النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
قوله تعالى ((وإن يمسك اللّه بضر فلا كاشف له إلا هو)) الآية سورة الأنعام
وَإِنِ يَمْسَسْكَ الهُ بِضُرِّ فَلَا كَاشِفَ لَهُوَ إِلَّ هُوَّ وَ إِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَ كُلٍ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الحَكِيمُ الْخَبِيُ ◌ّه
الجنة بعمله ، قالوا ولا أنت يا رسول الله . قال ولا أنا الاأن يتغمدني الله برحمته)) ووضع يده
فوق رأسه ، وطول بها صوته .
المسألة الرابعة﴾ قال القاضي: الآية تدل على أن من لم يعاقب في الآخرة ممن يصرف
عنه العقاب ، فلا بد من أن يثاب . وذلك يبطل قول من يقول : ان فيمن يصرف عنه العقاب
من المكلفين من لا يثاب ، لكنه يتفضل عليه .
فان قيل : أليس من لم يعاقبه الله تعالى ويتفضل عليه فقد حصل له الفوز المبين .
وذلك يبطل دلالة الآية على قولكم ؟
قلنا : هذا الذي ذكرتموه مدفوع من وجوه : الأول : ان التفضل يكون كالابتداء من
قبل الله تعالى ، وليس يكون ذلك مطلوبا من الفعل . والفوز هو الظفر بالمطلوب ، فلا بد
وأن يفيد أمرا مطلوبا . والثاني : أن الفوز المبين لا يجوز حمله على التفضل . بل يجب حمله
على ما يقتضي مبالغة في عظم النعمة ، وذلك لا يكون إلا ثوابا . والثالث : أن الآية معطوفة
على قوله ( اني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) والمقابل للعذاب هو الثواب ، فيجب
حمل هذه الرحمة على الثواب .
واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف جدا وضعفه ظاهر . فلا حاجة فيه إلى الاستقصاء والله
اعلم .
قوله تعالى ﴿ و إن يمسسك الله بضر فلا کاشف له إلا هو و إن يمسسك بخیر فھو علی کل
شيء قدير ﴾ .
في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا دليل آخر في بيان أنه لا يجوز للعاقل ان يتخذ غير الله
وليا ، وتقريره ان الضراسم للألم والحزن والخوف وما يفضي إليها أو الى أحدها . والنفع اسم
للذة والسرور وما يفضي اليهما أو الى أحدهما . والخير اسم للقدر المشترك بين دفع الضر وبين
حصول النفع . فاذا كان الأمر كذلك فقد ثبت الحصر في ان الانسان إما أن يكون في الضراو في

١٨٢
قوله تعالى ((وان يمسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو)) الآية سورة الأنعام
الخير لأن زوال الضرخير سواء حصل فيه اللذة أو لم تحصل . واذا ثبت هذا الحصر فقد بين الله
تعالى ان المضار قليلها وكثيرها لا يندفع الا بالله ، والخيرات لا يحصل قليلها وكثيرها الا بالله .
والدليل على أن الأمر كذلك ، ان الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته . أما الواجب لذاته
فواحد فيكون كل ما سواه ممكنا لذاته . والممكن لذاته لا يوجد الا بايجاد الواجب لذاته ، وكل
ما سوى الحق فهو انما حصل بايجاد الحق وتكوينه . فثبت ان اندفاع جميع المضار لا يحصل إلا
به ، وحصول جميع الخيرات والمنافع لا يكون إلا به ، فثبت بهذا البرهان العقلي البين صحة ما
دلت الآية عليه .
فان قيل : قد نرى أن الانسان يدفع المضار عن نفسه بماله وبأعوانه وأنصاره ، وقد
يحصل الخير له بكسب نفسه وباعانة غيره ، وذلك يقدح في عموم الآية ، وأيضا فرأس المضار
هو الكفر فوجب أن يقال انه لم يندفع إلا باعانة الله تعالى . ورأس الخيرات هو الايمان ،
فوجب أن يقال انه لم يحصل إلا بايجاد الله تعالى ، ولو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يستحق
الانسان بفعل الكفر عقابا ولا بفعل الايمان ثوابا . وأيضا فانا نرى أن الانسان ينتفع بأكل
الدواء ويتضرر بتناول السموم ، وكل ذلك يقدح في ظاهر الآية .
والجواب عن الأول : ان كل فعل يصدر عن الانسان فانما يصدر عنه إذا دعاه الداعي اليه .
لأن الفعل بدون الداعي محال ، وحصول تلك الداعية ليس الا من الله تعالى . وعلى هذا
التقدير فيكون الكل من الله تعالى . وهكذا القول في كل ما ذكرتموه من السؤالات .
المسألة الثانية ﴾ انه تعالى ذكر امساس الضر وامساس الخير ، إلا أنه ميز الأول عن
الثاني بوجهين : الأول : انه تعالى قدم ذكر امساس الضرعلى ذكر امساس الخير ، وذلك تنبيه
على أن جميع المضار لا بد وأن يحصل عقيبها الخير والسلامة . والثاني : انه قال في امساس
الضر( فلا کاشف له إلا هو ) وذکر في امساس الخیر ( انه على كل شيء قدير ) فذکر في الخير
كونه قادرا على جميع الأشياء . وذلك يدل على أن ارادة الله تعالى لايصال الخيرات غالبة على
ارادته لايصال المضار . وهذه الشبهات بأسرها دالة على أن ارادة الله تعالى جانب الرحمة
غالب ، كما قال ((سبقت رحمتي غضبي)).
قوله تعالى ﴿ وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ﴾ فيه مسائل.
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن صفات الكمال محصورة في القدرة والعلم فان قالوا: كيف
أهملتم وجوب الوجود .
قلنا : ذلك عين الذات لا صفة قائمه بالذات لأن الصفة القائمة بالذات مفتقرة الى

١٨٣
قوله تعالى ((وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير)) الآية سورة الأنعام
الذات والمفتقر إلى الذات مفتقر إلى الغير فيكون ممكنا لذاته واجبا بغيره . فيلزم حصول وجوب
قبل الوجوب وذلك محال فثبت أنه عين الذات ، وثبت أن الصفات التي هي الكمالات
حقيقتها هي القدرة والعلم فقوله (وهو القاهر فوق عباده ) اشارة الى كمال القدرة ، وقوله
( وهو الحكيم الخبير ) اشارة الى كمال العلم . وقوله ( وهو القاهر ) يفيد الحصر ومعناه أنه لا
موصوف بكمال القدرة وكمال العلم الا الحق سبحانه . وعند هذا يظهر أنه لا كامل الا هو ،
وكل من سواه فهو ناقص .
إذا عرفت هذا فنقول : أما دلالة كونه قاهرا على القدرة فلانا بينا ان ما عدا الحق
سبحانه ممکن بالوجود لذاته ، والممکن لذاته لا یترجح وجوده على عدمه ولا عدمه على وجوده
الا بترجيحه وتكوينه وايجاده وابداعه . فيكون في الحقيقة هو الذي قهر الممكنات تارة في طرف
ترجيح الوجود على العدم ، وتارة في طرف ترجيح العدم على الوجود . ويدخل في هذا الباب
كونه قاهرا لهم بالموت والفقر والاذلال ويدخل فيه كل ما ذكره الله تعالى في قوله ( قل اللهم ما
لك الملك) الى آخر الآية . وأماكونه حكيما ، فلا يمكن حمله ههنا على العلم لأن الخبير اشارة
الى العلم فيلزم التكرار . وأنه لا يجوز ، فوجب حمله على كونه محكما في أفعاله بمعنى أن أفعاله
تكون محكمة متقنة آمنة من وجوه الخلل والفساد والخبير هو العالم بالشيء المروي . قال
الواحدي : وتأويله أنه العالم بما يصح أن يخبر به قال : والخبر علمك بالشيء تقول : لي به
خبر أي علم وأصله من الخبر لأنه طريق من طرق العلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ المشبهة استدلوا بهذه الآية على أنه تعالى موجود في الجهة التي هي
فوق العالم وهو مردود ويدل عليه وجوه : الأول : أنه لو كان موجودا فوق العالم لكان إما أن
يكون في الصغر بحيث لا يتميز جانب منه من جانب . وإما أن يكون ذاهباً في الأقطار متمدداً
في الجهات . والأول : يقتضي أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد . فلو جاز ذلك فلم
لا يجوز أن يكون إله العالم بعض الذرات المخلوطة بالهبا آت الواقعة في كوة البيت وذلك لا
يقوله عاقل ، وإن كان الثاني كان متبعضاً متجزئاً ، وذلك على الله محال . والثاني : أنه إما أن
يكون غير متناه من كل الجوانب فيلزم كون ذاته مخالطً للقاذورات وهو باطل . أو يكون متناهياً
من کل الجهات وحينئذ یصح عليه الزيادة والنقصان . وکل ما کان کذلك کان اختصاصه
بمقداره المعين لتخصيص مخصص ، فيكون محدثاً أو يكون متناهياً من بعض الجوانب دون
البعض ، فيكون الجانب الموصوف بكونه متناهياً غير الجانب الموصوف بكونه غير متناه وذلك
يوجب القسمة والتجزئة . والثالث : إما أن يفسر المكان بالسطح الحاوي أو بالبعد والخلاء ...
فان كان الأول : فنقول أجسام العالم متناهية فخارج العالم لاخلاء ولاملاء ولا مكان ولا

١٨٤
قوله تعالى ((وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير)) الآية سورة الأنعام
حيث ولا جهة ، فيمتنع حصول ذات الله تعالى فيه . وإن كان الثاني فنقول الخلاء متساوي
الأجزاء في حقيقته وإذا كان كذلك ، فلو صح حصول الله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء لصح
حصوله في سائر الأجزاء ، ولو كان كذلك لكان حصوله فيه بتخصيص مخصص ، وكل ما كان
واقعاً بالفاعل المختار فهو محدث ، فحصول ذاته في الجزء محدث . وذاته لا تنفك عن ذلك
الحصول وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ، فيلزم كون ذاته محدثة وهو محال . والرابع : أن
البعد والخلاء أمر قابل للقسمة والتجزئة ، وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته ومفتقر إلى
الموجد ويكون موجده موجوداً قبله . فيكون ذات الله تعالى قد كانت موجودة قبل وجود الخلاء
والجهة والحيث والحيز .
وإذا ثبت هذا : فبعد الحيز والجهة والخلاء وجب أن تبقى ذات الله تعالى كما كانت .
وإلا فقد وقع التغيير في ذات الله تعالى وذلك محال .
وإذا ثبت هذا وجب القول بكونه منزهاً عن الاحياز والجهات في جميع الأوقات .
والخامس : أنه ثبت أن العالم كرة .
وإذا ثبت هذا فالذي یکون فوق رؤس أهل الري يكون تحت أقدام قوم آخرين .
وإذا ثبت هذا ، فاما أن يقال : إنه تعالى فوق أقوام بأعيانهم . أو يقال : إنه تعالى فوق
الكل . والأول : باطل ، لأن كونه فوقا لبعضهم يوجب كونه تحتاً لآخرين ، وذلك باطل .
والثاني : يوجب كونه تعالى محيطاً بكرة الفلك فيصير حاصل الأمر إلى أن إله العالم هو فلك
محيط بجميع الأفلاك وذلك لا يقوله مسلم . والسادس : هو أن لفظ الفوقية في هذه الآية
مسبوق بلفظ وملحوق بلفظ آخر . أما أنها مسبوقة فلأنها مسبوقة بلفظ القاهر ، والقاهر مشعر
بكمال القدرة وتمام المكنة . وأما أنها ملحوقة بلفظ فلأنها ملحوقة بقوله ( عباده ) وهذا اللفظ
مشعر بالمملوكية والمقدورية ، فوجب حمل تلك الفوقية على فوقية القدرة لا على فوقية الجهة .
فان قيل : ما ذكرتموه على الضد من قولكم إن قوله ( وهو القاهر فوق عباده) دل على
كمال القدرة . فلو حملنا لفظ الفوق على فوقية القدرة لزم التكرار ، فوجب حمله على فوقية المكان
والجهة .
قلنا : ليس الأمر كما ذكرتم لأنه قد تكون الذات موصوفة بكونها قاهرة للبعض دون
البعض وقوله ( فوق عباده) دل على أن ذلك القهر والقدرة عام في حق الكل . والسابع : وهو
أنه تعالى : لما ذكر هذه الآية رداً على من يتخذ غير الله وليا ، والتقدير : كأنه قال إنه تعالى فوق

١٨٥
سورة الأنعام
قوله تعالى ((قل أى شىء اكبر شهادة قل الله)) الآية
قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَدَةً قُلِ اللّهُ شَدِيدٌ بَيْنِى وَبَيْتَكُمْ وَأَوِىَ إِلَى هَذَا الْقُرْءَانُ لِأَنْذِرَكُمْ
بِهِ، وَمَنْ بَلَ أَيَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِءَالِهَةِ أَنْحَرَى قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ
وَاحِدٌ وَ إِنْنِى بَرِىٌّ مِمّا تُشْرِكُونَ
كل عباده ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غير الله ولياً. وهذه النتيجة إنما يحسن ترتيبها على
تلك الفوقيات كان المراد من تلك الفوقية ، الفوقية بالقدوة والقوة . أما لو كان المراد منها
الفوقية بالجهة فان ذلك لا يفيد هذا المقصود لأنه لا يلزم من مجرد كونه حاصلا في جهة فوق أن
يكون التعويل عليه في كل الأمور مفيداً وأن يكون الرجوع اليه في كل المطالب لازما . أما إذا
حملنا ذلك على فوقية القدرة حسن ترتيب هذه النتيجة عليه فظهر بمجموع ما ذكرنا أن المراد ما
ذكرناه ، لا ما ذكره أهل التشبيه والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحى إلى هذا القرآن
لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد
وإنني بريء مما تشركون ﴾ .
في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله
تعالى . ثم بين أن شهادة الله حاصلة إلا أن الآية لم تدل على أن تلك الشهادة حصلت في
إثبات أي المطالب. فنقول: يمكن أن يكون المراد حصول شهادة الله في ثبوت نبوة محمد له .
ويمكن أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في ثبوت وحدانية الله تعالى .
أما الاحتمال الأول ﴾ فقد روى ابن عباس أن رؤساء أهل مكة قالوا يا محمد ما وجد
الله غيرك رسولا وما نرى أحداً يصدقك . وقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه لا ذکر
لك عندهم بالنبوة فأرنا من يشهد لك بالنبوة . فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال قل يا محمد أي
شيء أكبر شهادة من الله حتى يعترفوا بالنبوة ، فان أكبر الأشياء شهادة هو الله سبحانه وتعالى.
فاذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهيد لي بالنبوة لأنه أوحى إلى هذا القرآن وهذا القرآن معجز ،
لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء وقد عجزتم عن معارضته . فاذا كان معجزاً ، كان إظهار الله إياه
على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقا في دعواي . والحاصل : أنهم طلبوا شاهداً

١٨٦
قوله تعالى ((وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ)) الآية سورة الأنعام
مقبول القول يشهد على نبوته فبين تعالى أن أكبر الأشياء شهادة هو الله ، ثم بين أنه شهد له
بالنبوة وهو المراد من قوله ( وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) فهذا تقرير واضح .
وأما الاحتمال الثاني ﴾ وهو أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في وحدانية الله
تعالى .
فاعلم أن هذا الكلام يجب أن يكون مسبوقا بمقدمة ، وهي أنا نقول : المطالب على
أقسام ثلاثة : منها ما يمتنع إثباته بالدلائل السمعية فان كل ما يتوقف صحة السمع على صحته
امتنع إثباته بالسمع ، والا لزم الدور . ومنها ما يمتنع إثباته بالعقل وهو كل شيء يصح وجوده
ويصح عدمه عقلا ، فلا امتناع في أحد الطرفين أصلا ، فالقطع على أحد الطرفين بعينه لا
يمكن إلا بالدليل السمعي ، ومنها ما يمكن إثباته بالعقل والسمع معا ، وهو كل أمر عقلي لا
يتوقف على العلم به ، فلا جرم أمكن إثباته بالدلائل السمعية .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( قل الله شهيد بيني وبينكم ) في إثبات الوحدانية والبراءة
عن الشركاء والأضداد والأنداد والأمثال والأشباه .
ثم قال ( وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) أي إن القول بالتوحيد هو الحق
الواجب ، وأن القول بالشرك باطل مردود .
المسألة الثانية ﴾ نقل عن جهم أنه ينكر كونه تعالى شيئا .
واعلم أنه لا ينازع في كونه تعالى ذاتا موجودا وحقيقة إلا أنه ينكر تسميته تعالى بكونه
شيئا ، فيكون هذا خلافا في مجرد العبارة . واحتج الجمهور على تسمية الله تعالى بالشيء بهذه
الآية وتقريره أنه قال أي الأشياء أكبر شهادة . ثم ذکر في الجواب عن هذا السؤال قوله ( قل
الله ) وهذا يوجب كونه تعالى شيئا، كما أنه لوقال : أي الناس أصدق ؛ فلوقيل : جبريل ،
كان هذا الجواب خطأ لأن جبريل ليس من الناس . فكذا ههنا .
فان قيل : قوله( قل الله شهید بيني وبینکم ) کلام تام مستقبل بنفسه لا تعلق له بما قبله
لأن قوله ( الله ) مبتدأ ، وقوله ( شهيد بيني وبينكم ) خبره ، وهو جملة تامة مستقلة بنفسها لا
تعلق لها بما قبلها .
قلنا الجواب فيه وجهين : الأول : أن نقول قوله ( قل أي شيء أكبر شهادة ) لا شك
أنه سؤال ولا بد له من جواب : إما مذكور ، وإما محذوف .

١٨٧
قوله تعالى ((وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ)) الآية سورة الأنعام
فان قلنا : الجواب مذكور : كان الجواب هو قوله ( قل الله ) وههنا يتم الكلام . فأما
قوله ( شهيد بيني وبينكم ) فههنا يضمر مبتدأ ، والتقدير : وهو شهيد بيني وبينكم ، وعند
هذا يصح الاستدلال المذكور .
وأما إن قلنا : الجواب محذوف. فنقول : هذا على خلاف الدليل ، وأيضاً فبتقدير أن
يكون الجواب محذوفا ، إلا أن ذلك المحذوف لا بد وأن يكون أمرا يدل المذكور عليه ويكون
لائقا بذلك الموضع .
والجواب اللائق بقوله ( أي شيء أكبر شهادة ) هو أن يقال : هو الله ، ثم يقال بعده
( الله شهيد بيني وبينكم ) وعلى هذا التقدير فيصح الاستدلال بهذه الآية أيضاً على أنه تعالى
يسمى باسم الشيء فهذا تمام تقرير هذا الدليل .
وفي المسألة دليل آخر وهو قوله تعالى ( كل شيء هالك إلا وجهه ) والمراد بوجهه ذاته ،
فهذا يدل على أنه تعالى استثنى ذات نفسه من قوله ( كل شىء) والمستثنى يجب أن يكون داخلا
تحت المستثنى منه ، فهذا يدل على أنه تعالى يسمى باسم الشيء . واحتج جهم على فساد هذا
الأسم بوجوه : الأول : قوله تعالى ( لیس کمثله شيء) والمراد ليس مثل مثله شيء وذات كل
شيء مثل مثل نفسه فهذا تصريح بأن الله تعالى لا يسمى باسم الشيء ولا يقال الكاف زائدة ،
والتقدير : ليس مثله شيء لأن جعل كلمة من كلمات القرآن عبثا باطلا لا يليق بأهل الدين
المصير اليه إلا عند الضرورة الشديدة . والثاني : قوله تعالى ( الله خالق كل شيء ) ولو كان
تعالى مسمى بالشيء لزم كونه خالقا لنفسه وهو محال ، لا يقال : هذا عام دخله التخصيص لأنا
نقول : إدخال التخصيص انما يجوز في صورة نادرة شاذة لا يؤبه بها ولا يلتفت اليها ، فيجري
وجودها مجرى عدمها ، فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيها على أن البقية جارية مجرى العدم
ومن المعلوم أن الباري تعالى لو كان مسمى باسم الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء
وأشرفها ، وإطلاق لفظ الكل مع أن یکون هذا القسم خارجا عنه یکون محض كذب ولا يكون
من باب التخصيص . الثالث : التمسك بقوله ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) والأسم إنما
يحسن لحسن مسماه وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال ونعت من نعوت الجلال ولفظ
الشيء أعم الأشياء فيكون مسماه حاصلا في أحسن الأشياء وفي أرذلها ومتى كان كذلك لم
يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال ولا نعتا من نعوت الجلال . فوجب أن لا يجوز
دعوة الله تعالى بهذا الأسم لأن هذا الأسم لما لم يكن من الأسماء الحسنى والله تعالى أمر بأن
يدعى بالاسماء الحسنى وجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا الأسم وكل من منع من دعاء الله

١٨٨
قوله تعالى ((أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى)) الآية سورة الأَنَّعام
بهذا الاسم قال : إن هذا اللفظ ليس اسما من أسماء الله تعالى ألبتة . الرابع : أن اسم الشيء
يتناول المعدوم ، فوجب أن لا يجوز إطلاقه على الله تعالى بيان : الأول : قوله تعالى ( ولا
تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ) سمى الشيء الذي سيفعله غدا باسم الشيء في الحال والذي
سيفعله غدا يكون معدوما في الحال فدل ذلك على أن اسم الشيء يقع على المعدوم .
وإذا ثبت هذا فقولنا : إنه شيء لا يفيد امتياز ذاته عن سائر الذوات بصفة معلومة ولا
بخاصة متميزة . ولا يفيد كونه موجودا فيكون هذا لفظا لا يفيد فائدة في حق الله تعالى ألبتة ،
فكان عبثا مطلقا ، فوجب ان لا يجوز إطلاقه على الله تعالى .
والجواب عن هذه الوجوه أن يقال : لما تعارضت الدلائل .
فنقول : لفظ الشيء أعم الألفاظ ، ومتى صدق الخاص صدق العام ، فمتى صدق فيه
كونه ذاتا وحقيقة وجب أن يصدق عليه كونه شيئاً وذلك هو المطلوب والله أعلم .
أما قوله ( وأوحى إلى هذا القرآن لا نذركم به ومن بلغ﴾ فالمراد أنه تعالى أوحى إلى هذا
القرآن لأنذركم به ، وهو خطاب لأهل مكة ، وقوله ( ومن بلغ ) عطف على المخاطبين من أهل
مكة أي لانذركم به ، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم ، وقيل من الثقلين ،
وقيل : من بلغه إلى يوم القيامة ، وعن سعيد بن جبير : من بلغه القرآن ، فكأنما رأى محمدا
وَّر، وعلى هذا التفسير فيحصل في الآية حذف، والتقدير: وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم
به ، ومن بلغه هذا القرآن . إلا أن هذا العائد محذوف لدلالة الكلام عليه ، كما يقال الذي
رأيت زيد ، والذي ضربت عمرو . وفي تفسير قوله (ومن بلغ ) قول آخر ، وهو أن يكون
قوله ( ومن بلغ ) أي ومن احتلم وبلغ حد التكليف، وعند هذا لا يحتاج إلى إضمار العائد إلا
أن الجمهور على القول الأول .
أما قوله ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد
وإنني بريء مما تشركون ﴾ فنقول : فيه بحثان :
﴿ البحث الأول﴾ قرأ ابن كثير: (أينكم) بهمزة وكسرة بعدها خفيفة مشبهة ياء ساكنة
بلا مد ، وأبو عمرو . وقالوا عن نافع كذلك . إلا أنه يمد والباقون بهمزتين بلا مد .
﴿ والبحث الثاني﴾ أن هذا استفهام معناه الجحد والانكار. قال الفراء: ولم يقل آخر
لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كما قال ( ولله الأسماء الحسنى ) وقال ( فما بال القرون
الأولى ) ولم يقل الأول ولا الأولين وكل ذلك صواب .

١٨٩
سورة الأنعام
قوله تعالى ((الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه)) الآية
الَّذِينَ ءَيْنَدُهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كما يَعْرِ فُونَ أَبْنَاءَ هُّ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ
٢٠
ثم قال تعالى ﴿ قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ﴾ .
واعلم أن هذا الكلام دال على إيجاب التوحيد والبراءة عن الشرك من ثلاثة أوجه :
أولها : قوله ( قل لا أشهد ) أي لا أشهد بما تذکر ونه من إثبات الشركاء . وثانيها : قوله( قل
إنما هو إله واحد ) وكلمة ( إنما ) تفيد الحصر، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ونفي الشركاء .
وثالثها : قوله ( إنني بريء مما تشركون ) وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء . فثبت دلالة
هذه الآية على إيجاب التوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد . قال العلماء : المستحب
لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويتبرأ من كل دين سوى دين الاسلام . ونص الشافعي
رحمه الله : على استحباب ضم التبري إلى الشهادة لقوله ( وإنني بريء مما تشركون ) عقيب
التصريح بالتوحيد .
قوله تعالى ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم
فهم لا يؤمنون ﴾ .
اعلم أنا روينا في الآية الأولى أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد عليه
الصلاة والسلام فأنكروا دلالة التوراة والانجيل على نبوته ، فبين الله تعالى في الآية الأولى أن
شهادة الله على صحة نبوته کافية في ثبوتها وتحققها ، ثم بین في هذه الآية أنهم کذبوا في قولهم انا
لا نعرف محمدا عليه الصلاة والسلام ، لأنهم يعرفونه بالنبوة والرسالة كما يعرفون أبناءهم لما
روى أنه لما قدم رسول الله وَ لفي المدينة. قال عمر لعبدالله بن سلام: أنزل الله على نبيه هذه
الآية فكيف هذه المعرفة ، فقال يا عمر . لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ولانا أشد
معرفة بمحمد مني يا بني لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى .
واعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون علمهم بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام مثل
علمهم بأبنائهم وفيه سؤال وهو أن يقال : المكتوب في التوراة والانجيل مجرد أنه سيخرج نبي
في آخر الزمان يدعو الخلق إلى الدين الحق ، أو المكتوب فيه هذا المعنى مع تعين الزمان والمكان
والنسب والصفة والحلية والشكل ، فان كان الأول فذلك القدر لا يدل على أن ذلك الشخص
هو محمد عليه السلام ، فكيف يصح أن يقال : علمهم بنبوته مثل علمهم ببنوة أبنائهم ، وإن

.١٩
قوله تعالى ((ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) الآية سورة الأنعام
وَمَنْ أَظْلُ مِنْ أَفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِعَنِهِ: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٨﴾ وَ يَوْمَ
تَحْتُهُمْبَمِيعًا ثُمَّنَقُولُ لَّذِينَ أَشْرَ كُواْ أَيْنَ ثُرَّكَا ؤُكُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَْعُونَ.
٢٢
كان الثاني وجب أن يكون جميع اليهود والنصارى عالمين بالضرورة من التوراة والانجيل بكون
محمد عليه الصلاة والسلام نبيا من عند الله تعالى ، والكذب على الجمع العظيم لا يجوز لأنا
نعلم بالضرورة أن التوراة والانجيل ما كانا مشتملين على هذه التفاصيل التامة الكاملة ، لأن
هذا التفصيل إما أن يقال : إنه كان باقيا في التوراة والانجيل حال ظهور الرسول عليه الصلاة
والسلام أو يقال : إنه ما بقيت هذه التفاصيل في التوراة والانجيل في وقت ظهوره لأجل أن
التحريف قد تطرق اليهما قبل ذلك ، والأول باطل لأن إخفاء مثل هذه التفاصيل التامة في
كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب ممتنع ، والثاني أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن
يهود ذلك الزمان ونصارى ذلك الزمان عالمين بنبوة محمد ولي علمهم ببنوة أبنائهم، وحينئذ
يسقط هذا الكلام .
والجواب عن الأول: أن يقال: المراد بـ ((الذين آتيناهم الكتاب ) اليهود والنصارى ،
وهم كانوا أهلا للنظر والاستدلال ، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول عليه
الصلاة والسلام ، فعرفوا بواسطة تلك المعجزات كونه رسولا من عند الله ، والمقصود من تشبيه
إحدى المعرفتين بالمعرفة الثانية هذا القدر الذي ذكرناه .
أما قوله ﴿الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ﴾ ففيه قولان : الأول : أن قوله
( الذين ) صفة للذين الأولى ، فيكون عاملهما واحدا ويكون المقصود وعيد المعاندين الذين
يعرفون ويجحدون . والثاني : أن قوله الذين خسروا أنفسهم ابتداء . وقوله ( فهم لا
يؤمنون) خبره ، وفي قوله ( الذين خسروا) وجهان : الأول : أنهم خسروا أنفسهم بمعنى
الهلاك الدائم الذي حصل لهم بسبب الكفر والثاني : جاء في التفسير أنه ليس من كافر ولا
مؤمن إلا وله منزلة في الجنة ، فمن كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله
بأن ورث منزلته غيره .
قوله تعالى ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون
ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ﴾ .

١٩١
قوله تعالى ((ثم نقول للذين أشركوا اين شركاؤكم)) الآية سورة الأنعام
اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بين في هذه الآية
سبب ذلك الخسران ، وهو أمران : أحدهما : أن يفترى على الله كذبا ، وهذا الافتراء يحتمل
وجوها : الأول : أن كفار مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء الله ، والله سبحانه وتعالى
أمرهم بعبادتها والتقرب اليها ، وكانوا أيضاً يقولون الملائكة بنات الله ، ثم نسبوا إلى الله
تحريم البحائر والسوائب . وثانيها : أن اليهود والنصارى كانوا يقولون : حصل في التوراة
والانجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي ،
وثالثها : ما ذكره الله تعالى في قوله ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها)
ورابعها : أن اليهود كانوا يقولون ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) وكانوا يقولون ( لن تمسنا النار إلا
أياما معدودة ) وخامسها : أن بعض الجهال منهم كان يقول : إن الله فقير ونحن أغنياء ،
وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها إلى الله كثيرة ، وكلها افتراء منهم على الله .
والنوع الثاني ﴾ من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله، والمراد منه قدحهم في
معجزات محمد ◌َّة، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة ، ثم إنه تعالى لما
حكى عنهم هذين الأمرين قال ( إنه لا يفلح الظالمون ) أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي
الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان .
أما قوله ﴿ ويوم نحشرهم جميعا﴾ ففي ناصب قوله (ويوم) أقوال : الأول : أنه
محذوف وتقديره ( ويوم نحشرهم ) كان كيت وكيت ، فترك ليبقى على الابهام الذي هو أدخل في
التخويف ، والثاني : التقدير اذكر يوم نحشرهم ، والثالث : أنه معطوف على محذوف كأنه قيل
لا يفلح الظالمون أبدا ويوم نحشرهم .
وأما قوله ﴿ ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ﴾ فالمقصود منه
التقريع والتبكيت لا السؤال ، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس الشركاء ، ويحتمل أن يكون
المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم ، وعلى كلا الوجهين : لا يكون الكلام . إلا توبيخا
وتقريعا وتقريرا في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه مأيوس عنه ، وصار ذلك تنبيها لهم في دار
الدنيا على فساد هذه الطريقة ، والعائد على الموصول من قوله ( الذين كنتم تزعمون )
محذوف، والتقدير : الذين كنتم تزعمون انهم شفعاء ، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال
عليه ، قال ابن عباس : وكل زعم في كتاب الله كذب .

١٩٢
قوله تعالى ((ثم لم تكن فتنتهم إلا أن تالوا)) الآية
سورة الأنعام
ثُمََّمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِرَبِنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُواْ عَ
أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ مَنْهُمْ مَّ كَانُواْ يَفْتَرُونَ (
٢٤٦
قوله تعالی ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشرکین أنظر كيف كذبوا على
أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ .
اعلم ان ههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ثم لم تكن فتنتهم بالتاء المنقطة من
فوق وفتنتهم بالرفع ، وقرأ حمزة والكسائي ، ثم لم يكن بالياء فتنتهم بالنصب ، وأما القراءة
بالتاء المنقطة من فوق ونصب الفتنة ، فههنا قوله أن قالوا : في محل الرفع لسگونه اسم تكن ،
وإنما أنث لتأنيث الخبر كقوله من كانت أمك أولان ما قالوا : فتنة في المعنى ، ويجوز تأويل إلا
أن قالوا لا مقالتهم وأما القراءة بالياء المنقطة من تحت ، ونصب فتنتهم ، فههنا قوله ان قالوا :
في محل الرفع لكونه اسم يكن ، وفتنتهم هو الخبر . قال الواحدي : الاختيار قراءة من جعل أن
قالوا) الأسم دون الخبر لأن أنَّ إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر ،
فكما أن المظهر والمضمر ، إذا اجتمعا كان جعل المضمر اسما أولى من جعله خبرا ، فكذا ههنا
تقول كنت القائم ، فجعلت المضمر اسما والمظهر خبرا فكذا ههنا ، ونقول قراءة حمزة
والكسائي : والله ربنا بنصب قوله ربنا لوجهين: أحدهما : باضمار أعني وأذكر، والثاني :
على النداء ، أي والله يا ربنا ، والباقون بكسر الباء على انه صفة لله تعالى .
المسألة الثانية﴾ قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من عرف
معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك ، وذلك أن الله تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم
متهالكين على حبه ، فأعلم في هذه الآية انه لم يكن افتتانهم بشركهم واقامتهم عليه ، إلا أن
تبرؤا منه وتباعدوا عنه ، فحلفوا انهم ما کانوا مشرکین : ومثاله أن تری انسانا يحب عاريا
مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه ، فيقال له ما كانت محبتك لفلان ، إلا أن
انتفيت منه فالمراد بالفتنة ههنا افتتانهم بالأوثان ، ويتأكد هذا الوجه بما روى عطاء عن ابن
عباس : انه قال ثم لم تكن فتنتهم معناه شركهم في الدنيا ، وهذا القول راجع الى حذف
المضاف لأن المعنى ثم لم تكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة ، ومثله قولك ما كانت محبتك لفلان ، إلا
أن فررت منه وتركته .

١٩٣
سورة الأنعام
قوله تعالى ((ثم لم تكن فتنتهم إلا ان قالوا)) الاية
المسألة الثالثة ﴾ ظاهر الآية يقتضي : انهم حلفوا في القيامة على أنهم ما كانوا
مشركين ، وهذا يقتضى اقدامهم على الكذب يوم القيامة ، وللناس فيه قولان : الأول : وهو
قول ابي علي الجبائي ، والقاضي : ان أهل القيامة لا يجوز اقدامهم على الكذب . واحتجا
عليه بوجوه : الأول : ان أهل القيامة يعرفون الله تعالى بالاضطرار ، إذ لو عرفوه بالاستدلال
لصار موقف القيامة دار التكليف ، وذلك باطل ، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار ،
وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم يعلمون أنهم لو راموا فعل القبيح
لمنعهم الله منه لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى ، لكان ذلك اطلاقهم في فعل
القبيح، وأنه لا يجوز، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار وثبتأنه متى كان كذلك
كانوا ملجئين إلى ترك القبيح ، وذلك يقتضي انه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل
القبيح .
فان قيل : لم لا يجوز ان يقال : انه لا يجوز منهم فعل القبيح ، إذا كانوا عقلا إلا انا
نقول : لم لا يجوز أن يقال : انه وقع منهم هذا الكذب لأنهم لما عاينوا أهوال القيامة
اضطربت عقولهم ، فقالوا : هذا القول الكذب عند اختلال عقولهم أو يقال : انهم نسوا
کونهم مشرکین فی الدنيا .
والجواب عن الأول : انه تعالى لا يجوز أن يحشرهم : ويورد عليهم التوبيخ بقوله ( أین
شركاؤكم ) ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار مع أنهم غير عقلاء ، لأن هذا لا يليق
بحكمة الله تعالى ، وأيضا فالمكلفون لا بد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ، ليعلموا أنهم بما
يعاملهم الله به غير مظلومين .
والجواب عن الثاني : ان النسيان : لما كانوا عليه في دار الدنيا مع كمال العقل بعيد لأن
العاقل لا يجوز أن ينسى مثل هذه الأحوال ، وان بعد العهد ، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من
الأمور ولولا أن الأمر كذلك لجوزنا أن يكون العاقل قد مارس الولايات العظيمة دهرا
طويلا ، ومع ذلك فقد نسيه ، ومعلوم ان تجويزه يوجب السفسطة .
الحجة الثانية ﴾ ان القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال: انهم ما كانوا
عقلاء أو كانوا عقلاء ، فان قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى
أن يحكى كلام المجانين في معرض تمهيد العذر ، وإن قلنا أنهم كانوا عقلاء فهم يعلمون أن الله
تعالى عالم بأحوالهم ، مطلع على أفعالهم ويعلمون أن تجويز الكذب على الله محال ، وأنهم لا
يستفيدون بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب ، واذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامهم في
مثل هذه الحالة على الكذب .
الحجة الثالثة ﴾ أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد
الفخر الرازي ج١٢ م١٣

١٩٤
قوله تعالى ((ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا)) الاية
سورة الأنعام
أقدموا على هذين النوعين من القبح والذنب وذلك يوجب العقاب ، فتصير الدار الآخرة دار
التكليف، وقد أجمعوا على أنه ليس الأمر كذلك ، وأما إن قيل إنهم لا يستحقون على ذلك
الكذب ، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقابا وذما ، فهذا يقتضي حصول الأذن من الله تعالى في
ارتكاب القبائح والذنوب ، وأنه باطل ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على
القبيح والكذب .
وإذا ثبت هذا : فعند ذلك قالوا يحمل قوله ( والله ربنا ما كنا مشركين ) أي ما كنا
مشركين في اعتقادنا وظنوننا ، وذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم كانوا موحدين
متباعدين من الشرك .
فان قيل : فعلى هذا التقدير : يكونون صادقین فیما أخبروا عنه لأنهم أخبروا بأنهم كانوا
غير مشركين عند أنفسهم ، فلما ذا قال الله تعالى ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) ولنا أنه ليس
تحت قوله ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) أنهم كذبوا فيما تقدم ذكره من قوله ( والله ربنا ما کنا
مشركين) حتى يلزمنا هذا السؤال بل يجوز أن يكون المراد انظر كيف كذبوا على انفسهم في دار
الدنيا في أمور كانوا يخبرون عنها كقولهم : أنهم على صواب وأن ما هم عليه ليس بشرك
والكذب يصح عليهم في دار الدنيا . وانما ينفي ذلك عنهم في الآخرة ، والحاصل أن المقصود
من قوله تعالى ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) اختلاف الحالين ، وأنهم في دار الدنيا كانوا
يكذبون ولا يحترزون عنه وأنهم في الآخرة يحترزون عن الكذب ولكن حيث لا ينفعهم
الصدق فلتعلق أحد الأمرين بالآخر أظهر الله تعالى للرسول ذلك وبين أن القوم لأجل شركهم
كيف يكون حالهم في الآخرة عند الاعتذار مع أنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون على أنفسهم
ويزعمون أنهم على صواب . هذا جملة كلام القاضي في تقرير القول الذي اختاره أبو علي
الجبائي .
﴿ والقول الثاني ﴾ وهو قول جمهور المفسرين أن الكفار يكذبون في هذا القول قالوا:
والدليل على أن الكفار قد يكذبون في القيامة وجوه : الأول : أنه تعالى حكى عنهم أنهم
يقولون ( ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون ) مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله ( ولو ردوا
لعادوا لما نهوا عنه ) والثاني : قوله تعالى ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم
ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) بعد قوله ( ويحلفون على الكذب ) فشبه
كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا . والثالث : قوله تعالى حكاية عنهم ( قال كم لبثتم قالوا
لبثنا يوما أو بعض يوم) وكل ذلك يدل على اقدامهم في بعض الأوقات على الكذب .

١٩٥
سورة الأنعام
قوله تعالى ((ومنهم من يستمع إليك)) الآية
وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَّهُوهُ وَفِىّ ءَا ذَانِهِمْ وَقْرًا
وَإِن يَوْكُلّ ◌َةٍ لََّيُؤْمِنُواْ بِهَا خََّ إِذَا جَاءُ وكَ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا
إِلَّ أَسَطِيرُ الْأُوْلِينَ
٢٥
والرابع : قوله حكاية عنهم ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ) . وقد علموا أنه تعالى لا
يقضي عليهم بالخلاص . والخامس : أنه تعالى في هذه الآية حكى عنهم ( أنهم قالوا والله ربنا
ما كنا مشركين) وحمل هذا على أن المراد ما كنا مشركين في ظنوننا وعقائدنا مخالفة للظاهر . ثم
حمل قوله بعد ذلك ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم
الآية ، وصرف أول الآية الى أحوال القيامة وصرف آخرها الى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد .
أما قوله إما أن يكونوا قد كذبوا حال كمال العقل أو حال نقصان العقل فنقول : لا يبعد أن
يقال إنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة ، وشاهدوا موجبات الخوف الشديد اختلت عقولهم
فذكروا هذا الكلام في ذلك الوقت وقوله : كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عنهم ما
ذكروه في حال اضطراب العقول ، فهذا يوجب الخوف الشديد عند سماع هذا الكلام حال
كونهم في الدنيا ولا مقصود من تنزيل هذه الآيات الا ذلك . وأما قوله ثانيا المكلفون لا بد أن
يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول : اختلال عقولهم ساعة واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا
يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات . فهذا تمام الكلام في هذه المسألة والله أعلم .
أما قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ فالمراد انكارهم كونهم مشركين ، وقوله
( وضل عنهم ) عطف على قوله ( كذبوا) تقديره : وكيف ضل عنهم ما كانوا يفترون بعبادته
من الأصنام فلم تغن عنهم شيئاً وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم .
قوله تعالى ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً
وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا ان هذا الا أساطير
﴾
.
الأولین
اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس عن ايمان بعضهم
فقال ( ومنهم من يستمع اليك ) وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس حضر عند رسول الله ليل أبوسفيان والوليد ابن المغيرة

١٩٦
قوله تعالى ((ومنهم من يستمع إليك)) الآية
سورة الأنعام
والنضر بن الحرث وعقبة وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر وأبو
جهل واستمعوا الى حديث الرسول ◌َلة، فقالوا للنضر ما يقول محمد فقال: لا أدري ما يقول
لكني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به عن أخبار القرون
الأولى وقال أبو سفيان اني لا أرى بعض ما يقول حقا . فقال أبو جهل كلا فأنزل الله تعالى
( ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ) والأكنة جمع كنان وهو ما وقى
شيئا وستره ، مثل عنان وأعنة ، والفعل منه كننت وأكننت . وأما قوله ( أن يفقهوه ) فقال
الزجاج: موضع ((أن)) نصب على أنه مفعول له . والمعنى وجعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن
يفقهوه فلما حذفت ((اللام)) نصبت الكراهة، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى ((أن))
وقوله ( وفي آذانهم وقرا ) قال ابن السكيت : الوقر الثقل في الأذن .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يصرف عن الايمان،
ويمنع منه ويحول بين الرجل وبينه ، وذلك لأن هذه الآية تدل على أنه جعل القلب في الكنان
الذي يمنعه عن الايمان ، وذلك هو المطلوب . قالت المعتزلة : لا يمكن اجراء هذه الآية على
ظاهرها ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى انما أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على
الكفار لا ليكون حجة للكفار على الرسول ، ولو كان المراد من هذه الآية أنه تعالى منع الكفار
عن الايمان لكان لهم أن يقولوا للرسول لما حكم الله تعالى بأنه منعنا من الايمان فلم يذمنا على
ترك الايمان ، ولم يدعونا إلى فعل الايمان ؟ الثاني : أنه تعالى لو منعهم من الايمان ثم دعاهم
اليه لكان ذلك تكليفا للعاجز وهو منفى بصريح العقل وبقوله تعالى ( لا يكلف الله نفسا الا
وسعها) الثالث : أنه تعالى حكى صريح هذا الكلام عن الكفار في معرض الذم فقال تعالى
( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا اليه وفي آذاننا وقر ) وقال في آية أخرى ( وقالوا قلوبنا غلف بل
لعنهم الله بكفرهم) وإذا كان قد حكى الله تعالى هذا المذهب عنهم في معرض الذم لهم امتنع
أن يذكره ههنا في معرض التقريع والتوبيخ ، والا لزم التناقض . والرابع : أنه لا نزاع أن
القوم كانوا يفهمون ويسمعون ويعقلون . والخامس : أن هذه الآية وردت في معرض الذم
لهم على ترك الايمان ولو كان هذا الصد والمنع من قبل الله تعالى لما كانوا مذمومين بل كانوا
معذورين . والسادس : أن قوله (حتى إذا جاؤك يجادلونك) يدل على أنهم كانوا يفقهون
ويميزون الحق من الباطل ، وعند هذا قالوا لا بد من التأويل وهو من وجوه : الأول : قال
الجبائي أن القوم كانوا يستمعون لقراءة الرسول وي ليه ليتوسلوا بسماع قراءته إلى معرفة مكانه
بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه . فعند ذلك كان الله سبحانه وتعالى يلقى على قلوبهم النوم ، وهو
المراد من الأكنة ، ويثقل أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النوم ، وهو المراد من

١٩٧
سورة الأنعام
قوله تعالى ((ومنهم من يستمع إليك)) الآية
قوله ( وفي آذانهم وقر ) والثاني : ان الانسان الذي علم الله منه انه لا يؤمن وانه يموت على
الكفر فإنه تعالى يسم قلبه بعلامة مخصوصة يستدل الملائكة برؤيتها على أنه لا يؤمن . فصارت
تلك العلامة دلالة على أنهم لا يؤمنون .
وإذا ثبت هذا فنقول : لا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان والغطاء المانع ، مع أن تلك
العلامة في نفسها ليست مانعة عن الايمان .
والتأويل الثالث : أنهم لما أصروا على الكفر وعاندوا وصمموا عليه ، فصار عدولهم عن
الايمان والحالة هذه كالكنان المانع عن الايمان ، فذكر الله تعالى الكنان كناية عن هذا المعنى .
والتأويل الرابع : أنه تعالى لما منعهم الالطاف التي انما تصلح أن تفعل بمن قد اهتدى
فاخلاهم منها ، وفوض أمرهم إلى أنفسهم لسوء صنيعهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه
فيقول ( وجعلنا على قلوبهم أكنة ) .
والتأويل الخامس : أن يكون هذا الكلام ورد حكاية لما كانوا يذكرونه من قولهم (وقالوا
قلوبنا في أكنة مما تدعونا اليه وفي آذاننا وقر ) .
والجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها في بيان أنه لا يمكن حمل الكنان والوقر على أن الله
تعالى منعهم عن الايمان ، وهو أن نقول : بل البرهان العقلي الساطع قائم على صحة هذا
المعنى ، وذلك لأن العبد الذي أتى بالكفر ان لم يقدر على الاتيان بالايمان ، فقد صح قولنا إنه
تعالى هو الذي حمله على الكفر وصده عن الايمان . وأما إن قلنا : ان القادر على الكفر كان
قادرا على الايمان فنقول : يمتنع صيرورة تلك القدرة مصدرا للكفر دون الايمان ، إلا عند
انضمام تلك الداعية ، وقد عرفت في هذا الكتاب أن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل ،
فيكون الكفر على هذا التقدير من الله تعالى، وتكون تلك الداعية الجارة إلى الكفر كنانا للقلب
عن الايمان ، ووقرا للسمع عن استماع دلائل الايمان ، فثبت بما ذكرنا أن البرهان العقلي مطابق
لما دل عليه ظاهر هذه الآية .
واذا ثبت بالدليل العقلي صحة ما دل عليه ظاهر هذه الآية ، وجب حمل هذه الآية عليه
عملا بالبرهان وبظاهر القرآن ، والله أعلم .
المسألة الثالثة ﴾ أنه تعالى قال ( ومنهم من يستمع اليك ) فذكره بصيغة الأفراد ثم
قال ( على قلوبهم) فذكره بصيغة الجمع. وانما حسن ذلك لأن صيغة ((من)) واحد في اللفظ
جمع في المعنى .

١٩٨
قوله تعالى ((وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها)) الآية
سورة الأنعام
وأما قوله تعالى ﴿ وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها ﴾ قال ابن عباس : وان يروا كل دليل
وحجة لا يؤمنوا بها لأجل أن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة ، وهذه الآية تدل على فساد
التأويل الأول الذي نقلناه عن الجبائي ، ولأنه لو كان المراد من قوله تعالى ( وجعلنا على قلوبهم
أكنة ) القاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوسل بسماع صوته على وجدان مكانه لما كان
قوله ( وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) لائقا بهذا الكلام ، وأيضا لو كان المراد ما ذكره الجبائي
لكان يجب أن يقال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه ، لأن المقصود الذي ذكره الجبائي
انما يحصل بالمنع من سماع صوت الرسول عليه السلام . أما المنع من نفس كلامه ومن فهم
مقصوده ، فلا تعلق له بما ذكره الجبائي فظهر سقوط قوله . والله أعلم .
أما قوله تعالى ﴿ حتى إذا جاؤك يجادلونك ﴾ فاعلم أن هذا الكلام جملة أخرى مرتبة
على ما قبلها و( حتى ) في هذا الموضع هي التي يقع بعدها الجمل ، والجملة هي قوله ( إذا
جاؤك يجادلونك ) يقول الذين كفروا ، ويجادلونك في موضع الحال وقوله ( يقول الذين
كفروا) تفسير لقوله ( يجادلونك) والمعنى أنه بلغ بتكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك
ويناكرونك ، وفسر مجادلتهم بانهم يقولون ( ان هذا إلا أساطير الأولين ) قال الواحدي :
وأصل الأساطير من السطر ، وهو أن يجعل شيئا ممتدا مؤلفا ومنه سطر الكتاب وسطر من شجر
مغروس . قال ابن السكيت : يقال سطر وسطر ، فمن قال سطر فجمعه في القليل أسطر
والكثير سطور ، ومن قال سطر فجمعه أسطار ، والأساطير جمع الجمع ، وقال الجبائي : واحد
الأساطير أسطور وأسطورة وأسطير وأسطيرة ، وقال الزجاج ، واحد الاساطير أسطورة مثل
احاديث وأحدوثة . وقال أبو زيد : الأساطير من الجمع الذي لا واحد له مثل عباديد . ثم
قال الجمهور : أساطير الأولين ما سطره الأولون . قال ابن عباس : معناه أحاديث الأولين
التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها . فأما قول من فسر الأساطير بالترهات ، فهو معنى وليس
مفسرا . ولما كانت أساطير الأولين مثل حديث رستم واسفنديار كلاما لا فائدة فيه لا جرم فسرت
أساطير الأولين بالترهات .
﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم أنه كان مقصود القوم من ذكر قولهم (ان هذا إلا أساطير
الأولين ) القدح في كون القرآن معجزا فكأنهم قالوا : ان هذا الكلام من جنس سائر الحكايات
المكتوبة ، والقصص المذكورة للأولين ، واذا كان هذا من جنس تلك الكتب المشتملة على
حكايات الأولين وأقاصيص الأقدمين لم يكن معجزا خارقا للعادة . وأجاب القاضي عنه بأن
قال : هذا السؤال مدفوع لأنه يلزم أن يقال لو كان في مقدوركم معارضته لوجب أن تأتوا بتلك
المعارضة . وحيث لم يقدروا عليها ظهر أنها معجزة . ولقائل أن يقول : كان للقوم أن يقولوا

١٩٩
سورة الأنعام
قوله تعالى (( وهم ينهون عنه وينأون عنه)) الآية
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْعَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
نحن وان كنا أرباب هذا اللسان العربي الا أنا لا نعرف كيفية تصنيف الكتب وتأليفها ولسنا
أهلا لذلك . ولا يلزم من عجزنا عن التصنيف كون القرآن معجزا لأنا بينا أنه من جنس سائر
الكتب المشتملة على أخبار الأولين وأقاصيص الأقدمين .
واعلم أن الجواب عن هذا السؤال سيأتي في الآية المذكورة بعد ذلك .
قوله تعالى ﴿ وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ .
في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى لما بين انهم طعنوا في كون القرآن معجزا بان قالوا :
انه من جنس أساطير الأولين وأقاصيص الأقدمين ؛ بين في هذه الآية انهم ينهون عنه وينأون
عنه ، وقد سبق ذكر القرآن وذكر محمد عليه السلام ، فالضمير في قوله ( عنه ) محتمل أن يكون
عائدا إلى القرآن وأن يكون عائدا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا السبب اختلف
المفسرون . فقال بعضهم : ( وهم ينهون عنه وينأون عنه) أي عن القرآن وتدبره والاستماع
له . وقال آخرون : بل المراد يهون عن الرسول .
واعلم أن النهي عن الرسول عليه السلام محال . بل لا بد وأن يكون المراد النهي عن
فعل يتعلق به عليه الصلاة والسلام ، وهو غير مذكور . فلا جرم حصل فيه قولان : منهم من
قال المراد أنهم ينهون عن التصديق بنبوته والاقرار برسالته . وقال عطاء ومقاتل : نزلت في
أبي طالب كان ينهي قريشاً عن إيذاء النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم يتباعد عنه ولا يتبعه على
دينه .
والقول الأول ﴾ أشبه لوجهين: الأول: أن جميع الآيات المتقدمة على هذه الآية
تقتضي ذم طريقتهم ، فكذلك قوله ( وهم ينهون عنه) ينبغي أن يكون محمولا على أمر
مذموم ، فلو حملناه على أن أبا طالب كان ينهي عن إيذائه ، لما حصل هذا النظم . والثاني :.
أنه تعالى قال بعد ذلك ( وإن يهلكون إلا أنفسهم ) يعني به ما تقدم ذكره . ولا يليق ذلك بأن
يكون المراد من قوله ( وهم ينهون عنه ) النهي عن أذيته ، لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك .
فان قيل : إن قوله (وإن يهلكون إلا أنفسهم) يرجع إلى قوله ( وينأون عنه) لا إلى
قوله ( ينهون عنه ) لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمفارقة دينه ، وترك الموافقة له وذلك ذم

٢٠٠
قوله تعالى ((ولو ترى إذا وقفوا على النار)) الاية
سورة الأنعام
وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَدَلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِعَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُواْ لَعَادُواْلِمَا نُهُواْ عَنْهُ
وَإِنَّهُمْ لَكَئِذِبُونَ
٢٨
فلا يصح ما رجحتم به هذا القول .
قلنا : إن ظاهر قوله ( وإن يهلكون إلا أنفسهم ) يرجع إلى كل ما تقدم ذكره . لأنه
بمنزلة أن يقال : إن فلاناً يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه ولا يضر بذلك إلا نفسه ، فلا
يكون هذا الضرر متعلقاً بأحد الأمرين دون الآخر .
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن أولئك الكفار كانوا يعاملون رسول الله وَل بنوعين من
القبيح . الأول : إنهم كانوا ينهون الناس عن قبول دينه والاقرار بنبوته . والثاني : كانوا
ينأون عنه، والنأي البعد . يقال : نأى ينأى إذا بعد . ثم قال ( وإن يهلكون إلا أنفسهم وما
يشعرون) قال ابن عباس ، أي وما يهلكون إلا أنفسهم بسبب تماديهم في الكفر وغلوهم فيه.
وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يرتكبون من الكفر والمعصية ، والله
أعلم .
قوله تعالى ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون
من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة من ينهى عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وينأى
عن طاعته بأنهم يهلكون أنفسهم شرح كيفية ذلك الهلاك بهذه الآية وفيها مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قوله (*ولو ترى) يقتضي له جوابا وقد حذف تفخيما للأمر. وتعظيما
للشأن ، وجاز حذفه لعلم المخاطب به وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر . ولو قدرت الجواب ،
كان التقدير : لرأيت سوء منقلبهم . أو لرأيت سوء حالهم . وحذف الجواب في هذه الأشياء
أبلغ في المعنى من إظهاره ، ألا ترى : أنك لو قلت لغلامك ، والله لئن قمت إليك وسكت
عن الجواب ، ذهب بفكره إلى أنواع المكروه ، من الضرب ، والقتل ، والكسر، وعظم الخوف
ولم يدر أي الأقسام تبغي . ولو قلت : والله لئن قمت اليك لأضربنك فأتيت بالجواب ، لعلم
أنك لم تبلغ شيئا غير الضرب . ولا يخطر بباله نوع من المكروه سواه ، فثبت أن حذف الجواب