النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سورة الأنعام
قوله تعالى ((فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بايات ربنا)) الآية
أقوى تأثيراً في حصول الخوف. ومنهم من قال جواب ((لو)) مذكور من بعض الوجوه .
والتقدير ولو ترى إذ وقفوا على النار ينوحون . ويقولون يا ليتنا نرد ولا نكذب .
﴿ المسألة الثانية) قوله (وقفوا) يقال وقفته وقفا، ووقفته وقوفا . كما يقال رجعته
رجوعا . قال الزجاج : ومعنى (وقفوا على النار ) يحتمل ثلاثة أوجه : الأول : يجوز أن يكون
قد وقفوا عندها وهم يعاينونها فهم موقوفون على أن يدخلوا النار . والثاني : يجوز أن يكونوا
وقفوا عليها وهي تحتهم ، بمعنى أنهم وقفوا فوق النار على الصراط، وهو جسر فوق جهنم .
والثالث : معناه عرفوا حقيقتها تعريفاً من قولك وقفت فلاناً على كلام فلان ؛ أي علمته معناه
وعرفته . وفيه وجه رابع . وهم أنهم يكونون في جوف النار ، وتكون النار محيطة بهم ،
ويكونون غائصين فيها. وعلى هذا التقدير فقد أقيم ((على)) مقام ((في)) وإنما صح على هذا
التقدير ، أن يقال : وقفوا على النار ، لأن النار دركات وطبقات ، بعضها فوق بعض . فيصح
هناك معنى الاستعلاء .
فان قيل : فلماذا قال ولو ترى ؟ وذلك يؤذن بالاستقبال . ثم قال بعده إذ وقفوا وكلمة
((إذ)) للماضي . ثم قال بعده ، فقالوا وهو يدل على الماضي .
قلنا: أن كلمة ((إذ)) تقام مقام ((إذا)) إذا أراد المتكلم المبالغة في التكرير والتوكيد ،
وإزالة الشبهة لأن الماضي قد وقع واستقر ، فالتعبير عن المستقبل باللفظ الموضوع للماضي ، يفيد
المبالغة من هذا الاعتبار .
المسألة الثالثة﴾ قال الزجاج : الامالة في النار حسنة جيدة ، لأن ما بعد الألف
مكسور وهو حرف الراء . كأنه تكرر في اللسان فصارت الكسرة فيه كالكسرتين .
أما قوله تعالى ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ﴾ .
ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (يا ليتنا نرد) يدل على أنهم قد تمنوا ان يردوا إلى الدنيا . فأما
قوله ( ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) ففيه قولان : أحدهما : أنه داخل في التمني
والتقدير أنهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكونوا مكذبين وأن يكونوا مؤمنين .
فان قالوا هذا باطل لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر الآية ( وإنهم
لكاذبون ) والمتمني لا يوصف بكونه كاذبا .

٢٠٢
قوله تعالى (( فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا)» الآية
سورة الأنعام
قلنا : لا نسلم أن المتمني لا يوصف بكونه كاذباً لأن من أظهر التمني ، فقد أخبر ضمنا
كونه مريداً لذلك الشيء فلم يبعد تكذيبه فيه ، ومثاله أن يقول الرجل : ليت الله يرزقني مالا
فأحسن اليك ، فهذا تمن في حكم الوعد ، فلو رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه لقيل أنه كذب
في وعده .
القول الثاني ﴾ أن التمني تم عند قوله ( يا ليتنا نرد ) وأما قوله ( ولا نكذب بآيات
ربنا ونكون من المؤمنين ) فهذا الكلام مبتدأ وقوله تعالى في آخر الآية ( وإنهم لكاذبون ) عائد
اليه وتقدير الكلام يا ليتنا نرد ، ثم قالوا ولو رددنا لم نكذب بالدين وكنا من المؤمنين ، ثم إنه
تعالى كذبهم وبين أنهم لو ردوا لكذبوا ولأعرضوا عن الايمان .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن عامر نرد ونكذب بالرفع فيهما ونكون بالنصب ، وقرأ حمزة
وحفص عن عاصم نرد بالرفع ، ونكذب ونكون بالنصب فيهما ، والباقون بالرفع في الثلاثة ،
فحصّل من هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله ( نرد ) وذلك لأنه داخل في التمني لا محالة ، فأما
الذين رفعوا قوله ( ولا نكذب . ونكون ) ففيه وجهان : الأول : أن يكون معطوفا على قوله
( نرد ) فتكون الثلاثة داخلة في التمني ، فعلى هذا قد تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من
المؤمنين .
والوجه الثاني ﴾ أن يقطع ولا نكذب وما بعده عن الأول ، فيكون التقدير ، يا ليتنا
نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ، فهم ضمنوا أنهم لا يكذبون بتقدير
حصول الرد . والمعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد . أي قد عاینا
وشاهدنا ما لا نكذب معه أبدا . قال سيبويه : وهو مثل قولك دعني ولا أعود ، فههنا
المطلوب بالسؤال تركه . فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب ، فكذا هنا قوله ( يا ليتنا نرد )
الداخل في هذا التمني الرد ، فأما ترك التكذيب وفعل الايمان فغير داخل في التمني ، بل هو
حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل ، وهذان الوجهان ذكرهما الزجاج والنحويون قالوا :
الوجه الثاني أقوى ، وهو أن يكون الرد داخلا في التمني ، ويكون ما بعده اخبارا محضا .
واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في الآية الثانية فقال ( وإنهم لكاذبون ) والمتمني لا يجوز تكذيبه ،
وهذا اختيار أبي عمرو . وقد احتج على صحة قوله بهذه الحجة ، إلا أنا قد أجبنا عن هذه
الحجة ، وذكرنا أنها ليست قوية ، وأما من قرأ ( ولا نكذب . ونكون ) بالنصب ففيه وجوه :
الأول: باضمار ((أن)) على جواب التمني ، والتقدير: يا ليتنا نرد وأن لا نكذب . والثاني :
أن تكون الواو مبدلة من الفاء ، والتقدير : يا ليتنا نرد فلا نكذب ، فتكون الواو ههنا بمنزلة

٢٠٣
سورة الأنعام
قوله تعالى ((بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل)) الآية
الفاء في قوله ( لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ) ويتأكد هذا الوجه بما روى أن ابن مسعود
كان يقرأ ( فلا نكذب ) بالفاء على النصب ، والثالث : أن يكون معناه الحال ، والتقدير : يا
ليتنا نرد غير مكذبين ، كما تقول العرب - لا تأكل السمك وتشرب اللبن - أي لا تأكل السمك
شاربا للبن .
واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني . واما أن المتمني
كيف يجوز تكذيبه فقد سبق تقريره . وأما قراءة ابن عامر وهي أنه كان يرفع ( ولا نكذب )
وينصب ( ونكون) فالتقدير : أنه يجعل قوله (ولا نكذب ) داخلا في التمني ، بمعنى أنا إن
رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة) قوله (فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ) لا شبهة في أن المراد تمنى ردهم
إلى حالة التكليف . لأن لفظ الرد إذا استعمل في المستقبل من حال إلى حال ، فالمفهوم منه الرد
إلى الحالة الأولى . والظاهر أن من صدر منه تقصير ثم عاين الشدائد والأحوال بسبب ذلك
التقصير أنه يتمنى الرد إلى الحالة الأولى ، ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات . ومعلوم أن
الكفار قصروا في دار الدنيا فهم يتمنون العود إلى الدنيا لتدارك تلك التقصيرات ، وذلك
التدارك لا يحصل بالعود إلى الدنيا فقط، ولا بترك التكذيب ، ولا بعمل الايمان . بل إنما
يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة . فوجب إدخال هذه الثلاثه تحت التمني .
فان قيل : كيف يحسن منهم تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد يحصل البتة .
والجواب من وجوه : الأول : لعلهم لم يعلموا أن الرد لا يحصل . والثاني : أنهم وإن
علموا أن ذلك لا يحصل ؛ إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إرادة الرد كقوله تعالى
( يريدون أن يخرجوا من النار ) وكقوله (أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) فلما صح
أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا تحصل ، فبأن يتمنوه أقرب ، لأن باب التمني
أوسع ، لأنه يصح أن يتمنى ما لا يصح أن يريد من الأمور الثلاثة الماضية .
ثم قال تعالى ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ معنى (بل) ههنا رد كلامهم، والتقدير: أنهم ما تمنوا العود إلى
الدنيا ، وترك التكذيب ، وتحصيل الايمان لأجل كونهم راغبين في الايمان ، بل لأجل خوفهم
من العقاب الذي شاهدوه وعاينوه . وهذا يدل على أن الرغبة في الايمان والطاعة لا تنفع . إلا
إذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه ، لكونه إيمانا وطاعة ، فأما الرغبة فيه لطلب الثواب ، والخوف

٢٠٤
قوله تعالى ((ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه)) الآية
سورة الأنعام
من العقاب فغير مفيد .
﴿ المسألة الثانية﴾ المراد من الآية: أنه ظهر لهم في الآخرة ما أخفوه في الدنيا . وقد
اختلفوا في ذلك الذي أخفوه على وجوه : الأول : قال أبو روق : ان المشركين في بعض مواقف
القيامة يجحدون الشرك فيقولون ( والله ربنا ما كنا مشركين ) فينطق الله جوارحهم فتشهد
عليهم بالكفر ، فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل . قال الواحدي : وعلى هذا القول
أهل التفسير . الثاني : قال المبرد : بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها ، وذلك
لأن كفرهم ما كان باديا ظاهرا لهم ، لأن مضار كفرهم كانت خفية ، فلما ظهرت يوم القيامة لا
جرم قال الله تعالى ( بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ) الثالث : قال الزجاج : بدا للأتباع ما
أخفاه الرؤساء عنهم من أمر البعث والنشور . قال والدليل على صحة هذا القول أنه تعالى
ذكر عقيبه ( وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) وهذا قول الحسن . الرابع : قال
بعضهم : هذه الآية في المنافقين ، وقد كانوا يسرون الكفر ويظهرون الاسلام ، وبدا لهم يوم
القيامة ، وظهر بأن عرف غيرهم أنهم كانوا من قبل منافقين . الخامس : قيل بدا لهم ما كان
علماؤهم يخفون من جحد نبوة الرسول ونعته وصفته في الكتب والبشارة به ، وما كانوا يحرفونه
من التوراة مما يدل على ذلك .
واعلم أن اللفظ محتمل لوجوه كثيرة . والمقصود منها باسرها انه ظهرت فضيحتهم في
الآخرة وانهتكت أستارهم . وهو معنى قوله تعالى ( يوم تبلى السرائر ) .
ثم قال تعالى ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ والمعنى انه تعالى لو ردهم لم يحصل منهم
ترك التكذيب وفعل الايمان ، بل كانوا يستمرون على طريقتهم الأولى في الكفر والتكذيب .
فان قيل : ان أهل القيامة قد عرفوا الله بالضرورة ، وشاهدوا أنواع العقاب والعذاب
فلوردهم الله تعالى إلى الدنيا فمع هذه الأحوال كيف يمكن أن يقال : انهم يعودون إلى الكفر
بالله وإلى معصية الله .
قلنا : قال القاضي : تقرير الآية ( ولو ردوا) إلى حالة التكليف، وإنما يحصل الرد إلى
هذه الحالة لو لم يحصل في القيامة معرفة الله بالضرورة ، ولم يحصل هناك مشاهدة الأهوال
وعذاب جهنم ، فهذا الشرط يكون مضمرا لا محالة في الآية . إلا أنا نقول هذا الجواب
ضعيف ، لأن المقصود من الآية بيان غلوهم في الاصرار على الكفر وعدم الرغبة في الايمان ، ولو
قدرنا عدم معرفة الله تعالى في القيامة ، وعدم مشاهدة أهوال القيامة لم يكن في اصرار القوم على

٢٠٥
قوله تعالى ((وقالوا ان هي الا حياتنا الدنيا وما نحن)) الآية سورة الأنعام
وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُ قِقُواْ عَلَى
وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِبْعُوِنِينَ
٢٩
رَبِهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ
تَكْفُرُونَ
٣٠
كفرهم الأول مزيد تعجب ، لأن إصرارهم على الكفر يجري مجرى إصرار سائر الكفار على
الكفر في الدنيا ، فعلمنا أن الشرط الذي ذكره القاضي لا يمكن اعتباره البتة .
إذا عرفت هذا فنقول : قال الواحدي : هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فساد قول
المعتزلة ، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك . ثم انه تعالى
بين أنهم لو شاهدوا النار والعذاب ، ثم سألوا الرجعة وردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ،
وذلك القضاء السابق فيهم ، والا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد ، ثم قال تعالى ( وانهم
لكاذبون ) وفيه سؤال وهو أن يقال : انه لم يتقدم ذكر خبر حتى يصرف هذا التكذيب اليه .
والجواب : انا بينا ان منهم من قال الداخل في التمني هو مجرد قوله ( يا ليتنا نرد ) أما
الباقي فهو اخبار ، ومنهم من قال بل الكل داخل في التمني ، لأن ادخال التكذيب في التمني
أيضا جائز ، لأن التمني يدل على الاخبار على سبيل الضمن والصيرورة ، كقول القائل ليت
زيدا جاءنا فكنا نأكل ونشرب ونتحدث . فكذا ههنا . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ وقالوا ان هي الا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين﴾.
اعلم أنه حصل في الآية قولان : الأول : انه تعالى ذكر في الآية الأولى ، انه بدا لهم ما
كانوا يخفون من قبل . فبين في هذه الآية ان ذلك الذي يخفونه هو أمر المعاد والحشر والنشر،
وذلك لأنهم كانوا ينكرونه ويخفون صحته . ويقولون ما لنا الا هذه الحياة الدنيوية ، وليس
بعد هذه الحياة لا ثواب ولا عقاب . والثاني : ان تقدير الآية ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه )
ولأنكروا الحشر والنشر، وقالوا : ( ان هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين).
قوله تعالى ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا
العذاب بما كنتم تكفرون ﴾
فيه مسائل :

٢٠٦
قوله تعالى ((وقالوا ان هي الا حياتنا الدنيا ما نحن بمبعوثين)) الآية
سورة الأنعام
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية الأولى انكارهم للحشر والنشر
والبعث والقيامة . بين في هذه الآية كيفية حالهم في القيامة ، فقال ( ولو ترى إذ وقفوا على
ربهم ) واعلم ان جماعة من المشبهة تمسكوا بهذه الآية ، وقالوا ظاهر هذه الآية يدل على أن أهل
القيامة يقفون عند الله وبالقرب منه ، وذلك يدل على كونه تعالى بحيث يحضر في مكان تارة
ويغيب عنه تارة أخرى .
واعلم أن هذا خطأ وذلك لأن ظاهر الآية ، يدل على كونهم واقفين على الله تعالى ، كما
يقف أحدنا على الأرض ، وذلك يدل على كونه مستعليا على ذات الله تعالى . وانه بالاتفاق
باطل ، فوجب المصير إلى التأويل وهو من وجوه :
التأويل الأول﴾ هو أن يكون المراد (ولو ترى إذ وقفوا على) ما وعدهم ربهم من
عذاب الكافرين وثواب المؤمنين . وعلى ما أخبرهم به من أمر الآخرة .
﴿ التأويل الثاني﴾ ان المراد من هذا الوقوف المعرفة، كما يقول الرجل لغيره وقفت على
كلامك اي عرفته .
﴿ التأويل الثالث﴾ ان يكون المراد أنهم وقفوا لأجل السؤال. فخرج الكلام مخرج ما
جرت به العادة ، من وقوف العبد بين يدي سيده والمقصود منه التعبير عن المقصود بالالفاظ
الفصيحة البليغة .
﴿ المسألة الثانية﴾ المقصود من هذه الآية انه تعالى حكى عنهم في الآية الأولى، انهم
ينكرون القيامة والبعث في الدنيا ، ثم بين أنهم في الآخرة يقرون به . فيكون المعنى أن حالهم
في هذا الانكار سيؤل إلى الإقرار . وذلك لأنهم شاهدوا القيامة والثواب والعقاب ، قال الله
تعالى ( اليس هذا بالحق ) .
فان قيل : هذا الكلام يدل على أنه تعالى يقول لهم أليس هذا بالحق ؟ وهو كالمناقض
لقوله تعالى ( ولا يكلمهم الله) والجواب أن يحمل قوله (ولا يكلمهم ) أي لا يكلمهم بالكلام
الطيب النافع ، وعلى هذا التقدير يزول التناقض ثم إنه تعالى بين أنه إذا قال لهم أليس هذا
بالحق ؟ قالوا بلى وربنا . المقصود أنهم يعترفون بكونه حقاً مع القسم واليمين . ثم إنه تعالى
يقول لهم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وخص لفظ الذوق لأنهم في كل حال يجدونه وجدان
الذائق في قوة الاحساس وقوله ( بما كنتم تكفرون ) أي بسبب كفركم . واعلم أنه تعالى ما
ذكر هذا الكلام احتجاجا على صحة القول بالحشر والنشر لأن ذلك الدليل قد تقدم ذكره في أول

٢٠٧
سورة الأنعام
قوله تعالى ((قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله)) الآية
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَآءِ اللَّهِ خَتَّىَ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَنْحَسْرَتَنَا عَلَى مَا
فَرَّطْنَا فِيَهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَى ◌ُهُورِهِمْ أَلَسَآءَ مَا يَزِرُونَ (٦)
السورة في قوله ( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا ) على ما قررناه وفسرناه ، بل المقصود
من هذه الآية الردع والزجر عن هذا المذهب والقول .
قوله تعالى ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا
على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ) .
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حالة أخرى من أحوال منكري
البعث والقيامة وهي أمران : أحدهما : حصول الخسران . والثاني : حمل الأوزار العظيمة .
أما النوع الأول﴾ وهو حصول الخسران فتقريره أنه تعالى بعث جوهر النفس الناطقة
القدسية الجسماني وأعطاه هذه الآلات الجسمانية والأدوات الجسدانية وأعطاه العقل والتفكر .
لأجل أن يتوصل باستعمال هذه الآلات والأدوات إلى تحصيل المعارف الحقيقية . والأخلاق
الفاضلة التي يعظم منافعها بعد الموت فإذا استعمل الانسان هذه الآلات والأدوات والقوة
العقلية والقوة الفكرية في تحصيل هذه اللذات الدائرة والسعادات المنقطعة ثم انتهى الانسان
إلى آخر عمره فقد خسر خسراناً مبينا . لأن رأس المال قد فني والربح الذي ظن أنه هو المطلوب
فني أيضا وانقطع فلم يبق في يده لا من رأس المال أثر ولا من الربح شيء . فكان هذا هو
الخسران المبين . وهذا الخسران إنما يحصل لمن كان منكراً للبعث والقيامة وكان يعتقد أن منتهى
السعادات ونهاية الكمالات هو هذه السعادات العاجلة الفانية . أما من كان مؤمناً بالبعث
والقيامة فانه لا يغتر بهذه السعادات الجسمانية ولا يكتفي بهذه الخيرات العاجلة . بل يسعى في
إعداد الزاد ليوم المعاد فلم يحصل له الخسران . فثبت بما ذكرنا أن الذين كذبوا بلقاء الله
وأنكروا البعث والقيامة قد خسروا خسرانا مبينا . وأنهم عند الوصول الى موقف القيامة
يتحسرون على تفريطهم في تحصيل الزاد ليوم المعاد .
والنوع الثاني ﴾ من وجوه : خسرانهم أنهم يحملون أوزارهم على ظهورهم .
وتقرير الكلام فيه ان كمال السعادة في الاقبال على الله تعالى والاشتغال بعبوديته والاجتهاد في
حبه وخدمته . وأيضا في الانقطاع عن الدنيا وترك محبتها ، وفي قطع العلاقة بين القلب

٢٠٨
قوله تعالى ((قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله)) الآية
سورة الأَنْعام
وبينها ، فمن كان منكرا للبعث والقيامة ، فانه لا يسعى في اعداد الزاد لموقف القيامة ، ولا
يسعى في قطع العلاقة بين القلب وبين الدنيا ، فاذا مات بقي كالغريب في عالم الروحانيات ،
وكالمنقطع عن احبابه وأقاربه الذين كانوا في عالم الجسمانيات . فيحصل له الحسرات العظيمة
بسبب فقدان الزاد وعدم الاهتداء الى المخالطة بأهل ذلك العالم ويحصل له الآلام العظيمة
بسبب الانقطاع عن لذات هذا العالم والامتناع عن الاستسعاد بخيرات هذا العالم . فالأول
هو المراد من قوله ( قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ) والثاني : هو المراد من قوله ( وهم
يحملون أوزارهم على ظهورهم ) فهذا تقرير المقصود من هذه الآية .
﴿ المسألة الثانية﴾ المراد من الخسران فوت الثواب العظيم وحصول العقاب العظيم
( والذين كذبوا بلقاء الله ) المراد منه الذين أنكروا البعث والقيامة ، وقد بالغنا في شرح هذه
الكلمة عند قوله ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ) وانما حسنت هذه الكناية لأن موقف القيامة
موقف لا حكم فيه لأحد الا لله تعالى ، ولا قدرة لأحد على النفع والضر والرفع والخفض الا
الله . وقوله ( حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ) اعلم أن كلمة ( حتى ) غاية لقوله ( كذبوا ) لا
لقوله ( قد خسر) لأن خسرانهم لا غاية له ومعنى ( حتى ) ههنا أن منتهى تكذيبهم الحسرة يوم
القيامة ، والمعنى أنهم كذبوا الى أن ظهرت الساعة بغتة .
فان قيل : انما يتحسرون عند موتهم .
قلنا : لما كان الموت وقوعا في أحوال الآخرة ومقدماتها جعل من جنس الساعة وسمى
باسمها ولذلك قال عليه السلام ((من مات فقد قامت قيامته)» والمراد بالساعة القيامة ، وفي
تسمية يوم القيامة بهذا الأسم وجوه : الأول : أن يوم القيامة يسمى الساعة لسرعة الحساب فيه
كأنه قيل : ما هي الا ساعة الحساب . الثاني : الساعة هي الوقت الذي تقوم القيامة سميت
ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها أحد الا الله تعالى . ألا ترى أنه تعالى قال ( بغتة )
والبغت والبغتة هو الفجأة والمعنى : أن الساعة لا تجيء الا دفعة لأنه لا يعلم أحد متى يكون
مجيئها . وفي أي وقت يكون حدوثها وقوله ( بغتة ) انتصابه على الحال بمعنى : باغتة أو على
المصدر كأنه قيل : بغتتهم الساعة بغتة . ثم قال تعالى ( قالوا يا حسرتنا ) قال الزجاج : معنى
دعاء الحسرة تنبيه للناس على ما سيحصل لهم من الحسرة . والعرب تعبر عن تعظيم أمثال هذه
الأمور بهذه اللفظة كقوله تعالى ( يا حسرة على العباد . ويا حسرتي على ما فرطت في جنب الله .
ويا ويلتا أألد ) وهذا أبلغ من أن يقال : الحسرة علينا في تفريطنا ومثله يا أسفي على يوسف
تأويله يا أيها الناس تنبهوا على ما وقع بي من الأسف فوقع النداء على غير المنادى في الحقيقة .
.

٢٠٩
قوله تعالى ((وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم)) الآية سورة الأنعام
وقال سيبويه : انك إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت يا عجب احضر وتعال فان هذا زمانك .
إذا عرفت هذا فنقول : حصل للنداء ههنا تأويلان : أحدهما : أن النداء للحسرة ،
والمراد منه تنبيه المخاطبين وهو قول الزجاج . والثاني : أن المنادى هو نفس الحسرة على معنى :
أن هذا وقتك فاحضري وهو قول سيبويه . وقوله ( على ما فرطنا فيها ) فيه بحثان .
﴿ البحث الأول﴾ قال أبو عبيدة يقال: فرطت في الشيء أي ضيعته فقوله ( فرطنا ) أي
تركنا وضيعنا وقال الزجاج : فرطنا أي قدمنا العجز . جعله من قولهم فرط فلان . إذا سبق
وتقدم ، وفرط الشيء إذا قدمه . قال الواحدي : فالتفريط عنده تقديم التقصير .
والبحث الثاني ﴾ أن الضمير في قوله ( فيها) الى ماذا يعود فيه وجوه: الأول : قال
ابن عباس في الدنيا والسؤال عليه أنه لم يجر للدنيا ذكر فكيف يمكن عود هذا الضمير اليها .
وجوابه : أن العقل دل على أن موضع التقصير ليس الا الدنيا ، فحسن عود الضمير اليها لهذا
المعنى . الثاني : قال الحسن المراد يا حسرتنا على ما فرطنا في الساعة ، والمعنى : على ما فرطنا
في اعداد الزاد للساعة وتحصيل الأهبة لها . والثالث : أن تعود الكناية الى معنی ما في قوله ( ما
فرطنا ) أي حسرتنا على الأعمال والطاعات التي فرطنا فيها . والرابع : قال محمد بن جرير
الطبري : الكناية تعود الى الصفقة لأنه تعالى لما ذكر الخسران دل ذلك على حصول الصفقة
والمبايعة .
ثم قال تعالى ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ فاعلم أن المراد من قولهم يا
حسرتنا على ما فرطنا فيها اشارة الى أنهم لم يحصلوا لأنفسهم ما به يستحقون الثواب ، وقوله
( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ) اشارة الى انهم حصلوا لأنفسهم ما به استحقوا
العذاب العظيم ، ولا شك أن ذلك نهاية الخسران . قال ابن عباس : الأوزار الآثام
والخطايا . قال أهل اللغة : الوزر الثقل وأصله من الحمل يقال : وزرت الشيء أي حملته
أزره وزرا ، ثم قيل : للذنوب أوزار لأنها تثقل ظهر من عملها ، وقوله ( ولا تزر وازرة وزر
أخرى ) أي لا تحمل نفس حاملة . قال أبو عبيدة : يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع
أحمل وزرك وأوزار الحرب اثمالها من السلاح ووزير السلطان الذي يزر عنه أثقال ما يسند اليه
من تدبير الولاية أي يحمل . قال الزجاج : وهم يحملون أوزارهم أي يحملون ثقل ذنوبهم ،
واختلفوا في كيفية حملهم الأوزار فقال المفسرون : ان المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو
أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحا ويقول : أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني
أنت اليوم فذلك قوله ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) قالوا ركبانا وأن الكافر إذا خرج من

٢١٠
قوله تعالى ((وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو)) الآية
سورة الأنعام
وَ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَإِلَّ لَعِبٌ وَلَهُوٌ وَلَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(?
قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحا فيقول : أنا عملك الفاسد طالما ركبتني
في الدنيا فانا أركبك اليوم فذلك قوله ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم)، وهذا قول قتادة
والسدى . وقال الزجاج: الثقل كما يذكر في المنقول : فقد يذكر أيضا في الحال والصفة
يقال : ثقل على خطاب فلان ، والمعنى كرهته فالمعنى انهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل
ذلك عليهم . وقال آخرون : معنى قوله ( وهم يحملون أوزارهم ) أي لا تزايلهم أوزارهم
كما تقول شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي .
ثم قال تعالى ﴿ ألا ساء ما يزرون﴾ والمعنى بئس الشيء الذي يزرونه أي يحملونه
والاستقصاء في تفسير هذا اللفظ مذكور في سورة النساء في قوله ( وساء سبيلا ) .
قوله تعالى ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون افلا
تعقلون ﴾ . في الآية مسائل
المسألة الأولى ﴾ اعلم أن المنكرين للبعث والقيامة تعظم رغبتهم في الدنيا وتحصيل
لذاتها ، فذكر الله تعالى هذه الآية تنبيها على خساستها وركاكتها .
واعلم أن نفس هذه الحياة لا يمكن ذمها لأن هذه الحياة العاجلة لا يصح اكتساب
السعادات الأخروية إلا فيها ، فلهذا السبب حصل في تفسير هذه الآية قولان :
القول الأول ﴾ ان المراد منه حياة الكفار . قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك
والنفاق ، والسبب في وصف حياة هؤلاء بهذه الصفة ان حياة المؤمن يحصل فيها أعمال صالحة
فلا تكون لعبا ولهوا .
والقول الثاني ﴾ أن هذا عام في حياة المؤمن والكافر، والمراد منه اللذات الحاصلة في
هذه الحياة والطيبات المطلوبة في هذه الحياة ، وإنما سماها باللعب واللهو، لأن الانسان حال
اشتغاله باللعب واللهو يلتذ به ، ثم عند انقراضه وانقضائه لا يبقى منه إلا الندامة ، فكذلك
هذه الحياة لا يبقى عند انقراضها إلا الحسرة والندامة .
واعلم أن تسمية هذه الحياة باللعب واللهو فيه وجوه : الأول : ان مدة اللهو واللعب

٢١١
سورة الأنعام
الآية
قوله تعالى ((وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو))
قليلة سريعة الانقضاء والزوال ، ومدة هذه الحياة كذلك . الثاني : ان اللعب واللهو لا بد وان
ينساقا في اكثر الأمر إلى شيء من المكاره . ولذات الدنيا كذلك . الثالث : ان اللعب واللهو ،
إنما يحصل عند الاغترار بظواهر الأمور ، وأما عند التأمل التام والكشف عن حقائق الأمور ،
لا يبقى اللعب واللهو أصلا ، وكذلك اللهو واللعب ، فانهما لا يصلحان إلا للصبيان والجهال
المغفلين ، أما العقلاء والحصفاء ، فقلما يحصل لهم خوض في اللعب واللهو ، فكذلك الا
التلذذ بطيبات الدنيا والانتفاع بخيراتها لا يحصل ، إلا للمغفلين الجاهلين بحقائق الأمور ،
وأما الحكماء المحققون ، فانهم يعلمون ان كل هذه الخيرات غرور ، وليس لها في نفس الأمر
حقيقة معتبرة . الرابع : ان اللعب واللهوليس لهما عاقبة محمودة ، فثبت بمجموع هذه الوجوه
أن اللذات والأحوال الدنيوية لعب ولهو وليس لهما حقيقة معتبرة . ولما بين تعالى ذلك قال بعده
( وللدار الآخرة خير للذين يتقون) وصف الآخرة بكونها خيراً، ويدل على ان الأمر كذلك
حصول التفات بين أحوال الدنيا وأحوال الآخرة في أمور أحدها : ان خيرات الدنيا خسيسة
وخيرات الآخرة شريفة بيان أن الأمر كذلك وجوه : الأول : ان خيرات الدنيا ليست الا قضاء
الشهوتين ، وهو في نهاية الخساسة ، بدليل ان الحيوانات الخسيسة تشارك الانسان فيه ، بل
ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل من أمر الانسان ، فان الجمل أكثر أكلا ، والديك
والعصفور أكثر وقاعا ، والذئب أقوى على الفساد والتمزيق ، والعقرب أقوى على الايلام ،
ومما يدل على خساستها أنها لو كانت شريفة لكان الاكثار منها يوجب زيادة الشرف ، فكان
يجب أن يكون الانسان الذي وقف كل عمره على الأكل والوقاع أشرف الناس ، وأعلاهم
درجة ، ومعلوم بالبديهة انه ليس الأمر كذلك بل مثل هذا الانسان يكون ممقوتا مستقذرا
مستحقرا يوصف بأنه بهيمة أو كلب أو أخس ، ومما يدل على ذلك إن الناس لا يفتخرون بهذه
الأحوال بل يخفونها ، ولذلك كان العقلاء عند الاشتغال بالوقاع يختفون ولا يقدمون على هذه
الأفعال بمحضر من الناس . وذلك يدل على أن هذه الأفعال لا توجب الشرف بل النقص ، ومما
يدل على ذلك أيضاً ان الناس إذا شتم بعضهم بعضاً لا يذكرون فيه إلا الألفاظ الدالة على
الوقاع ، ولولا أن تلك اللذة من جنس النقصانات ، وإلا لما كان الأمر كذلك ، ومما يدل عليه
أن هذه اللذات ترجع حقيقتها إلى دفع الآلام ، ولذلك فان كل من كان أشد جوعا وأقوى
حاجة كان التذاذه بهذه الأشياء أكمل له وأقوى ، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه لا حقيقة لهذه
اللذات في نفس الأمر . ومما يدل عليه أيضاً أن هذه اللذات سريعة الاستحالة سريعة الزوال
سريعة الانقضاء . فثبت بهذه الوجوه الكثيرة حساسة هذه اللذات . وأما السعادات الروحانية
فانها سعادات شريفة عالية باقية مقدسة ، ولذلك فان جميع الخلق إذا تخيلوا في الانسان كثرة
العلم وشدة الانقباض عن اللذات الجسمانية ، فانهم بالطبع يعظمونه ويخدمونه ويعدون

٢١٢
قوله تعالى ((وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو)) الآية
سورة الأنعام
أنفسهم عبيدا لذلك الانسان وأشقياء بالنسبة اليه ، وذلك يدل على شهادة الفطرة الأصلية
بخساسة اللذات الجسمانية ، وكمال مرتبة اللذات الروحانية .
﴿ الوجه الثاني﴾ في بيان أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا، هو أن نقول :
هب أن هذين النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة ، إلا أن الوصول الى الخيرات الموعودة في غد
القيامة معلوم قطعا ، وأما الوصول الى الخيرات الموعودة في غد الدنيا . فغير معلوم بل ولا
مظنون ، فكم من سلطان قاهر في بكرة اليوم صار تحت التراب في آخر ذلك اليوم ، وكم من
أمير كبير أصبح في الملك والامارة ، ثم أمسى أسيراً حقيرا ، وهذا التفاوت أيضاً يوجب المباينة
بين النوعين .
الوجه الثالث﴾ هب أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يوما آخر في الدنيا ، إلا أنه لا
يدري هل يمكنه الانتفاع بما جمعه من الأموال والطيبات واللذات أم لا؟ أما كل ما جمعه من
موجبات السعادات ، فانه يعلم قطعاً أنه ينتفع به في الدار الآخرة .
الوجه الرابع ﴾ هب أنه ينتفع بها إلا أن انتفاعه بخيرات الدنيا لا يكون خاليا عن
شوائب المكروهات ، وممازجة المحرمات المخوفات . ولذلك قيل : من طلب ما لم يخلق اتعب
نفسه ولم يرزق . فقيل: وما هو يا رسول الله؟ قال ((سرور يوم بتمامه)).
﴿ الوجه الخامس﴾ هب أنه ينتفع بتلك الأموال والطيبات في الغد، إلا أن تلك المنافع
منقرضة ذاهبة باطلة ، وكلما كانت تلك المنافع أقوى وألذ وأكمل وأفضل كانت الأحزان
الحاصلة عند انقراضها وانقضائها أقوى وأكمل كما قال الشاعر المتنبي .
أشد الغم عندي في سرور
تيقن عنه صاحبه انتقالا
فثبت بما ذكرنا أن سعادات الدنيا وخيراتها موصوفة بهذه العيوب العظيمة ،
والنقصانات الكاملة ، وسعادات الآخرة مبرأة عنها ، فوجب القطع بأن الآخرة أكمل وأفضل
وأبقى وأتقى وأحرى وأولى .
﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ ابن عامر (ولدار الآخرة) باضافة الدار إلى الآخرة ، والباقون
( وللدار الآخرة ) على جعل الآخرة نعتا للدار . أما وجه قراءة ابن عامر فهو أن الصفة في
الحقيقة مغايرة للموصوف فصحت الاضافة من هذا الوجه ، ونظيره قولهم بارحة الأولى ، ويوم
الخميس وحق اليقين ، وعند البصريين لا تجوز هذه الاضافة ، قالوا لأن الصفة نفس
الموصوف ، وإضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة .

سورة الأنعام ٢١٣
قوله تعالى ((قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون)) الآية
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِىِ يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِعَايَتِ اللَّهِ
واعلم أن هذا بناء على أن الصفة نفس الموصوف وهو مشكل لأنه يعقل تصور الموصوف
منفكا عن الصفة ، ولو كان الموصوف عين الصفة لكان ذلك محالا ، ولقولهم وجه دقيق يمكن
تقريره ، إلا أنه لا يليق بهذا المكان ، ثم أن البصريين ذكروا في تصحيح قراءة ابن عامر وجها
آخر ، فقالوا لم يجعل الآخرة صفة للدار ، لكنه جعلها صفة للساعة ، فكأنه قال : ولدار
الساعة الآخرة .
فان قيل : فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم تكون قد أقيمت الآخرة التي هي الصفة مقام
الموصوف الذي هو الساعة وذلك قبيح . قلنا لا يقبح ذلك إذا كانت الصفة قد استعملت
استعمال الأسماء ولفظ الآخرة قد استعمل استعمال الأسماء ، والدليل عليه : قوله (وللآخرة
خير لك من الأولى ) وأما قراءة العامة فهي ظاهرة لأنها تقتضي جعل الآخرة صفة للدار وذلك
هو الحقيقة ومتى أمكن إجراء الكلام على حقيقته فلا حاجة إلى العدول عنه والله أعلم .
المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في المراد بالدار الآخرة على وجوه . قال ابن عباس : هي
الجنة ، وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي . وقال الحسن : المراد نفس الآخرة خير . وقال
الأصم : التمسك بعمل الآخرة خير . وقال آخرون : نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا ، من
حيث أنها كانت باقية دائمة مصونة عن الشوائب آمنة من الانقضاء والانقراض .
ثم قال تعالى ﴿ للذين يتقون ﴾ فبين أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان من المتقين من
المعاصي والكبائر . فأما الكافر والفاسق فلا ! لأن الدنيا بالنسبة اليه خير من الآخرة على ما قال
عليه السلام ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)).
ثم قال ﴿ أفلا تعقلون ﴾ قرأ نافع وابن عامر (أفلا تعقلون) بالتاء ههنا وفي سورة
الأعراف ويوسف ويس. وقرأ حفص عن عاصم في (( يس)) بالياء والباقي بالتاء . وقرأ عاصم
في رواية يحيى في يوسف بالتاء والباقي بالياء . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي
وعاصم في رواية الأعشى والبرجمي جميع ذلك بالياء . قال الواحدي : من قرأ بالياء ؛ معناه :
أفلا يعقلون الذين يتقون ان الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار ؟ فيعملون لما ينالون به
الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم فلا يفترون في طلب ما يوصل الى ذلك ، ومن قرأ بالتاء ،
فالمعنى : قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون إن ذلك خير ؟ والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات

٢١٤
قوله تعالى ((قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون)) الاية
سورة الأنعام
١٠٠٠
يَجْحَدُونَ
٣٣
الله يجحدون
﴾
فى الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اعلم أن طوائف الكفار كانوا فرقا كثيرين ، فمنهم من ينكر نبوته
لأنه كان ينكر رسالة البشر ويقول يجب أن يكون رسول الله من جنس الملائكة وقد ذكر الله
تعالى في هذه السورة شبهة هؤلاء وأجاب عنها . ومنهم من يقول : إن محمداً يخبرنا بالحشر
والنشر بعد الموت وذلك محال . وكانوا يستدلون بامتناع الحشر والنشر على الطعن في رسالته .
وقد ذكر الله تعالى ذلك وأجاب عنه بالوجوه الكثيرة التي تقدم ذكرها ومنهم من كان يشافهه
بالسفاهة وذكر ما لا ينبغي من القول وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية . واختلفوا في أن
ذلك المحزن ما هو ؟ فقيل كانوا يقولون إنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وهو قول الحسن .
وقيل : إنهم كانوا يصرحون بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه وشريعته . وقيل : كانوا يتسبونه
إلى الكذب والافتعال .
المسألة الثانية ﴾ قرأ نافع ( ليحزنك ) بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء
وضم الزاي وهما لغتان يقال حزنني كذا وأحزنني .
المسألة الثالثة ﴾ قرأ نافع والكسائي ( فانهم لا يكذبونك ) خفيفة والباقون يكذبونك
مشددة وفي هاتين القراءتين قولان : الأول : أن بينهما فرقا ظاهرا ثم ذكروا في تقرير الفرق
وجهين : أحدهما : كان الكسائي يقرأ بالتخفيف . ويحتج بأن العرب تقول كذبت الرجل إذا
نسبته إلى الكذب وإلى صنعه الأباطيل من القول وأكذبته إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب
وإن لم يكن ذلك بافتعاله وصنعه . قال الزجاج : معنى كذبته قلت له كذبت ومعنى أكذبته
أن الذي أتى به کذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على
سبيل الافتعال والقصد . فكأن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً عليه السلام ما ذكر ذلك على
سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة تلك النبوة وتلك الرسالة ، إلا أن ذلك الذي تخيله فهو
في نفسه باطل . والفرق الثاني قال أبو علي : يجوز أن يكون معنى ( لا يكذبونك ) أي لا
يصادفونك كاذبا لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة كما يقال أحمدت الرجل إذا أصبته محموداً
فأحببته وأحسّنت محمدته إذا صادفته على هذه الأحوال .
والقول الثاني ﴾ أنه لا فرق بين هاتين القراءتين . قال أبو علي: يجوز أن يكون

٢١٥
سورة الأنعام
قوله تعالى ((قد نعلم إنهليحزنك الذي يقولون)) الآية
معنى القراءتين واحداً لأن معنى التفعيل النسبة الى الكذب بأن يقول له كذبت كما تقول ذنبته
وفسقته وخطأته أي قلت له فعلت هذه الأشياء وسقيته ورعيته أي قلت له سقاك الله ورعاك
وقد جاء في هذا المعنى أفعلته قالوا أسقيته أي قلت له سقاك الله . قال ذو الرمة :
وأسقیه حتى كاد مما أبثه
تكلمني أحجاره وملاعبه
أي أنسبه إلى السقيا بأن أقول سقاك الله فعلى هذا التقدير يكون معنى القراءتين
واحدا ، إلا ان فعلت إذا أرادوا أن ينسبوه الى أمر أكثر من أفعلت .
﴿ المسألة الرابعة) ظاهر هذه الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً ولكنهم يجحدون
بآيات الله واختلفوا في كيفية الجمع بين هذين الأمرين على وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية
ويجحدون القرآن والنبوة . ثم ذكروالتصحيح هذا الوجه روايات : إحداها : أن الحرث بن
عامر من قريش قال يا محمد والله ما كذبتنا قط ولكنا إن اتبعناك نتخطف من أرضنا فنحن لا
نؤمن بك لهذا السبب . وثانيها : روى أن الاخنس بن شريق قال لأبي جهل : يا أبا الحكم
أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فانه ليس عندنا أحد غيرنا ، فقال له والله إن محمداً
الصادق وما كذب قط؟ ولكن إذا ذهب بنوقصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة ، فماذا يكون
لسائر قريش . فنزلت هذه الآية .
إذا عرفت هذا فنقول : معنى الآية على هذا التقدير أن القوم لا يكذبونك بقلوبهم
ولكنهم يجحدون نبوتك بألسنتهم وظاهر قولهم وهذا غير مستبعد ونظيره قوله تعالى في قصة
موسى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ) .
﴿الوجه الثاني﴾ في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك أنت كذاب لأنهم جربوك الدهر
الطويل والزمان المديد وما وجدوا منك كذباً البتة وسموك بالأمين فلا يقولون فيك إنك كاذب
ولكن جحدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان
فلأجله تخيل من نفسه كونه رسولا من عند الله ، وبهذا التقدير ، لا ينسبونه إلى الكذب أو
لأنهم قالوا : انه ما كذب في سائر الأمور ، بل هو أمين في كلها إلا في هذا الوجه الواحد .
﴿الوجه الثالث﴾ في التأويل: انه لما ظهرت المعجزات القاهرة على وفق دعواه ، ثم ان
القوم أصروا على التكذيب فالله تعالى قال له ان القوم ما كذبوك ، وإنما كذبوني ، ونظيره ان
رجلا إذا أهان عبداً لرجل آخر ، فقال هذا الآخر : أيها العبد انه ما أهانك ، وإنما أهانني :

٢١٦
قوله تعالى ((ولقد كذبت رسل من قبلك)) الاية
سورة الأنعام
وَلَقّدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَاكُذِّبُوا وَأَوْذُواْ خََّ أَتَهُمْ نَصْرُنَاً
وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلَِتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن تَّبَِىْ الْمُرْسَلِنَ
٣٤
وليس المقصود منه نفي الاهانة عنه بل المقصود تعظيم الأمر وتفخيم الشأن . وتقريره : ان
اهانة ذلك العبد جارية مجرى اهانته ، ونظيره قوله تعالى ( ان الذين يبايعونك إنما يبايعون
الله ) .
والوجه الرابع ﴾ في التأويل وهو كلام خطر بالبال ، هو أن يقال المراد من قوله (فانهم
لا يكذبونك ) أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقا ،
وهو المراد من قوله ( ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) والمراد انهم يقولون في كل معجزة انها
سحر . وينكرون دلالة المعجزة على الصدق على الاطلاق . فكأن التقدير : انهم لا يكذبونك
على التعيين بل القوم يكذبون جميع الأنبياء والرسل ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا
ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين
في الآية مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم انه تعالى أزال الحزن عن قلب رسوله في الآية الأولى بأن بين ان
تكذيبه يجري مجرى تكذيب الله تعالى . فذكر في هذه الآية طريقا آخر في إزالة الحزن عن قلبه
وذلك بأن بين أن سائر الأمم عاملوا أنبياءهم بمثل هذه المعاملة ، وان أولئك الأنبياء صبروا
على تكذيبهم وإيذائهم حتى أتاهم النصر والفتح والظفر فأنت اولى بالتزام هذه الطريقة لأنك
مبعوث إلى جميع العالمين ، فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا . ثم أكد وقوى تعالى هذا الوعد
بقوله ولا مبدل لكلمات الله يعني ان وعد الله اياك بالنصر حق وصدق ، ولا يمكن تطرق الخلف
والتبديل اليه ونظيره قوله تعالى ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ) وقوله ( كتب الله لأغلبن
أنا ورسلي) وبالجملة فالخلف في كلام الله تعالى محال وقوله ( ولقد جاءك من نبأ المرسلين ) أي
خبرهم في القرآن كيف انجيناهم ودمرنا قومهم. قال الأخفش ((من)) ههنا صلة ، كما تقول
" أصابنا من مطر. وقال غيره : لا يجوز ذلك لأنها لا تزاد في الواجب ، وإنما تزاد مع النفي كما
تقول : ما أتاني من أحد ، وهي ههنا للتبعيض ، فان الواصل الى الرسول عليه السلام
قصص بعض الأنبياء لاقصص كلهم كما قال تعالى ( منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم

٢١٧
سورة الأنعام
قوله تعالى ((وان كان كبر عليك إعراضهم)) الآية
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ أَسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فىِ الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى
السَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِعَائَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَمَعَهُمْ عَلَى الْمُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَهِلِينَ
٣٥
نقصص عليك) وفاعل ((جاء)) مضمر أضمر لدلالة المذكور عليه ، وتقديره : ولقد جاءك نبأ
من نبأ المرسلين .
﴿ المسألة الثانية) قوله تعالى (ولا مبدل لكلمات الله) يدل على قولنا في خلق الافعال
لأن كل ما أخبر الله عن وقوعه ، فذلك الخبر ممتنع التغير، وإذا امتنع تطرق التغير إلى ذلك
الخبر امتنع تطرق التغير إلى المخبر عنه . فاذا أخبر الله عن بعضهم بأنه يموت على الكفر كان
ترك الكفر منه محالا . فكان تكليفه بالايمان تكليفا بما لا يطاق . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وان كان كبر عليك إعراضهم فان استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو
سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ﴾ .
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المروى عن ابن عباس رضي الله عنهما : ان الحرث بن عامر بن نوفل
ابن عبد مناف أتى النبي ◌ّله في نفر من قريش ، فقالوا : يا محمد ائتنا بآية من عند الله كما كانت
الأنبياء تفعل فانا نصدق بك فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عن رسول الله والفر فشق ذلك
عليه ، فنزلت هذه الآية . والمعنى ، وان كان كبر عليك إعراضهم عن الايمان بك ، وصحة
القرآن ، فإن استطعت ان تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فافعل .
فالجواب محذوف . وحسن هذا الحذف لأنه معلوم في النفوس . والنفق سرب في الأرض
له مخلص إلى مكان آخر ، ومنه نافقاء اليربوع لأن اليربوع يثقب الأرض إلى القعر ، ثم يصعد
من ذلك القعر إلى وجه الأرض من جانب آخر ، فكأنه ينفق الأرض نفقا ، أي يجعل له منفذاً
من جانب آخر . ومنه أيضا سمى المنافق منافقا لأنه يضمر غير ما يظهر كالنافقاء الذي يتخذه
اليربوع وأما السلم فهو مشتق من السلامة ، وهو الشيء الذي يسلمك إلى مصعدك ،
والمقصود من هذا الكلام أن يقطع الرسول طمعه عن إيمانهم، وأن لا يتأذى بسبب اعراضهم
عن الايمان وإقبالهم على الكفر .

٢١٨
قوله تعالى ((فلا تكونن من الجاهلين)) الآية
سورة الأنعام
المسألة الثانية ) قوله تعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) تقديره: ولو شاء الله
هداهم لجمعهم على الهدى وحيثما جمعهم على الهدى ، وجب أن يقال : انه ما شاء هداهم ،
وذلك يدل على أنه تعالى لا يريد الايمان من الكافر بل يريد ابقاءه على الكفر ، والذي يقرب
هذا الظاهر ان قدرة الكافر على الكفر إما أن تكون صالحة للايمان ، أو غير صالحة له ، فان لم
تكن صالحة له فالقدرة على الكفر مستلزمة للكفر ، وغير صالحة للايمان ، فخالق هذه القدرة
يكون قد أراد هذا الكفر منه لا محالة ، وأما ان كانت هذه القدرة ، كما أنها صلحت للكفر
فهي أيضا صالحة للايمان ، فلما استوت نسبة القدرة إلى الطرفين امتنع رجحان أحد الطرفين
على الآخر ، الا لداعية مرجحة ، وحصول تلك الداعية ليس من العبد ، والا وقع
التسلسل ، فثبت أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى ، وثبت أن مجموع القدرة مع الداعية
الحاصلة موجب للفعل ، فثبت ان خالق مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك
الكفر مريد لذلك الكفر ، وغير مريد لذلك الايمان . فهذا البرهان اليقيني قوى ظاهر بهذه
الآية ، ولا بيان أقوى من أن يتطابق البرهان مع ظاهر القرآن . قالت المعتزلة: المراد ولو شاء
الله أن يلجئهم إلى الايمان لجمعهم عليه . قال القاضي . والا لجاء هو أن يعلمهم أنهم لو
حاولوا غير الايمان لمنعهم منه ، وحينئذ يمتنعون من فعل شيء غير الايمان . ومثاله : ان أحدنا
لو حصل بحضرة السلطان وحضر هناك من حشمه الجمع العظيم ، وهذا الرجل علم أنه لوهم
بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال ، فان هذا العلم يصير مانعا له من قصد قتل ذلك
السلطان ، ويكون ذلك سببا لكونه ملجأ إلى ترك ذلك الفعل . فكذا ههنا .
إذا عرفت الالجاء فنقول : انه تعالى إنما ترك فعل هذا الالجاء لأن ذلك يزيل تكليفهم
فيكون ما يقع منهم كان لم يقع ، وإنما أراد تعالى أن ينتفعوا بما يختارونه من قبل أنفسهم من
جهة الوصلة إلى الثواب ، وذلك لا يكون إلا اختيارا .
والجواب : أنه تعالى أراد منهم الاقدام على الايمان حال كون الداعي إلى الايمان وإلى
الكفر على السوية أو حال حصول هذا الرجحان . والأول تكليف ما لا يطاق ، لأن الأمر
بتحصيل الرجحان حال حصول الاستواء ، تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال ، وإن كان
الثاني فالطرف الراجح يكون واجب الوقوع ، والطرف المرجوح يكون ممتنع الوقوع ، وكل هذه
الأقسام تنافى ما ذكروه من المكنة والاختيار ، فسقط قولهم بالكلية . والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى في آخر الآية ( فلا تكونن من الجاهلين ) نهى له عن هذه
الحالة ، وهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة كما أن قوله ( ولا تطع الكافرين
والمنافقين) لا يدل على أنه يَّ أطاعهم وقبل دينهم، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد تحسرك

٢١٩
سورة الأَنّعام
قوله تعالى ((إنما يستجيب الذين يسمعون)» الآية
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونُ وَالْمَوْنَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
وَقَالُواأ ◌َوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَ ايَةٌ مِنْ رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَ أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
على تكذيبهم ، ولا يجوز أن تجزع من إعراضهم عنك فانك لو فعلت ذلك قرب حالك من
حال الجاهل ، والمقصود من تغليظ الخطاب التبعيد والزجر له عن مثل هذه الحالة . والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم اليه يرجعون ﴾ .
اعلم أنه تعالى بين السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الايمان ولا يتركون الكفر فقال
( إنما يستجيب الذين يسمعون ) يعني أن الذين تحرص على أن يصدقوك بمنزلة الموتى الذين لا
يسمعون ، وإنما يستجيب من يسمع ، كقوله ( إنك لا تسمع الموتى ) قال علي بن عيسى :
لفرق بين يستجيب ويجيب ، أن يستجيب في قبوله لما دعي اليه ، وليس كذلك يجيب لأنه قد
يجيب بالمخالفة كقول القائل : أتوافق في هذا المذهب أم تخالف؟ فيقول المجيب : أخالف .
وأما قوله ( والموتى يبعثهم الله ﴾ ففيه قولان: الأول : أنه مثل لقدرته على إلجائهم إلى
الاستجابة ، والمراد ، انه تعالى هو القادر على أن يبعث الموتى من القبور يوم القيامة ثم اليه
يرجعون للجزاء ، فكذلك ههنا أنه تعالى هو القادر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الايمان
وأنت لا تقدر عليه .
والقول الثاني﴾ أن المعنى: وهؤلاء الموتى يعني الكفرة يبعثهم الله ثم اليه
يرجعون ، فحينئذ يسمعون . وأما قبل ذلك فلا سبيل الى استماعهم ، وقرىء ( يرجعون )
بفتح الياء . وأقول : لا شك أن الجسد الخالي عن الروح يظهر منه النتن والصديد والقيح
وأنواع العفونات ، وأصلح أحواله أن يدفن تحت التراب ، وأيضا الروح الخالية عن العقل
يكون صاحبها مجنونا يستوجب القيد والحبس والعقل بالنسبة إلى الروح كالروح بالنسبة إلى
الجسد ، وأيضا العقل بدون معرفة الله تعالى وصفاته وطاعته كالضائع الباطل ، فنسبة التوحيد
والمعرفة إلى العقل كنسبة العقل إلى الروح ، ونسبة الروح إلى الجسد . فمعرفة الله ومحبته روح
روح الروح . فالنفس الخالية عن هذه المعرفة تكون بصفة الأموات ، فلهذا السبب وصف الله

٢٢٠
قوله تعالى ((إنما يستجيب الذين يسمعون)) الآية
سورة الأنعام
تعالى أولئك الكفار المصرين بأنهم الموتى . والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن
أكثرهم لا يعلمون ﴾ .
اعلم أن هذا النوع الرابع من شبهات منكري نبوة محمد يدية ، وذلك لأنهم قالوا : لوكان
رسولا من عند الله فهلا أنزل عليه آية قاهرة ومعجزة باهرة !
ويروى أن بعض الملحدة طعن فقال: لو كان محمد ◌َّ قد أتى بآية معجزة لما صح أن
يقول أولئك الكفار ( لولا أنزل عليه آية ) ولما قال ( إن الله قادر على أن ينزل آية ).
والجواب عنه: أن القرآن معجزة قاهرة وبينة باهرة ، بدليل أنه مَ لّ تحداهم به فعجزوا
عن معارضته ، وذلك يدل على كونه معجزا .
بقي أن يقال : فاذا كان الأمر كذلك فكيف قالوا ( لولا أنزل عليه آية من ربه ) .
فنقول : الجواب عنه من وجوه :
﴿ الوجه الأول﴾ لعل القوم طعنوا في كون القرآن معجزا على سبيل اللجاج والعناد،
وقالوا : إنه من جنس الكتب ، والكتاب لا يكون من جنس المعجزات ، كما في التوراة والزبور
والانجيل ، ولأجل هذه الشبهة طلبوا المعجزة .
والوجه الثاني ﴾ أنهم طلبوا معجزات قاهرة من جنس معجزات سائر الأنبياء مثل
فلق البحر واظلال الجبل وإحياء الموتى .
والوجه الثالث﴾ أنهم طلبوا مزيد الآيات والمعجزات على سبيل التعنت والدجاج مثل
إنزال الملائكة وإسقاط السماء كسفا وسائر ما حكاه عن الكفارين .
والوجه الرابع ﴾ أن يكون المراد ما حكاه الله تعالى عن بعضهم في قوله (اللهم إن كان
هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) فكل هذه الوجوه
مما يحتملها لفظ الآية .
ثم إنه تعالى أجاب عن سؤالهم فقوله ( قل إن الله قادر على أن ينزل آية ) يعني أنه تعالى
قادر على إيجاد ما طلبتموه وتحصيل ما اقترحتموه ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) واختلفوا في
تفسير هذه الكلمة على وجوه :