النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
قوله تعالى: ((ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين)) الآية سورة الأنعام
القوس الحاصل من الدائرة العظمى يكون أقل من تحدب القوس المشابهة للأولى من الدائرة
الصغرى وإذا كان الأمر كذلك فالكوز اذا ملىء من الماء ووضع تحت الجبل كانت حدبة سطح
ذلك الماء اعظم من حدبته عندما يوضع الكوز فوق الجبل ، ومتى كانت الحدبة أعظم وأكثر
كان احتمال الماء بالكوز أكثر ، فهذا يوجب ان احتمال الكوز للماء حال كونه تحت الجبل أكثر من
احتماله للماء حال كونه فوق الجبل ، الا أن هذا القدر من التفاوت بحيث لا یفي بادراکه الخس
والخيال لكونه في غاية القلة
والمثال الثالث﴾ ان الانسانين اللذين يقف أحدهما بالقرب من الآخر ، فان رجليهما
يكونان أقرب الى مركز العالم من رأسيهما ، لأن الاجرام الثقيلة تنزل من فضاء المحيط الى
ضيق المركز الا أن ذلك القدر من التفاوت لا يفي بادراكه الحس والخيال
فاذا عرفت هذه الامثلة : وعرفت ان كثرة الافعال توجب حصول الملكات فنقول : لا
فعل من أفعال الخير والشر بقليل ولا كثير، إلا ويفيد حصول أثر في النفس . اما في
السعادة ، وإما في الشقاوة ، وعند هذا ينكشف بهذا البرهان القاطع صحة قوله تعالى ( فمن
يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) ولما ثبت أن الأفعال توجب حصول
الملكات والأفعال الصادرة من اليد ، فهي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة ، وكذلك
الأفعال الصادرة من الرجل ، فلا جرم تكون الأيدي والأرجل شاهدة يوم القيامة على الانسان ،
بمعنى أن تلك الآثار النفسانية ، إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة
عن هذه الجوارح ، فكان صدور تلك الأفعال من تلك الجارحة المخصوصة جاريا مجرى
الشهادة لحصول تلك الآثار المخصوصة في جوهر النفس ، وأما الحساب : فالمقصود منه معرفة
ما بقي من الدخل والخرج ، ولما بينا أن لكل ذرة من أعمال الخير والشرأثرا في حصول هيئة من
هذه الهيئات في جوهر النفس ، إما من الهيئات الزاكية الطاهرة أو من الهيئات المذمومة
الخسيسة ، ولا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة . فلا جرم كان بعضها يتعارض بالبعض ،
وبعد حصول تلك المعارضات بقي في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد ، وقدر آخر من
الخلق الذميم ، فاذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك الخلق الحميد ، ومقدار ذلك الخلق الذميم ،
وذلك الظهور إنما يحصل في الآن الذى لا ينقسم ، وهو الآن الذى فيه ينقطع تعلق النفس من
البدن ، فعبر عن هذه الحالة بسرعة الحساب ، فهذه أقوال ذكرت في تطبيق الحكمة النبوية على
الحكمة الفلسفية ، والله العالم بحقائق الأمور .

٢٢٠
قوله تعالى: ((قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر)) الآية سورة الأنعام
قُلْ مَن يُنِّكُ مِّن ◌ُمَتِ الْبَرِ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَّةً لَِّنْ أَنَجَنْنَا مِنْ هَذِهِ
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّئِكِ ينَ ﴾ قُلِ اللّهُنَّكُ مِنْهَ وَمِنِ كُلٍ كَرْبٍ ثُمَّأَنْتُمُشْرِكُونَ (3)
قوله تعالى ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من
هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ﴾
اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال القدرة الالهية ، وكمال الرحمة
والفضل والاحسان . وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( قل من ينجيكم ) بالتشديد في
الكلمتين ، والباقون بالتخفيف . قال الواحدي : والتشديد والتخفيف لغتان منقولتان من
نجا ، فان شئت نقلت بالهمزة ، وإن شئت نقلت بتضعيف العين ، مثل : أفرحته وفرحته ،
وأغرمته وغرمته ، وفي القرآن ( فأنجيناه والذين معه ) وفي آية أخرى ( ونجينا الذين آمنوا )
ولما جاء التنزيل باللغتين معا ظهر استواء القراءتين في الحسن ، غير أن الاختيار التشديد ، لأن
ذلك من الله كان غير مرة ، وأيضاً قرأ عاصم في رواية أبي بكر خفية بكسر الخاء والباقون
بالضم ، وهما لغتان ، وعلى هذا الاختلاف في سورة الأعراف، وعن الأخفش في خفية وخفية
أنهما لغتان ، وأيضاً الخفية من الاخفاء ، والخيفة من الرهب ، وأيضاً ( لئن أنجيتنا) من
هذه . قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( لئن أنجانا ) على المغايبة ، والباقون (لئن أنجيتنا ) على
الخطاب ، فأما الأولون : وهم الذين قرؤوا على المغايبة ، فقد اختلفوا . قرأ عاصم
بالتفخيم ، والباقون بالأمالة ، وحجة من قرأ على المغايبة أن ما قبل هذا اللفظ ، وما بعده
مذكور بلفظ المغايبة ، فأما ما قبله فقوله ( تدعونه ) وأما ما بعده فقوله ( قل الله ينجيكم منها )
وأيضاً فالقراءة بلفظ الخطاب توجب الاضمار ، والتقدير : يقولون لئن أنجيتنا ، والاضمار
خلاف الأصل . وحجة من قرأ على المخاطبة قوله تعالى في آية أخرى ( لئن أنجيتنا من هذه
لنكونن من الشاكرين ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ (ظلمات البر والبحر) مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما . يقال: لليوم
الشديد يوم مظلم . ويوم ذو كواكب أي اشتدت ظلمته حتى عادت كالليل ، وحقيقة الكلام

٢٣
قوله تعالى ((قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً) الآية سورة الأنعام
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَّ أَن يَبْعَثَ عَلَيْهِكُمْ عَذَابًا مِن فَوْفِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعً وَيُدِيَقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَنْتِ لَعَلَّهُمْ
يَفْقَهُونَ
٦٥
ـبــ
فيه أنه يشتد الأمر عليه ، ويشتبه عليه كيفية الخروج ، ويظلم عليه طريق الخلاص ، ومنهم
من حمله على حقيقته فقال : أما ظلمات البحر فهي أن تجتمع ظلمة الليل ، وظلمة البحر
وظلمة السحاب ، ويضاف الرياح الصعبة والأمواج الهائلة اليها ، فلم يعرفوا كيفية الخلاص
وعظم الخوف ، وأما ظلمات البر فهي ظلمة الليل وظلمة السحاب والخوف الشديد من هجوم
الأعداء ، والخوف الشديد من عدم الاهتداء إلى طريق الصواب ، والمقصود أن عند اجتماع
هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الانسان إلا إلى الله تعالى ، وهذا الرجوع يحصل
ظاهرا وباطناً ، لأن الانسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة الله تعالى ، وينقطع رجاؤه
عن كل ما سوى الله تعالى، وهو المراد من قوله ( تضرعا وخفية ) فبين تعالى أنه إذا شهدت
الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا تعويل إلا على فضل
الله ، وجب أن يبقى هذا الاخلاص عند كل الأحوال والأوقات ، لكنه ليس كذلك ، فان
الانسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة . يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ، ويقدم على
الشرك ، ومن المفسرين من يقول : المقصود من هذه الآية الطعن في إلهية الأصنام والأوثان ،
وأنا أقول : التعلق بشيء مما سوى الله في طريق العبودية يقرب من أن يكون تعلقا بالوثن ،
فان أهل التحقيق يسمونه بالشرك الخفي ، ولفظ الآية يدل على أن عند حصول هذه الشدائد
يأتي الانسان بأمور ؛ أحدها : الدعاء . وثانيها : التضرع . وثالثها : الاخلاص بالقلب ،
وهو المراد من قوله ( وخفية) ورابعها : التزام الاشتغال بالشكر، وهو المراد من قوله ( لئن
أنجیتنا من هذه لنكونن من الشاکرین ) ثم بین تعالى انه ینجیھم من تلك المخاوف ، ومن سائر
موجبات الخوف والكرب . ثم إن ذلك الانسان يقدم على الشرك ، ونظير هذه الآية قوله ( ضل
من تدعون إلا إياه) وقوله ( وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين ) وبالجملة فعادة أكثر
الخلق ذلك . إذا شاهدوا الأمر الهائل أخلصوا ، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا به .
قوله تعالى ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم
أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ﴾ .
:

٢٤
قوله تعالى ((قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذاباً)) الآية سورة الأنعام
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد وهو ممزوج بنوع من
التخويف فبين كونه تعالى قادرا على إيصال العذاب اليهم من هذه الطرق المختلفة ، وأما
إرسال العذاب عليهم تارة من فوقهم ، وتارة من تحت أرجلهم ففيه قولان : الأول : حمل
اللفظ على حقيقته فنقول : العذاب النازل عليهم من فوق مثل المطر النازل عليهم من فوق ،
كما في قصة نوح والصاعقة النازلة عليهم من فوق . وكذا الصيحة النازلة عليهم من فوق . كما
حصب قوم لوط ، وكما رمى أصحاب الفيل ، وأما العذاب الذي ظهر من تحت أرجلهم .
فمثل الرجفة ، ومثل خسف قارون . وقيل : هو حبس المطر والنبات وبالجملة فهذه الآية
تتناول جميع أنواع العذاب التي يمكن نزولها من فوق ، وظهورها من أسفل .
﴿_القول الثاني﴾ أن يحمل هذا اللفظ على مجازه. قال ابن عباس، في رواية عن
عكرمة عذابا من فوقكم أي من الأمراء ، ومن تحت أرجلكم من العبيد والسفلة . أما قوله
( أو يلبسكم شيعا ) فاعلم أن الشيع جمع الشيعة ، وكل قوم اجتمعوا على أمر مهم شيعة
والجمع شيع وأشياع . قال تعالى (كما ڤيل بأشياعهم من قبل ) وأصله من الشيع وهو التبع ،
ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضا . قال الزجاج قوله ( يلبسكم شيعا ) يخلط امركم خلط
اضطراب لا خلط اتفاق ، فيجعلكم فرقا ولا تكونون فرقة واحدة ، فاذا كنتم مختلفين قاتل
بعضكم بعضا وهو معنى قوله ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) عن ابن عباس رضي الله عنهما :
لما نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية شق ذلك على الرسول عليه الصلاة والسلام وقال «ما بقاء
أمتى إن عوملوا بذلك)» فقال له جبريل : انما أنا عبد مثلك فادع ربك لأمتك ، فسأل ربه أن
لا يفعل بهم ذلك . فقال جبريل : ان الله قد امنهم من خصلتين أن لا يبعث عليهم عذابا من
فوقهم كما بعثه على قوم نوح ولوط ، ولا من تحت أرجلهم كما خسف بقارون ولم يجرهم من أن
يلبسهم شيعا بالأهواء المختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض بالسيف. وعن النبي وَّة ((إن أمتى
ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة الناجية فرقة )) وفي رواية أخرى كلهم في الجنة إلا الزنادقة .
المسألة الثانية ) ظاهر قوله ( أويلبسكم شيعا) هو أنه تعالى يحملهم على الأهواء
المختلفة والمذاهب المتنافية . وظاهر أن الحق منها ليس إلا الواحد ، وما سواه فهو باطل فهذا
يقتضي أنه تعالى قد يحمل المكلف على الاعتقاد الباطل وقوله ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) لا
شك أن أكثرها ظلم ومعصية ، فهذا يدل على كونه تعالى خالقا للخير والشر، أجاب الخصم
عنه بأن الآية تدل على أن الله تعالى قادر عليه وعندنا الله قادر على القبيح . انما النزاع في أنه
تعالى هل يفعل ذلك أم لا ؟

٢٥
قوله تعالى: ((وكذب به قومك وهو الحق)) الآية سورة الأنعام
وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل ◌َّسْتُ عَلَيْكَم
بو کِیلٍ
لَكُلِ نَبـ
ـا
مُسْتَقَتْرُ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٦٧
والجواب : أن وجه التمسك بالآية شيء آخر فانه قال ( هو القادر ) على ذلك وهذا يفيد
الحصر فوجب أن يكون غير الله غير قادر على ذلك وهذا الاختلاف بين الناس حاصل وثبت
بمقتضى الحصر المذكور أن لا يكون ذلك صادرا عن غير الله فوجب أن يكون صادرا عن الله
وذلك يفيد المطلوب .
﴿ المسألة الثالثة ) قالت المقلدة والحشوية ، هذه الآية من أدل الدلائل على المنع من
النظر والاستدلال ، وذلك لأن فتح تلك الأبواب يفيد وقوع الاختلاف والمنازعة في الأديان
وتفرق الخلق الى المذاهب والأديان وذلك مذموم بحكم هذه الآية ، والمفضى الى المذموم
مذموم ، فوجب أن يكون فتح باب النظر والاستدلال في الدين مذموما وجوابه سهل والله
أعلم .
ثم قال تعالى في آخر الآية ( انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ) قال القاضي : هذا
يدل على أنه تعالى أراد بتصريف هذه الآيات وتقرير هذه البينات ، أن يفهم الكل تلك الدلائل
ويفقه الكل تلك البينات . وجوابنا : بل ظاهر الآية يدل على أنه تعالى ما صرف هذه الآيات إلا
لمن فقه وفهم ، فأما من أعرض وتمرد فهو تعالى ما صرف هذه الآيات لهم والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف
تعلمون ﴾ .
الضمير في قوله ( وكذب به ) إلى ماذا يرجع فيه أقوال : الأول : أنه راجع إلى العذاب
المذكور في الآية السابقة (وهو الحق ) أي لا بد وأن ينزل بهم. الثاني: الضمير في (( به ))
للقرآن وهو الحق أي في كونه كتابا منزلا من عند الله . الثالث : يعود إلى تصريف الآيات وهو
الحق لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات ، ثم قال ( قل لسته عليكم بوكيل ) أي لست
عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم واعراضكم عن قبول الدلائل . انما أنا منذر والله
هو المجازي لكم بأعمالكم قال ابن عباس والمفسرون : نسختها آية القتال وهو بعيد ، ثم قال
تعالى ( لكل نبأ مستقر ) والمستقر يجوز أن يكون موضع الاستقرار ، ويجوز أن يكون نفس
الاستقرار لأن ما زاد على الثلاثي كان المصدر منه على زنة اسم المفعول نحو المدخل والمخرج ،

٢٦
قوله تعالى ((وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا)) الآية مؤثرة الأنعام
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىّءَ ايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ خَّى يَخُوضُواْ فِىِ حَدِيثٍ غَيْرِهِ
وَإِمَّايُنِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الّذِّرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِينَ (٨﴾
بمعنى الادخال والإخراج ، والمعنى أن لكل خبر يخبره ( الله تعالى وقتاً أو مكانا يحصل فيه من
غير خلف ولا تأخير وإن جعلت المستقر بمعنى الاستقرار ، كان المعنى لكل وعدو وعيد من) الله
تعالى استقرار ولا بد أن يعلموا أن الأمر كما أخبر الله تعالى عنه عند ظهوره ونزوله . وهذا
الذي خوف الكفار به ، يجوز أن يكون المراد منه عذاب الآخرة ، ويجوز أن يكون المراد منه
استيلاء المسلمين على الكفار بالحرب والقتل والقهر في الدنيا .
قوله تعالى ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث
غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴾ .
اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى ﴿ وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم
بوكيل ) فبين به أن الذين يكذبون بهذا الدين فانه لا يجب على الرسول أن يلازمهم وأن يكون
حفيظا عليهم ثم بين في هذه الآية أن أولئك المكذبين ان ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء
بالدين والطعن في الرسول فانه يجب الاحتراز عن مقارنتهم وترك مجالستهم ، وفي الآية
مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله (وإذا رأيت) قيل إنه خطاب للنبي وَالر والمراد غيره، وقيل :
الخطاب لغيره أي إذا رأيت أيها السامع الذين يخوضون في آياتنا ، ونقل الواحدي أن المشركين
كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله وهل والقرآن، فشتموا واستهزؤوا فأمرهم أن لا
يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . ولفظ الخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه
العبث واللعب ، قال تعالى حكاية عن الكفار ( وكنا نخوض مع الخائضين ) وإذا سئل الرجل
عن قوم فقال : تركتهم يخوضون أفاد ذلك أنهم شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها ومن الحشوية
من تمسك بهذه الآية في النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته . قال لأن ذلك
خوض في آيات الله ، والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية ، والجواب عنه : انا نقلنا
عن المفسرين أن المراد من ((الخوض)) الشروع في آيات الله تعالى على سبيل الطعن
٠

٢٧
قوله تعالى: ((وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا)) الآية سورة الأنعام
والاستهزاء. وبينا أيضا أن لفظ ((الخوض)) وضع في أصل اللغة لهذا المعنى فسقط هذا
الاستدلال والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية) قرأ ابن عامر (ينسينك) بالتشديد وفعل وأفعل يجريان مجرى واحد
كما بينا ذلك في مواضع . وفي التنزيل ( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) والاختيار قراءة
العامة لقوله تعالى ( وما أنسانيه إلا الشيطان ) ومعنى الآية : إن نسيت وقعدت فلا تقعد بعد
الذكرى ، وقم إذا ذكرت . والذكرى اسم للتذكرة قاله الليث . وقال الفراء : الذكرى يكون
بمعنى الذكر ، وقوله ( مع القوم الظالمين) يعني مع المشركين .
﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (فأعرض عنهم ) وهذا الاعراض يحتمل أن يحصل بالقيام
عنهم ويحتمل بغيره . فلما قال بعد ذلك ( فلا تقعد بعد الذكرى ) صار ذلك دليلا على أن
المراد أن يعرض عنهم بالقيام من عندهم وههنا سؤالات :
السؤال الأول ﴾ هل يجوز هذا الاعراض بطريق آخر سوى القيام عنهم؟
والجواب : الذين يتمسكوا بظواهر الألفاظ ويزعمون وجوب إجرائها على ظواهرها لا يجوزون
ذلك ، والذين يقولون المعنى هو المعتبر جوزوا ذلك قالوا : لأن المطلوب إظهار الانكار ، فكل
طريق أفاد هذا المقصود فانه يجوز المصير اليه .
السؤال الثاني ﴾ لو خاف الرسول من القيام عنهم ، هل يجب عليه القيام مع ذلك ؟
الجواب : كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه ذلك سواء ظهر أثر الخوف أو لم
يظهر فانا إن جوزنا منه ترك الواجب بسبب الخوف ، سقط الاعتماد عن التكاليف التي بلغها الينا
أما غير الرسول فانه عند شدة الخوف قد يسقط عنه الفرض ، لأن إقدامه على الترك لا يفضي إلى
المحذور المذكور .
﴿ المسألة الرابعة) قوله (وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ) يفيد أن
التكليف ساقط عن الناسي قال الجبائي : إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف .
فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف . وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق
لا يقع ، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لما كانت
حاصلة قبل الفعل . فوجب أن لا يكون الكافر قادرا على الايمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر
بالايمان . واعلم أن هذه الكلمات كثر ذكرها في هذا الكتاب مع الجواب فلا نطول الكلام بذكر
الجواب . والله أعلم .

٢٨ وله قوله تعالى: ((وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء)) الآية سورة الأنعام
وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَلِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (﴾ وَذَرِ
الَّذِنَ الََّدُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَهُوًا وَغَّْهُمُ الْحَةُ الْنّا وَذَكَِ أَنْ تُسَلَ نَفْسُ بِمَا
كَسَبَتْ لَيْسَ لَمَا مِن دُونِ اللهِ وَلِّ وَلَا شَفِيعُ وَإِن تَعْدِلَ كُلّ عَدْلٍ لَّايُؤْخَذْ مِنْهَاً
أَوْلَكَ الَّذِينَ أَبْسِلُوْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَيٍِ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ
يَكْفُرُونَ
قوله تعالى ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون ﴾.
قال ابن عباس : قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا
عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت ، فنزلت هذه الآية وحصلت
الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم ويذكرونهم ويفهمونهم . قال ومعنى الآية ( وما على
الذين يتقون ) الشرك والكبائر والفواحش ( من حسابهم ) من آثامهم ( من شيء ولكن ذكرى )
قال الزجاج : قوله ( ذكرى ) يجوز أن يكون في موضع رفع ، وأن يكون في موضع نصب .
أما کونه في موضع رفع فمن وجهين : الأول : ولکن علیکم ذکری أي أن تذكروهم وجائز أن
يكون ولكن الذين تأمرونهم به ذكرى ، فعلى الوجه الأول الذكرى بمعنى التذكير ، وعلى الوجه
الثاني الذكرى تكون بمعنى الذكر وأما كونه في مومع النصب ، فالتقدير ذكروهم ذكرى لعلهم
يتقون . والمعنى لعل ذلك الذكرى يمنعهم من الخوض في ذلك الفضول .
قوله تعالى ﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل
نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك
الذين أبلسوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ﴾ .
اعلم أن هؤلاء هم المذكورون بقوله ( الذين يخوضون في آياتنا ) ومعنى ( ذرهم )
أعرض عنهم وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال بعده ( وذكر به ) ونظيره قوله تعالى
( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم ) والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا
يترك إنذارهم وتخويفهم .
واعلم أنه تعالى أمر الرسول بأن يترك من كان موصوفا بصفتين :

٢٩
قوله تعالى: ((وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء)) الآية سورة الأنعام
الصفة الأولى﴾ أن يكون من صفتهم أنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وفي تفسيره
وجوه : الأول : المراد أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا اليه وهو دين الاسلام لعباً ولهواً
حيث سخروا به واستهزؤا به . الثاني : اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها ديناً
لهم . الثالث : أن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني ، مثل تحريم
السوائب والبحائر وما كانوا يحتاطون في أمر الدين البتة ، ويكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر الله
تعالى عنهم بأنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً . والرابع : قال ابن عباس جعل الله لكل قوم عيداً
يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله تعالى . ثم إن الناس أكثرهم من المشركين ، وأهل
الكتاب اتخذوا عيدهم لهواً ولعبا غير المسلمين فانهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله تعالى .
والخامس : وهو الأقرب ، أن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على
أنه حق وصدق وصواب . فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة
الخصم وجمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا ، وقد حكم الله على الدنيا في سائر الآيات بأنها
لعب ولهو. فالمراد من قوله ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً) هو الاشارة إلى من يتوسل
بدينه إلى دنياه . وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت
هذه الحالة . والله أعلم .
الصفة الثانية ) قوله تعالى (وغرتهم الحياة الدنيا ) وهذا يؤكد الوجه الخامس الذي
ذكرناه كأنه تعالى يقول إنما اتخذوا دينهم لعباً وهواً لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا . فلأجل
استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا
بها إلى حطام الدنيا .
إذا عرفت هذا، فقوله ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً) معناه أعرض عنهم ولا
تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزناً ( وذكر به ) واختلفوا في أن الضمير في
قوله ( به ) إلى ماذا يعود ؟ قيل وذكر بالقرآن وقل أنه تعالى قال ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً
ولهواً) والمراد الدين الذي يجب عليهم أن يتدينوا به ويعتقدوا صحته فقوله ( وذكر به ) أي
بذلك الدين لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكور . والدين أقرب المذكور ، فوجب عود
الضمير اليه . أما قوله ( أن تبسل نفس بما كسبت ) فقال صاحب الكشاف : أصل الابسال
المنع ومنه ، وهذا عليك بسل أي حرام محظور ، والبلسل الشجاع لامتناعه من خصمه ، أو
لأنه شديد البسور ، يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه ، وإذا زاد قالوا بسل ، والعابس منقبض
الوجه .

٣٠
قوله تعالى: ((قل اندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا)) الآية سورة الأنعام
قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعَنَا وَلَا يَضُرْنَا وَثُرَدُّ عَلَّ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَثَنَا
اللهُ كَالَّذِى أَسْتَهُوَهُ الشَّيَتِطِينُ فِ الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ ◌ٍ أَمْخَبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْمُدَّى
أَثْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِهُوَ الْهُدَى وَأَمِرْنَ لِفُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلِينَ ﴾. وَأَنْ أَقِمُواْ
الصَّلَوَةَ وَأَتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٧٢
اذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس ( تبسل نفس بما کسبت ) أي ترتھن في جهنم بما
كسبت في الدنيا . وقال الحسن ومجاهد : تسلم للمهلكة أي تمنع عن مرادها وتخذل . وقال
قتادة : تحبس في جهنم ، وعن ابن عباس ( تبسل ) تفضح و( أبسلوا ) فضحوا ، ومعنى الآية
وذكرهم بالقرآن ، ومقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون
فیتقون . ثم قال تعالى ( ليس لها ) أي لیس للنفس ( من دون الله ولي ولا شفیع وإن تعدل کل
عدل لا يؤخذ منها ) أي وإن تفد كل فداء، والعدل الفدية لا يؤخذ ذلك العدل وتلك الفدية
منها . قال صاحب الكشاف : فاعل يؤخذ ليس هو قوله ( عدل ) لأن العدل ههنا مصدر ، فلا
يسند اليه الأخذ ، وأما في قوله ( ولا يؤخذ منها عدل ) فبمعنى المفدى به ، فصح إسناده اليه .
فنقول : الأخذ بمعنى القبول وارد . قال تعالى (ويأخذ الصدقات ) أي يقبلها . واذا ثبت هذا
فيحمل الأخذ ههنا على القبول ، ويزول السؤال . والله أعلم .
والمقصود من هذه الآية : بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة ، فلا ولي
يتولى دفع ذلك المحذور ، ولا شفيع يشفع فيها ، ولا فدية تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها
حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع . فاذا كانت وجوه الخلاص هي هذه
الثلاثة في الدنيا ، وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة ، وظهر أنه ليس هناك إلا الابسال الذي هو
الارتهان ، والانغلاق والاستسلام ، فليس لها البتة دافع من عذاب الله تعالى ، واذا تصور
المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد اذا أقدم على معاصي الله تعالى . ثم إنه تعالى بين
ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين ، فقال ( لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا
يكفرون) وذلك هو النهاية في صفة الايلام . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذا هدانا
الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حیران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى
الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي اليه تحشرون ﴾ .

٣١
قوله تعالى: ((كالذي أستهوته الشياطين في الأرض)) الآية سورة الأنعام
اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك
( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ) فقال ( قل اندعوا من دون الله ) أي أنعبد
من دون الله النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا ، ونرد على أعقابنا راجعين إلى
الشرك بعد أن أنقذنا الله منه وهدانا للاسلام ؟ ويقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل أنه
رجع إلى خلف، ورجع على عقبيه ورجع القهقري ، والسبب فيه أن الأصل في الانسان هو
الجهل ، ثم اذا ترقى وتكامل حصل له العلم . قال تعالى ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم
لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة
أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة ، فلهذا السبب يقال : فلان رد على عقبيه .
وأما قوله ﴿كالذي استهوته الشياطين في الأرض ﴾ فاعلم أنه تعالى وصف هذا الانسان
بثلاثة أنواع من الصفات :
الصفة الأولى ﴾ قوله ( استهوته الشياطين ) وفيه مسألتان :
﴿المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة (استهواه) بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء، لأن
الجمع يصلح أن يذكر على معنى الجمع ، ويصلح أن يؤنث على معنى الجماعة .
﴿ المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في اشتقاق ( استهوته ) على قولين:
القول الأول﴾ أنه مشتق من الهوى في الأرض، وهو النزول من الموضع العالي إلى
الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض ، فشبه الله تعالى حال هذا الضال به وهو قوله ( ومن
يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) ولا شك أن حال هذا الانسان عند هويه من المكان العالي إلى
الوهدة العميقة المظلمة يكون في غاية الاضطراب والضعف والدهشة .
والقول الثاني ﴾ أنه مشتق من اتباع الهوى والمیل ، فان من کان کذلك فانه ربما بلغ
النهاية في الحيرة ، والقول الأول أولى ، لأنه أكمل في الدلالة على الدهشة والضعف .
الصفة الثانية ) قوله ( حيران ) قال الأصمعي : يقال حار يحار حيرة وحيرا ، وزاد
الفراء حيرانا وحيرورة ، ومعنى الحيرة هي التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه . ومنه
يقال : الماء يتحير في الغيم أي يتردد ، وتحيرت الروضة بالماء اذا امتلأت فتردد فيها الماء .
واعلم أن هذا المثل في غاية الحسن ، وذلك لأن الذي يهوى من المكان العالي إلى الوهدة
العميقة يهوي اليها مع الاستدارة على نفسه ، لأن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل

٣٢
قوله تعالى: ((وأمرنا لنسلم لرب العالمين)) الآية سورة الأنعام
ينزل على الاستدارة ، وذلك يوجب كمال التردد والتحير ، وأيضاً فعند نزوله لا يعرف أنه
يسقط على موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو يقل ، فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال
علمت انك لا تجد مثالا للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا المثال .
الصفة الثالثة ﴾ قوله تعالى ( له أصحاب يدعونه إلى الهدى أئتنا ) قالوا نزلت هذه
الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فانه كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه كان
يدعوه إلى الايمان ويأمره بأن يرجع من طريق الجهالة إلى الهداية ومن ظلمة الكفر إلى نور
الايمان . وقيل : المراد أن لذلك الكافر الضال أصحابا يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه
هو الهدى وهذا بعيد . والقول الصحيح هو الاول
ثم قال تعالى ﴿ قل إن هدى الله هو الهدى﴾ يعني هو الهدى الكامل النافع الشريف كما
اذا قلت علم زيد هو العلم وملك عمروهو الملك كان معناه ما ذكرناه من تقرير أمر الكمال
والشرف .
ثم قال تعالى ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ واعلم أن قوله (إن هدى الله هو الهدى )
دخل فيه جميع أقسام المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات ، وتقرير الكلام أن كل ما تعلق أمر
الله به ، فإما أن يكون من باب الأفعال ، وإما أن يكون من باب التروك
الأول : فاما أن يكون من باب أعمال القلوب وإما أن يكون من باب أفعال الجوارح ،
ورئيس أعمال القلوب الايمان بالله والاسلام له ، ورئيس أعمال الجوارح الصلاة ، وأما الذي
يكون من باب التروك فهو التقوى وهو عبارة عن الاتقاء عن كل ما لا ينبغي ، والله سبحانه لما
بين أولا أن الهدى النافع هو هدى الله ، أردف ذلك الكلام الكلى بذكر أشرف أقسامه على
الترتيب وهو الاسلام الذي هو رئيس الطاعات الروحانية ، والصلاة التي هي رئيسة الطاعات
الجسمانية ، والتقوى التي هي رئيسة لباب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي ، ثم بين منافع
هذه الأعمال فقال ( وهو الذي اليه تحشرون ) يعني أن منافع هذه الأعمال انما تظهر في يوم الحشر
والبعث والقيامة .
فان قيل : كيف حسن عطف قوله ( وأن أقيموا الصلاة ) على قوله ( وأمرنا لنسلم لرب
العالمين ) ؟
قلنا : ذكر الزجاج فيه وجهين : الأول : أن يكون التقدير ، وأمرنا فقيل لنا أسلموا
لرب العالمين وأقيموا الصلاة .

٣٣
قوله تعالى ((وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق)) الآية سورة الأَنْعام
وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ الَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَكُونُ قَوَّلُهُ الْحَقِّ
وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَعُ فِ الصُورِ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالتََّدَّةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيْ (9)
فان قيل : هب أن المراد ما ذكرتم ، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللفظ الظاهر
والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه إلا بالتأويل ؟
قلنا : وذلك لأن الكافر ما دام يبقى على كفره ، كان كالغائب الأجنبي فلا جرم يخاطب
بخطاب الغائبين ، فيقال له ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) واذا أسلم وآمن ودخل في الايمان
صار كالقريب الحاضر، فلا جرم يخاطب الحاضرين ، ويقال له ( وأن أقيموا الصلاة واتقوه
وهو الذي اليه تحشرون ) فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين
حالتي الكفر والإيمان وتقريره أن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر. والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق
وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير﴾ .
اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام ، ذكرههنا ما يدل
على أنه لا معبود إلا الله وحده وهو هذه الآية ، وذكر فيها أنواع كثيرة من الدلائل . أولها :
قوله ( وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ) أما كونه خالقا السموات والأرض ، فقد
شرحنا في قوله ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) وأما أنه تعالى لغا بالحق فهو نظير
لقوله تعالى في سورة آل عمران ( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) وقوله ( وما خلقنا السماء والأرض
وما بينهما لا عبين ما خلقناهما إلا بالحق ) وفيه قولان :
القول الأول ﴾ وهو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل
الكائنات تصرف للمالك في ملكه حسن وصواب على الاطلاق ، فكان ذلك التصرف حسنا على
الاطلاق حقا على الاطلاق .
والقول الثاني ﴾ وهو قول المعتزلة أن معنى كونه حقا أنه واقع على وفق مصالح
المكلفين مطابق لمنافعهم . قال القاضي : ويدخل في هذه الآية أنه خلق المكلف أولا حتى يمكنه
الانتفاع بخلق السموات والأرض ، ولحكماء الاسلام في هذا الباب طريقة أخرى ، وهي أنه
الفخر الرازي ج١٣ م٣

٣٤
قوله تعالى: ((وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق)) الآية سورة الأنعام
يقال : أودع في هذه الاجرام العظيمة قوى وخواص يصدر بسببها عنها آثار وحركات مطابقة
لمصالح هذا العالم ومنافعه . وثانيها : قوله ( ويوم يقول كن فيكون ) في تأويل هذه الآية
قولان : الأول : التقدير وهو الذي خلق السموات والأرض وخلق يوم يقول كن فيكون ،
والمراد من هذا اليوم يوم القيامة ، والمعنى أنه تعالى هو الخالق للدنيا ، ولكل ما فيها من الأفلاك
والطبائع والعناصر والخالق ليوم القيامة والبعث ولرد الأرواح إلى الأجساد على سبيل كن
فیکون .
والوجه الثاني ﴾ في التأويل أن نقول قوله ( الحق) مبتدأ و( يوم يقول كن فيكون )
ظرف دال على الخبر ، والتقدير : قوله ( الحق ) واقع ( يوم يقول كن فيكون ) كقولك يوم
الجمعة القتال ، ومعناه القتال واقع يوم الجمعة . والمراد من كون قوله حقا في ذلك اليوم أنه
سبحانه لا يقضي إلا بالحق والصدق ، لأن أقضيته منزهة عن الجور والعبث . وثالثها : قوله
( وله الملك يوم ينفخ في الصور ) فقوله ( وله الملك ) يفيد الحصر، والمعنى : أنه لا ملك في يوم
ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه وتعالى ، فالمراد بالكلام الثاني تقريرا لحكم الحق المبرأ عن
العبث والباطل ، والمراد بهذا الكلام تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها ولا معارض .
فان قال قائل : قول الله حق في كل وقت ، وقدرته كاملة في كل وقت ، فما الفائدة في
تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين ؟
قلنا : لأن هذا اليوم هو اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع ولا ضر، فكان الأمر كما
قال سبحانه ( والأمر يومئذ لله) فلهذا السبب حسن هذا التخصيص ، ورابعها : قوله ( عالم
الغيب والشهادة ) تقديره ، وهو عالم الغيب والشهادة .
واعلم انا ذكرنا في هذا الكتاب الكامل أنه سبحانه ما ذكر أحوال البعث في القيامة إلا
وقرر فيه أصلين : أحدهما : كونه قادرا على كل الممكنات ، والثاني : كونه عالما بكل
المعلومات لأن بتقدير أن لا يكون قادرا على كل الممكنات لم يقدر على البعث والحشر ورد
الأرواح إلى الأجساد وبتقدير أن لا يكون عالما بجميع الجزئيات لم يصح ذلك أيضا منه لأنه
ربما اشتبه عليه المطيع بالعاصي والمؤمن بالكافر ، والصديق بالزنديق ، فلا يحصل المقصود
الأصلى من البعث والقيامة . أما إذا ثبت بالدليل حصول هاتين الصفتين كما الغرض
والمقصود ، فقوله ( وله الملك يوم ينفخ في الصور) يدل على كمال القدرة، وقوله (عالم الغيب
والشهادة ) يدل على كمال العلم فلا جرم لزم من مجموعهما أن يكون قوله حقا ، وأن يكون
حكمه صدقا ، وأن تكون قضاياه مبرأة عن الجور والعبث والباطل

٣٥
قوله تعالى ((وهو الحكيم الخبير)) الآية سورة الأنعام
ثم قال ﴿ وهو الحكيم الخبير﴾ والمراد من كونه حكيما أن يكون مصيب في أفعاله ، ومن
كونه خبيرا ، كونه عالما بحقائقها من غير اشتباه ومن غير التباس . والله أعلم
﴿ المسألة الثانية﴾ قد ذكرنا في كثير من هذا الكتاب أنه ليس المراد بقوله ( كن فيكون)
خطابا وأمراً لأن ذلك الأمر ان كان للمعدوم فهو محال . وان كان للموجود فهو أمر بأن يصير
الموجود موجودا وهو محال ، بل المراد منه التنبيه على نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات
وايجاد الموجودات
﴿ المسألة الثالثة) قوله ( يوم ينفخ في الصور ) ولا شبهة أن المراد منه يوم الحشر، ولا
شبهة عند اهل الاسلام أن الله سبحانه خلق قرنا ينفخ فيه ملك من الملائكة وذلك القرن يسمى
بالصور على ما ذكر الله تعالى هذا المعنى في مواضع من الكتاب الكريم ولكنهم اختلفوا في المراد
بالصور في هذه الآية على قولين :
﴿ القول الأول﴾ أن المراد منه ذلك القرن الذى ينفخ فيه وصفته مذكورة في سائر
السور
والقول الثاني ﴾ ان الصور جمع صورة والنفخ في الصور عبارة عن النفخ في صور
الموتى ، وقال أبو عبيدة : الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة . قال الواحدى رحمه الله :
أخبرني أبو الفضل العروضى عن الأزهرى عن المنذرى عن أبي الهيثم : انه قال ادعى قوم ان
الصور جمع الصورة كما ان الصوف جمع الصوفة والثوم جمع الثومة ، وروى ذلك عن أبي عبيدة
قال أبو الهيثم ، وهذا خطأ فاحش لأن الله تعالى قال ( وصوركم فأحسن صوركم ) وقال
( ونفخ في الصور ) فمن قرأ ونفخ في الصور ، وقرأ ( فأحسن صوركم ) فقد افترى
الكذب ، وبدل كتاب الله ، وكان أبو عبيدة صاحب اخبار وغرائب ، ولم يكن له معرفة
بالنحو ، قال الفراء : كل جمع على لفظ الواحد المذكر سبق جمعه واحده ، فواحده بزيادة هاء
فيه ، وذلك مثل الصوف والوبر والشعر والقطن والعشب فكل واحد من هذه الأسماء اسم
لجميع جنسه ، وإذا أفردت واحدته زيدت فيها هاء لأن جمع هذا الباب سبق واحده ، ولو أن
الصوفة كانت سابقة للصوف لقالوا صوفة وصوف وبسرة وبسركما قالوا غرفة وغرف، وزلفة
وزلف، وأما الصور القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال واحدته صورة وانما تجمع صورة
الانسان صورا لأن واحدته سبقت جمعه ، قال الازهرى : قد أحسن أبو الهيثم في هذا الكلام
ولا يجوز عندى غير ما ذهب اليه ، وأقول : ومما يقوى هذا الوجه انه لو كان المراد نفخ الروح

٣٦
قوله تعالى: ((واذ قال إبراهيم لأبيه آزر)) الآية سورة الأنعام
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِهِءَ ازَرَ أَِّذُ أَصْنَامَاءَ الِهَةً إِنَّ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِىِ ضَلَلِ
مُبِينٍ
في تلك الصور لأضاف تعالى ذلك النفخ الى نفسه لأن نفخ الأرواح في الصور يضيفه الله الى
نفسه ، كما قال ( فاذا سويته ونفخت فيه من روحي ) وقال ( فنفخنا فيها من روحنا ) وقال
( ثم انشأناه خلقا آخر ) وأما نفخ الصور بمعنى النفخ في القرآن ، فانه تعالى يضيفه الى نفسه
كما قال ( فاذا نقر في الناقور ) وقال ( ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض
ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) فهذا تمام القول في هذا البحث، والله أعلم
بالصواب .
قوله تعالى ﴿ وإذا قال ابراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني اراك وقومك في ضلال
مبين ﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه سبحانه كثيرا يحتج على مشركي العرب بأحوال ابراهيم
عليه السلام وذلك لأنه يعترف بفضله جميع الطوائف والملل فالمشركون كانوا معترفين بفضله
مقرين بأنهم من أولاده واليهود والنصارى والمسلمون كلهم معظمون له معترفون بجلالة
قدره . فلا جرم ذكر الله حكاية حاله في معرض الاحتجاج على المشركين
واعلم أن هذا المنصب العظيم وهو اعتراف أكثر أهل العالم بفضله وعلو مرتبته لم يتفق
لأحد كما اتفق للخليل عليه السلام ، والسبب فيه انه حصل بين الرب وبين العبد معاهدة كما
قال ( أوفوا بعهدى أوف بعهدكم ) فابراهيم وفى بعهد العبودية ، والله تعالى شهد بذلك على
سبيل الاجمال تارة وعلى سبيل التفصيل أخرى . أما الاجمال ففي آيتين إحداهما قوله ( وإذا
ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) وهذا شهادة من الله تعالى بأنه تمم عهد العبودية . والثانية
قوله تعالى ( إذا قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) وأما التفصيل : فهو انه عليه
السلام ناظر في اثبات التوحيد وابطال القول بالشركاء والانداد في مقامات كثيرة .
﴿ فالمقام الأول ﴾ في هذا الباب مناظرته مع أبيه حيث قال له ( يا أبت لم تعبد ما لا
يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا )

٣٧
قوله تعالى: ((وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر)) الآية سورة الأنعام
والمقام الثاني ﴾ مناظرته مع قومه وهو قوله ( فلما جن عليه الليل )
والمقام الثالث﴾ مناظرته مع ملك زمانه ، فقال (ربي الذى يحيي ويميت )
﴿والمقام الرابع ﴾ مناظرته مع الكفارة بالفعل، وهو قوله تعالى (فجعلهم جذاذا إلا
كبيرا لهم ) ثم ان القوم قالوا ( حرقوه وانصروا آلهتكم ) ثم انه عليه السلام بعد هذه الواقعة بذل
ولده فقال ( اني أرى في المنام أني أذبحك ) فعند هذا ثبت أن ابراهيم عليه السلام كان من
الفتيان ، لأنه سلم قلبه للعرفان ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان ،
ثم انه عليه السلام سأل ربه فقال ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) فوجب في كرم الله
تعالى أنه يجيب دعاءه ويحقق مطلوبه في هذا السؤال ، فلا جرم أجاب دعاءه ، وقبل نداءه
وجعله مقبولا لجميع الفرق والطوائف الى قيام القيامة ، ولما كان العرب معترفین بفضله لا جرم
جعل الله تعالى مناظرته مع قومه حجة على مشركي العرب
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم انه ليس في العالم أحد يثبت الله تعالى شريكا يساويه في
الوجوب والقدرة والعلم والحكمة ، لكن الثنوية يثبتون إلهين ، أحدهما حكيم يفعل الخير ،
والثاني سفيه يفعل الشر، وأما الاشتغال بعبادة غير الله . ففي الذاهبين اليه كثرة . فمنهم
عبدة الكواكب ، وهم فريقان منهم من يقول انه سبحانه خلق هذه الكواكب ، وفوض تدبیر
هذا العالم السفلى اليها ، فهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم ، قالوا : فيجب علينا ان
نعبد هذه الكواكب ، ثم ان هذه الافلاك والكواكب تعبد الله وتطيعه ، ومنهم قوم غلاة
ينكرون الصانع ، ويقولون هذه الافلاك والكواكب أجسام واجبة الوجود لذواتها ويمتنع عليها
العدم والفناء ، وهي المدبرة لأحوال هذا العالم الأسفل ، وهؤلاء هم الدهرية الخالصة ، وممن
يعبد غير الله النصارى الذين يعبدون المسيح ومنهم أيضا عبدة الأصنام
واعلم أن هنا بحثا لا بد منه وهو انه لا دين أقدم من دين عبدة الأصنام ، والدليل عليه
أن أقدم الأنبياء الذين وصل الينا تواريخهم على سبيل التفصيل هو نوح عليه السلام ، وهو انما
جاء بالرد على عبدة الأصنام كما قال تعالى حكاية عن قومه انهم قالوا ( لا تذرن ودا ولا سواعا
ولا يغوث ويعوق ونسرا ) وذلك يدل على ان دين عبدة الاصنام قد كان موجودا قبل نوح عليه
السلام وقد بقي ذلك الدين إلى هذا الزمان فان أكثر سكان أطراف الأرض مستمرون على هذا
الدين والمذهب الذى هذا شأنه يمتنع أن يكون معلوم البطلان في بديهة العقل ، لكن العلم بأن
هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذى خلقني وخلق السماء والأرض علم

٣٨
قوله تعالى: ((واذ قال إبراهيم لأبيه آزر)) الآية سورة الأنعام
ضرورى ، والعلم الضرورى يمتنع اطباق الخلق الكثير على انكاره ، فظهر أنه ليس دين عبدة
الأصنام كون الصنم خالقا السماء والأرض ، بل لا بد وأن يكون لهم فيه تأويل ، والعلماء
ذكروا فيه وجوها كثيرة وقد ذكرنا هذا البحث في أول سورة البقرة ، ولا بأس بأن نعيده ههنا
تكثيرا للفوائد
فالتأويل الأول﴾ وهو الاقوى أن الناس رأوا تغيرات، أحوال العالم الاسفل
مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب ، فان بحسب قرب الشمس وبعدها من سمت الرأس
تحدث الفصول الأربعة ، وبسبب حدوث الفصول الأربعة تحدث الأحوال المختلفة فى هذا
العالم ، ثم ان الناس ترصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادات والنحوسات
بكيفية وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة فلما اعتقدوا ذلك غلب على ظنون أكثر الخلق
ان مبدأ حدوث الحوادث في هذا العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية فلما
اعتقد واذلك بالغوافي تعظيمهاثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها ومنهم من اعتقد حدوثها
وكونها مخلوقة للاله الأكبر ، إلا أنهم قالوا إنها وإن كانت مخلوقة للاله الأكبر ، إذ أنها هي المدبرة
لأحوال هذا العالم وهؤلاء هم الذين أثبتوا الوسائط بين الاله الأكبر ، وبين أحوال هذا
العالم . وعلى كلا التقديرين فالقوم اشتغلوا بعبادتها وتعظيمها ثم إنهم لما رأوا أن هذه
الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكل كوكب صنما من الجوهر المنسوب
اليه واتخذوا صنم الشمس من الذهب وزينوه بالأحجار المنسوبة الى الشمس وهي الياقوت
والألماس واتخذوا صنم القمر من الفضة وعلى هذا القياس ثم أقبلوا على عبادة هذه الاصنام
وغرضهم من عبادة هذه الاصنام هو عبادة تلك الكواكب والتقرب اليها وعند هذا البحث يظهر
أن المقصود الأصلى من عبادة هذه الأصنام هو عبادة الكواكب . وأما الأنبياء صلوات الله
عليهم فلهم ههنا مقامات : أحدهما : إقامة الدلائل على أن هذه الكواكب لا تأثير لها البتة في
أحوال هذا العالم كما قال الله تعالى ( الاله الخلق والأمر ) بعد أن بين في الكواكب أنها
مسخرة . والثاني : أنها بتقدير أنها تفعل شيئا ويصدر عنها تأثيرات في هذا العالم إلا أن
دلائل الحدوث حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة والاشتغال بعبادة الأصل أولى من الاشتغال
بعبادة الفرع ، والدليل على أن حاصل دين عبدة الأصنام ما ذكرناه . أنه تعالى لما حكى عن
الخليل صلوات الله عليه أنه قال لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين
فأفتى بهذا الكلام أن عبادة الأصنام جهل ، ثم لما اشتغل بذكر الدليل أقام الدليل على أن
الكواكب والقمر والشمس لا يصلح شيء منها للالهية وهذا يدل على أن دين عبدة الأصنام
حاصلة يرجع الى القول بالهية هذه الكواكب وإلا لصارت هذه الآية متنافية متنافرة . وإذا

٣٩
قوله تعالى: ((واذ قال ابراهيم لأبيه آزر)) الآية سورة الأنعام
عرفت هذا ظهر أنه لا طريق الى إبطال القول بعبادة الأصنام إلا بابطال كون الشمس والقمر
وسائر الكواكب آلهة لهذا العالم مدبرة له .
الوجه الثاني ﴾ في شرح حقيقة مذهب عبدة الأصنام ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد
المنجم البلخي رحمه الله فقال في بعض كتبه : إن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يثبتون الاله
والملائكة إلا أنهم يعتقدون أنه تعالى جسم وذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وللملائكة
أيضا صور حسنة إلا أنهم كلهم محتجبون عنا بالسموات ، فلا جرم اتخذوا صورا وتماثيل أنيقة
المنظر حسنة الرؤيا والهيكل فيتخذون صورة في غاية الحسن ويقولون أنها هيكل الاله ،
وصورة أخرى دون الصورة الأولى ويجعلونها على صورة الملائكة ، ثم يواظبون على عبادتها
قاصدين بتلك العبادة طلب الزلفى من الله تعالى ومن الملائكة ، فان صح ما ذكره أبو معشر
فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد أن الله تعالى جسم وفي مكان .
﴿ الوجه الثالث﴾ في هذا الباب أن القوم يعتقدون أن الله تعالى فوض تدبير كل واحد
من الأقاليم الى ملك بعينه . وفوض تدبير كل قسم من أقسام ملك العالم الى روح سماوى
بعينه فيقولون مدبر البحار ملك ، ومدبر الجبال ملك آخر ، ومدبر الغيوم والأمطار ملك ،
ومدبر الأرزاق ملك ، ومدبر الحروب والمقاتلات ملك آخر ، فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا لكل
واحد من اولئك الملائكة صنما مخصوصا وهيكلا مخصوصا ويطلبون من كل صنم ما يليق بذلك
الروح الفلكي من الآثار والتدبيرات ، وللقوم تأويلات أخرى سوى هذه الثلاثة ذكرناها في
أول سورة البقرة ، ولنكتف ههنا بهذا القدر من البيان . والله أعلم
﴿ المسألة الثالثة ) ظاهر هذه الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من
قال اسمه تارح . قال الزجاج : لا خلاف بين النسابين ان اسمه تارخ ومن الملحدة من جعل
هذا طعنا في القرآن . وقال هذا النسب خطأ وليس بصواب ، وللعلماء ههنا مقامان :
﴿ المقام الأول﴾ أن اسم والد ابراهيم عليه السلام هو آزر، وأما قولهم أجمع النسابون
على أن اسمه كان تارح . فنقول هذا ضعيف لأن ذلك الاجماع انما حصل لأن بعضهم يقلد
بعضا ، وبالآخرة يرجع ذلك الاجماع الى قول الواحد والاثنين مثل قول وهب وكعب
وغيرهما ، وربما تعلقوا بما يجدونه من أخبار اليهود والنصارى ، ولا عبرة بذلك في مقابلة
صريح القرآن
﴿ المقام الثاني﴾ سلمنا ان اسمه كان تارح ثم لنا ههنا وجوه :

٤٠
قوله تعالى: ((واذ قال ابراهيم لأبيه آزر)) الآية سورة الأنعام
﴿ الوجه الأول﴾ لعل والد ابراهيم كان مسمى بهذين الاسمين، فيحتمل أن يقال ان
اسمه الأصلي كان آزر وجعل تارح لقبا له ، فاشتهر هذا اللقب وخفى الاسم . فالله تعالى
ذكره بالاسم ، ويحتمل أن يكون بالعكس ، وهو أن تارح كان اسما أصليا وآزر كان لقبا
غالبا . فذكره اللّه تعالى بهذا اللقب الغالب
﴿ الوجه الثاني﴾ أن يكون لفظة آزر صفة مخصوصة في لغتهم ، فقيل ان آزر اسم ذم
في لغتهم وهو المخطيء كأنه قيل ، وإذ قال ابراهيم لأبيه المخطيء كأنه عابه بزيغه وكفره
وانحرافه عن الحق ، وقيل آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية ، وهو أيضا فارسية أصلية
واعلم ان هذين الوجهين انما يجوز المصير اليهما عند من يقول بجواز اشتمال القرآن على
ألفاظ قليلة من غير لغة العرب
﴿ والوجه الثالث﴾ أن آزر كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم، وانما سماه اللّه بهذا
الاسم لوجهين : أحدهما : أنه جعل نفسه مختصا بعبادته ومن بالغ في محبة أحد فقد يجعل اسم
المحبوب اسما للمحب . قال الله تعالى ( يوم ندعوا اكل أناس بامامهم ) وثانيها : أن يكون
المراد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه
﴿ الوجه الرابع﴾ أن والد إبراهيم عليه السلام كان تارح وآزر كان عماله، والعم قد
يطلق عليه اسم الأب ، كما حكى الله تعالى عن اولاد يعقوب أنهم قالوا ( نعبد إلهك وإله
آبائك إبراهيم واسمعيل واسحق ) ومعلوم ان اسمعيل كان عما ليعقوب . وقد اطلقوا عليه لفظ
الأب فكذا ههنا . واعلم أن هذه التكلفات انما يجب المصير اليها لودل دليل باهر على أن والد
ابراهيم ما كان اسمه آزر وهذا الدليل لم يوجد البتة ، فأى حاجة تحملنا على هذه التأويلات ،
والدليل القوى على صحة أن الأمر على ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، أن اليهود والنصارى
والمشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام واظهار بغضه ، فلو
كان هذا النسب كذبا لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه وحيث لم يكذبوه علمنا ان هذا
النسب صحيح والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قالت الشيعة: إن أحدا من آباء الرسول عليه الصلاة والسلام
وأجداده ما كان كافرا وأنكروا أن يقال أن والد إبراهيم كان كافرا وذكروا أن آزر كان عم
ابراهيم عليه السلام . وما كان والدا له واحتجوا على قولهم بوجوه :