النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ قوله تعالى ((وما من دابة في الأرض ولا طائر)) الآية سورة الأنعام وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَ طَبْرٍ يَطِيُرُ بِنَاحَيْهِ إِلَّ أَهُمْ أَمْثَلُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْثَرُونَ ٣٨ الوجه الأول﴾ أن يكون المراد أنه تعالى لما أنزل آية باهرة ومعجزة قاهرة وهي القرآن كان طلب الزيادة جاريا مجرى التحكم والتعنت الباطل ، والله سبحانه له الحكم والأمر فان شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، فان فاعليته لا تكون إلا بحسب محض المشيئة على قول أهل السنة ، أو على وفق المصلحة على قول المعتزلة ، وعلى التقديرين : فانها لا تكون على وفق اقتراحات الناس ومطالباتهم ، فان شاء أجابهم اليها ، وإن شاء لم يحبهم اليها . والوجه الثاني ﴾ هو أنه لما ظهرت المعجزة القاهرة والدلالة الباهرة الكافية لم يبق لهم عذر ولا علة ، فبعد ذلك لو أجابهم الله تعالى في ذلك الاقتراح فلعلهم يقترحون اقتراحا ثانيا ، وثالثا ، ورابعا ، وهكذا إلى ما لا غاية له ، وذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة ، فوجب في اول الأمر سد هذا الباب والاكتفاء بما سبق من المعجزة القاهرة والدلالة الباهرة . ﴿ والوجه الثالث ﴾ أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من المعجزات القاهرة ، فلو لم يؤمنوا عند ظهورها لاستحقوا عذاب الاستئصال ، فاقتضت رحمة الله صونهم عن هذا البلاء فما أعطاهم هذا المطلوب رحمة منه تعالى عليهم ، وإن كانوا لا يعلمون كيفية هذه الرحمة ، فلهذا المعنى قال ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) . والوجه الرابع﴾ أنه تعالى علم منهم أنهم إنما يطلبون هذه المعجزات لا لطلب الفائدة بل لأجل العناد والتعصب . وعلم أنه تعالى لو أعطاهم مطلوبهم فهم لا يؤمنون ، فلهذا السبب ما أعطاهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنه لا فائدة في ذلك ، فالمراد من قوله ( ولكن أكثرهم لا يعلمون) هو أن القوم لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل التعنت والتعصب فان الله تعالى لا يعطيهم مطلوبهم . ولو كانوا عالمين عاقلين لطلبوا ذلك على سبيل طلب الفائدة ، وحينئذ كان الله تعالى يعطيهم ذلك المطلوب على أكمل الوجوه . والله أعلم . قوله تعالى ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ . ٢٢٢ قوله تعالى ((وما من دابة في الأرض ولا طائر)) الآية سورة الأنعام في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في تقرير وجه النظم، فنقول فيه وجهان: الأول: أنه تعالى بين في الآية الأولى أنه لو كان انزال سائر المعجزات مصلحة لهم لفعلها ولأظهرها . إلا أنه لما لم يكن اظهارها مصلحة للمكلفين ، لاجرم ما أظهرها . وهذا الجواب انما يتم . إذا ثبت أنه تعالى يراعي مصالح المكلفين ويتفضل عليهم بذلك فبين أن الأمر كذلك ، وقرره بأن قال ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الا أمم أمثالكم ) في وصول فضل الله وعنايته ورحمته وإحسانه اليهم ، وذلك كالأمر المشاهد المحسوس . فاذا كانت آثار عنايته واصلة الى جميع الحيوانات ، فلو كان في اظهار هذه المعجزات القاهرة مصلحة للمكلفين لفعلها ولأظهرها . ولا متنع أن يبخل بها مع ما ظهر أنه لم يبخل على شيء من الحيوانات بمصالحها ومنافعها . وذلك يدل على أنه تعالى انما لم يظهر تلك المعجزات ، لأن اظهارها يخل بمصالح المكلفين . فهذا هو وجه النظم والمناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها والله أعلم . ﴿ والوجه الثاني ﴾ في كيفية النظم . قال القاضي: أنه تعالى لما قدم ذكر الكفار وبين أنهم يرجعون إلى الله ويحشرون . بين أيضا بعده بقوله ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) في أنهم يحشرون ، والمقصود : بيان أن الحشر والبعث كما هو حاصل في حق الناس فهو أيضا حاصل في حق البهائم . المسألة الثانية ﴾ الحیوان إما أن یکون بحیث یدب أو یکون بحیث یطیر فجميع ما خلق الله تعالى من الحيوانات ، فانه لا يخلو عن هاتين الصفتين ، إما أن يدب ، وإما أن يطير . وفي الآية سؤالات : السؤال الأول ﴾ من الحيوان ما لا يدخل في هذين القسمين مثل حيتان البحر، وسائر ما يسبح في الماء ويعيش فيه . والجواب : لا يبعد أن يوصف بأنها دابة من حيث أنها تدب في الماء أو هي كالطير ، لأنها تسبح في الماء ، كما أن الطير يسبح في الهواء ، إلا أن وصفها بالدبيب أقرب الى اللغة من وصفها بالطيران . ﴿ السؤال الثاني ﴾ ما الفائدة في تقييد الدابة بكونها في الأرض ؟ والجواب من وجهين : الأول : أنه خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء ٢٢٣ سورة الأنعام قوله تعالى ((وما من دابة في الأرض ولا طائر)) الآية احتجاجا بالأظهر لأن ما في السماء وان كان مخلوقا مثلنا فغير ظاهر ، والثاني : أن المقصود من ذكر هذا الكلام أن عناية الله تعالى لما كانت حاصلة في هذه الحيوانات فلو كان إظهار المعجزات القاهرة مصلحة لما منع الله من اظهارها . وهذا المقصود انما يتم بذكر من كان أدون مرتبة من الانسان لا بذكر من كان أعلى حالا منه ، فلهذا المعنى قيد الدابة بكونها في الأرض . السؤال الثالث ﴾ ما الفائدة في قوله ( يطير بجناحيه) ؟ مع أن كل طائر انما يطير بجناحيه . والجواب فيه من وجوه : الأول : أن هذا الوصف انما ذكر للتأكيد كقوله نعجة أنثى وكما يقال : كلمته بفي ومشيت اليه برجلي . والثاني : أنه قد يقول الرجل لعبده طرفي حاجتي والمراد الاسراع وعلى هذا التقدير : فقد يحصل الطيران لا بالجناح . قال الحماسي : طار وا اليه زرافات و وحدانا فذكر الجناح ليتمحض هذا الكلام في الطير . والثالث : أنه تعالى قال في صفة الملائكة ( جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع ) فذكر ههنا قوله ( ولا طائر يطير بجناحيه ) ليخرج عنه الملائكة . فانا بينا أن المقصود من هذا الكلام انما يتم بذكر من كان أدون حالا من الانسان لا بذكر من كان أعلى حالا منه . السؤال الرابع ﴾ كيف قال ( إلا أمم ) مع افراد الدابة والطائر؟ والجواب : لما كان قوله ( وما من دابة ولا طائر ) دالا على معنى الاستغراق ومغنيا عن أن يقول : وما من دواب ولا طيور. لا جرم حمل قوله ( إلا أمم ) على المعنى . ﴿السؤال الخامس) قوله ( إلا أمم أمثالكم) قال الفراء: يقال إن كل صنف من البهائم أمة وجاء في الحديث (( لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها)) فجعل الكلاب أمة . إذا ثبت هذا فنقول : الآية دلت على أن هذه الدواب والطيور أمثالنا ، وليس فيها ما يدل على أن هذه المماثلة في أي المعاني حصلت ولا يمكن أن يقال : المراد حصول المماثلة من كل الوجوه والالكان يجب كونها أمثالا لنا في الصورة والصفة والخلقة وذلك باطل فظهر أنه لا دلالة في الآية على أن تلك المماثلة حصلت في أي الأحوال والأمور فبينوا ذلك . والجواب : اختلف الناس في تعيين الأمر الذي حكم الله تعالى فيه بالمماثلة بين البشروبين الدواب والطيور وذكروا فيه أقوالا : ٢٢٤ قوله تعالى ((وما من دابة في الأرض ولا طائر)) الآية سورة الأنعام القول الأول ﴾ نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يريد ، يعرفوني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونُنْي . وإلى هذا القول ذهب طائفة عظيمة من المفسرين وقالوا : ان هذه الحيوانات تعرف الله وتحمده وتوحده وتسبحه . واحتجوا عليه بقوله تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وبقوله في صفة الحيوانات ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) وبما أنه تعالى خاطب النمل وخاطب الهدهد ، وقد استقصينا في تقرير هذا القول وتحقيقه في هذه الآيات . وعن أبي الدرداء أنه قال : أبهمت عقول البهائم عن كل شيء إلا عن أربعة أشياء : معرفة الآله ، وطلب الرزق ، ومعرفة الذكر والأنثى ، وتهيؤ كل واحد منهما لصاحبه . وروي عن النبي ◌َّيقول أنه قال ((من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعج إلى الله يقول يا رب إن هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعني آكل من حشاش الأرض )). والقول الثاني ﴾ المراد إلا أمم أمثالكم في كونها أمما وجماعات وفي كونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا، ويأنس بعضها ببعض ، ويتوالد بعضها من بعض كالأنس . إلا أن · للسائل أن يقول حمل الآية على هذا الوجه لا يفيد فائدة معتبرة لأن كون الحيوانات بهذه الصفة أمر معلوم لكل أحد فلا فائدة في الاخبار عنها . ﴿ القول الثالث﴾ المراد أنها أمثالنا في أن دبرها الله تعالى وخلقها وتكفل برزقها وهذا يقرب من القول الثاني في أنه يجري مجرى الاخبار عما علم حصوله بالضرورة . ﴿ القول الرابع﴾ المراد أنه تعالى كما أحصى في الكتاب كل ما يتعلق بأحوال البشر، من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة فكذلك أحصى في الكتاب جميع هذه الأحوال في کل الحيوانات . قالوا : والدليل عليه قوله تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) وليس لذكر هذا الكلام عقيب قوله ( إلا أمم أمثالكم ) فائدة إلا ما ذكرناه . ﴿ القول الخامس﴾ أراد تعالى أنها أمثالنا في أنها تحشر يوم القيامة يوصل اليها حقوقها، كما روى عن النبي وسلم أنه قال ((يقتص للجماء من القرناء)). ﴿ القول السادس﴾ ما اخترناه في نظم الآية، وهو أن الكفار طلبوا من النبي ◌َّر الاتيان بالمعجزات القاهرة الظاهرة ، فبين تعالى ان عنايته وصلت إلى جميع الحيوانات كما وصلت إلى الانسان . ومن بلغت رحمته وفضله إلی حیث لا یبخل به على البهائم کان بأن لا یبخل به على الانسان أولى ، فدل منع الله من اظهار تلك المعجزات القاهرة على أنه لا مصلحة لأولئك ٢٢٥ سورة الأنعام قوله تعالى ((ما فرطنا في الكتاب من شيء )) الآية السائلين في اظهارها ، وأن اظهارها على وفق سؤالهم واقتراحهم يوجب عود الضرر العظيم إليهم . القول السابع ﴾ ما رواه أبو سلمان الخطابي عن سفيان بن عيينة ، أنه لما قرأ هذه الآية قال : ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم ، فمنهم من يقدم إقدام الأسد ، ومنهم من يعدو عدو الذئب ، ومنهم من ينبح نباح الكلب ، ومنهم من يتطوس كفعل الطاوس ، ومنهم من يشبه الخنزير فانه لو ألقى اليه الطعام الطيب تركه واذا قام الرجل عن رجيعه ولغ فيه . فكذلك نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها ، فان أخطأت مرة واحدة حفظها ، ولم يجلس مجلسا إلا رواه عنه . ثم قال : فاعلم يا أخي انك انما تعاشر البهائم والسباع ، فبالغ في الحذار والاحتراز ، فهذا جملة ما قيل في هذا الموضع . المسألة الثالثة ﴾ ذهب القائلون بالتناسخ إلى أن الأرواح البشرية ان كانت سعيدة مطيعة لله تعالى موصوفة بالمعارف الحقة وبالأخلاق الطاهرة ، فانها بعد موتها تنقل إلى أبدان الملوك ، وربما قالوا : انها تنقل إلى مخالطة عالم الملائكة ، وأما ان كانت شقية جاهلة عاصية فانها تنقل إلى أبدان الحيوانات ، وكلما كانت تلك الأرواح أكثر شقاوة واستحقاقا للعذاب نقلت إلى بدن حيوان أخس وأكثر شقاء وتعبا ، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فقالوا : صريح هذه الآية يدل على أنه لا دابة ولا طائر إلا وهي أمثالنا ، ولفظ الممائلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية أما الصفات العرضية المفارقة ، فالمساواة فيها غير معتبرة في حصول المماثلة . ثم ان القائلين بهذا القول زادوا عليه ، وقالوا : قد ثبت بهذا أن أرواح جميع الحيوانات عارفة بربها وعارفة بما يحصل لها من السعادة والشقاوة ، وان الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولا من جنسها ، واحتجوا عليه بأنه ثبت بهذه الآية أن الدواب والطيور أمم . ثم انه تعالى قال (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه الحيوانات رسولا أرسله الله اليها . ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد ، وقصة النمل ، وسائر القصص المذكورة في القرآن . واعلم أن القول بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الأصول ، وأما هذه الآية فقد ذكرنا ما يكفي في صدق حصول المماثلة في بعض الأمور المذكورة ، فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ . والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ وفي المراد بالكتاب قولان: ٢٢٦ قوله تعالى ((ما فرطنا في الكتاب من شيء)) الاية سورة الأنعام القول الأول ﴾ المراد منه الكتاب المحفوظ في العرش وعالم السموات المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل التام ، كما قال عليه السلام ((جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة )). ﴿ والقول الثاني﴾ أن المراد منه القرآن، وهذا أظهر. لأن الألف واللام إذا دخلا على الأسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق ، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن ، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن . إذا ثبت هذا فلقائل أن يقول : كيف قال تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) مع انه ليس فيه تفاصيل علم الطب وتفاصيل علم الحساب ، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم، وليس فيه أيضا تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع ؟ والجواب : أن قوله ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) يجب أن يكون مخصوصا ببيان الأشياء التي يجب معرفتها ، والاحاطة بها وبيانه من وجهين : الأول : ان لفظ التفريط لا يستعمل نفيا واثباتا إلا فيم يجب أن يبين لأن أحدا لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة اليه ، وانما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج اليه : الثاني : ان جميع آيات القرآن أو الكثير منها دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من انزال هذا الكتاب بيان الدين ومعرفة الله ومعرفة أحكام الله ، وإذا كان هذا التقييد معلوما من كل القرآن كان المطلق ههنا محمولا على ذلك المقيد . أما قوله ان هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع . فنقول : أما علم الأصول فانه بتمامه حاصل فيه لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه : فأما روايات المذاهب وتفاصيل الأقاويل ، فلا حاجة اليها ، وأما تفاصيل علم الفروع فنقول : للعلماء ههنا قولان : الأول : أنهم قالوا ان القرآن دل على أن الاجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة ، كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن ، وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة . : المثال الأول ﴾ روى ان ابن مسعود كان يقول : مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه يعني الواشمة ، والمستوشمة ، والواصلة ، والمستوصلة ، وروي أن امرأة قرأت جميع القرآن ، ثم أتته فقالت : يا ابن أم عبد ، تلوت البارحة ما بين الدفتين ، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة فقال : لو تلوتيه لوجدتيه . قال الله تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) وان مما أتانا به رسول الله أنه قال ((لعن الله الواشمة والمستوشمة)) وأقول: يمكن وجدان هذا ٢٢٧ سورة الأنعام قوله تعالى ((ما فرطنا في الكتاب من شيء)) الآية المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك لأنه تعالى قال في سورة النساء ( وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله ) فحكم عليه باللعن ، ثم عدد بعده قبائح أفعاله وذكر من جملتها قوله ( ولاً مرنهم فليغيرن خلق الله ) وظاهر هذه الآية يقتضي ان تغيير الخلق يوجب اللعن . ﴿ المثال الثاني﴾ ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالسا في المسجد الحرام فقال ((لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى)) فقال رجل : ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟ فقال ((لا شيء عليه)) فقال: أين هذا في كتاب الله ؟ فقال: قال الله تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه) ثم ذكر إسنادا إلى النبي ◌َّر أنه قال ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)) ثم ذكر إسنادا إلى عمر رضي الله عنه أنه قال : للمحرم قتل الزنبور . قال الواحدي : فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث درجات ، وأقول : ههنا طريق آخر أقرب منه ، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة . قال تعالى ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) وقال ( ولا يسألكم أموالكم ) وقال ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) فنهي عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة ، وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء ، وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة . وأما الطريق الذي ذكره الشافعي : فهو تمسك بالعموم على أربع درجات : أولها : التمسك بعموم قوله ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي عليه السلام بمتابعة الخلفاء الراشدين ، وثانيها : التمسك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)) وثالثها : بيان أن عمر رضي الله عنه كان من الخلفاء الراشدين . ورابعها : الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئا ، فثبت أن الطريق الذي ذكرناه أقرب . المثال الثالث﴾ قال الواحدي: روي في حديث العسيف الزاني أن أباه قال للنبي مله : اقض بيننا بكتاب الله فقال عليه السلام (( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله )) ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت . قال الواحدي : وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي ◌َّ فهو عين کتاب الله . وأقول : هذا المثال حق ، لأنه تعالى قال ( لتبين للناس ما نزل اليهم ) وكل ما بينه الرسول عليه السلام كان داخلا تحت هذه الآية ، فثبت بهذه الأمثلة أن القرآن لما دل على أن ٢٢٨ قوله تعالى ((ما فرطنا في الكتاب من شيء)) الآية سورة الأنعام الاجماع حجة ، وأن خبر الواحد حجة ، وأن القياس حجة ، فكل حكم ثبت بطريق من هذه الطرق الثلاثة ، كان في الحقيقة ثابتا بالقرآن ، فعند هذا يصح قوله تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) هذا تقرير هذا القول ، وهو الذي ذهب إلى نصر له جمهور الفقهاء . ولقائل أن يقول : حاصل هذا الوجه أن القرآن لما دل على خبر الواحد والقياس حجة ، فكل حكم ثبت بأحد هذين الأصلين كان في الحقيقة قد ثبت بالقرآن إلا أنا نقول : حمل قوله ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) على هذا الوجه لا يجوز لأن قوله ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ذكر في معرض تعظيم هذا الكتاب والمبالغة في مدحه والثناء عليه ، ولو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لم يحصل منه ما يوجب التعظيم ، وذلك لأنا لو فرضنا أن الله تعالى قال ( اعملوا ) بالاجماع وخبر الواحد والقياس ، كان المعنى الذي ذكروه حاصلا من هذا اللفظ والمعنى الذي يمكن تحصيله من هذا اللفظ القليل لا يمكن جعله وجبا لمدح القرآن والثناء عليه لسبب اشتمال القرآن عليه ، لأن هذا إنما يوجب المدح العظيم والثناء التام لو لم يمكن تحصيله بطريق آخر أشد اختصارا منه ، فأما لما بينا أن هذا القسم المقصود يمكن حمله وتحصيله باللفظ المختصر الذي ذكرناه علمنا أنه لا يمكن ذكره في تعظيم القرآن ، فثبت أن هذه الآية مذكورة في معرض تعظيم القرآن ، وثبت أن المعنى الذي ذكروه لا يفيد تعظيم القرآن ، فوجب أن يقال : إنه لا يجوز حمل هذه الآية على هذا المعنى ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا القول . ﴿ والقول الثاني ﴾ في تفسير هذه الآية قول من يقول: القرآن واف ببيان جميع الأحكام وتقريره أن الأصل براءة الذمة في حق جميع التكليف وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل والتنصيص على أقسام ما لم يرد فيه التكليف ممتنع ، لأن الأقسام التي لم يرد التكليف فيها غير متناهية ، والتنصيص على ما لا نهاية له محال. بل التنصيص إنما يمكن على المتناهي مثلا لله تعالى ألف تكليف على العباد وذكره في القرآن وأمر محمدا عليه السلام بتبليغ ذلك الألف إلى العباد. ثم قال بعده ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) فكان معناه أنه ليس لله على الخلق بعد ذلك الألف تكليف آخر ، ثم أكد هذه الآية بقوله ( اليوم أكملت لكم دينكم ) بقوله : ( ولارطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) فهذا تقرير مذهب هؤلاء ، والاستقصاء فيه إنما يليق بأصول الفقه . والله أعلم . ولنرجع الآن إلى التفسير، فنقول: قوله ( من شيء) قال الواحدي ((من)) زائدة كقوله : ماجاء لي من أحد . وتقريره ما تركنا في الكتاب شيئا لم نبينه. وأقول: كلمة ((من)) للتبعيض فكان المعنى : ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج المكلف اليه . وهذا هو نهاية المبالغة في أنه تعالى ما ترك شيئاً مما يحتاج المكلف إلى معرفته في هذا الكتاب . ٢٢٩ سورة الأنعام قوله تعالى ((ثم إلى ربهم يحشرون)) الآية أما قوله ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون﴾ فالمعنى أنه تعالى يحشر الدواب والطيور يوم القيامة. ويتأكد هذا بقوله تعالى ( وإذا الوحوش حشرت) وبما روي أن النبي ◌َّل قال ((يقتص للجماء من القرناء )» وللعقلاء فيه قولان : القول الأول ﴾ أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لايصال الأعواض اليها وهو قول المعتزلة . وذلك لأن إيصال الآلام اليها من سبق جناية لا يحسن إلا للعوض . ولما كان إيصال العوض اليها واجبا ، فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الأعواض اليها . والقول الثاني ﴾ قول أصحابنا أن الايجاب على الله محال، بل الله تعالى يحشرها بمجرد الارادة والمشيئة ومقتضى الالهية . واحتجوا على أن القول بوجوب العوض على الله تعالى محال باطل بأمور : ﴿ الحجة الأولى﴾ أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزماً للذم عند الترك وكونه تعالى مستلزما للذم محال ، لأنه تعالى كامل لذاته . والكامل لذاته لا يعقل كونه مستلزماً للذم بسبب أمر منفصل ، لأن ما بالذات لا يبطل عند عروض أمر من الخارج . ﴿ والحجة الثانية) أنه تعالى مالك لكل المحدثات ، والمالك يحسن تصرفه في ملك نفسه من غير حاجة الى العوض . ﴿ والحجة الثالثة ﴾ أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لأجل العوض ، لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لأجل التزام العوض من غير رضاه وذلك باطل ، فثبت أن القول بالعوض باطل . والله أعلم . إذا عرفت هذا : فلنذكر بعض التفاريع التى ذكرها القاضي في هذا الباب . الفرع الأول ﴾ قال القاضي: كل حيوان استحق العوض على الله تعالى بما لحقه من الآلام ، وكان ذلك العوض لم يصل اليه في الدنيا . فانه يجب على الله حشره عقلا في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض والذى لا يكون كذلك فانه لا يجب حشره عقلا ، الا انه تعالى أخبر أنه يحشر الكل ، فمن حيث السمع يقطع بذلك . وإنما قلنا إن في الحيوانات من لا يستحق العوض البتة ، لانهار بما بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام ثم إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلا . فانه لم يثبت بالدليل أن الموت لا بد وأن يحصل معه شيء من الأيلام . وعلى هذا التقدير فانه لا · يستحق العوض البتة . ٢٣٠ قوله تعالى ((والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات)) الآية سورة الأنعام وَالَّذِينَ كَذَبُوْبِعَايَئِنَا هُمٌّ وَبُكْرُ فِ اَلُلُمَتِ مَن يَشَهِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلُهُ الفرع الثاني ﴾ كل حيوان أذن الله تعالى في ذبحه فالعوض على الله . وهي اقسام: منها ما أذن في ذبحها لأجل الأكل ومنها ما أذن في ذبحها لأجل كونها مؤذية ، مثل السباع العادية والحشرات المؤذية ، ومنها آلمها بالأمراض ، ومنها ما أذن الله في حمل الأحمال الثقيلة عليها واستعمالها في الأفعال الشاقة وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك الظالم . وإذا ظلم بعضها بعضا فذلك العوض على ذلك الظالم . فان قيل : إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه على وجه التذكية فعلى من العوض ؟ أجاب بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح ، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة . الفرع الثالث ﴾ المراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة والرفعة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فانها كانت ترضى به ، فهذا هو العوض الذى لأجله يحسن الايلام والاضرار . الفرع الرابع ﴾ مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع. قال القاضي : وهو قول اكثر المفسرين ، لأنهم قالوا إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها ترابا ، وعند هذا يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا . قال ابو القاسم البلخي : يجب أن يكون العوض دائما واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا أن يلتزم عملا شاقا والأجرة منقطعة ، فعلمنا أن ايصال الألم إلى الغير غير مشروط بدوام الأجرة . واحتج البلخى على قوله ، بأن قال : إنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا باماتة تلك البهيمة ، وإمائتها توجب الألم وذلك الألم يوجب عوضا آخر، وهكذا إلى ما لا آخر له. والجواب عنه : أنه لم يثبت بالدليل أن الاماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الايلام . والله أعلم . الفرع الخامس ﴾ أن البهيمة اذا استحقت على بهيمة أخرى عوضا، فان كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضا على الله تعالى فانه تعالى ينقل ذلك العوض إلى المظلوم . وإن لم يكن الأمر كذلك ، فالله تعالى يكمل ذلك العوض ، فهذا مختصر من أحكام الأعواض على قول المعتزلة . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ قوله تعالى ((والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات )) ٢٣١ سورة الأنعام عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ يجعله على صراط مستقيم ﴾ فيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في وجه النظم قولان: الأول: أنه تعالى بين من حال الكفار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كأن قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول الايمان بقوله ( إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ) فذكر هذه الآية تقريرا لذلك المعنى الثاني أنه تعالى لما ذكر في قوله ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ) في كونها دالة على كونها تحت تدبير مدبر قديم وتحت تقدير مقدر حكيم ، وفي أن عناية الله محيطة بهم ، ورحمته واصلة اليهم ، قال بعده والمكذبون لهذه الدلائل والمنكرون لهذه العجائب صم لا يسمعون كلاما البتة ، بكم لا ينطقون بالحق ، خائضون في ظلمات الكفر ، غافلون عن تأمل هذه الدلائل . ﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال ليس إلا من الله تعالى . وتقريره أنه تعالى وصفهم بكونهم صما وبكما وبكونهم في الظلمات وهو إشارة إلى كونهم عميا فهو بعينه نظير قوله في سورة البقرة ( صم بكم عمى ) ثم قال تعالى ﴿ من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ وهو صريح في أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى . قالت المعتزلة : الجواب عن هذا من وجوه : ﴿ الوجه الاول﴾ قال الجبائي معناه أنه تعالى يجعلهم صما وبكما يوم القيامة عند الحشر. ويكونون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صما وبكما في الظلمات ، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن طريقها ويصيرهم الى النار ، وأكد القاضي هذا القول بأنه تعالى بين في سائر الآيات أنه يحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميٍ وبكما وصما مأواهم جهنم . والوجه الثاني﴾ قال الجبائي أيضاً ويحتمل أنهم كذلك في الدنيا، فيكون توسعاً من حيث جعلوا بتكذيبهم بآيات الله تعالى في الظلمات لا يهتدون إلى منافع الدين ، كالصم والبكم الذين لا يهتدون إلى منافع الدنيا . فشبههم من هذا الوجه بهم ، وأجرى عليهم مثل صفاتهم على سبيل التشبيه . والوجه الثالث ﴾ قال الكعبي قوله ( صم وبكم) محمول على الشتم والاهانة ، لا ٢٣٢ قوله تعالى ((والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات )) الآية سورة الأنعام على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة . وأما قوله تعالى ( من يشأ الله يضلله ) فقال الكعبي : ليس هذا على سبيل المجاز لأنه تعالى وإن أجمل القول فيه ههنا ، فقد فصله في سائر الآيات وهو قوله ( ويضل الله الظالمين ) وقوله ( وما يضل به إلا الفاسقين ) وقوله ( والذين اهتدوا زادهم هدى) وقوله ( يهدي به الله من اتبع رضوانه ) وقوله ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) وقوله ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال وإن كانت مجملة في هذه الآية ، إلا أنها مخصصة مفصله في سائر الآيات ، فيجب حمل هذا المجمل على تلك المفصلات ، ثم إن المعتزلة ذكروا تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل من وجوه : الأول : أن المراد من قوله ( من يشأ الله يضلله ) محمول على منع الالطاف فصاروا عندها كالصم والبكم . والثاني : ( من يشأ الله يضلله ) يوم القيامة عن طريق الجنة وعن وجدان الثواب ، ومن يشأ أن يهديه إلى الجنة يجعله على صراط مستقيم ، وهو الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة . وقد ثبت بالدليل أنه تعالى لا يشاء هذا الاضلال إلا لمن يستحق عقوبة كما لا يشاء الهدى إلا للمؤمنين . واعلم أن هذه الوجوه التي تكلفها هؤلاء الأقوام إنما يحسن المصير اليها لو ثبت في العقل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره . أما لما ثبت بالدليل العقلى القاطع أنه لا يمكن حمل هذا الكلام إلا على ظاهره كان العدول إلى هذه الوجوه المتكلفة بعيدا جدا ، وقد دللنا على أن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعي ، وبينا أن خالق ذلك الداعي هو الله ، وبينا أن عند حصوله يجب الفعل ، فهذه المقدمات الثلاثة توجب القطع بأن الكفر والايمان من الله ، وبتخليقه وتقديره وتكوينه ، ومتى ثبت بهذا البرهان القاطع صحة هذا الظاهر ، كان الذهاب إلى هذه التكلفات فاسدا قطعا ، وأيضا فقد تتبعنا هذه الوجوه بالا بطال والنقض في تفسير قوله ( ختم الله على قلوبهم ) وفي سائر الآيات ، فلا حاجة إلى الاعادة ، وأقربها أن هذا الاضلال والهداية معلقان بالمشيئة ، وعلى ما قالوه : فهو أمر واجب على الله تعالى يجب عليه أن يفعله شاء أم أبى والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة) قوله ( والذين كفروا بآياتنا ) اختلفوا في المراد بتلك الآيات ، فمنهم من قال : القرآن ومحمد ، ومنهم من قال : يتناول جميع الدلائل والحجج ، وهذا هو الأصح . والله أعلم . ٢٣٣ سورة الأنعام قوله تعالى ((قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله)) الآية قُلْ أَرَءَ يَكُمْإِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَنَتْكُرُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَِّدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنَسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ٤٠ ٤١ قوله تعالى ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون اليه إن شاء وتنسون ما تشركون ﴾ . اعلم أنه تعالى لما بين غاية جهل أولئك الكفار بين من حالهم أيضا أنهم اذا نزلت بهم بلية أو محنة فانهم يفزعون إلى الله تعالى ويلجأون اليه . ولا يتمردون عن طاعته ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قال الفراء للعرب في (أرأيت) لغتان: إحداهما : رؤية العين، فاذا قلت للرجل رأيتك كان المراد : أهل رأيت نفسك ؟ ثم يثني ويجمع . فتقول : أرأيتكما أرأيتكم ، والمعنى الثاني : أن تقول أرأيتك ، وتريد : أخبرني ، واذا أردت هذا المعنى تركت التاء مفتوحة على كل حال تقول : أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن . اذاعرفت هذا فنقول : مذهب البصريين : أن الضمير الثاني وهو الكاف في قولك : أرأيتك لا محل له من الإعراب ، والدليل قوله تعالى ( أرأيتك هذا الذي كرمت على ) ويقال أيضا : أرأيتك زيدا ما شأنه ، ولو جعلت الكاف محلا لكنت كأنك تقول : أرأيت نفسك زيدا ما شأنه ، وذلك كلام فاسد ، فثبت أن الكاف لا محل له من الإعراب ، بل هو حرف لأجل الخطاب . وقال الفراء : لو كانت الكاف توكيداً لوقعت التثنية والجمع على التاء ، كما يقعان عليها عند عدم الكاف ، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع ، ووقعت علامة الجمع على الكاف، دل ذلك على أن الكاف غير مذكور للتوكيد . ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة : أرأيت ، فثبت بهذا انصراف الفعل إلى الكاف، وانها واجبة لازمة مفتقر اليها . أجاب الواجدي عنه : بأن هذه الحجة تبطل بكاف ذلك وأولئك ، فان علامة الجمع تقع عليها مع أنها حرف للخطاب ، مجرد عن الأسمية ، والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ نافع (أرأيتكم. وأرأيت. وأفرأيت. وأرأيتك. ٢٣٤ قوله تعالى ((فیکشف ما تدعون إليه إن شاء )) الآية سورة الأنعام وأفرأ يتك ) وأشباه ذلك بتخفيف الهمزة في كل القرآن ، والكسائي ترك الهمزة في كل القرآن ، والباقون بالهمزة . أما تخفيف الهمزة ، فالمراد جعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي . وأما مذهب الكسائي فخسن ، وبه قرأ عيسى بن عمر وهو كثير في الشعر، وقد تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة للتخفيف كما قالوا : وسله ، وكما أنشد أحمد بن يحيى : وإن لم أقاتل فالبسوني برقعا بحذف الهمزة . أراد فألبسوني باثبات الهمزة . وأما الذين قرأوا بتخفيف الهمزة فالسبب أن الهمزة عين الفعل والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة ) معنى الآية أن الله تعالى قال لمحمد عليه السلام: قل يا محمد لهؤلاء الكفار إن أتاكم عذاب الله في الدنيا أو أتاكم العذاب عند قيام الساعة ، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء والضرأوترجعون فيه إلى الله تعالى ؟ ولما كان من المعلوم بالضرورة أنهم إنما يرجعون إلى الله تعالى في دفع البلاء والمحنة لا إلى الأصنام والأوثان ، لا جرم قال ( بل إياه تدعون ) يعني أنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية والمحنة إلا إلى الله تعالى . ثم قال ﴿ فيكشف ما تدعون اليه ﴾ أي فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم وتنسون ما تشركون به ، وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : المراد تتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع . الثاني : قال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم ، وهذا قول الحسن لأنه قال : يعرضون إعراض الناسي ، ونظيره قوله تعالى ( حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله ) ولا يذكرون الأوثان . ﴿ المسألة الرابعة﴾ هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يجيب الدعاء إن شاء وقد لا يجيبه ، لأنه تعالى قال ( فيكشف ما تدعون اليه إن شاء ) ولقائل أن يقول : أن قوله ( ادعوني أستجب لكم ) يفيد الجزم بحصول الاجابة ، فكيف الطريق إلى الجمع بين الآيتين . والجواب أن نقول : تارة يجزم تعالى بالاجابة وتارة لا يجزم ، إما بحسب محض المشيئة كما هو قول أصحابنا ، أو بحسب رعاية المصلحة كما هو قول المعتزلة ، ولما كان كلا الأمرين حاصلا لا جرم وردت الآيتان على هذين الوجهين . المسألة الخامسة ﴾ حاصل هذا الكلام كأنه تعالى يقول لعبدة الأوثان : اذا كنتم ٢٣٥ سورة الأنعام قوله تعالى ((ولقد أرسلنا إلى امم من قبلك)) الآية وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أَمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٣) فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَغَّعُواْ وَلَكِنِ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٤٣ ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله تعالى، ولا إلى الأصنام والأوثان ، فلم تقدمون على عبادة الأصنام التي لا تنتفعون بعبادتها البتة ؟ وهذا الكلام إنما يفيد لو كان ذكر الحجة والدليل مقبولا . أما لو كان ذلك مردوداً وكان الواجب هو محض التقليد ، كان هذا الكلام ساقطا ، فثبت أن هذه الآية أقوى الدلائل على أن أصل الدين هو الحجة والدليل . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون﴾ . اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الكفار عند نزول الشدائد يرجعون إلى الله تعالى ، ثم بين في هذه الآية أنهم لا يرجعون إلى الله عند كل ما كان من جنس الشدائد ، بل قد يبقون مصرين على الكفر منجمدين عليه غير راجعين إلى الله تعالى ، وذلك يدل على مذهبنا من أن الله تعالى اذا لم يهده لم يهتد ، سواء شاهد الآيات الهائلة ، أو لم يشاهدها ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية محذوف والتقدير: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم فأخذناهم بالبأساء والضراء ، وحسن الحذف لكونه مفهوما من الكلام المذكور . وقال الحسن ( البأساء ) شدة الفقر من البؤس ( والضراء ) الأمراض والأوجاع . ثم قال ﴿ لعلهم يتضرعون﴾ والمعنى: انما أرسلنا الرسل اليهم وانما سلطنا البأساء والضراء عليهم لأجل أن يتضرعوا . ومعنى التضرع التخشع . وهو عبارة عن الانقياد وترك التمرد ، وأصله من الضراعة وهي الذلة ، يقال ضرع ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف ، والمعنى أنه تعالى أعلم نبيه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، والمقصود منه التسلية للنبي وَّد. فان قيل : أليس قوله ( بل اياه تدعون ) يدل على انهم تضرعوا ؟ وههنا يقول : قست قلوبهم ولم يتضرعوا . ٢٣٦ قوله تعالى ((فلما نسوا ما ذكروا به)) الآية سورة الأنعام فَلَّا نَسُواْ مَاذُ كِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىءٍ حَتَّىَ إِذَا فَرِ حُواْبِمَا أَوْتُواْ أَخَذْنَهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم ◌ُبْلُونَ ( قلنا : أولئك أقوام ، وهؤلاء أقوام آخرون . أو نقول أولئك تضرعوا لطلب ازالة البلية ولم يتضرعوا على سبيل الاخلاص لله تعالى . فلهذا الفرق حسن النفي والاثبات . ثم قال تعالى ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ معناه نفي التضرع . والتقدير فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. وذكر كلمة ((لولا)) يفيد أنه ما كان لهم عذر في ترك التضرع الا عنادهم وقسوتهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها لشيطان لهم والله أعلم . المسألة الثانية) احتج الجبائي بقوله ( لعلهم يتضرعون ) فقال : هذا يدل على أنه تعالى انما أرسل الرسل اليهم ، وانما سلط البأساء والضراء عليهم ، لأرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد الايمان والطاعة من الكل . والجواب: أن كلمة ((لعل)) تفيد الترجي والتمني؛ وذلك في حق الله تعالى محال . وأنتم حملتموه على أرادة هذا المطلوب ، ونحن نحمله على أنه تعالى عاملهم معاملة لوصدرت عن غير الله تعالى لكان المقصودمنه هذا المعنى ، فاما تعليل حكم الله تعالى ومشيئته فذلك محال على ماثبت بالدليل . ثم نقول ان دلت هذه الآ ية على قولکم من هذا الوجه فانها تدل على ضد قولكم من وجه آخر ، وذلك لأنها تدل على أنهم انما لم يتضرعوا لقسوة قلوبهم ولأجل ان الشيطان زين لهم أعمالهم . فنقول : تلك القسوة ان حصلت بفعلهم احتاجوا في ايجادها إلى سبب آخر ولزم التسلسل ، وان حصلت بفعل الله فالقول قولنا ، وأيضا هب ان الكفار انما أقدموا على هذا الفعل القبيح بسبب تزيين الشيطان ، الا أنا نقول : ولم بقي الشيطان مصرا على هذا الفعل القبيح ؟ فان كان ذلك لأجل شيطان آخر تسلسل إلى غير النهاية ، وان بطلت هذه المقادير انتهت بالآخرة إلى ان كل أحد انما يقدم تارة على الخير وأخرى على الشر، لأجل الدواعي التي تحصل في قلبه ، ثم ثبت أن تلك الدواعي لا تحصل إلا بايجاد الله تعالى . فحينئذ يصح قولنا ويفسد بالكلية قولهم ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا ٢٣٧ سورة الأنعام قوله تعالى (( فقطع دابر القوم الذين ظلموا)) الآية ج فَقُطِعَ دَابُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَُّواْ وَالْحَمْدُ لِلِّرَبِّ الْعَلَيْنَ ( أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين اعلم أن هذا الكلام من تمام القصة الأولى فبين الله تعالى انه أخذهم أولا بالبأساء والضراء لكي يتضرعوا . ثم بين في هذه الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، ونقلناهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء ، والمقصود أنه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة فلم ينتفعوا به ، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدهاوهو فتح أبواب الخيرات عليهم وتسهيل موجبات المسرات والسعادات لديهم فلم ينتفعوا به أيضا . وهذاكما يفعله الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه . حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم ، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا اقدام على اعتذار وتوبة ، فلا جرم أخذناهم بغتة . واعلم أن قوله ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ معناه فتحنا عليهم أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير، ( حتى إذا فرحوا ) أي حتى إذا ظنوا أن الذي نزل بهم من البأساء والضراء ما كان على سبيل الانتقام من الله . ولما فتح الله عليهم أبواب الخيرات ظنوا ان ذلك باستحقاقهم ، فعند ذلك ظهر أن قلوبهم قست وماتت . وانه لا يرجى لها انتباه بطريق من الطرق ، لا جرم فاجأهم الله بالعذاب من حيث لا يشعرون . قال الحسن : في هذه الآية مکر بالقوم ورب الكعبة، وقال مَّه((اذا رأيت الله يعطي على المعاصي فان ذلك استدراج من الله تعالى)) ثم قرأ هذه الآية . قال أهل المعاني: وانما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية وقوله ( فاذا هم مبلسون ) اي آيسون من کل خير . قال الفراء : المبلس الذي انقطع رجاؤه ، ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس . وقال الزجاج : المبلس الشديد الحسرة الحزين ، والابلاس في اللغة يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ورود الهلكة ، ويكون بمعنى انقطاع الحجة ، ويكون بمعنى الحيرة بما يرد على النفس من البلية . وهذه المعاني متقاربة . ثم قال تعالى ﴿ فقطع دابر القوم الذين ظلموا ﴾ الدابر التابع للشيء من خلفه كالولد للوالد يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا إذا كان آخرهم . قال أمية بن أبي الصلت : فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم وقال أبو عبيدة : دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم . وقال الأصمعي الدابر الأصل يقال ٢٣٨ قوله تعالى ((قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وابصاركم)) الآية سورة الأنعام قُلْ أَ يْتُمْ إِنْ أَخَ اللَّهُسَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُوِّكُ مَّنْ إِلَهُ غَيْرُ الَّهِ يَأْتِكُمْ بِهِ أَنْظُرُ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَنِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ. ٤٦ قطع الله دابره أي أذهب الله أصله . وقوله ( والحمد لله رب العالمين ) فيه وجوه : الأول : معناه أنه تعالى حمد نفسه علی أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم لأن ذلك کان جاریا مجرى النعمة العظيمة على اولئك الرسل في ازالة شرهم عن أولئك الأنبياء . والثاني : انه تعالى لما علم قسوة قلوبهم لزم أن يقال : انه كلما ازدادت مدة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم ، فكانوا يستوجبون به مريد العقاب والعذاب . فكان افناؤهم واماتتهم في تلك الحالة موجبا ان لا يصيروا مستوجبين لتلك الزيادات من العقاب . فكان ذلك جاريا مجرى الانعام عليهم . والثالث : أن يكون هذا الحمد والثناء انما حصل على وجود انعام الله عليهم في أن كلفهم وازال العذر والعلة عنهم ودبرهم بكل الوجوه الممكنة في التدبير الحسن ، وذلك بأن أخذهم أولا بالبأساء والضراء ، ثم نقلهم إلا الآلاء والنعماء ، وأمهلهم وبعث الأنبياء والرسل اليهم ، فلما لم يزدادوا إلا انهما كافي الغي والكفر ، أفناهم الله وطهر وجه الأرض من شرهم ، فكان قوله ( الحمد لله رب العالمين ) على تلك النعم الكثيرة المتقدمة . قوله تعالى ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ﴾ . في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ اعلم أن المقصود من هذا الكلام ذكر ما يدل على وجود الصانع الحكيم المختار ، وتقريره أن أشرف أعضاء الانسان هو السمع والبصر والقلب . فالأذن محل القوة السامعة والعين محل القوة الباصرة ، والقلب محل الحياة والعقل والعلم . فلو زالت هذه الصفات عن هذه الاعضاء اختل أمر الانسان وبطلت مصالحه في الدنيا وفي الدين . ومن المعلوم بالضرورة أن القادر على تحصيل هذه القوى فيها وصونها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله . وإذا كان الأمر كذلك ، كان المنعم بهذه النعم العالية والخيرات الرفيعة هو الله سبحانه وتعالى . فوجب أن يقال المستحق للتعظيم والثناء والعبودية ليس إلا الله تعالى . وذلك يدل على أن عبادة الاصنام طريقة باطلة فاسدة . ﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا في قوله ( وختم على قلوبكم ) وجوها : الأول : قال ابن سورة الأنعام ٢٣٩ قوله تعالى ((قل ارأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة)) الآية قُلْ أَرَةَ يْتَكُمْ إِنْ أَتَكُمْ عَذَابُ اللَّهِبَغْنَةُ أَوْ جَهْرَةٌ هَلْ يُهَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّلُونَ (َّ) عباس : معناه وطبع على قلوبهم فلم يعقلوا الهدى . الثاني : معناه وأزال عقولكم حتى تصيروا كالمجانين . والثالث : المراد بهذا الختم الاماتة أي يميت قلوبكم . ﴿ المسألة الثالثة) قوله (من إله غير الله) ((من)) رفع بالابتداء وخبره ((إله)) و ((غير)) صفة له وقوله ( يأتيكم به ) هذه الهاء تعود على معنى الفعل . والتقدير : من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم و المسألة الرابعة) روى عن نافع ( به انظر ) بضم الهاء وهو على لغة من يقرأ ( فخسفنا به وبداره الأرض ) فحذف الواو لالتقاء الساكنين فصار ( به انظر ) والباقون بكسر الهاء . وقرأ حمزة والكسائي ( يصدفون ) باشمام الزاي . والباقون بالصاد أي يعرضون عنه . يقال : صدف عنه أي أعرض والمراد من تصريف الآيات ايرادها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوى ما قبله في الايصال الى المطلوب . فذكر تعالى أن مع هذه المبالغة في التفهيم والتقرير والايضاح والكشف، انظر يا محمد أنهم كيف يصدفون ويعرضون . ﴿ المسألة الخامسة﴾ قال الكعبي: دلت هذه الآية على أنه تعالى مكنهم من الفهم، ولم يخلق فيهم الأعراض والصد . ولو كان تعالى هو الخالق لما فيهم من الكفر لم يكن لهذا الكلام معنى . واحتج اصحابنا بعين هذه الآية . وقالوا : أنه تعالى بين أنه بالغ في اظهار هذه الدلالة وفي تقريرها وتنقيحها وإزالة جهات الشبهات عنها ، ثم أنهم مع هذه المبالغة القاطعة للعذر ما زادوا إلا تماديا في الكفر والغي والعناد ، وذلك يدل على أن الهدى والضلال لا يحصلان إلا بهداية الله وإلا باضلاله . فثبت أن هذه الآية دلالتها على قولنا أقوى من دلالتها على قولهم . والله أعلم . قوله تعالى ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ . اعلم أن الدليل المتقدم كان مختصا بأخذ السمع والبصر والقلب . وهذا عام في جميع أنواع العذاب . والمعنى : أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحانه ، ولا محصل ٢٤٠ قوله تعالى ((وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)) الآية سورة الأنعام وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ ثَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفُّ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وَالَّذِينَ كَذِّبُواْ بِعَايَئِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ٤٩ لخير من الخيرات إلا الله سبحانه ، فوجب أن يكون هو المعبود بجميع أنواع العبادات لا غيره . فان قيل : ما المراد بقوله ( بغتة أو جهرة ) قلنا العذاب الذي يجيئهم إما أن يجيئهم من غير سبق علامة تدلهم على مجيء ذلك العذاب . أو مع سبق هذه العلامة . فالأول : هو البغتة. والثاني : هو الجهرة . والأول سماه الله تعالى بالبغتة ، لأنه فاجأهم بها وسمى الثاني جهره ، لأن نفس العذاب وقع بهم وقد عرفوه حتى لو أمكنهم الاحتراز عنه لتحرزوا منه . وعن الحسن أنه قال ( بغتة أو جهرة ) معناه ليلا أو نهارا . وقال القاضي : يجب حمل هذا الكلام على ما تقدم ذكره لأنه لو جاءهم ذلك العذاب ليلا وقد عاينوا مقدمته ، لم يكن بغتة . ولو جاءهم نهارا وهم لا يشعرون بمقدمته لم يكن جهرة . فاما إذا حملناه على الوجه الذي تقدم ذكره ، استقام الكلام . فان قيل : فما المراد بقوله ( هل يهلك إلا القوم الظالمون ) مع علمكم بأن العذاب إذا نزل لم يحصل فيه التمييز . قلنا : إن الهلاك وان عم الابرار والاشرار في الظاهر ، إلا أن الهلاك في الحقيقة مختص بالظالمين الشريرين ، لأن الأخيار يستوجبون بسبب نزول تلك المضار بهم أنواعا عظيمة من الثواب والدرجات الرفيعة عند الله تعالى ، فذاك وان كان بلاء في الظاهر ، إلا أنه يوجب سعادات عظيمة ؟ أما الظالمون . فإذا نزل البلاء بهم فقد خسروا الدنيا والآخرة معا ، فلذلك وصفهم الله تعالى بكونهم هالكين . وذلك تنبيه على أن المؤمن التقي النقي هو السعيد ، سواء كان في البلاء أو في الآلاء والنعماء . وأن الفاسق الكافر هو الشقي ، كيف دارت قضيته واختلفت أحواله ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وما نرسل المرسلين الا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بماكانوا يفسقون﴾ .