلم يلزم من اثبات النبوة هناك اثباتها هنا ، ولو
كان الفرق مقبولا لسقطت هذه الحجة ، وحيث لا يجوز القولْ بسقوطها علمنا أن النقض على
الاطلاق مبطل والله أعلم
الحكم الثالث
تفلسف الغزالي فزعم أن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال المنطقية ،
وذلك لأن حاصله يرجع الى أن موسى أنزل الله تعالى عليه شيئا وأحد من البشرما أنزل الله
عليه شيئا ينتج من الشكل الثاني : أن موسى ما كان من البشر، وهذا خلف محال ، وليست
هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ، ولا بحسب صحة المقدمة الأولى ، فلم يبق إلا أنه لزم
من فرض صحة المقدمة الثانية ، وهي قولهم : ما انزل الله على بشر من شيء ، فوجب القول
بكونها كاذبة ، فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب ، انما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل
الثاني من الأشكال المنطقية ، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف . والله أعلم
واعلم أنه تعالى لما قال ﴿ قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى ﴾ وصف بعده كتاب
موسى بالصفات .
فالصفة الأولى ﴾ کونه نورا وهدی للناس .
واعلم أنه تعالى سماه نورا تشبيها له بالنور الذى به يبين الطريق .
فان قالوا : فعلى هذا التفسير لا يبقى بين كونه نورا وبين كونه هدى للناس فرق ،
وعطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير .
قلنا : النور له صفتان : احداهما : كونه في نفسه ظاهرا جليا ، والثانية : كونه بحيث
يكون سببا لظهور غيره ، فالمراد من كونه نورا وهدى هذان الأمران .
واعلم أنه تعالى وصف القرآن أيضا بهذين الوصفين في آية أخرى ، فقال ( ولكن
جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا )
الصفة الثانية ﴾ قوله ( تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ) وفيه مسائل :
١

٨٣
قوله تعالى: ((وعلمتم ما لم تعلموا انتم)) الآية سورة الأنعام
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو وابن كثير (يجعلونه) على لفظ الغيبة ، وكذلك
يبدونها ويخفون لأجل أنهم غائبون ويدل عليه قوله تعالى ( وما قدروا الله حق قدره . إذ قالوا ما
أنزل الله على بشر من شيء ) فلما وردت هذه الألفاظ على لفظ المغايبة ، فكذلك القول في
البواقي ، ومن قرأ بالتاء على الخطاب ، فالتقدير : قل لهم تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون
كثيرا ، والدليل عليه قوله تعالى (وعلمتم ما لم تعلموا ) فجاء على الخطاب ، فكذلك ما
قبله .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال أبو علي الفارسي: قوله (يجعلونه قراطيس ) أى يجعلونه ذات
قراطيس . أى يودعونه إياها .
فان قيل : إن كل كتاب فلا بد وأن يودع في القراطيس ، فاذا كان الأمر كذلك في كل
الكتب ، فما السبب في أن حكى الله تعالى هذا المعنى في معرض الذم لهم .
قلنا : الذم لم يقع على هذا المعنى فقط ، بل المراد أنهم لما جعلوه قراطيس ، وفرقوه
وبعضوه ، لا جرم قدروا على إبداء البعض ، وإخفاء البعض ، وهو الذى فيه صفة محمد عليه
الصلاة والسلام
فان قيل : كيف يقدرون على ذلك مع أن التوراة كتاب وصل الى أهل المشرق
والمغرب ، وعرفه أكثر أهل العلم وحفظوه ، ومثل هذا الكتاب لا يمكن إدخال الزيادة
والنقصان فيه ، والدليل عليه أن الرجل في هذا الزمان لو أراد إدخال الزيادة والنقصان في
القرآن لم يقدر عليه ، فكذا القول في التوراة .
قلنا : قد ذكرنا في سورة البقرة أن المراد من التحريف تفسير آيات التوراة بالوجوه الباطلة
الفاسدة كما يفعله المبطلون في زماننا هذا بآيات القرآن .
فان قيل : هب أنه حصل في التوراة آيات دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . إلا
أنها قليلة ، والقوم ما كانوا يحمون من التوراة إلا تلك الآيات ، فلم قال : ويخفون كثيرا .
قلنا : القوم كما يخفون الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فكذلك
يخفون الآيات المشتملة على الأحكام ، ألا ترى أنهم حاولوا على إخفاء الآية المشتملة على رجم
الزاني المحصن .
الصفة الثالثة) قوله ( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) والمراد أن التوراة

٨٤
قوله تعالى: ((وهذا كتاب أنزلناه مبارك)) الآية سورة الأنعام
ج
وَهَذَا كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ اَلَِّى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا
كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد واليهود قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا
يقرؤن تلك الآيات وما كانوا يفهمون معانيها ، فلما بعث الله محمدا ظهر أن المراد من تلك
الآيات هو مبعثه صلى الله عليه وسلم ، فهذا هو المراد من قوله ( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا
آباؤكم )
واعلم أنه تعالى لما وصف التوراة بهذه الصفات الثلاث . قال ( قل الله ) والمعنى أنه
تعالى قال في أول الآية ( قل من أنزل الكتاب ) الذى صفته كذا وكذا فقال بعده ( قل الله )
والمعنى أن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف بالصفات المذكورة المؤيد
قول صاحبه بالمعجزات القاهرة الباهرة مثل معجزات موسى عليه السلام لا يكون إلا من الله
تعالى ، فلما صار هذا المعنى ظاهرا بسبب ظهور الحجة القاطعة ، لا جرم قال تعالى لمحمد .
قل المنزل لهذا الكتاب هو الله تعالى ، ونظيره قوله ( قل أى شيء أكبر شهادة قل الله ) وأيضا
أن الرجل الذى يحاول إقامة الدلالة على وجود الصانع يقول من الذى أحدث الحياة بعد
عدمها ، ومن الذى أحدث العقل بعد الجهالة ، ومن الذى أودع في الحدقة القوة الباصرة ،
وفي الصماخ القوة السامعة ، ثم إن ذلك القائل نفسه يقول ( الله ) والمقصود أنه بلغت هذه
الدلالة والبينة الى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها فسواء أقر الخصم به أو لم يقر
فالمقصود حاصل فكذا ههنا .
ثم قال تعالى بعده ﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ المعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الاعذار والانذار
وهذا المبلغ العظيم فحينئذ لم يبق عليك من أمرهم شيء البتة ، ونظيره قوله تعالى ( إن عليك
إلا البلاغ )
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال بعضهم هذه الآية منسوخة بآية السیف وهذا بعید لان قوله ( ثم
ذرهم في خوضهم يلعبون ) مذكور لأجل التهديد ، وذلك لا ينافي حصول المقاتلة ، فلم يكن
ورود الآية الدالة على وجوب المقاتلة ، رافعا لشيء من مدلولات هذه الآية ، فلم يحصل النسخ
فيه . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حوله

٨٥
قوله تعالى: ((مصدق الذي بين يديه)) الآية سورة الأنعام
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَهُمْ عَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (
والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ﴾
اعلم أنه تعالى لما أبطل بالدليل قول من قال : ما أنزل الله على بشر من شيء . ذكر
بعده أن القرآن كتاب الله ، أنزله الله تعالى على محمد عليه الصلاة والسلام .
واعلم أن قوله ( وهذا) إشارة الى القرآن وأخبر عنه بأنه كتاب وتفسير الكتاب قد تقدم
في أول سورة البقرة ثم وصفه بصفات كثيرة .
﴿ الصفة الأولى) قوله ( أنزلناه ) والمقصود أن يعلم أنه من عند الله تعالى لا من عند
الرسول لأنه لا يبعد أن يخص الله محمدا عليه الصلاة والسلام بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من
تركيب ألفاظ القرآن على هذه الصفة من الفصاحة فبين تعالى أنه ليس الأمر على هذه الصفة ،
وأنه تعالى هو الذى تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل عليه السلام .
﴿ الصفة الثانية) قوله تعالى (مبارك) قال أهل المعاني كتاب مبارك اى كثير خيره دائم
بركته ومنفعته ، يبشر بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية ، وأقول : العلوم إما
نظرية ، وإما عملية أما العلوم النظرية ، فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله
وأحكامه وأسمائه ، ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب وأما العلوم
العملية ، فالمطلوب ، إما أعمال الجوارح وإما أعمال القلوب ، وهو المسمى بطهارة الاخلاق
وتزكية النفس ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب ، ثم قد جرت سنة الله تعالى
بأن الباحث عنه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة .
يقول مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازى : وأنا قد نقلت أنواعا من العلوم
النقلية والعقلية ، فلم يحصل لي بسبب شيء من العلوم من أنواع السعادات في الدين والدنيا
مثل ما حصل بسبب خدمة هذا العلم
﴿ الصفة الثالثة ) قوله ( مصدق الذى بين يديه ) فالمراد كونه مصدقا لما قبله من الكتب
والامر في الحقيقة كذلك ، لأن الموجود في سائر الكتب الالهية إما علم الأصول ، وإما علم
الفروع .
أما علم الأصول : فيمتنع وقوع التفاوت فيه بسبب اختلاف الأزمنة والأمكنة ، فوجب

٨٦
قوله تعالى: ((ولتنذر أم القرى ومن حولها)) الآية سورة الأنعام
القطع بأن المذكور في القرآن موافق ومطابق لما في التوراة والزبور والانجيل وسائر الكتب
الالهية .
وأما علم الفروع : فقد كانت الكتب الالهية المتقدمة على القرآن مشتملة على البشارة
بمقدم محمد عليه الصلاة والسلام ، واذا كان الأمر كذلك فقد حصل في تلك الكتب أن
التكاليف الموجودة فيها ، إنما تبقى الى وقت ظهور محمد عليه الصلاة والسلام ، وأما بعد ظهور
شرعه فانها تصير منسوخة ، فثبت أن تلك الكتب دلت على ثبوت تلك الأحكام على هذا
الوجه ، والقرآن مطابق لهذا المعنى وموافق ، فثبت كون القرآن مصدقا لكل الكتب الالهية في
جملة علم الأصول والفروع .
الصفة الرابعة ﴾ قوله تعالى ( ولتنذر أم القرى ومن حولها ) وههنا أبحاث :
﴿ البحث الأول﴾ اتفقوا على أن ههنا محذوفا، والتقدير: ولتنذر أهل أم القرى.
واتفقوا على أن أم القرى هي مكة ، واختلفوا في السبب الذى لأجله سميت مكة بهذا الاسم .
فقال ابن عباس : سميت بذلك ، لأن الأرضين دحيت من تحتها ومن حولها ، وقال أبو بكر
الأصم : سميت بذلك لأنها قبلة أهل الدنيا ، فصارت هي كالأصل وسائر البلاد والقرى تابعة
لها ، وأيضا من أصول عبادات أهل الدنيا الحج ، وهو إنما يحصل في تلك البلدة ، فلهذا
السبب يجتمع الخلق اليها كما يجتمع الأولاد الى الأم ، وأيضا فلما كان أهل الدنيا يجتمعون
هناك بسبب الحج ، لا جرم يحصل هناك أنواع من التجارات والمنافع ما لا يحصل في سائر
البلاد ، ولا شك أن الكسب والتجارة من أصول المعيشة ، فلهذا السبب سميت مكة أم
القرى . وقيل : إنما سميت مكة أم القرى لأن الكعبة أول بيت وضع للناس ، وقيل أيضا :
إن مكة أول بلدة سكنت في الأرض .
اذا عرفت هذا فنقول : قوله ( ومن حولها ) دخل فيه سائر البلدان والقرى .
﴿ والبحث الثاني ﴾ زعمت طائفة من اليهود أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان رسولا
الى العرب فقط. واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية وقالوا إنه تعالى بين أنه إنما أنزل عليه
هذا القرآن ليبلغه الى أهل مكة والى القرى المحيطة بها ، والمراد منها جزيرة العرب ، ولو كان
مبعوثا الى كل العالمين لكان التقييد بقوله ( لتنذر أم القرى ومن حولها ) باطلا .
والجواب : أن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على انتقاء الحكم فيما سواها إلا
بدلالة المفهوم وهي ضعيفة ، لاسيما وقد ثبت بالتواتر الظاهر ، المقطوع به من دين محمد عليه

٨٧
قوله تعالى: (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به)) الآية سورة الأنعام
الصلاة والسلام أنه كان يدعي كونه رسولا الى كل العالمين ، وأيضا قوله ( ومن حولها ) يتناول
جميع البلاد والقرى المحيطة بها ، وبهذا التقدير : فيدخل فيه جميع بلاد العالم . والله أعلم .
البحث الثالث ﴾ قرأ عاصم في رواية أبي بكر ( لينذر ) بالياء جعل الكتاب هو
المنذر ، لأن فيه إنذار ، ألا ترى أنه قال ( لينذروا به ) أى بالكتاب ، وقال ( وأنذر به ) وقال
( إنما أنذركم بالوحي ) فلا يمتنع اسناد الانذار اليه على سبيل الاتساع ، وأما الباقون : فانهم
قرؤا ( ولتنذر ) بالتاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ، لأن المأمور والموصوف بالانذار هو .
قال تعالى ( إنما أنت منذر ) وقال ( وأنذر الذين يخافون )
ثم قال تعالى ﴿ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ وظاهر هذا يقتضى أن الايمان
بالآخرة جار مجرى السبب للايمان بالرسول ويسير . والعلماء ذكروا في تقرير هذه السببية وجوها:
الأول : أن الذي يؤمن بالآخرة هو الذي يؤمن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب ، ومن كان
. كذلك فانه يعظم رغبته في تحصيل الثواب ، ورهبته عن حلول العقاب ، ويبالغ في النظر
والتأمل في دلائل التوحيد والنبوة ، فيصل الى العلم والايمان . والثاني : أن دين محمد عليه
الصلاة والسلام مبنى على الايمان بالبعث والقيامة ، وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير هذه
القاعدة مثل ما في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا السبب كان الايمان بنبوة محمد
عليه الصلاة والسلام وبصحة الآخرة أمرين متلازمين ، والثالث : يحتمل أن يكون المراد من
هذا الكلام التنبيه على اخراج أهل مكة من قبول هذا الدين ، لأن الحامل على تحمل مشقة
النظر والاستدلال ، وترك رياسة الدنيا ، وترك الحقد والحسد ليس إلا الرغبة في الثواب ،
والرهبة عن العقاب . وكفار مكة لما لم يعتقدوا في البعث والقيامة ، امتنع منهم ترك الحسد
وترك الرياسة ، فلا جرم يبعد قبولهم لهذا الدين واعترافهم بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام .
ثم قال ﴿ وهم على صلاتهم يحافظون﴾ والمراد أن الايمان بالآخرة كما يحمل الرجل على
الايمان بالنبوة ، فكذلك يحمله على المحافظة على الصلوات ، وليس لقائل أن يقول : الايمان
بالآخرة يحمل على كل الطاعات ، فما الفائدة في تخصيص الصلاة بالذكر ؟ لأنا نقول :
المقصود منه التنبيه على أن الصلاة أشرف العبادات بعد الايمان بالله وأعظمها خطرا ، ألا ترى
أنه لم يقع اسم الايمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة كما قال تعالى ( وما كان
الله ليضيع إيمانكم ) أي صلاتكم ، ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك
الصلاة . قال عليه الصلاة والسلام ( من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر)) فلما اختصت الصلاة

٨٨
قوله تعالى: ((ومن أظلم مما افترى)) الآية سورة الأنعام
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَ عَلَى الَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ
سَأَنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَّلَ اللهُ وَلَوْ تَرَ إِذِالظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَبِكُ
بَاسِطُواْ أَيْدِهِمْ أَنْرِ جُواْ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْتَقُولُونَ عَلَى
اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَنِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ
٩٣
بهذا النوع من التشريف، لا جرم خصها اللّه بالذكر في هذا المقام . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ومن أظلم مما افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شيء ومن
قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم
أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته
تستکبر ون ﴾
اعلم أنه تعالى لما شرح كون القرآن كتابا نازلا من عند الله وبين ما فيه من صفات الجلالة
والشرف والرفعة ، ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة على سبيل الكذب
والافتراء فقال ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) وفي الآية مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى عظم وعيد من ذكر أحد الأشياء الثلاثة فأولها: أن
يفتري على الله كذبا. قال المفسرون: نزل هذا في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، وفي الأسود
العنسى صاحب صنعاء، فانهما كانا يدعيان النبوة والرسالة من عند الله على سبيل الكذب
والافتراء، وكان مسيلمة يقول: محمد رسول قريش، وأنا رسول بني حنيفة. قال
القاضي : يفتري على الله الكذب يدخل فيه من يدعى الرسالة كذبا ، ولكن لا يقتصر عليه ،
لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فكل من نسب إلى الله تعالى ما هو برىء منه ،
إما في الذات ، وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلا تحت هذا الوعيد . قال : والافتراء
على الله في صفاته ، كالمجسمة ، وفي عدله كالمجبرة ، لأن هؤلاء قد ظلموا أعظم أنواع الظلم
بأن افتروا على الله الكذب ، وأقول : أما قوله : المجسمة قد افتروا على الله الكذب ، فهو
حق . وأما قوله : أن هذا افتراء على الله في صفاته ، فليس بصحيح . لأن كون الذات جسما
ومتحيزا ليس بصفة ، بل هو نفس الذات المخصوصة ، فمن زعم أن إله العالم ليس بجسم ،

٨٩
قوله تعالى: ((ولو ترى إذ الظالمون في غمرات)) الآية سورة الأنعام
كان معناه أنه يقول : جميع الاجسام والمتحيزات محدثة ، ولها بأسرها خالق هو موجود ليس
بمتحيز ، والمجسم ينفي هذه الذات ، فكان الخلاف بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في
نفس الذات لأن الموحد يثبت هذه الذات والمجسم ينفيها ، فثبت أن هذا الخلاف لم يقع في
الصفة، بل في الذات. وأما قوله: المجبرة قد افتروا على الله تعالى في صفاته، فليس بصحيح،
لأنه يقال له المجبرة ما زادوا على قولهم الممكن لا بد له من مرجح.، فان كذبوا في هذه القضية ،
فكيف يمكنهم أن يعرفوا وجود الاله ؟ وان صدقوا في ذلك لزمهم الاقرار بتوقيف صدور الفعل
على حصول الداعي بتخليق الله تعالى ، وذلك عين ما نسميه بالجبر ، فثبت أن الذي وصفه
بكونه افتراء على الله باطل ، بل المفتري على الله من يقول الممكن لا يتوقف رجحان أحد طرفيه
على الآخر على حصول المرجح . فان من قال هذا الكلام لزمه نفي الصانع بالكلية ، بل يلزمه
نَفي الآثار والمؤثرات بالكلية .
﴿ والنوع الثاني﴾ من الأشياء التي وصفها الله تعالى بكونها افتراء قوله ( أو قال أوحى
إلى ولم يوح اليه شيء ) والفرق بين هذا القول وبين ما قبله ، أن في الأول كان يدعي أنه
أوحى إليه وما كان يكذب بنزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم ، وأما في هذا القول ،
فقد أثبت الوحي لنفسه ونفاه عن محمد عليه الصلاة والسلام ، وكان هذا جمعا بين نوعين
عظيمين من الكذب ، وهو إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود .
والنوع الثالث ) قوله ( سأنزل مثل ما أنزل الله ) قال المفسرون : المراد ما قاله النضر
بن الحرث وهو قوله ( لو نشاء لقلنا مثل هذا) وقوله في القرآن : إنه من أساطير الأولين ، وكل
أحد يمكنه الاتيان بمثله ، وحاصله : أن هذا القائل يدعي معارضة القرآن . وروى أيضا
أن عبد الله بن سعد ابن أبي سرح كان يكتب الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام ، فلما نزل
قوله ( ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ) أملاء الرسول عليه السلام ، فلما انتهى الى
قوله ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) عجب عبد الله منه فقال : فتبارك الله أحسن الخالقين ! فقال
الرسول هكذا أنزلت الآية ، فسكت عبد الله وقال : إن كان محمد صادقا ، فقد أوحى الي ،
وإن كان كاذبا فقد عارضته ، فهذا هو المراد من قوله ( سأنزل مثل ما أنزل )
أما قوله تعالى ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ) فاعلم أن أول الآية وهو قوله
( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) يفيد التخويف العظيم على سبيل الاجمال وقوله بعد ذلك
( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ) كالتفصيل لذلك المجمل ، والمراد بالظالمين الذين
ذكرهم ، وغمرات الموت جمع غمرة وهي شدة الموت ، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه ، ومنه
غمرة الماء ، وغمرة الحرب ، ويقال غمره الشيء إذا علاه وغطاه . وقال الزجاج : يقال لكل

٩٠
قوله تعالى: ((واخرجوا أنفسكم اليوم )) الآية الأنعام
سورة الأنعام
١
من كان في شيء كثير قد غمره ذلك . وغمره الدين إذا كثر عليه هذا هو الأصل ، ثم يقال
للشدائد والمكاره: الغمرات، وجواب ((لو)) محذوف، أى لرأيت أمرا عظيما، والملائكة
باسطو أيديهم قال ابن عباس : ملائكة العذاب باسطو أيديهم يضربونهم ويعذبونهم ، كما
يقال بسط اليه يده بالمكروه أخرجوا أنفسكم . ههنا محذوف، والتقدير : يقولون أخرجوا
أنفسكم ، وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية سؤال: وهو أنه لا قدرة لهم على اخراج أرواحهم من
أجسادهم فما الفائدة في هذا الكلام ؟
فنقول : في تفسير هذه الكلمة وجوه :
الوجه الأول﴾ ولو ترى الظالمين إذا صاروا الى غمرات الموت في الآخرة فادخلوا
جهنم فغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات ، والملائكة باسطو
أيديهم عليهم بالعذاب يبكتونهم ، ويقولون لهم أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد ان
قدرتم .
الوجه الثاني ﴾ أن يكون المعنى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت عند نزول
الموت بهم في الدنيا والملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواحهم يقولون لهم أخرجوا أنفسكم من
هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام .
والوجه الثالث ﴾ أن قوله ( أخرجوا أنفسكم) أى أخرجوها الينا من أجسادكم
وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال وأنهم يفعلون بهم
فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده الى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول
له : أخرج الى ما لي عليك الساعة ولا أبرح من مكاني حتى أنزعه من أحداقك .
﴿ والوجه الرابع﴾ أن هذه اللفظة كناية عن شدة حالهم وأنهم بلغوا في البلاء والشدة
الی حیث تولى بنفسه إزهاق روحه .
والوجه الخامس ﴾ أن قوله ( أخرجوا أنفسكم ) ليس بأمر ، بل هو وعيد وتقريع ،
كقول القائل : امض الآن لترى ما يحل بك . قال المفسرون : إن نفس المؤمن تنشط في الخروج
للقاء ربه ونفس الكافر تكره ذلك فيشق عليها الخروج ، لأنها تصير الى أشد العذاب ، كما قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله
لقاءه )) وذلك عند نزع الروح، فهؤلاء الكفار تكرههم الملائكة على نزع الروح :
المسألة الثانية ﴾ الذين قالوا إن النفس الانسانية شيء غير هذا الهيكل وغير هذا الجسد

٩١
قوله تعالى: ((ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة» الآية سورة الأنعام
وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْثُ مَّاخَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ
وَمَا تَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِكُمْ شُرَكَتُؤْاْ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
وَضَلَّ عَنْكُ مَّا كُنتُمْ تَزْعُونَ
٩٤
احتجوا عليه بهذه الآية ، وقالوا : لا شك أن قوله ( أخرجوا أنفسكم ) معناه : أخرجوا
أنفسكم عن أجسادكم ، وهذا يدل على أن النفس مغايرة للأجساد إلا أنا لو حملنا الآية على
الوجهين الأولين من التأويلات الخمسة المذكورة ، لم يتم هذا الاستدلال .
ثم قال تعالى ﴿ اليوم تجزون عذاب الهون ﴾ قال الزجاج: عذاب الهون أى العذاب
الذى يقع به الهوان الشديد . قال تعالى ( أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ) والمراد منه أنه
تعالى جمع هناك بين الايلام وبين الاهانة ، فان الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة
بالتعظيم ، فكذلك العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالاهانة . قال بعضهم : الهون هو
الهوان ، والهون هو الرفق والدعة . قال تعالى ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا )
وقوله ( بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) وذلك يدل أن هذا
العذاب الشديد انما حصل بسبب مجموع الأمرين الافتراء على الله ، والتكبر على آيات الله .
وأقول : هذان النوعان من الآفات والبلاء ترى أكثر المتوسمين بالعلم متوغلين فيه مواظبين
عليه نعوذ بالله منه ومن آثاره ونتائجه . وذكر الواحدى : أن المراد بقوله (وكنتم عن آياته
تستکبرون) أى لا تصلون له قال عليه السلام (( من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد بریء من
الكبر ))
قوله تعالى ﴿ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء
ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل
عنكم ما كنتم تزعمون
اعلم أن قوله ﴿ولقد جئتمونا فزادى ﴾ يحتمل وجهين: الأول : أن يكون هذا معطوفا
على قول الملائكة ( أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون ) فبين تعالى
أنهم كما يقولون ذلك على وجه التوبيخ ، كذلك يقولون حكاية عن الله تعالى ( ولقد جئتمونا
فرادى ) فيكون الكلام أجمع حكاية عنهم وأنهم يوردون ذلك على هؤلاء الكفار ، وعلى هذا
التقدير ، فيحتمل أن يكون قائل هذا القول الملائكة الموكلين بقبض أرواحهم ، ويحتمل أن

٩٢
قوله تعالى: ((لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون)) الآية سورة الأنعام
يكون القائل هم الملائكة الموكلون بعقابهم .
والقول الثانى ﴾ أن قائل هذا القول هو الله تعالى ومنشأ هذا الاختلاف إن الله تعالى
هل يتكلم مع الكفار أولا ؟ فقوله تعالى في صفة الكفار ( ولا يكلمهم ) يوجب أن لا يتكلم
معهم وقوله ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) وقوله ( فلنسألن الذين أرسل اليهم ولنسألن
المرسلين ) يقتضى أن يكون تعالى يتكلم معهم ، فلهذا السبب وقع الاختلاف ، والقول الأول
أقوى ، لأن هذه الآية معطوفة على ما قبلها ، والعطف يوجب التشريك .
﴿ المسألة الثانية﴾ (فرادى) لفظ جمع وفي واحده قولان . قال ابن قتيبة : فرادى جمع
فردان ، مثل سكارى وسكران وكسالى وكسلان . وقال غيره فرادى : جمع فريد ، مثل ردافي
ورديف . وقال الفراء : فرادى جمع واحده فرد وفردة وفريد وفردان .
إذا عرفت هذا فقوله ( ولقد جئتمونا فرادى ) المراد منه التقريع والتوبيخ ، وذلك لأنهم
صرفوا جدهم وجهدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين : أحدهما : تحصيل المال والجاه .
والثاني : أنهم عبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها تكون شفعاء لهم عند الله ، ثم إنهم لما وردوا
محفل القيامة لم يبق معهم شيء من تلك الأموال ولم يجدوا من تلك الأصنام شفاعة لهم عند الله
تعالى فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا وعولوا عليه ، بخلاف أهل الايمان فانهم صرفوا
عمرهم إلى تحصيل المعارف الحقة والأعمال الصالحة ، وتلك المعارف والأعمال الصالحة بقيت
معهم في قبورهم وحضرت معهم في مشهد القيامة ، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى ، بل
حضروا مع الزاد ليوم المعاد :
ثم قال تعالى ﴿ لقد تقطع بينكم ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وحفص عن عاصم والكسائي (بينكم) بالنصب ،
والباقون بالرفع قال الزجاج : الرفع أجود ، ومعناه ، لقد تقطع وصلكم ، والنصب جائز
والمعنى : لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم . قال أبو على : هذا الاسم يستعمل على
ضربين : أحدهما أن يكون اسما منصرفا كالافتراق ، والاجود أن يكون ظرفا والمرفوع في قراءة
من قرأ ( بينكم ) هو الذى كان ظرفا ثم استعمل اسما ، والدليل على جواز كونه اسما قوله تعالى
( ومن بيننا وبينك حجاب ) و(هذا فراق بيني وبينك ) فلما استعمل اسما في هذه المواضع جاز
أن يسند اليه الفعل الذى هو ( تقطع ) في قول من رفع قال : ويدل على أن هذا المرفوع هو
الذى استعمل ظرفا أنه لا يخلو من أن يكون الذى هو ظرف اتسع فيه أو يكون الذى هو
مصدر . والقسم الثاني باطل ، وإلا لصار تقدير الآية : لقد تقطع افتراقكم وهذا ضد المراد ،

٩٣٠
قوله تعالى: ((لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون)) الآية سورة الأنعام
لأن المراد من الآية لقد تقطع وصلكم وما كنتم سالفون عليه .
فان قيل : كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل مع أن أصله الافتراق والتباين ؟
قلنا : هذا اللفظ انما يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض
الوجوه ، كقولهم بيني وبينه شركة ، وبيني وبينه رحم ، فلهذا السبب حسن استعمال هذا
اللفظ في معنى الوصلة فقوله ( لقد تقطع بينكم ) معناه لقد تقطع وصلكم . أما من قرأ ( لقد
تقطع بينكم ) بالنصب فوجهه أنه أضمر الفاعل والتقدير : لقد تقطع وصلكم بينكم وقال
سيبويه : إنهم قالوا إذا كان غدا فأتنى والتقدير : إذا كان الرجاء أو البلاء غدا فأتنى ، فأضمر
لدلالة الحال . فكذا ههنا . وقال ابن الانبارى : التقدير : لقد تقطع ما بينكم . فحذفت
لوضوح معناها .
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن هذه الآية مشتملة على قانون شريف في معرفة أحوال القيامة
فأولها : أن النفس الانسانية إنما تعلقت بهذا الجسد آلة له في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق
الفاضلة فاذا فارقت النفس الجسد ولم يحصل هذين المطلوبين البتة عظمت حسراته وقويت
آفاته حيث وجد مثل هذه الآلة الشريفة التي يمكن اكتساب السعادة الأبدية بها ، ثم إنه ضيعها
وأبطلها ولم ينتفع بها البتة ، وهذا هو المراد من قوله ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول
مرة ) وثانيها : أن هذه النفس مع أنها لم تكتسب بهذه الآلة الجسدانية سعادة روحانية ،
وكمالا روحانيا ، فقد عملت عملا آخر أردأ من الأول ، وذلك لأنها طول العمر كانت في
الرغبة في تحصيل المال والجاه وفي تقوية العشق عليها ، وتأكيد المحبة ، وفي تحصيلها .
والانسان في الحقيقة متوجه من العالم الجسماني الى العالم الروحاني ، فهذا المسكين قلب
القضية وعكس القضية وأخذ يتوجه من المقصد الروحاني الى العالم الجسماني ونسي مقصده
واغتر باللذات الجسمانية ، فلما مات انقلبت القضية شاء أم أبى توجه من العالم الجسماني الى
العالم الروحاني ، فبقيت الأموال التي اكتسبها وأفنى عمره في تحصيلها وراء ظهره والشيء
الذى يبقى وراء ظهر الانسان لا يمكنه أن ينتفع به ، وربما بقي منقطع المنفعة معوج الرقبة
معوج الرأس بسبب التفاته اليها مع العجز عن الانتفاع بها ، وذلك يوجب نهاية الخيبة والغم
والحسرة وهو المراد من قوله ( وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ) وهذا يدل على أن كل مال
يكتسبه الانسان ولم يصرفه في مصارف الخيرات فصفته هذه التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية
أما إذا صرفها الى الجهات الموجبة للتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فما ترك تلك الأموال
وراء ظهره ولكنه قدمها تلقاء وجهه ، كما قال تعالى ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند
الله ) وثالثها : أن أولئك المساكين أتعبوا أنفسهم في نصرة الأديان الباطلة ، والمذاهب الفاسدة
وظنوا أنهم ينتفعون بها عند الورود في محفل القيامة ، فاذا وردوه وشاهدوا ما في تلك المذاهب

٩٤
قوله تعالى: ((إن الله فالق الحب والنوى)) الآية سورة الأنعام
إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْخَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُ
اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
من العذاب الشديد والعقاب الدائم حصلت فيه جهات كثيرة من العذاب . منها عذاب الحسرة
والندامة : وهو أنه كيف أنفق ماله في تحمل العناء الشديد والبلاء العظيم في تحصيل ما لم
يحصل له منه إلا العذاب والعناء ، ومنها عذاب الخجلة : وهو أنه ظهر له ان كل ما كان يعتقده
في دار الدنيا كان محض الجهالة وصريح الضلالة ، ومنها حصول اليأس الشديد مع الطمع
العظيم ، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال يوجب العذاب الشديد والآلام العظيمة
الروحانية ، وهو المراد من قوله ( وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء )
ورابعها : أنه لما بدا له أنه فاته الأمر الذى به يقدر على اكتساب الخيرات ، وحصل عنده الأمر
الذى يوجب حصول المضرات ، فاذن بقي له رجاء في التدارك من بعض الوجوه فههنا يخف ذلك
الألم ويضعف ذلك الحزن . أما إذا حصل الجزم واليقين بأن التدارك ممتنع ، وجبر ذلك
النقصان متعذر فههنا يعظم الحزن ويقوى البلاء جدا ، واليه الإشارة بقوله تعالى ( لقد تقطع
بينكم ) والمعنى أن الوصلة الحاصلة بين النفس والجسد قد تقطعت ولا سبيل الى تحصيلها مرة
أخرى . وعند الوقوف على حقائق هذه المراتب يظهر أنه لا بيان فوق هذا البيان في شرح أحوال
هؤلاء الضالين
قوله تعالى ﴿ إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي
ذلكم الله فأنى تؤفكون ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما تكلم في التوحيد ثم أردفه بتقرير أمر النبوة ، ثم
تكلم في بعض تفاريع هذا الأصل ، عاد ههنا الى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع ،
وكمال علمه وحكمته وقدرته تنبيها على أن المقصود الأصلى من جميع المباحث العقلية والنقلية ،
وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله ، وفي قوله ( فالق الحب
والنوى ) قولان :
القول الأول ﴾ وهو مروى عن ابن عباس وقول الضحاك ومقاتل ( فالق الحب
والنوى ) أى خالق الحب والنوى . قال الواحدى : ذهبوا بفالق مذهب فاطر ، وأقول :

٩٥
قوله تعالى: ((ان الله فالق الحب والنوى)) الآية سورة الأنعام
الفطر هو الشق ، وكذلك الفلق ، فالشيء قبل أن دخل في الوجود كان معدوما محضا ونفيا
صرفا ، والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق ولا انشقاق ، فاذا
أخرجه المبدع الموجد من العدم إلى الوجود ، فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم
وفلقه . وأخرج ذلك المحدث من ذلك الشق . فبهذا التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد
والمحدث والمبدع .
﴿ والقول الثاني﴾ وهو قول الأكثرين: أن الفلق هو الشق، والحب هو الذى يكون
مقصودا بذاته مثل حبة الحنطة والشعير وسائر الأنواع ، والنوى هو الشيء الموجود في داخل
الثمرة مثل نوى الخوخ والتمر وغيرهما .
إذا عرفت هذا فنقول : انه إذا وقعت الحبة او النواة في الأرض الرطبة ، ثم مر به قدر
من المدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا آخر . أما الشق
الذى يظهر في أعلى الحبة والنواة فانه يخرج منه الشجرة الصاعدة الى الهواء ، وأما الشق الذى
يظهر في اسفل تلك الحبة فانه يخرج منه الشجرة الهابطة في الارض وهي المسماة بعروق
الشجرة ، وتصير تلك الحبة والنواة سببا لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في
الأرض
ثم ان ههنا عجائب : فاحداها : أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضي الهوى في
عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء ؟ وان كانت تقتضي الصعود في
الهواء ، فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة في الأرض ؟ فلما تولد منها هاتان الشجرتان مع ان
الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الأخرى ، علمنا أن ذلك
ليس بمقتضى الطبع والخاصية ، بل بمقتضى الايجاد والابداع والتكوين والاختراع . وثانيها :
أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين الحاد القوى
فيه ، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقة واللطافة بحيث لو دلكها الانسان
بأصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء ، ثم انها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ في تلك الأرض
الصلبة والغوص في بواطن تلك الأجرام الكثيفة ، فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام
الضعيفة التي هي في غاية اللطافة لا بد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم . وثالثها : أنه يتولد
من تلك النواة شجرة ويحصل في تلك الشجرة طبائع مختلفة ، فان قشر الخشبة له طبيعة
مخصوصة ، وفي داخل ذلك القشر جرم الخشبة وفي وسط تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه
العهن المنفوش ، ثم انه يتولد من ساق الشجرة أغصانها ويتولد على الاغصان الأوراق أولا ،
ثم الأزهار والأنوار ثانيا ، ثم الفاكهة ثالثا ، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشر:
مثل الجوز ، فان قشرة الأعلى هو ذلك الأخضر، وتحته ذلك القشر الذى يشبه الخشب ، وتحته

٩٦
قوله تعالى: ((ان الله فالق الحب والنوى)) الآية سورة الأنعام
ذلك القشر الذى هو كالغشاء الرقيق المحيط باللب ، وتحته ذلك اللب ، وذلك اللب مشتمل
على جرم كثيف هو أيضا كالقشر، وعلى جرم لطيف وهو الدهن ، وهو المقصود الأصلي ، فتولد
هذه الاجسام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وأشكالها وطعومها مع تساوى تأثيرات
الطبائع والنجوم والفصول الأربعة والطبائع الأربع ، يدل على انها انما حدثت بتدبير الحكيم
الرحيم المختار القادر لا بتدبير الطبائع والعناصر. ورابعها : انك قد تجد الطبائع الأربع
حاصلة في الفاكهة الواحدة ، فالأترنج قشره حار يابس ، ولحمه بارد رطب ، وحماضه بارد
يابس ، وبذره حار يابس ، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس ، وماؤه ولحمه حار
رطب ، فتولد هذه الطبائع المضادة والخواص المتنافرة عن الحبة الواحدة لا بد وأن يكون بايجاد
الفاعل المختار . وخامسها : انك تجد أحوال الفواكه مختلفة فبعضها يكون اللب في الداخل
والقشر في الخارج كما في الجوز واللوز وبعضها يكون الفاكهة المطلوبة في الخارج ، وتكون
الخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش ، وبعضها يكون النواة لهالب كما في نوى المشمش
والخوخ ، وبعضها لا لب له ، كما في نوى التمر وبعض الفواكه لا يكون له من الداخل
والخارج قشر، بل يكون كله مطلوبا كالتين ، فهذه أحوال مختلفة في هذه الفواكه وأيضا هذه
الحبوب مختلفة في الاشكال والصور فشكل الحنطة كانه نصف دائرة ، وشكل الشعير كأنه
مخروطان اتصلا بقاعدتيهما ، وشكل العدس كأنه دائرة ، وشكل الحمص على وجه آخر ،
فهذه الأشكال المختلفة ، لا بد وأن تكون لاسرار وحكم علم الخالق ان تركيبها لا يكمل إلا
على ذلك الشكل ، وأيضا فقد أودع الخالق تعالى في كل نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى
ومنفعة أخرى وأيضا فقد تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوان وسما لحيوان آخر ، فاختلاف هذه
الصفات والاشكال والاحوال مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب يدل على أن كلها انما
حصلت بتخليق الفاعل المختار الحكيم . وسادسها : أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق
الشجرة وجدت خطا واحدا مستقيما في وسطها ، كأنه بالنسبة الى تلك الورقة كالنخاع بالنسبة
الى بدن الانسان ، وكما انه ينفصل من النخاع أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في بدن الانسان. ثم لا
يزال ينفصل عن كل شعبة شعب أخر ، ولا تزال تستدق حتى تخرج عن الحس والابصار
بسبب الصغر ، فكذلك في تلك الورقة قد ينفصل عن ذلك الخط الكبير الوسطاني خطوط
منفصلة ، وعن كل واحد منها خطوط مختلفة أخرى أدق من الأولى ، ولا يزال يبقى على هذا
المنهج حتى تخرج تلك الخطوط عن الحس والبصر والخالق تعالى إنما فعل ذلك حتى أن القوى
الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة تقوى على جذب الاجزاء اللطيفة الارضية في تلك المجارى
الضيقة ، فلما وقفت على عناية الخالق في ايجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في تخليق
جملة تلك الشجرة أكمل ، وعرفت أن عنايته في تكوين جملة النبات أكمل .
ثم إذا عرفت أنه تعالى انما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان علمت ان عنايته بتخليق

٩٧
قوله تعالى: ((ان الله فالق الحب والنوى)) الآية سورة الأنعام
الحيوان أكمل ، ولما علمت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو الانسان علمت ان عنايته
في تخليق الانسان أكمل ، ثم أنه تعالى انما خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء
ودواء للانسان بحسب جسده والمقصود من تخليق الانسان هو المعرفة والمحبة والخدمة ، كما قال
تعالى ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون )
فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة واعرف كيفية
خلقة تلك العروق والاوتار فيها ، ثم انتقل من مرتبة الى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود
الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية ، فحينئذ ينفتح عليك باب من
المكاشفات لا آخر لها ، ويظهر لك أن أنواع نعم الله في حقك غير متناهية ، كما قال (وان
تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) وكل ذلك انما ظهر من كيفية خلقه تلك الورقة من الحبة والنواة ،
فهذا كلام مختصر في تفسير قوله ( إن الله فالق الحب والنوى ) ومتى وقف الانسان عليه أمكنة
تفريقها وتشعيبها الى ما لا آخر له ، ونسأل الله التوفيق والهداية .
﴿ المسألة الثانية﴾ اما قوله تعالى ( يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ) ففيه
مباحث : الأول : أن ( الحي ) اسم لما يكون موصوفا بالحياة ، و( الميت ) اسم لما كان خاليا
عن صفة الحياة فيه ، وعلى هذا التقدير : النبات لا يكون حيا .
إذا عرفت هذا فللناس في تفسير هذا (الحي ) و(الميت) قولان : الأول : حمل هذين
اللفظين على الحقيقة . قال ابن عباس : يخرج من النطفة بشرا حيا ، ثم يخرج من البشر الحي
نطفة ميتة ، وكذلك يخرج من البيضة فروجة حية ، ثم يخرج من الدجاجة بيضة ميتة ، والمقصود
منه أن الحي والميت متضادان متنافيان ، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة
والخاصية . أما حصول الضد من الضد ، فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية ، بل لا
بد وأن يكون بتقدير المقدر الحكيم ، والمدبر العليم
والقول الثاني﴾ أن يحمل (الحي) و( الميت) على ما ذكرناه ، وعلى الوجوه المجازية
أيضا ، وفيه وجوه . الأول : قال الزجاج : يخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب
اليابس ويخرج اليابس من النبات الحي النامي . الثاني : قال ابن عباس : يخرج المؤمن من
الكافر ، كما في حق ابراهيم ، والكافر من المؤمن كما في حق ولد نوح ، والعاصي من المطيع ،
وبالعكس . الثالث : قد يصير بعض ما يقطع عليه بأنه يوجب المضرة سببا للنفع العظيم ،
وبالعكس . ذكروا في الطب أن إنساناً سقوه الأفيون الكثير في الشراب لأجل أن يموت ، فلما
الفخر الرازي ج١٣ م٧

٩٨
قوله تعالى: ((ان الله فالق الحب والنوى)) الآية سورة الأنعام
تناوله وظن القوم أنه سيموت في الحال رفعوه من موضعه ووضعوه في بيت مظلم فخرجت حية
عظيمة فلدغته فصارت تلك اللدغة سببا لاندفاع ضرر ذلك الافيون منه ، فان الأفيون يقتل
بقوة برده ، وسم الأفعى يقتل بقوة حره فصارت تلك اللدغة سببا لاندفاع ضرر الأفيون ،
فههنا تولد عما يعتقد فيه كونه أعظم موجبات الشر أعظم الخيرات ، وقد يكون بالعكس من
ذلك ، وكل هذه الأحوال المختلفة والافعال المتدافعة تدل على ان لهذا العالم مدبرا حكيما ما
أهمل مصالح الخلق وماتركهم سدى ، وتحت هذه المباحث مباحث عالية شريفة .
و البحث الثاني ﴾ من مباحث هذه الآية قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم
( الميت ) مشددة في الكلمتين والباقون بالتخفيف في الكلمتين ، وكذلك كل هذا الجنس في
القرآن .
﴿ البحث الثالث ﴾ أن لقائل أن يقول: إنه قال أولا ( يخرج الحي من الميت ) ثم قال
( ومخرج الميت من الحي ) وعطف الاسم على الفعل قبيح ، فما السبب في اختيار ذلك ؟
قلنا : قوله ( ومخرج الميت من الحي ) معطوف على قوله ( فالق الحب والنوى ) وقوله
( يخرج الحي من الميت ) كالبيان والتفسير لقوله ( فالق الحب والنوى ) لأن فلق الحب والنوى
بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان . ألا
ترى إلى قوله ( ويجي الأرض بعد موتها) وفيه وجه آخر ، وهو أن لفظ الفعل يدل على أن ذلك
الفاعل يعتني بذلك الفعل في كل حين وأوان. وأما لفظ الاسم فانه لا يفيد التجدد والاعتناء به
ساعة فساعة ، وضرب الشيخ عبد القاهر الجرجاني لهذا مثلا في كتاب دلائل الاعجاز فقال:
قوله ( هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء) انما ذكره بلفظ الفعل وهو قوله (يرزقكم) لأن
صيغة الفعل تفيد أنه تعالى يرزقهم حالا فحالا وساعة فساعة. وأما الاسم فمثالة قوله تعالى
(وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) فقوله (باسط) يفيد البقاء على تلك الحالة الواحدة .
إذا ثبت هذا فنقول : الحي أشرف من الميت ، فوجب أن يكون الاعتناء باخراج الحي
من الميت أكثر من الاعتناء باخراج الميت من الحي ، فلهذا المعنى وقع التعبير عن القسم الأول
بصيغة الفعل ، وعن الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيها على أن الاعتناء بايجاد الحي من الميت أكثر
وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي . والله اعلم بمراده .
ثم قال تعالى في آخر الآية ﴿ ذلكم الله فأني تؤفكون ﴾ وفيه مسئلتان :

٩٩
قوله تعالى: ((فالق الإصباح وجعل الليل سكنا)) الآية: سورة الأنعام
قَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَّا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
اٌلْعَلِيمِ
﴿ المسألة الأولى﴾ قال بعضهم معناه: ذلكم الله المدبر الخالق النافع الضار المحي
المميت ( فأني تؤفكون) في إثبات القول بعبادة الأصنام . والثاني أن المراد أنكم لما شاهدتم
أنه تعالى يخرج الحي من الميت ، ومخرج الميت من الحي ، ثم شاهدتم أنه أخرج البدن الحي
من النطفة الميتة مرة واحدة ، فكيف تستبعدون أن يخرج البدن الحي من مست التراب الرميم
مرة أخرى ؟ والمقصود الانكار على تكذيبهم بالحشر والنشر، وأيضاً الضدان متساويان في
النسبة فكما لا يمتنع الانقلاب من أحد الضدين إلى الآخر ، وجب أن لا يمتنع الانقلاب من
الثاني إلى الأول ، فكما لا يمتنع حصول الموت بعد الحياة . وجب أيضا أن لا يمتنع حصول
الحياة بعد الموت ، وعلى كلا التقديرين فيخرج منه جواز القول بالبعث والحشر والنشر.
﴿ المسألة الثانية﴾ تمسك الصاحب بن عباد بقوله (فأني تؤفيكون) على أن فعل العبد
ليس مخلوقا لله تعالى . قال : لأنه تعالى لو خلق الافك فيه ، فكيف يليق به أن يقول مع ذلك
( فأني تؤفكون )
والجواب عنه : أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية ، فان ترجح أحد الطرفين
على الآخر لا لمرجح، فحينئذ لا يكون هذا الرجحان من العبد ، بل يكون محض الاتفاق ،
فكيف يحسن أن يقال له ( فأني تؤفكون ) وأن توقف ذلك المرجح على حصول مرجح ، وهي
الداعية الجاذية إلى الفعل ، فحصول تلك الداعية يكون من الله تعالى ، وعند حصولها يجب
الفعل ، وحينئذ يلزمكم كل ما ألزمتموه علينا . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير
العزيز العليم ﴾
أعلمٍ أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ، فالنوع المتقدم
كان مأخوذاً من دلالة أحوال النبات والحيوان ، والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من

١٠٠
قوله تعالى: ((فالق الأصباح وجعل الليل سكنا)) الآية سورة الأنعام
الأحوال الفلكية ، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب
والنوى بالنبات والشجر ، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب
وأكثر وقعا من الأحوال الأرضية ، وتقرير الحجة من وجوه : الأول : أن نقول : الصبح
صبحان .
فالصبح الأول﴾ هو الصبح المستطيل كذنب السرحان ، ثم تعقبه ظلمة خالصة ،
ثم يطلع بعده الصبح المستطير في جميع الأفق فنقول : أما الصبح الأول : وهو المستطيل الذي
يحصل عقيبه ظلمة خالصة فهو من أقوى الدلائل على قدرة الله وحكمته ، وذلك لأنا نقول :
إن ذلك النور إما أن يقال : إنه حصل من تأثير قرص الشمس أو ليس الأمر كذلك ، والأول
باطل ، وذلك لأن مركز الشمس اذا وصل الى دائرة نصف الليل فاهل الموضع الذي تكون تلك
الدائرة أفقاً لهم قد طلعت الشمس من مشرقهم ، وفي ذلك الموضع أيضاً نصف كرة الأرض ،
وذلك يقتضي أنه حصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتنا ، وذلك الضوء يكون منتشرا مستطيرا
في جميع أجزاء الجو، ويجب أن يكون ذلك الضوء في كل ساعة الى القوة والزيادة والكمال ،
والصبح الأول لو كان أثر قرص الشمس لامتنع كونه خطا مستطيلا ، بل يجب أن يكون
مستطيرا في جميع الأفق منتشرا فيه بالكلية ، وأن يكون متزايدا متكاملا بحسب كل حين
ولحظة ، ولما لم يكن الأمر كذلك بل علمنا أن الصبح الأول يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى
تشبهه العرب بذنب السرحان ، ثم أنه يحصل عقيبه ظلمة خالصة ، ثم يحصل الصبح المستطير
بعد ذلك علمنا أن ذلك الصبح المستطيل ليس من تأثير قرص الشمس ، ولا من جنس نوره ،
فوجب أن يكون ذلك حاصلا بتخليق الله تعالى ابتداء تنبيها على أن الأنوار ليس لها وجود إلا
بتخليقه ، وإن الظلمات لاثبات لها إلا بتقديره كما قال في أول هذه السورة ( وجعل الظلمات
والنور )
﴿ والوجه الثاني﴾ في تقرير هذا الدليل أنا لما بحثنا وتأملنا علمنا أن الشمس والقمر
وسائر الكواكب لا تقع أضواؤها إلا على الجرم المقابل لها . فأما الذي لا يكون مقابلا لها فيمتنع
وقوع أضوائها عليه ، وهذه مقدمة متفق عليها بين الفلاسفة وبين الرياضيين الباحثين عن
أحوال الضوء المضيء ، ولهم في تقريرها وجوه نفيسة .
إذا عرفت هذا نقول : الشمس عند طلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق فلا یکون جرم