النص المفهرس
صفحات 1-20
تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزَّازى الشَّهُ بالتّغِير الكبير ومَفَاتَع الغَيب للإمَام محمد الزَّزى فخر الدين ابن العلامة ضياءالدين عمر الشَّهِ بخطِ الرّيَ نفَعَ اللّهبالمنيمين ٦٠٤ هـ ٥٤٤ حقوق الطبع محفوظة للناشر :الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م تمتاز هذه الطبعة بفهرس لآيات الأحكام الجُزْءُ الثَّالِثُ عِشَرْ دار الفكر لطبَّاعَة وَالنشْر وَالتوزيع حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٤٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقیا فیکسي قوله تعالى: ((واذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا)) الآية سورة الأنعام ٣ الجزء بِسْطِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ صع وَإِذَا جَآءَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِعَايَئِنَا فَقُلْ سَلَمٌ عَلَيْكُمَّ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الَّحْمَةَ أَنُّ مَنْ عَمِلَ مِنْكُرْ سُوءًا بِجَهَلَةٍثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَتَهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ ٥٤ قوله تعالى ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في قوله (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) فقال بعضهم هو على اطلاقه في كل من هذه صفته . وقال آخرون : بل نزل في أهل الصفة الذين سأل المشركون الرسول عليه السلام طردهم وابعادهم ، فأكرمهم الله بهذا الإكرام . وذلك لأنه تعالى نهى الرسول عليه السلام أولا عن طردهم، ثم امره بأن يكرمهم بهذا النوع من الاكرام . قال عكرمة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام ويقول ((الحمدلله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأه بالسلام)) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عمر لما اعتذر من مقالته واستغفر الله منها . وقال للرسول عليه السلام ، ما أردت بذلك إلا الخير نزلت هذه الآية . وقال بعضهم : بل نزلت في قوم أقدموا على ذنوب ، ثم جاؤه صلى الله عليه وسلم مظهرين للندامة والأسف ، فنزلت هذه الآية فيهم والأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها ، فكل من آمن بالله دخل تحت هذا التشريف . ولي ههنا اشكال ، وهو: أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من آيات السورة ان سبب نزولها هو الأمر الفلاني بعينه ؟ ﴿ المسألة الثانية) قوله ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ) مشتمل على أسرار عالية ، وذلك لأن ماسوى الله تعالى فهو آيات وجود الله تعالى ، وآيات صفات جلاله واكرامه وكبريائه ، وآيات وحدانيته ، وما سوى الله فلا نهاية له ، وما لا نهاية له فلا سبيل للعقل في الوقوف عليه على التفصيل التام ، إلا أن الممكن هو أن يطلع على بعض الآيات ويتوسل الشارع ٤ قوله تعالى ((كتب ربكم على نفسه)) الآية - سورة الأنعام بمعرفتها إلى معرفة الله تعالى ثم يؤمن بالبقية على سبيل الاجمال ثم إنه يكون مدة حياته كالسائح في تلك القفار ، وكالسابح في تلك البحار . ولما كان لا نهاية لها فكذلك لا نهاية لترقى العبد في معارج تلك الآيات ، وهذا مشرع جملى لا نهاية لتفاصيله . ثم إن العبد إذا صار موصوفا بهذه الصفة فعند هذا أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ( سلام عليكم ) فيكون هذا التسليم بشارة لحصول السلامة . وقوله ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) بشارة لحصول الرحمة عقيب تلك السلامة . أما السلامة فالنجاة من بحر عالم الظلمات ومركز الجسمانيات ومعدن الآفات والمخالفات وموضع التغييرات والتبديلات ، وأما الكرامات فبالوصول الى الباقيات الصالحات والمجردات المقدسات ، والوصول إلى فسحة عالم الأنوار والترقي الى معارج سرادقات الجلال . ﴿ المسألة الثالثة﴾ ذكر الزجاج عن المبرد . أن السلامة في اللغة أربعة اشياء ، فمنها سلمت سلاما وهو معنى الدعاء ، ومنها أنه اسم من أسماء الله تعالى ، ومنها الاسلام ، ومنها اسم للشجر العظيم ، أحسبه سمى بذلك لسلامته من الآفات ، وهو ايضا اسم للحجارة الصلبة ، وذلك ايضاً لسلامتها من الرخاوة . ثم قال الزجاج : قوله ( سلام عليكم ) السلام ههنا يحتمل تأويلين : أحدهما : أن يكون مصدر سلمت تسليما وسلاما مثل السراح من التسريح ، ومعنى سلمت عليه سلاما ، دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه . فالسلام بمعنى التسليم . والثاني : أن يكون السلام جمع السلامة ، فمعنى قولك السلام عليكم ، السلامة عليكم . وقال أبو بكر بن الأنبارى : قال قوم السلام هو الله تعالى فمعنى السلام عليكم يعني الله عليكم أى على حفظكم وهذا بعيد في هذه الآية لتنكير السلام في قوله ( فقل سلام عليكم ) ولو كان معرفا لصح هذا الوجه . وأقول كتبت فصولا مشبعة كاملة في قولنا سلام عليكم وكتبتها في سورة التوبة ، وهي أجنبية عن هذا الموضع فاذا نقلته إلى هذا الموضع كمل البحث والله أعلم . أما قوله ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله كتب كذا على فلان يفيد الايجاب. وكلمة ((على)) أيضا تفيد الايجاب ومجموعهما مبالغة في الايجاب . فهذا يقتضى كونه سبحانه راحماً لعباده رحيما بهم على سبيل الوجوب واختلف العقلاء في سبب ذلك الوجوب فقال أصحابنا : له سبحاته أن يتصرف : ٥ قوله تعالى ((انه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب)) الآية. سورة الأنعام . في عبيده كيف شاء وأراد ، إلا أنه أوجب الرحمة على نفسه على سبيل الفضل والكرم . وقالت المعتزلة : إن كونه عالما بقبح القبائح وعالما بكونه غنياً عنها ، يمنعه من الاقدام على القبائح ولو فعله كان ظلما ، والظلم قبيح والقبيح منه محال . وهذه المسألة من المسائل الجلية في علم الأصول . ﴿ المسألة الثانية) دلت هذه الآية على أنه لا يمتنع تسمية ذات الله تعالى بالنفس وأيضا قوله تعالى ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) يدل عليه ، والنفس ههنا بمعنى الذات والحقيقة ، وأما بمعنى الجسم والدم فالله سبحانه وتعالى مقدس عنه . لأنه لو كان جسما لكان مركبا والمركب ممكن وأيضا أنه أحد ، والأحد لا يكون مركبا ، وما لا يكون مركبا لا يكون جسما وأيضا أنه غني كما قال ( والله الغني ) والغني لا يكون مركبا وما لا يكون مركبا لا يكون جسما وأيضا الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فلو كان جسما لحصل له مثل ، وذلك باطل لقوله ( ليس كمثله شيء ) فاما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية والحمد لله عليه . ﴿ المسألة الثالثة) قالت المعتزلة قوله (كتب ربكم على نفسه الرحمة ) ينافي أن يقال: إنه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه، أبد الآباد ، وينافي أن يقال : إنه يمنعه عن الايمان ، ثم يأمره حال ذلك المنع بالايمان ؛ ثم يعذبه على ترك ذلك الايمان . وجواب اصحابنا : أنه ضار نافع محبى مميت ، فهو تعالى فعل تلك الرحمة البالغة وفعل هذا القهر البالغ ولا منافاة بين الأمرين . ﴿ المسألة الرابعة﴾ من الناس من قال: إنه تعالى لما أمر الرسول بأن يقول لهم (سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) كان هذا من قول الله تعالى ومن كلامه ، فهذا يدل على انه سبحانه وتعالى قال لهم في الدنيا ( سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) وتحقيق هذا الكلام أنه تعالى وعد أقواما بأنه يقول لهم بعد الموت ( سلام قولا من رب رحيم ) ثم إن أقواما أفنوا اعمارهم في العبودية حتى صاروا في حياتهم الدنيوية كأنهم انتقلوا إلى عالم القيامة ، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق هؤلاء حال كونهم في الدنيا ، ومنهم من قال : لا ، بل هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام . وقوله : وعلى التقديرين فهو درجة عالية . ثم قال تعالى ﴿ أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده واصلح ﴾ وفيه مسائل : ٦ قوله تعالى: ((من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب)) الآية سورة الأنعام ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر، لأن هذا الكلام خطاب مع الذين وصفهم بقوله ( واذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ) فثبت ان المراد منه توبة المسلم عن المعصية ، والمراد من قوله ( بجهالة ) ليس هو الخطأ والغلط ، لأن ذلك لا حاجة به الى التوبة ، بل المراد منه ، أن تقدم على المعصية بسبب الشهوة ، فكان المراد منه بيان أن المسلم اذا أقدم على الذنب مع العلم بكونه ذنبا ثم تاب منه توبة حقيقية فان الله تعالى يقبل توبته . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ نافع ( أنه من عمل منكم ) بفتح الألف ( فأنه غفور ) بكسر الألف، وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح فيهما ، والباقون بالكسرفيهما . أما فتح الاولى فعلى التفسير للرحمة ، كأنه قيل : كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم . وأما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلا من الأولى كقوله ( أيعدكم أنكم اذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ) وقوله ( كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ) وقوله ( ألم يعلموا انه من يحادد الله ورسوله فان له نار جهنم ) قال أبو على الفارسي : من فتح الأولى فقد جعلها بدلا من الرحمة ، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرا تقديره فله أنه غفور رحيم ، ، أى فله غفرانه ، أو أضمر مبتدأ يكون ((أن)) خبره كأنه قيل: فأمره أنه غفور رحيم . وأما من كسرهما جميعا فلأنه لما قال (كتب ربكم على نفسه الرحمة ) فقد تم هذا الكلام ، ثم ابتدأ وقال ( إنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ) فدخلت الفاء جوابا للجزاء ، وكسرت إن لأنها دخلت على مبتدأ وخبر كأنك قلت فهو غفور رحيم . إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول الزجاج . وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر، لأنه أبدل الأولى من الرحمة ، واستأنف ما بعد الفاء . والله أعلم . المسألة الثالثة) قوله ( من عمل منكم سوءاً بجهالة ) قال الحسن : كل من عمل معصية فهو جاهل ، ثم اختلفوا فقيل : إنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب وما استحقه من العقاب ، وقيل : إنه وإن علم أن عاقبة ذلك الفعل مذمومة ، إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل ، ومن آثر القليل على الكثير قيل في العرف أنه جاهل . وحاصل الكلام. أنه وإن لم يكن جاهلا إلا أنه لما فعل ما يليق بالجهال أطلق عليه لفظ الجاهل . وقيل نزلت هذه الآية في عمر حين أشار باجابة الكفرة إلى ما اقترحوه ، ولم يعلم بأنها مفسدة ونظير هذه الآية قوله ( إنما التوبة على اللّه للذين يعملون السوء بجهالة ) ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قوله تعالى (ثم تاب من بعده وأصلح ) فقوله ( تاب ) إشارة الى الندم على الماضي وقوله ( وأصلح ) إشارة إلى كونه آتيا بالأعمال الصالحة في الزمان المستقبل ٧ قوله تعالى ((وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل)) الآية سورة الأنعام قُلْ إِ نُسِيتُ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الِّ قُل لََّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَ حُكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَ أَنَامِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿ قُلْ إِىِ عَى بَعِنَةٍ مِّن رَّبِ وَكَبُ بِهِ مَاعِدِى مَا ج تَسْتَعِْلُونَ بِهَِ إِنِ الْحُكُ إِلَّ بِِّ يَقُصُ الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَيْصِلِينَ ٥٧ ـما ثم قال ( فأنه غفور رحيم ) فهو غفور بسبب إزالة العقاب ، رحيم بسبب إيصال الثواب الذى هو النهاية في الرحمة . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ المراد كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ، فكذلك نميز ونفصل لك دلائلنا وحججنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وقوله ( وليستبين سبيل المجرمين ) عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق وليستبين ، وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً واختلف القراء في قوله ( ليستبين ) فقرأ نافع ( لتستبين ) بالتاء ( وسبيل ) بالنصب والمعنى لتستبين يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ( ليستبين ) بالياء ( سبيل ) بالرفع والباقون بالتاء ( وسبيل ) بالرفع على تأنيث سبيل . وأهل الحجاز يؤنثون السبيل ، وبنوتميم يذكرونه . وقد نطق القرآن بهما فقال سبحانه ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ) وقال ( ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ) فان قيل : لم قال ( ليستبين سبيل المجرمين ) ولم يذكر سبيل المؤمنين . قلنا : ذكر أحد القسمين يدل على الثاني . كقوله ( سرابيل تقيكم الحر ) ولم يذكر البرد . وأيضا فالضدان إذا كانا بحيث لا يحصل بينهما واسطة ، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت خاصية القسم الآخر والحق والباطل لا واسطة بينهما ، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة المحقين أيضا لا محالة . قوله تعالى ﴿ قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندى ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ﴾ ٨ قوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين)) الآية سورة الأنعام اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين ، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم . فقال ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد ، لا على سبيل الحجة والدليل ، لأنها جمادات وأحجار وهي أخس مرتبة من الانسان بكثير ، وكون الأشرف مشتغلا بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل ، وأيضا أن القوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها ، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه . فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى . ومضادة للهدى ، وهذا هو المراد من قوله ( قل لا أتبع أهواءكم ) ثم قال ( قد ضللت اذا وما أنا من المهتدين ) أى ان اتبعت اهواءكم فأنا ضال وما أنا من المهتدين في شيء . والمقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك . ولما نفى ان يكون الهوى متبعا ، نبه على ما يجب اتباعه بقوله ( قل اني على بينة من ربي ) أى في أنه لا معبود سواه . وكذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره . واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك . والقوم لاصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب . فقال تعالى قل یا محمد : ( ما عندى ما تستعجلون به ) يعني قولهم ( اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب اليم ) والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذى أراد انزاله فيه . ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره . ثم قال (إن الحكم إلا لله) وهذا مطلق يتناول الكل . والمراد ههنا ان الحكم الا لله فقط في تأخير عذابهم ( يقضى الحق ) أى القضاء الحق في كل ما يقضى من التأخير والتعجيل ( وهو خير الفاصلين ) أى القاضين ، وفيه مسئلتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا بقوله (إن الحكم إلا لله) على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به ، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم به . وكذلك في جميع الافعال . والدليل عليه أنه تعالى قال ( إن الحكم إلا لله ) وهذا يفيد الحصر، بمعنى أنه لا حكم إلا لله . واحتج المعتزلة بقوله ( يقضى الحق ) ومعناه أن كل ما قضى به فهو الحق . وهذا يقتضى أن لا يريد الكفر من الكافر . ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس الحق . والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم ( يقص الحق ) بالصاد من القصص ، يعني ان كل ما أنبأ الله به وأمر به فهو من أقاصيص الحق ، كقوله ( نحن نقص عليك أحسن ٩ قوله تعالى ((قل لو أن عندى ما تستعجلون)) الآية سورة الأنعام قُل لَّوْأَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِء ◌َقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَالله أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّهُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ ٥٨ مِن وَرَّةٍ إِلَّ يَعْلَمُهَا وَلَ حَبَّةٍ فِ ظُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابٍِ إلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ القصص ) وقرأ الباقون ( يقض الحق ) والمكتوب في المصاحف ((يقض)) بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا ( سندع الزبانية فما تغن النذر ) وقوله ( يقض الحق ) قال الزجاج فيه وجهان : جائز ان يكون ( الحق ) صفة المصدر والتقدير : يقض القضاء الحق . ويجوز أن يكون ( يقض الحق ) يصنع الحق ، لأن كل شىء صنعه اللّه فهو حق . وعلى هذا التقدير ( الحق ) يكون مفعولا به وقضى بمعنى صنع . قال الهذلي : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع أى صنعهما داود واحتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله ( وهو خير الفاصلين ) قال والفصل يكون في القضاء ، لا في القصص . أجاب أبو علي الفارسي فقال القصص ههنا بمعنى القول . وقد جاء الفصل في القول قال تعالى ( انه لقول فصل ) وقال ( أحكمت آياته ثم فصلت ) وقال ( نفصل الآيات ). قوله تعالى ﴿ قل لو ان عندى ما تستعجلون به لقضى الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمین اعلم أن المعنى ( لو أن عندى ) أى في قدرتي وامكاني ( ما تستعجلون به ) من العذاب ( لقضى الامر بيني وبينكم ) لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي ، واقتصاصا من تكذيبكم به. ولتخلصت سريعا ( والله أعلم بالظالمين ) وبما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره ،. والمعنى : اني لا أعلم وقت عقوبة الظالمين . والله تعالى يعلم ذلك فهو يؤخره الى وقته ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ ١٫٠٠ قوله تعالى: ((وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو)) الآية سورة الأنعام اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى ( والله اعلم بالظالمين ) يعني أنه سبحانه هو العالم بكل شيء فهو يعجل ما تعجيله أصلح . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى) المفاتح جمع مفتح. ومفتح ، والمفتح بالكسر المفتاح الذى يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح ، قال الفراء في قوله كمالى ( ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ) يعني خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يراد منه الخزائن ، أما على التقدير الأول . فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح الى ما في تلك الخزائن فكذلك ههنا الحق سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة وقرىء ( مفاتيح ) وأما على التقدير الثاني فالمعنى وعنده خزائن الغيب . فعلى التقدير الاول يكون المراد العلم بالغيب ، وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة على كل الممكنات كما في قوله ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فانهم قالوا : ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة . قالوا : وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود إما أن يكون واجبا لذاته ، وإما أن يكون ممكنا لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الله سبحانه وتعالى . وكل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاته وكل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بايجاده كائن بتكوينه واقع بايقاعه . إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا . إذا ثبت هذا فنقول : علمه بذاته يوجب عمله بالأثر الأول الصادر منه ، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب عمله بالأثر الثاني لأن الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني . وقد ذكرنا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب ليس إلا علم الحق بذاته المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر ، ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاته لا جرم صح أن يقال ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة . ثم اعلم أن ههنا دقيقة أخرى ، وهي : أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الاعراض عن قضايا الحس والخيال والفوا استحضار المعقولات المجردة ، ومثل هذا الانسان يكون كالنادر وقوله ( وعنده ١١ قوله تعالى ((وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو)) الآية سورة الأنعام مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) قضية عقلية محضة مجردة فالانسان الذى يقوى عقله على الاحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدا . والقرآن انما أنزل لينتفع به جميع الخلق . فههنا طريق آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة ، فاذا اراد إيصالها الى عقل كل أحد ذكر لها مثالا من الامور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوما لكل أحد ، والأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون ، لأنه قال أولا ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) ثم أكد هذا المعقول الكلى المجرد بجزئي محسوس فقال ( ويعلم ما في البر والبحر ) وذلك لأن أحد أقسام معلومات الله هو جميع دواب البر ، والبحر ، والحس ، والخيال قد وقف على عظمة احوال البر والبحر ، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول . وفيه دقيقة اخرى وهي : أنه تعالى قدم ذكر البر ، لأن الانسان قد شاهد أحوال البر ، وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن . وأما البحر فاحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر وطولها وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب . فاذا استحضر الخيال صورة البحر والبر على هذه الوجوه . ثم عرف أن مجموعها قسم حقير من الأقسام الداخلة تحت قوله ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) ثم أنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله ( وعنده مفاتح الغيب ) بذكر البر والبحر كشف عن عظمة البر والبحر بقوله ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، ثم يستحضركم فيها من النجم والشجر ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا والحق سبحانه يعلمها ثم يتجاوز من هذا المثال إلى مثال آخر أشد هيئة منه وهو قوله ( ولا حبة في ظلمات الأرض ) وذلك لان الحبة في غاية الصغر وظلمات الأرض موضع يبقى أكبر الاجسام وأعظمها مخفيا فيها فاذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظلمات الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج عن علم الله تعالى البتة ، صارت هذه الامثلة منبهة على عظمة عظيمة وجلالة عالية من المعنى المشار اليه بقوله ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) بحيث تتحير العقول فيها وتتقاصر الأفكار والألباب عن الوصول الى مباديها ، ثم إنه تعالى لما قوى أمر ذلك المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة فبعد ذكرها عاد الى ذكر تلك القضية العقلية المحضة المجردة بعبارة أخرى فقال ( ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) وهو عين المذكور في قوله (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) فهذا ما عقلناه في تفسير هذه الآية الشريفة العالية ومن الله التوفيق . ١٢ قوله تعالى: ((وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو)) الآية سورة الأَنْعام ﴿المسألة الثانية) المتكلمون قالوا إنه تعالى فاعل العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الاحكام والاتقان ، ومن كان كذلك كان عالما بها فوجب كونه تعالى عالما بها والحكماء قالوا : أنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات ، والعلم بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالما بكلها : واعلم ان هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات الزمانية وذلك لأنه لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ لهذه الجزئيات بالأثر . فوجب كونه تعالى عالما بهذه التغيرات والزمانيات من حيث أنها متغيرة وزمانية وذلك هو المطلوب . ﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) يدل على كونه تعالى منزها عن الضد والند وتقريره : أن قوله ( وعنده مفاتح الغيب ) يفيد الحصر، أى عنده لا عند غيره . ولو حصل موجود آخر واجب الوجود لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضا عند ذلك الآخر ، وحينئذ يبطل الحصر. وأيضا فكما أن لفظ الآية يدل على هذا التوحيد ، فكذلك البرهان العقلى يساعد عليه . وتقريره : أن المبدأ لحصول العلم بالآثار والنتائج والصنائع هو العلم بالمؤثر والمؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه . فالمفتح الاول للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه لكن العلم به ليس إلا له لأن ما سواه أثر والعلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر . فظهر بهذا البرهان أن مفاتح الغيب ليست إلا عند الحق سبحانه . والله أعلم . ﴿ المسألة الرابعة) قرىء ( ولا خبة ولا رطب ولا يابس ) بالرفع وفيه وجهان : الأول : أن يكون عطفا على محل من ورقة وأن يكون رفعا على الابتداء وخبره ( إلا في كتاب مبين ) كقولك : لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار . ﴿ المسألة الخامسة) قوله (إلا في كتاب مبين) فيه قولان: الأول : أن ذلك الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير. وهذا هو الصواب . والثاني: قال الزجاج : يجوز أن يكون الله جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال عز وجل ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في انفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) وفائدة هذا الكتاب أمور : أحدها : أنه تعالى انما كتب هذه الاحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والارض شيء . فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة قوله تعالى ((وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار)) الآية سورة الأنعام ١٣ وَهُوَ الَّذِى يَتَوَّفَّكُ بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَحْتُمْ بِلَّهَارِ ثُمَّيَبْعَثُكُمْ فِيهِ لُفْضَّ أَجَلٌ مُسَخَّى ثُمَّ إِلَيْءٍ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَ يُنَبِّئُكُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . ٦٠ هذا العالم فيجدونه موافقا له . وثانيها : يجوز أن يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب واعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء : لأنه إذا كان لا يهمل الاحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الاحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى . وثالثها : أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم ، وإلا لزم الجهل . فاذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع ايضا تغييرها وإلا لزم الكذب فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما وسببا كاملا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم كما قال صلوات الله عليه ((جف القلم بما هو كائن الى يوم القيامة)) والله أعلم . قوله تعالى ﴿وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم اليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنت تعملون ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين كمال علمه بالآية الأولى بين كمال قدرته بهذه الآية وهو كونه قادرا على نقل الذوات من الموت الى الحياة ومن النوم الى اليقظة واستقلاله بحفظها في جميع الاحوال وتدبيرها على احسن الوجوه حالة النوم واليقظة فأما قوله ﴿ الذى يتوفاكم بالليل ﴾ فالمعنى انه تعالى ينيمكم فيتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الادراك والتمييز كما قال جل جلاله ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) ، فالله جل جلاله يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقضيها بالموت ، وههنا بحث : وهو ان النائم لا شك أنه حي ومتى كان حيا لم تكن روحه مقبوضة البتة ، واذا كان كذلك لم يصح أن يقال ان الله توفاه فلا بد ههنا من تأويل وهو أن حال النوم تغور الأرواح الحساسة من الظاهر في الباطن فصارت الحواس الظاهرة معطلة عن اعمالها، فعند النوم صار ظاهر الجسد معطلا عن بعض الاعمال ، وعند الموت صارت جملة البدن معطلة عن كل الأعمال ، فحصل بين النوم وبين الموت مشابهة من هذا الاعتبار ، فصح إطلاق لفظ الوفاة والموت على النوم من هذا الوجه . ثم ١٤ قوله تعالى ((وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظه)) الآية سورة الأنعام وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةٌ حَتّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُ الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَيْفَرُِّونَ (*) ثُمَّ ◌ُواْ إِلَى اللَّه ◌َوْلَهُمُ الْحَقِّ أَلَّا لَّهُ الْمُهُ وَهُوَ أَشْرَعُ الْحَسِبِينَ ٦٢ ٤ قال ( ويعلم ما جرحتم بالنهار ) يريد ما كسبتم من العمل بالنهار قال تعالى ( وما علمتم من الجوارح ) والمراد منها الكواسب من الطير والسباع واحدتها جارحة . وقال تعالى ( والذين اجترحوا السيئات ) أى اكتسبوا . وبالجملة فالمراد منه أعمال الجوارح ثم قال تعالى ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ أى يرد اليكم أرواحكم في النهار، والبعث ههنا اليقظة . ثم قال ( ليقضي أجل مسمى ) أى أعماركم المكتوبة ، وهي قوله (وأجل مسمى عنده ) والمعنى يبعثكم من نومكم الى أن تبلغوا آجالكم ، ومعنى القضاء فصل الأمر على سبيل التمام ، ومعنى قضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ينيمهم اولا ثم يوقظهم ثانيا كان ذلك جاريا مجرى الأحياء بعد الاماتة ، لا جرم استدل بذلك على صحة البعث والقيامة . فقال ( ثم الى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ) في ليلكم ونهاركم وفي جميع أحوالكم وأعمالكم قوله تعالى ﴿وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى اذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا الى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ﴾ اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالی وکمال حكمته . وتقريره انا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة ، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وانفذ ومنه قوله تعالى ( يد الله فوق أيديهم ) ومما يؤكد ان المراد ذلك ان قوله ( وهو القاهر فوق عباده ) مشعر بأن هذا القهر انما حصل بسبب هذه الفوقية ، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة ، إذ المعلوم ان المرتفع في المكان قد يكون مقهورا . وتقرير هذا القهر من وجوه : الأول : أنه قهار للعدم بالتكوين والايجاد ، والثاني : أنه قهار للوجود بالافناء والافساد فانه تعالى هو الذى ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود الى قوله تعالى ((وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظه)) الآية سورة الأَنْعام ١٥ العدم أخرى . فلا وجود إلا بايجاده ولا عدم إلا باعدامه في الممكنات . والثالث : أنه قهار لكل ضد بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور ، والنهار بالليل والليل بالنهار . وتمام تقريره في قوله ( قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) وإذا عرفت منهج الكلام . فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد ، فالفوق ضده التحت ، والماضي ضده المستقبل ، والنور ضده الظلمة ، والحياة ضدها الموت ، والقدرة ضدها العجز . وتأمل في سائر الاحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان ، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبرا قادرا قاهرا منزها عن الضد والند ، مقدسا عن الشبيه والشكل. كما قال (وهو القاهر فوق عباده ) والرابع : أن هذا البدن مؤلف من الطبائع الأربع . وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال ان ذلك القاسرهو النفس الانسانية ، وهو الذى ذكره ابن سينا في الاشارات لان تعلق النفس بالبدن انما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الامشاج ، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع ، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول الاجتماع ، فثبت ان القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى ، كما قال ( وهو القاهر فوق عباده ) وأيضا فالجسد كثيف سفلى ظلماني فاسد عفن ، والروح لطيف علوى نوراني مشرق باق طاهر نظيف ، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة . ثم أنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة ، وجعل كل واحد منهما مستكملا بصاحبه منتفعا بالآخلا . فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد والتفرق ، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية ، والمعارف الالهية ، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس الا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع ، كما قال ( وهو القاهر فوق عباده ) وأيضا فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين ، ومكنة من الطرفين الا أنه يمتنع رجحان الفعل على الترك تارة والترك على الفعل أخرى إلا عند حصول الداعية الجازمة الخالية عن المعارض ، فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان اقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجرى مجرى القهر فكان قاهرا لعباده من هذا الجهة ، واذا تأملت هذه الأبواب علمت ان الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى ، كما قال ( وهو القاهر فوق عباده ) وأما قوله تعالى ﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ فالمراد أن من جملة قهره لعباده ارسال الحفظة ١٦ قوله تعالى ((وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظه)) الآية سورة الأنعام عليهم وهؤلاء الحفظة هم المشار اليهم بقوله تعالى ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وقوله ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) وقوله ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ) واتفقوا على ان المقصود من حضور هؤلاء الحفظة ضبط الأعمال . ثم اختلفوا فمنهم من يقول : إنهم يكتبون الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها بدليل قوله تعالى ( ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن مع كل إنسان ملكين : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، فاذا تكلم الانسان بحسنة كتبها من على اليمين ، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار انتظره لعله يتوب منها ، فان لم يتب كتب عليه . والقول الأول : أقوى لأن قوله تعالى ( ويرسل عليكم حفظة ) يفيد حفظة الكل من غير تخصيص ﴿ والبحث الثاني﴾ أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال، أما على صفات القلوب وهي العلم والجهل فليس في هذه الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها. أما في الأقوال، فلقوله تعالى (ما يلفظ من قوله إلا لديه رقيب عتيد) وأما في الأعمال فلقوله تعالى (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) فأما الإيمان والكفر والاخلاص والاشراك فلم يدل الدليل على اطلاع الملائكة عليها . ﴿ البحث الثالث ﴾ ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكلين على بني آدم وجوها: الأول : أن المكلف إذا علم أن الملائكة مولكلون به يحصون عليه أعماله ویکتبونها في صحائف تعرض على رؤس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك أزجر له عن القبائح . الثاني : يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن ، أما وزن الصحائف فممكن الثالث : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . ويجب علينا الايمان بكل ما ورد به الشرع سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل ، فهذا حاصل ما قاله أهل الشريعة وأما أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه : الوجه الأول ﴾ قال المتأخرون منهم (وهو القاهر فوق عباده) ومن جملة ذلك القهر أنه خلط الطبائع المتضادة ومزج بين العناصر المتنافرة ، فلم حصل بينها امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبرة والقوى الحسية والحركية والنطقية فقالوا المراد من قوله ( ويرسل عليكم حفظة ) تلك النفوس والقوى ، فانها هي التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها . ١٧ ((قوله تعالى ((حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا)) الآية سورة الأنعام والوجه الثاني ﴾ وهو قول بعض القدماء أن هذه النفوس البشرية والارواح الانسانية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها ، فبعضها خيرة وبعضها شريرة وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والدناءة وغيرها من الصفات ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوى هو لها كالأب الشفيق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظاتها ومناماتها تارة على سبيل الرؤيا ، وأخرى على سبيل الالهامات فالأرواح الشريرة لها مبادى من عالم الافلاك وكذلك الأرواح الخيرة وتلك المبادى تسمى في مصطلحهم بالطباع التام يعني تلك الأرواح الفلكية في تلك الطبائع والأخلاق تامة كاملة ، وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته ولأصحاب الطلسمات والعزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير . والقول الثالث ﴾ النفس المتعلقة بهذا الجسد . لا شك في أن النفوس المفارقة عن الأجساد لما كانت مساوية لهذه في الطبيعة والماهية فتلك النفوس المفارقة تميل الى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة وهي ايضا تتعلق بوجه ما بهذا البدن وتصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات طبيعتها فتثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذى جاءت الشريعة الحقة به لیس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها لأن كلهم قد أقروا بما يقرب منه وإذا كان الأمر كذلك كان اصرار الجهال منهم على التكذيب باطلا والله أعلم . أما قوله تعالى ( ﴿ حتى اذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ﴾ فههنا بحثان: البحث الأول ﴾ أنه تعالى قال ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) وقال ( الذى خلق الموت والحياة ) فهذان النصان يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا من الله تعالى . ثم قال ( قل يتوفاكم ملك الموت ) وهذا يقتضى أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك الموت . ثم قال في هذه الآية ( توفته رسلنا ) فهذه النصوص الثلاثة كالمتناقضة . والجواب أن التوفي في الحقيقة يحصل يقدرة الله تعالى، وهو في عالم الظاهر مفوض إلى ملك الموت ، وهو الرئيس المطلق في هذا الباب ، وله أعوان وخدم وأنصار ، فحسنت إضافة التوفي الى هذه الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة والله أعلم . ﴿ البحث الثاني ﴾ من الناس من قال: هؤلاء الرسل الذين بهم تحصل الوفاة ، وهم أعيان أولئك الحفظة فهم في مدة الحياة يحفظونهم من أمر الله ، وعند مجيء الموت يتوفونهم ، والأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة ، ولا دلالة في لفظ الآية تدل الفخر الرازي ج١٣ م٢ ١٨ قوله تعالى: ((ثم ردوا الى الله مولاهم الحق)) الآية سورة الأنعام على الفرق ، إلا أن الذى مال اليه الأكثرون هو القول الثاني، وأيضا فقد ثبت بالمقاييس العقلية أن الملائكة الذين هم معادن الرحمة والخير والراحة مغايرون للذين هم أصول الحزن والغم فطائفة من الملائكة هم المسمون بالروحانيين لافادتهم الروح والراحة والريحان ، وبعضهم يسمون بالكروبيين لكونهم مبادى الكرب والغم والأحزان . ﴿ البحث الثالث ﴾ الظاهر من قوله تعالى ( قل یتوفاكم ملك الموت ) أنه ملك واحد هو رئيس الملائكة الموكلين بقبض الأرواح ، والمراد بالحفظة المذكورين في هذه الآية : أتباعه ، وأشياعه عن مجاهد : جعل الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله ، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين ، وجاء في الأخبار من صفات ملك الموت ومن كيفية موته عند فناء الدنيا وانقضائها أحوال عجيبة . والبحث الرابع ﴾ قرأ حمزة : توفاه بالألف ممالة والباقون بالتاء فالأول لتقديم الفعل ، ولأن الجمع قد يذكر ، والثاني على تأنيث الجمع . أما قوله تعالى ﴿وهم لا يفرطون ﴾ أى لا يقصرون فيما أمرهم الله تعالى به، وهذا يدل على أن الملائكة الموكلين بقبض الأرواح لا يقصرون فيما أمروا به . وقوله في صفة ملائكة النار ( لا يعصون الله ما أمرهم) يدل على أن ملائكة العذاب لا يقصرون في تلك التكاليف ، وكل من أثبت عصمة الملائكة في هذه الأحوال أثبت عصمتهم على الاطلاق ، فدلت هذه الآية على ثبوت عصمة الملائكة على الاطلاق . أما قوله تعالى ( ثم ردوا الى الله مولاهم الحق ) ففيه مباحث : الأول : قيل المردودون هم الملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت ايضا أولئك الملائكة . وقيل : بل المردودون البشر، يعني أنهم بعد موتهم يردون الى الله . واعلم ان هذه الآية من أدل الدلائل على أن الانسان ليس عبارة عن مجرد هذه البنية ، لأن صريح هذه الآية يدل على حصول الموت للعبد ويدل على انه بعد الموت يرد الى الله ، والميت مع كونه ميتا لا يمكن أن يرد الى الله لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة ، لكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ، بل يجب أن يكون ذلك الرد مفسرا بكونه منقادا لحكم الله مطيعا لقضاء الله ، وما لم يكن حيا لم يصح هذا المعنى فيه ، فثبت انه حصل ههنا موت وحياة اما الموت ، فنصيب البدن : فبقي أن تكون الحياة نصيبا للنفس والروح ولما قال تعالى ( ثم ردوا الى الله ) وثبت أن المرد وهو النفس والروح ، ثبت ان الانسان ليس إلا النفس والروح ، وهو المطلوب . واعلم ان قوله ( ثم ردوا الى الله ) مشعر بكون الروح موجودة قبل البدن ، لأن الرد من ١٩ قوله تعالى: ((ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين)) الآية - سورة الأنعام هذا العالم إلى حضرة الجلال : إنما يكون لو أنها كانت موجودة قبل التعلق بالبدن ، ونظيره قوله تعالى ( ارجعي إلى ربك) وقوله ( اليه مرجعكم جميعا ) ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( خلق الله الارواح قبل الاجساد بالفي عام)) وحجة الفلاسفة على اثبات ان النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن . حجة ضعيفة بينا ضعفها في الكتب العقلية . ﴿ البحث الثاني) كلمة ((الى)) تفيد انتهاء الغاية فقوله الى الله يشعر باثبات المكان والجهة لله تعالى وذلك باطل فوجب حمله على انهم ردوا إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه . ﴿ البحث الثالث﴾ انه تعالى سمى نفسه في هذه الآية باسمين: أحدهما المولى: وقد عرفت ان لفظ المولى ، ولفظ الولي مشتقان من الولى : أى القرب ، وهو سبحانه القريب البعید الظاهر الباطن لقوله تعالى ( ونحن اقرب الیه من حبل الوريد ) وقوله ( ما یکون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) وأيضا المعتق يسمى بالمولى ، وذلك كالمشعر بأنه أعتقهم من العذاب ، وهو المراد من قوله ( سبقت رحمتي غضبي ) وأيضا أضاف نفسه الى العبد فقال ( مولاهم الحق ) وما أضافهم الى نفسه وذلك نهاية الرحمة ، وأيضا قال : مولاهم الحق والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب كما قال ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) فلما مات الانسان تخلص من تصرفات الموالي الباطلة ، وانتقل الى تصرفات المولى الحق . ﴿ والاسم الثاني الحق﴾ واختلفوا هل هو من أسماء الله تعالى، فقيل : الحق مصدر. وهو نقيض الباطل ، وأسماء المصادر لا تجرى على الفاعلين إلا مجازا كقولنا فلان عدل ورجاء وغياث وكرم وفضل ، ويمكن أن يقال : الحق هو الموجود وأحق الأشياء بالموجودية هو الله سبحانه لكونه واجبا لذاته ، فكان أحق الأشياء بكونه حقا هو هو واعلم انه قرىء الحق بالنصب على المدح كقولك الحمد لله الحق . أما قوله ﴿ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ﴾ ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (ألاله الحكم ) معناه أنه لا حكم إلا لله . ويتأكد ذلك بقوله ( إن الحكم إلا اللّه، وذلك يوجب أنه لا حكم لأحد إلا الله على شيء وذلك يوجب أن الخير والشركله بحكم الله وقضائه ، فلولا أن الله حكم للسعيد بالسعادة والشقي بالشقاوة ، وإلا لما حصل ذلك . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال أصحابنا هذه الآية تدل على أن الطاعة لا توجب الثواب ٢٠ قوله تعالى: ((ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين)) الآية سورة الأنعام والمعصية لا توجب العقاب ، إذ لو ثبت ذلك لثبت للمطيع على الله حكم ، وهو أخذ الثواب ، وذلك ينافي ما دلت الآية عليه أنه لا حكم إلا لله . ﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج الجبائي بهذه الآية على حدوث كلام الله تعالى. قال لو كان كلامه قديما لوجب أن يكون متكلما بالمحاسبة . الآن : وقبل خلقه ، وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم وأصحابنا عارضوه بالعلم ، فانه تعالى كان قبل الخلق عالما بأنه سيوجد ، وبعد وجوده صار عالما بأنه قبل ذلك وجد ، فلم يلزم منه تغير العلم ، فلم لا يجوز مثله في الكلام . والله أعلم ﴿ المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في كيفية هذا الحساب، فمنهم من قال: انه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة ، لا يشغله كلام عن كلام ، ومنهم من قال بل يأمر الملائكة حتى إن كل واحد من الملائكة يحاسب واحدا من العباد ، لأنه تعالى لو حاسب الكفار بنفسه لتكلم معهم ، وذلك باطل لقوله تعالى في صفة الكفار ، ولا يكلمهم . وأما الحكماء فلهم كلام في تفسير هذا الحساب ، وهو انه إنما يتخلص بتقديم مقدمتين . فالمقدمة الأولى ﴾ ان كثرة الافعال وتكررها توجب حدوث الملكات الراسخة القوية الثابتة والاستقراء التام يكشف عن صحة ما ذكرناه . ألا ترى أن كل من كانت مواظبته على عمل من الأعمال أكثر كان رسوخ الملكة التامة على ذلك العمل منه فيه أقوى المقدمة الثانية ﴾ انه لما كان تكرر العمل يوجب حصول الملكة الراسخة ، وجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة ، بل كان يجب أن يكون لكل جزء من اجزاء العمل الواحد أثر بوجه ما في حصول تلك الملكة ، والعقلاء ضربوا لهذا الباب أمثلة المثال الأول ﴾ انا لو فرضنا سفينة عظيمة بحيث لو القى فيها مائة ألف من فانها تغوص في الماء بقدر شبر واحد ، فلو لم يلق فيها إلا حبة واحدة من الحنطة ، فهذا القدر من القاء الجسم الثقيل في تلك السفينة يوجب غوصها في الماء بمقدار قليل ، وان قلت وبلغت في القلة الى حيث لا يدركها الحس ولا يضبطها الخيال ﴿ المثال الثاني﴾ أنه ثبت عند الحكماء أن البسائط اشكالها الطبيعية كرات فسطح الماء يجب أن يكون كرة والقسى المشابهة من الدوائر المحيطة بالمركز الواحد متفاوتة ، فان تحدب