النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة المائدة
قوله تعالى (( أو كفارة طعام مساكين )) الآية
وطعام مساكين عطف بيان ، لأن الطعام هو الكفارة ولم تضف الكفارة إلى الطعام ، لأن الكفارة
ليست للطعام ، وإنما الكفارة لقتل الصيد .
المسألة الثانية﴾ قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله : كلمة أو في هذه الآية
للتخيير ، وقال أحمد : وزفرانها للترتيب .
حجة الأولين ان كلمة ((أو)) في أصل اللغة للتخيير ، والقول بأنها للترتيب ترك
للظاهر .
حجة الباقين: أن كلمة ((أو)) قد تجيء لا لمعنى للتخيير ، كما في قوله تعالى ( أن يقتلوا
أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) فان المراد منه تخصيص كل واحد من هذه
الأحكام بحالة معينة ، فثبت أن هذا اللفظ يحتمل الترتيب ، فنقول : والدليل دل على أن
المراد هو الترتيب ، لأن الواجب ههنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله ( ليذوق وبال أمره
ومن عاد فينتقم الله منه ) والتخيير ينافي التغليظ .
والجواب : أن إخراج المثل ليس أقوى عقوبة من إخراج الطعام ، فالتخيير لا يقدح في
القدر الحاصل من العقوبة في إيجاب المثل .
المسألة الثالثة﴾ اذا قتل صيداً له مثل قال الشافعي رحمه الله: هو مخير بين ثلاثة
اشياء : ان شاء أخرج المثل ، وان شاء قوم المثل بدراهم ، ويشتري بها طعاما ويتصدق به ،
وان شاء صام ، وأما الصيد الذي لا مثل له ، فهو مخير فيه بين شيئين ، بين أن يقوم الصيد
بالدراهم ويشتري بتلك الدراهم طعاما ويتصدق به ، وبين أن يصوم ، فعلى ما ذكرنا الصيد
الذي له مثل إنما يشتري الطعام بقيمة مثله . وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله : إنما يشتري
الطعام بقيمته ، حجة الشافعي أن المثل من النعم هو الجزاء والطعام بناء عليه فيعدل به كما
يعدل عن الصوم بالطعام ، وأيضا تقويم مثل الصيد أدخل في الضبط من تقويم نفس الصيد ،
وحجة أبي حنيفة رحمه الله : أن مثل المتلف إذا وجب اعتبر بالمتلف لا بغيره ما أمكن ، والطعام
إنما وجب مثلا للمتلف فوجب أن يقدر به .
المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في موضع التقويم ، فقال اكثر الفقهاء: إنما يقوم في المكان
الذي قتل الصيد فيه . وقال الشعبي : يقوم بمكة بثمن مكة لأنه يكفر بها .
المسألة الخامسة ﴾ قال الفراء : العدل ما عادل الشىء من غير جنسه ، والعدل المثل ،
تقول عندي عدل غلامك أو شاتك إذا كان عندك غلام يعدل غلاما أو شاة تعدل شاة ، أما إذا

١٠٢
قوله تعالى ((عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه)) الآية سورة المائدة
اردت قيمته من غير جنسه نصبت العين فقلت عدل . وقال أبو الهيثم : العدل المثل ، والعدل
القيمة ، والعدل اسم حمل معدول بحمل آخر مسوى به ، والعدل تقويمك الشيء بالشيء من
غير جنسه . وقال الزجاج وابن الاعرابي : العدل والعدل سواء وقوله صياما نصب على
التمييز ، كما تقول عندي رطلان عسلا ، وملء بيت قتا ، والأصل فيه إدخال حرف من فيه ،
فان لم يذكر نصبته . تقول : رطلان من العسل وعدل ذلك من الصيام .
المسألة السادسة ﴾ مذهب الشافعي رضي الله عنه : انه يصوم لكل مد يوما وهو قول
عطاء ومذهب أبي حنيفة رحمه الله انه يصوم لكل نصف صاع يوما ، والأصل في هذه المسألة
أنهما توافقا على ان الصوم مقدر بطعام يوم ، إلا أن طعام اليوم عند الشافعي مقدر بالمد ، وعند
أبي حنيفة رحمه الله مقدر بنصف صاع على ما ذكرناه في كفارة اليمين .
المسألة السابعة ﴾ زعم جمهور الفقهاء أن الخيار في تعيين أحد هذه الثلاثة إلى قاتل
الصيد . وقال محمد بن الحسن رحمه الله إلى الحكمين : حجة الجمهور انه تعالى أوجب على
قاتل الصيد أحد هذه الثلاثة على التخيير ، فوجب أن يكون قاتل الصيد مخيرا بين أيها شاء ،
وحجة محمد رحمه الله أنه تعالى جعل الخيار إلى الحكمين فقال ( يحكم به ذوا عدل منكم هديا )
أي كذا وكذا .
وجوابنا : أن تأويل الآية ( فجزاء مثل ما قتل من النعم . أو كفارة طعام مساكين أو
عدل ذلك صياما ) وأما الذي يحكم به ذوا عدل فهو تعيين المثل ، إما في القيمة أو في الخلقة .
ثم قال تعالى ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ الوبال في اللغة: عبارة عما فيه من الثقل والمكروه. يقال: مرعى
وبيل اذا كان فيه وخامة ، وماء وبيل اذا لم يستمر ، أو الطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا
ينهضم ، قال تعالى ( فأخذناه أخذاً وبيلا ) أي ثقيلا .
المسألة الثانية ﴾ إنما سمى الله تعالى ذلك وبالا لأنه خيره بين ثلاثة اشياء : اثنان منها
توجب تنقيص المال ، وهو ثقيل على الطبع ، وهما الجزاء بالمثل والاطعام ، والثالث : يوجب
إيلام البدن وهو الصوم ، وذلك أيضا ثقيل على الطبع ، والمعنى : أنه تعالى أوجب على قاتل
الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في
الحرم وفي حال الاحرام .
ثم قال تعالى ﴿ عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ﴾.

١٠٣
سورة المائدة
قوله تعالى (( أحل لكم صيد البحر وطعامه )) الآية
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةٍ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّمَادُمْتُمْ
◌ُمًا وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ في الآية وجهان: الأول: عفا الله عما مضى في الجاهلية وعما سلف
قبل التحريم في الاسلام .
القول الثاني ﴾ وهو قول من لا يوجب الجزاء إلا في المرة الأولى، أما في المرة الثانية
فانه لا يوجب الجزاء عليه . ويقول انه أعظم من أن يكفره التصدق بالجزاء ، فعلى هذا
المراد : عفا الله عما سلف في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ، ومن عاد اليه مرة ثانية فلا كفارة
لجرمه بل ينتقم الله منه . وحجة هذا القول : أن الفاء في قوله ( فينتقم الله منه ) فاء الجزاء ،
والجزاء هو الكافي ، فهذا يقتضي أن هذا الانتقام كاف في هذا الذنب ، وكونه كافيا يمنع من
وجوب شيء آخر ، وذلك يقتضي أن لا يجب الجزاء عليه .
المسألة الثانية ﴾ قال سيبويه في قوله ( ومن عاد فينتقم الله منه ) وفي قوله ( ومن کفر
فأمتعه قليلا ) وفي قوله ( فمن يؤمن بربه فلا يخاف) ان في هذه الآيات إضماراً مقدارا والتقدير:
ومن عاد فهو ينتقم الله منه ، ومن كفر فأنا أمتعه ، ومن يؤمن بربه فهو لا يخاف، وبالجملة فلا
بد من إضمار مبتدأ يصير ذلك الفعل خبرا عنه ، والدليل عليه : أن الفعل يصير بنفسه جزاء ،
فلا حاجة إلى إدخال حرف الجزاء عليه فيصير إدخال حرف الفاء على الفعل لغوا أما إذا أضمرنا
المبتدأ احتجنا إلى ادخال حرف الفاء عليه ليرتبط بالشرط فلا تصير الفاء لغوا والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ المراد بالصيد المصيد ، وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أجناس ،
الحيتان وجميع أنواعها حلال ، والضفادع وجميع أنواعها حرام ، واختلفوا فيما سوى هذين .
فقال أبو حنيفة رحمه الله انه حرام . وقال ابن أبي ليلى : والاكثرون انه حلال ، وتمسكوا فيه
بعموم هذه الآية ، والمراد بالبحر جميع المياه والانهار .
﴿ المسألة الثانية﴾ انه تعالى عطف طعام البحر على صيده والعطف يقتضى المغايرة
وذكروا فيه وجوها : الأول: وهو الاحسن ما ذكره أبو بكر الصديق رضي الله عنه : أن الصيد

١٠٤
قوله تعالى ((حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما)) الآية. سورة المائدة
ما صيد بالحيلة حال حياته والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في
أخذه هذا هو الأصح مما قيل في هذا الموضع .
والوجه الثاني ﴾ أن صيد البحر هو الطري، وأما طعام البحر فهو الذي جعل
مملحا ، لأنه لما صار عتيقا سقط اسم الصيد عنه ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب
ومقاتل والنخعي وهو ضعيف لأن الذي صار مالحا فقد كان طريا وصيدا في أول الأمر فيلزم
التكرار. والثالث: أن الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره مثل اصطياد الصدف لأجل
اللؤلؤ، واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها واسنانها فقد التغاير بين الاصطياد من
البحر وبين الأكل من طعام البحر والله أعلم .
المسألة الثالثة ﴾ قال الشافعي رحمه الله : السمكة الطافية في البحر محللة . وقال أبو
حنيفة رحمه الله محرمة : حجة الشافعي القرآن والخبر ، أما القرآن فهو انه يمكن أكله فيكون
طعاما فوجب أن يحل لقوله تعالى ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) وأما الخبر فقوله عليه
السلام في البحر ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته )).
المسألة الرابعة ) قوله وللسيارة يعني أحل لكم صيد البحر للمقيم والمسافر ،
فالطري للمقيم ، والمالح للمسافر .
﴿ المسألة الخامسة﴾ في انتصاب قوله متاعا لكم، وجهان: الأول: قال الزجاج
انتصب لكونه مصدرا مؤكدا إلا أنه لما قیل : أحل لکم کان دلیلا على أنه منعم به ، کما أنه لما
قيل ( حرمت عليكم أمهاتكم ) كان دليلا على أنه كتب عليهم ذلك . فقال كتاب الله
عليكم . الثاني : قال صاحب الكشاف: انتصب لكونه مفعولا له ، أي أحل لكم تمتيعا
لكم .
ثم قال تعالى ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ﴾ .
وفيه مسائل :
: المسألة الأولى﴾ انه تعالى ذكر تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه
السورة من قوله ( غير محلى الصيد وأنتم حرم ) الى قوله ( واذا حللتم فاصطادوا ) ومن قوله (لا
تقتلوا الصيد وانتم حرم ) إلى قوله ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) .
﴿ المسألة الثانية ﴾ صيد البحر هو الذي لا يعيش الا في الماء، أما الذي لا يعيش الا في البر
والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر ، فعلى هذا
السلحفاة ، والسرطان ، والضفدع ، وطير الماء . كل ذلك من صيد البر ، ويجب على قاتله
الجزاء .

١٠٥
قوله تعالى ((جعل الله الكعبة البيت الحرام)) الآية. سورة المائدة
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ فِيَدَمَا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَاَلْهَدْىَ وَاَلْقَلَبِدَ
المسألة الثالثة﴾ اتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد ، واختلفوا في الصيد
الذي يصيده الحلال هن يحل للمحرم فيه أربعة أقوال : الأول : وهو قول علي وابن عباس
وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس ، وذكره الثوري واسحق أنه يحرم عليه بكل حال ، وعولوا
فيه على قوله ( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) وذلك لأن صيد البر يدخل فيه ما اصطاده
المحرم وما اصطاده الحلال ، وكل ذلك صيد البر ، وروى أبو داود في سننه عن حميد الطويل
عن اسحق بن عبد الله ابن الحرث عن أبيه قال : كان الحرث خليفة عثمان على الطائف
فصنع لعثمان طعاما وصنع فيه الحجل واليعاقيب ولحوم الوحش فبعث الى علي بن أبي طالب
عليه السلام فجاءه الرسول فجاء فقالوا له كل فقال علي : أطعمونا قوتا حلالا فانا حرم ، ثم
قال علی علیه السلام أنشدالله من کان ههنامن أشجع أتعلمون أن رسول الله أهدی الیه رجل
حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله فقالوا نعم .
﴿ والقول الثاني﴾ أن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد
له ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، والحجة فيه ما روى أبو داود في سننه عن جابر قال :
سمعت رسول الله وَ ل# يقول ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم)).
والقول الثالث ﴾ أنه إذا صيد للمحرم بغير اعانته واشارته حل له وهو قول أبي حنيفة
رحمه الله ، روی عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمین له فسألوا
الرسول وَلّر عنه فقال: هل أشرتم هل أعنتم فقالوا لا . فقال : هل بقي من لحمه شيء
أوجب الاباحة عند عدم الاشارة والاعانة من غير تفصيل .
واعلم أن هذين القولين مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، والثاني في
غاية الضعف .
ثم قال تعالى ﴿ واتقوا الله الذي اليه تحشرون ﴾ والمقصود منه التهديد ليكون المرء مواظبا
على الطاعة محترزا عن المعصية .
قوله تعالى ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي
والقلائد

١٠٦
قوله تعالى ((جعل الله الكعبة البيت الحرام)) الآية سورة المائدة
ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الَّهَ يَعْلَمُ مَا نِ السَّمَنَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَنَّ الََّ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أن الله تعالى حرم في الآية المتقدمة الاصطياد
على المحرم ، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير ، فكذلك هو سبب لأمن الناس
عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة ، وفيه
مسائل .
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر قيما بغير ألف، ومعناه المبالغة في كونه قائما باصلاح
مهمات الناس كقوله تعالى ( ديناقيما ) والباقون بالألف ، وقد استقصينا ذلك في سورة النساء .
﴿ المسألة الثانية﴾ جعل فيه قولان: الأول: أنه بين وحكم ، الثاني: أنه صير،
فالأول بالأمر والتعريف ، والثاني بخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمه والتقرب إليه .
المسألة الثالثة﴾ سميت الكعبة كعبة لارتفاعها ، يقال للجارية إذا نتأ ثديها وخرج
کاعب وکعاب ، وکعب الانسان يسمى كعبا لنتوه من الساق ، فالكعبة لما ارتفع ذكرها في الدنيا
واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الأسم ، ولذلك فانهم يقولون لمن عظم أمره فلان علا
كعبه .
٠
﴿ المسألة الرابعة) قوله قياما للناس أصله قوام لأنه من قام يقوم ، وهو ما يستقيم به
الأمر ويصلح ، ثم ذكروا ههنا في كون الكعبة سببا لقوام مصالح الناس وجوها : الأول : أن
أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون اليه طول
السنة ، فان مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع ، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون اليه ، فالله
تعالى جعل الكعبة معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها ، فيسافرون اليها
من كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات ، فصار ذلك سببا لاسباغ
النعم على أهل مكة . الثاني : أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم ، فكان أهل
الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لولقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض
له ، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولهذا قال تعالى ( أو لم
٠

١٠٧
قوله تعالى ((جعل الله الكعبة البيت الحرام)) الآية سورة المائدة
يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) الثالث : أن أهل مكة صاروا بسبب
الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق الى يوم القيامة وكل أحد يتقرب اليهم ويعظمهم والرابع :
أنه تعالى جعل الكعبة قواما للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات
الشريفة ، وجعل تلك المناسك سببا لحط الخطيآت ، ورفع الدرجات وكثرة الكرامات .
واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه ، وذلك لأن قوام المعيشة إما بكثرة
المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه ، وإما بدفع الضمار وهو الوجه الثاني ، واما بحصول
الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث ، واما بحصول الدين وهو الوجه الرابع ، فلما كانت الكعبة
سببا لحصول هذه الأقسام الأربعة ، وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن
الكعبة سبب لقوام الناس .
المسألة الخامسة﴾ المراد بقوله ( قياما للناس ) أي لبعض الناس وهم العرب، وانما
حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فانهم لا يريدون الا
أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم .
المسألة السادسة ﴾ اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء سببا لقيام
الناس وقوامهم . الأول : الكعبة وقد بينا معنى كونها سببا لقيام الناس ، وأما الثاني : فهو
الشهر الحرام معنى كونه سيبالقيام الناس هو أن العرب كان يقتل بعضهم بعضا في سائر
الأشهر ، ويغير بعضهم على بعض ، فاذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الاسفار
والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات
ما كان يكفيهم طول السنة ، فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع والشدة فكان
الشهر الحرام سببا لقوام معيشتهم في الدنيا أيضا . فهو سبب لاكتساب الثواب العظيم بسبب
اقامة مناسك الحج .
واعلم أنه تعالى أراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة الا أنه عبر عنها بلفظ الواحد
لأنه ذهب به مذهب الجنس . وأما الثالث : فهو الهدي وهو انما كان سببا لقيام الناس ، لأن
الهدى ما يهدى الى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكا للمهدي
وقواما لمعيشة الفقراء . وأما الرابع : فهو القلائد ، والوجه في كونها قياما للناس أن من قصد
البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد، ومن قصده في غير الشهر الحرام ومعه هدي ، وقد
قلده وقلد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد ، حتى أن الواحد من العرب يلقى
الهدي مقلدا ، ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة ، ولم يتعرض لها صاحبها أيضا ، وكل

١٠٨
قوله تعالى ((ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات)) الآية سورة المائدة
ذلك انما كان لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام ، فكل من قصده أو تقرب اليه
صار آمنا من جميع الآفات والمخافات ، فلما ذكر الله تعالى أنه جعل الكعبة البيت الحرام قياما
للناس ذكر بعده هذه الثلاثة ، وهي الشهر الحرام والهدي والقلائد ، لأن هذه الثلاثة انما
صارت سببا لقوام المعيشة لانتسابها الى البيت الحرام ، فكان ذلك دليلا على عظمة هذا البيت
وغاية شرفه .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل
شيء عليم ﴾ .
والمعنى : أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص الشديد على القتل
والغارة وعلم أنه لودامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون اليه من منافع
المعيشة ، ولأدى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلية ، دبر في ذلك تدبيرا لطيفا ، وهو أنه القى
في قلوبهم اعتقادا قويا في تعظيم البيت الحرام وتعظيم مناسكه ، فصار ذلك سببا لحصول الأمن
في البلد الحرام ، وفي الشهر الحرام ، فلما حصل الأمن في هذا المكان وفي هذا الزمان ، قدروا
على تحصيل ما يحتاجون اليه في هذا الزمان ، وفي هذا المكان ، فاستقامت مصالح معاشهم ،
ومن المعلوم أن مثل هذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان تعالى في الأزل عالما بجميع المعلومات من
الكليات والجزئيات حتى يعلم ان الشرغالب على طباعهم ، وأن ذلك يفضي بهم الى الفناء
وانقطاع النسل ، وأنه لا يمكن دفع ذلك إلا بهذا الطريق اللطيف ، وهو القاء تعظيم الكعبة في
قلوبهم حتى يصير ذلك سببا لحصول الأمان في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، فحينئذ
تستقيم مصالح معاشهم في ذلك المكان ، وفي ذلك الزمان ، وهذا هو يعينه الدليل الذي
تمسك به المتكلمون على كونه تعالى عالما ، فانهم يقولون ان أفعاله محكمة متقنة مطابقة
للمصالح ، وكل من كان كذلك كان عالما ، ومن المعلوم ان القاء تعظيم الكعبة في قلوب
العرب لأجل أن يصير ذلك سببا لحصول الأمن في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، ليصير
ذلك سبب اقتدارهم على تحصيل مصالح المعيشة ، فعل في غاية الاتقان والاحكام ، فيكون
ذلك دليلا قاهراً وبرهاناً باهراً ، على أن صانع العالم سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات ،
فلا جرم قال ذلك ( لتعلموا ) أي ذلك التدبير اللطيف لأجل ان تتفكروا فيه ، فتعلموا أنه تدبير.
لطيف وفعل محكم متقن ، فتعلموا ( أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ) ثم إذا عرفتم
ذلك عرفتم أن علمه سبحانه وتعالى صفة قديمة أزلية واجبة الوجود ، وما كان كذلك ،
امتنع ان يكون مخصوصاً بالبعض دون البعض ، فوجب كونه متعلقاً بجميع المعلومات ، وإذا
كان كذلك ، كان الله سبحانه عالما بجميع المعلومات ، فلذلك قال ( وأن الله بكل شيء

سورة المائدة ١٠٩
قوله تعالى ((اعلموا ان الله شديد العقاب وأن الله)) الآية
مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا
أَعْلُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
الْبَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ قُل لَّا يَسْتَوِى الْحَبِيتُ
وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْحَبِيثِ فَتَّقُوا اللهَ يَأْوْلِ آلْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (
١٠
عليم ) فما أحسن هذا الترتيب في هذا التقدير والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان
هدانا الله .
قوله تعالى ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ﴾ لما ذكر الله تعالى أنواع
رحمته بعباده ، ذكر بعده أنه شديد العقاب ، لأن الايمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف كما قال
عليه الصلاة والسلام ((لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا )) ثم ذكر عقيبه ما يدل على الرحمة
وهو كونه غفورا رحيما وذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب ، لأنه تعالى ذكر فيما قبل أنواع
رحمته وكرمه ، ثم ذكر أنه شديد العقاب ثم ذكر عقيبه وصفين من أوصاف الرحمة وهو كونه
غفوراً رحيما ، وهذا تنبيه على دقيقة وهي أن ابتداء الخلق والايجاد كان لأجل الرحمة ، والظاهر
أن الختم لا يكون إلا على الرحمة .
ثم قال تعالى ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون﴾ واعلم أنه
تعالى لما قدم الترهيب والترغيب بقوله ( إن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ) أتبعه
بالتكليف بقوله ( ما على الرسول إلا البلاغ ) يعني أنه كان مكلفاً بالتبليغ فلما بلغ خرج عن
العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنا عالم بما تبدون وبما تكتمون ، فإن خالفتم فاعلموا أن الله
شديد العقاب ، وإن أطعتم فاعلموا أن الله غفور رحيم .
ثم قال تعالى ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ﴾ .
اعلم أنه تعالى : لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله ( اعلموا أن الله شديد
العقاب وأن الله غفور رحيم ) ثم أتبعه بالتكليف بقوله ( ما على الرسول إلا البلاغ ) ثم أتبعه
بالترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله ( والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) أتبعه بنوع
آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية فقال ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ) وذلك

١١٠
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبدلكم)) الآية سورة المائدة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْعَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ
يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاَللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ ﴿٢﴾
لأن الخبيث والطيب قسمان : أحدهما : الذي يكون جسمانياً، وهو ظاهر لكل أحد ،
والثاني : الذي يكون روحانياً ، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية ، وأطيب
الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعة الله تعالى ، وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء
من النجاسات يصير مستقذراً عند أرباب الطباع السليمة ، فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل
بالله والأعراض عن طاعة الله تعالى تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة . وأما الأرواح
العارفة بالله تعالى المواظبة على خدمة الله تعالى ، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الالهية مبتهجة
بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة ، وكما أن الخبيث والطيب في عالم الجسمانيات لا
يستويان ، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان ، بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات
أشد ، لأن مضرة خبث الخبيث الجسماني شيء قليل ، ومنفعة طيبه مختصرة ، وأما خبث
الخبيث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة أبدية ، وطيب الطيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة
أبدية ، وهو القرب من جوار رب العالمين ، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين ، والمرافقة من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة
والتنفير عن المعصية .
ثم قال تعالى ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾ يعني أن الذي يكون خبيثاً في عالم
الروحانيات ، قد يكون طيباً في عالم الجسمانيات ، ويكون كثير المقدار ، وعظيم اللذة ، إلا
أنه مع كثرة مقداره ولذاذة متناوله وقرب وجدانه ، سبب للحرمان من السعادات الباقية
الأبدية السرمدية ، التي إليها الاشارة بقوله ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ) وإذا كان
الأمر كذلك فالخبيث ولو أعجبك كثرته ، يمتنع أن يكون مساوياً للطيب الذي هو المعرفة
والمحبة والطاعة والابتهاج بالسعادات الروحانية والكرامات الربانية .
ولما ذكر تعالى هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة ، والتحذيرات من المعصية ، أتبعها
بوجه آخر يؤكدها ، فقال تعالى ﴿فاتقوا الله يا أولى الألباب لعلكم تفلحون﴾ أي فاتقوا الله
بعد هذه البيانات الجلية ، والتعريفات القوية ، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين
بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم ﴾ في الآية

١١١
سورة المائدة
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء)) الآية
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَ أَصْبَحُواْ بِهَا كِّرِينَ أ
٦
المسألة الأولى﴾ في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال ( ما
على الرسول إلا البلاغ ) صار التقدير كأنه قال ، ما بلغه الرسول إليكم فخذوه ، وكونوا
منقادين له ، وما لم يبلغه الرسول إليكم فلا تسألوا عنه ، ولا تخوضوا فيه ، فإنكم إن خضتم
فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم
ويشق عليكم . الثاني : أنه تعالى لما قال ( ما على الرسول إلا البلاغ) وهذا ادعاء منه
للرسالة ، ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات ، بمعجزات أخر على سبيل
التعنت كما قال تعالى حاكياً عنهم (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً) إلى
قوله ( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً) والمعنى إني رسول أمرت بتبليغ الرسالة
والشرائع والأحكام اليكم ، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار
أنواع كثيرة من المعجزات ، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم وذلك ليس في وسعي
ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب
العقاب في الدنيا ، ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلىَّ الله عليه وسلم بهذه
المعجزات ، وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك
فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم .
الوجه الثالث ﴾ أن هذا متصل بقوله (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) فاتركوا
الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبدلكم تسؤكم .
﴿ المسألة الثانية ﴾ أشياء جمع شيء وأنها غير منصرفة وللنحويين في سبب امتناع الصرف
وجوه الأول : قال الخليل وسيبويه : قولنا شيء جمعه في الأصل شياء على وزن فعلاء فاستثقلوا
اجتماع الهمزتين في آخره ، فنقلوا الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجاءت
لفعاء ، وذلك يوجب منع الصرف لثلاثة أوجه ، واحد منها مذكور ، واثنان خطرا ببالي .
أما الأول : وهو المذكور فهو أن الكلمة لما كانت في الأصل على وزن فعلاء ، مثل
حمراء ، لا جرم لم تنصرف كما لم ينصرف حمراء ، والثاني : أنها لما كانت في الأصل شياء ثم
جعلت أشياء كان ذلك تشبيهاً بالمعدول كما في عامر وعمر ، وزافر وزفر ، والعدل أحد
أسباب منع الصرف. الثالث : وهو أنا لما قطعنا الحرف الأخير منه وجعلناه أوله ، والكلمة

١١٢
قوله تعالى ((وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم)) الآية سورة المائدة
من حيث أنها قطع منها الحرف الأخير صارت كنصف الكلمة ، ونصف الكلمة لا يقبل
الاعراب . ومن حيث أن ذلك الحرف الذي قطعناه منها ما حذفناه بالكلية ، بل ألصقناه
بأولها ، كانت الكلمة كأنها باقية بتمامها ، فلا جرم منعناه ، بعض وجوه الاعراب دون
البعض ، تنبيهاً على هذه الحالة ، فهذا ما خطر بالبال في هذا المقام .
الوجه الثاني ﴾ في بيان السبب في منع الصرف ما ذكره الأخفش والفراء: وهو أن
أشياء وزنه أفعلاء ، كقوله أصدقاء وأصفياء ، ثم إنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فقدموا
الهمزة ، فلما كان أشياء في الأصل أشياء على وزن أصدقاء وأفعلاء ، وكان ذلك مما لا يجري
فيه الصرف، فكذا ههنا .
الوجه الثالث ﴾ ما ذكره الكسائي: وهو أن أشياء على وزن أفعال ، إلا أنهم لم
يصرفوه لكونه شبيهاً في الظاهر بحمراء وصفراء ، وألزمه الزجاج أن لا ينصرف أسماء وأبناء ،
وعندي أن سؤال الزجاج ليس بشيء ، لأن الكسائي أن يقول : القياس يقتضي ذلك في أبناء
وأسماء ، إلا أنه ترك العمل به للنص ، لأن النص أقوى من القياس ، ولم يوجد النص في
لفظ أشياء فوجب الجري فيه على القياس ، ولأن المحققين من النحويين اتفقوا على أن العلل
النحوية لا توجب الاطراد ، ألا ترى أنا إذا قلنا الفاعلية توجب الرفع ، لزمنا أن نحكم
بحصول الرفع في جميع المواضع ، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا بل نقول : القياس ذلك
فيعمل به ، إلا إذا عارضه فكذا القول فيما أورده الزجاج على الكسائي .
المسألة الثالثة﴾ روى أنس أنهم سألوا النبي صلىَّ الله عليه وسلم فأكثروا المسألة ،
فقام على المنبر فقال (( سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم
به)) فقام عبدالله ابن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه ، فقال يا نبي الله من أبي فقال
(( أبوك حذافة بن قيس)) وقال سراقة بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول الله: الحج
علينا في كل عام فأعرض عنه رسول الله صلىَّ الله عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة ،
فقال: عليه الصلاة والسلام (( ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو
وجبت لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم
فإذا أمرتكم بشىء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه )) وقام آخر فقال يا
رسول الله أين أبي فقال في ((النار)) ولما اشتد غضب الرسول صلىَّ الله عليه وسلم قام عمر
وقال : رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً فأنزل الله تعالى هذه الآية .
واعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة یکره ظهورها وربما

١١٣
سورة المائدة
قوله تعالى ((وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم)) الآية
ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه ، ألا ترى
أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه الصلاة والسلام بغير أبيه
فيفتضح ، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلىَّ الله عليه وسلم فيه ((إن
أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من كان سبباً لتحريم حلال إذ لم يؤمن أن يقول في الحج
إيجاب في كل عام)) وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه، وما
حرم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله تعالى ، ثم يتلو
هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني : إن الله فرض فراض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا
تنتهكوها، وحدد حدوداً فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها .
ثم قال تعالى ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم ﴾ وفيه وجوه؛ الأول: أنه بين
بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها أبديت لهم ساءتهم ثم بين بهذه الآية أنهم إن
سألوا عنها أبديت لهم ، فكان حاصل الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، وإن أبديت
لهم ساءتهم ، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم .
والوجه الثاني: في تأويل الآية ان السؤال على قسمين: أحدهما: السؤال عن شيء لم يجر ذكره
في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه، فهذا السؤال منهي عنه بقوله (لا تسألوا عن أشياء إن تبد
لكم تسؤكم).
﴿ والنوع الثاني من السؤال﴾ السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه
كما ينبغي فههنا السؤال واجب ، وهو المراد بقوله (وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم )
والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما منع في الآية الأولى من السؤال أوهم أن جميع أنواع السؤال
ممنوع منه فذكر ذلك تمييزاً لهذا القسم عن ذلك القسم .
فإن قيل قوله ( وإن تسألوا عنها ) هذا الضمير عائد إلى الأشياء المذكورة في قوله ( لا
تسألوا عن أشياء) فكيف يعقل في ( أشياء) بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعاً وجائزاً
معاً .
قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعاً قبل نزول
القرآن بها ومأموراً به بعد نزول القرآن بها ، والثاني : أنهما وإن كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما
في كون كل واحد منهما مسئولاً عنه شيء واحد ، فلهذا الوجه حسن اتحاد الضمير وإن كانا في
الحقيقة نوعين مختلفين .
الفخر الرازي ج١٢ م٨

١١٤
قوله تعالى ((عفا الله عنها والله غفور حليم)) الآية
سورة المائدة
الوجه الثالث في تأويل الآية ﴾ إن قوله ( لا تسألوا عن أشياء) دل على سؤالاتهم عن
تلك الأشياء ، فقوله ( وإن تسألوا عنها ) أي وإن تسألوا عن تلك السؤالات حين ينزل القرآن
يبين لكم أن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا ، والحاصل أن المراد من هذه الآية أنه يجب
السؤال أولا ، وأنه هل يجوز السؤال عن كذا وكذا أم لا .
ثم قال تعالى ( عفا الله عنها ﴾ وفيه وجوه : الأول : عفا الله عما سلف من مسائلكم
وإغضابكم للرسول بسببها ، فلا تعودوا إلى مثلها . الثاني : أنه تعالى ذكر أن تلك الأشياء
التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم ، فقال ( عفا الله عنها ) يعني عما ظهر عند تلك
السؤالات مما يسؤكم ويثقل ويشق في التكليف عليكم . الثالث : في الآية تقديم وتأخير .
والتقدير : لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها في الآية ( إن تبدلكم تسؤكم ) وهذا ضعيف لأن
الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير ، وعلى هذا الوجه
فقوله ( عفا الله عنها ) أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء ، وهذا كقوله
عليه الصلاة والسلام ((عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق )) أي خففت عنكم باسقاطها .
ثم قال تعالى ﴿والله غفور حليم﴾ وهذه الآية تدل على أن المراد من قوله عفا الله عنها
ما ذكرناه فى الوجه الأول .
ثم قال تعالى ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ﴾ قال المفسرون : يعني
قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها . وقوم موسى قالوا : أرنا الله جهرة فصار ذلك وبالاً
عليهم ، وبنو إسرائيل قالوا لنبي لهم : أبعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله قال تعالى ( فلما
كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم ، وقالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك
منه ) فسألوها ثم كفروا بها ، وقوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها ، فكأنه تعالى يقول أولئك
سألوا فلما أعطوا سؤلهم ساءهم ذلك فلا تسألوا عن أشياء فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم
ذلك فإن قيل : إنه تعالى قال : أولا ( لا تسألوا عن أشياء ) ثم قال ههنا ( قد سألها قوم من
قبلكم ) وكان الأولى أن يقول : قد سأل عنها قوم فما السبب في ذلك .
قلنا الجواب من وجهين : الأول : أن السؤال عن الشيء عبارة عن السؤال عن حالة
من أحواله ، وصفة من صفاته ، وسؤال الشيء عبارة عن طلب ذلك الشيء في نفسه ، يقال :
سألته درهماً أي طلبت منه الدرهم ويقال : سألته عن الدرهم أي سألته عن صفة الدرهم وعن
نعته . فالمتقدمون إنما سألوا من الله إخراج الناقة من الصخرة ، وإنزال المائدة من
السماء ، فهم سألوا نفس الشيء، وأما أصحاب محمد صلىَّ الله عليه وسلم فهم ما سألوا

١١٥
سورة المائدة
قوله تعالى ((ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا)) الآية
مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بِرَةٍ وَلَا سَآِيَةٍ وَلَ وَصِيلَةٍ وَلَا حَاٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ أ
ذلك ، وإنما سألوا عن أحوال الأشياء وصفاتها ، فلما اختلف السؤالان في النوع ، اختلفت
العبارة أيضاً إلا أن كلا القسمين يشتركان في وصف واحد ، وهو أنه خوض في الفضول ،
وشروع فيما لا حاجة إليه ، وفيه خطر المفسدة ، والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر
المفسدة ، يجب على العاقل الاحتراز عنه ، فبين تعالى أن قوم محمد عليه السلام في السؤال
عن أحوال الأشياء مشابهون لأولئك المتقدمين في سؤال تلك الأشياء فی کون کل واحد منهما
فضولاً وخوضاً فيما لا فائدة فيه.
﴿ الوجه الثاني﴾ في الجواب أن الهاء في قوله ( قد سألها) غير عائدة إلى الأشياء التي
سألوا عنها ، بل عائدة إلى سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، والتقدير : قد سأل تلك السؤالات
الفاسدة التي ذكرتموها قوم من قبلكم ، فلما أجيبوا عنها أصبحوا بها كافرين .
قوله تعالى ﴿ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ﴾ في الآية مسائل:
﴿المسألة الأولى﴾ إعلم أنه تعالى لما منع الناس من البحث عن أمور ما كلفوا بالبحث
عنها كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها ، ولما كان الكفار يحرمون على أنفسهم
الانتفاع بهذه الحيوانات وإن كانوا في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها ، بین تعالى إن ذلك باطل
فقال ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ).
﴿ المسألة الثانية﴾ إعلم أنه يقال: فعل وعمل وطفق وجعل وأنشأ وأقبل ، وبعضها
أعم من بعض ، وأكثرها عموماً فعل ، لأنه واقع على أعمال الجوارح وأعمال القلوب ، أما
إنه واقع على أعمال الجوارح فظاهر ، وأما إنه واقع على أعمال القلوب ، فالدليل عليه قوله
تعالى ( لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا. إلى قوله كذلك فعل الذين من
قبلهم ) وأما عمل فإنه أخص من فعل ، لأنه لا يقع إلا على أعمال الجوارح ، ولا يقع على
الهم والعزم والقصد ، والدليل عليه قوله عليه السلام (( نية المؤمن خير من عمله)) جعل النية
خيراً من العمل ، فلو كانت النية عملاً ، لزم كون النية خيراً من نفسها ، وأما جعل فله
وجوه: أحدها : الحكم ومنه قوله ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) وثانيها :
الخلق ، ومنه قوله ( وجعل الظلمات والنور ) وثالثها : بمعنى التصيير ومنه قوله ( إنا جعلناه

١١٦
قوله تعالى ((ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة)) الآية
سورة المائدة
قرآناً عربياً ) .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( ما جعل الله ) أي ما حكم الله بذلك ولا شرع ولا أمر
به .
المسألة الثالثة ﴾ أنه تعالى ذكرههنا أربعة أشياء: أولها البحيرة: وهي فعيلة من
البحر وهو الشق ، يقال : بحر ناقته إذا شق أذنها ، وهي بمعنى المفعول ، قال أبو عبيدة
والزجاج : الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، وكان آخرها ذكراً . شقوا أذن الناقة وامتنعوا من
ركوبها وذبحها وسيبوها لآلهتهم ، ولا يجز لها وبر ، ولا يحمل على ظهرها ، ولا تطرد عن ماء ،
ولا تمنع عن مرعى ، ولا ينتفع بها وإذا لقيها المعبي لم يركبها تحريجاً .
وأما السائبة : فهي فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض يقال : ساب الماء
وسابت الحية ، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت ، وهي المسيبة كعيشة
راضية بمعنى مرضية ، وذكروا فيها وجوهاً : أحدها : ما ذكره أبو عبيدة ، وهو أن الرجل كان
إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيراً ، فكان بمنزلة البحيرة في جميع
ما حكموا لها ، وثانيها : قال الفراء : إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث ، سيبت فلم
تركب ولم تحلب ولم يجز لها وبر ، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف، وثالثها : قال ابن
عباس : السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها ، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء ،
فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل ، ورابعها : السائبة
هو العبد يعتق على أن لا يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث .
وأما الوصيلة : فقال المفسرون : إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم . وإن ولدت ذكراً فهو
لآلهتهم ، وإن ولدت ذكراً أو أنثى قالوا : وصلت أخاها ، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم ،
فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها وصلت بغيرها ، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصّلت
أخاها ، وأما الحام فيقال : حماه يحميه إذا حفظه وفيه وجوه : أحدها : الفحل إذا ركب ولد
ولده . قيل : حمى ظهره أي حفظه عن الركوب فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا
مرعى إلى أن يموت فحينئذ تأكله الرجال والنساء : وثانيها : إذا نتجت الناقة عشرة أبطن قالوا
حمت ظهرها حكاه أبو مسلم . وثالثها : الحام هو الفحل الذي يضرب في الابل عشر سنين
، فيخلي ، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها . وهو قول السدي .
فإن قيل : إذا جاز إعتاق العبيد والاماء فلم لا يجوز إعتاق هذه البهائم من الذبح

١١٧
سورة المائدة
قوله تعالى ((وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله)) الآية
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْجُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ
ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
والأتعاب والإِيلام .
قلنا : الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته ، فإذا تمرد عن طاعة الله تعالى عوقب
بضرب الرق عليه ، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة الله تعالى ، فكان ذلك عبادة مستحسنة ،
وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع المكلفين ، فتركها وإهمالها يقتضي فوات منفعة على
مالكها من غير أن يحصل في مقابلتها فائدة ، فظهر الفرق ، وأيضاً الانسان إذا كان عبداً
فأعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه ، وأما البهيمة إذا أعتقت وتركت لم تقدر على رعاية
مصالح نفسها فوقعت في أنواع من المحنة أشد وأشق مما كانت فيها حال ما كانت مملوكة فظهر
الفرق .
ثم قال تعالى ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ﴾ .
قال المفسرون : إن عمرو بن حي الخزاعي کان قد ملك مکة وکان اول من غیر دین
إسمعيل ، فاتخذ الأصنام ، ونصب الأوثان ، وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . قال
النبي صلىَّ الله عليه وسلم ((فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه)) والقصب المعا
وجمعه الأقصاب ، ويروي يجر قصبه في النار . قال ابن عباس : قوله ( ولكن الذين كفروا
يفترون على الله الكذب) يريد عمرو بن لحي وأصحابه . يقولون على الله هذه الأكاذيب
والأباطيل في تحريمهم هذه الأنعام، والمعنى أن الرؤساء يفترون على الله الكذب ، فأما الأتباع
والعوام فأكثرهم لا يعقلون ، فلا جرم يفترون على الله هذه الأكاذيب من أولئك الرؤساء .
ثم قال تعالى ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا
عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون﴾.
والمعنى معلوم وهو رد على أصحاب التقليد وقد استقصينا الكلام فيه في مواضع كثيرة .
واعلم أن الواو في قوله ( أو لو كان آباؤهم ) واو الحال دخلت عليها همزة الإنكار ،
وتقديره أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون .
واعلم أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي ، وإنما يكون عالماً مهتدياً إذا بنى قوله على

١١٨
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا عليكم انفسكم)) الآية سورة المائدة
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَهِ مَنْ جِعُكُمْ
◌َيِعًا فَبُنَيِّئُكُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (
١٠٥
الحجة والدليل ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالماً مهتدياً ، فوجب أن لا يجوز الاقتداء به .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ .
في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ لما بين أنواع التكاليف والشرائع والأحكام ثم قال ( ما على الرسول
إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) إلى قوله ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى
الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ) فكأنه تعالى قال . إن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من
أنواع المبالغة في الاعذار والانذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل بقوا مصرين
على جهلهم مجدين على جهالاتهم وضلالتهم ، فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم ،
بل كونوا منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه ، فلا يضركم ضلالتهم وجهالتهم ،
فلهذا قال ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) .
﴿ المسألة الثانية) قوله (عليكم أنفسكم) أي احفظوا من ملابسة المعاصي والاصرار
على الذنوب قال النحويون عليك وعندك ودونك من جملة أسماء الأفعال . تقول العرب :
عليك وعندك ودونك ، فيعدونها إلى المفعول ويقيمونها مقام الفعل ، وينصبون بها . فيقال :
عليك زيداً كأنه قال : خذ زيداً فقد علاك ، أي أشرف عليك . وعندك زيداً، أي حضرك
فخذه ودونك ، أي قرب منك فخذه ، فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة
النصب بها ونقل صاحب الكشاف ( عليكم أنفسكم ) بالرفع عن نافع .
المسألة الثالثة ﴾ ذكروا في سبب النزول وجوهاً: أحدها : ما روى الكلبي عن أبي
صالح عن ابن عباس أن النبي صلىَّ الله عليه وسلم لما قبل من أهل الكتاب الجزية ولم يقبل من
العرب إلا الإسلام أو السيف، عير المنافقون المؤمنين بقبول الجزية من بعض الكفار دون
البعض ، فنزلت هذه الآية أي ( لا يضركم ) ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى ، وثانيها :
أن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالتهم . فقيل : لهم عليكم أنفسكم .
وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى ( لا يضركم ) ضلال الضالين ولا جهل

١١٩
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا عليكم انفسكم)) الآية سورة المائدة
الجاهلين ، وثالثها : أكانوا يغتمون لعشائرهم لما ماتوا على الكفر فنهوا عن ذلك ، والأقرب
عندي أنه لما حكى عن بعضهم أنه إذا قيل لهم ( تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا
حسبناما وجدنا عليه آباءنا ) ذكر تعالى هذه الآية ، والمقصود منها بيان أنه لا ينبغي للمؤمنين
أن يتشبهوا بهم في هذه الطريقة الفاسدة ، بل ينبغي أن يكونوا مصرين على دينهم ، وأن
يعلموا أنه لا يضرهم جهل أولئك الجاهلين إذا كانوا راسخين في دينهم ثابتين فيه .
المسألة الرابعة) فإن قيل: ظاهر هذه الآية: يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر غير واجب .
قلنا الجواب عنه من وجوه : الأولى : وهو الذي عليه أكثر الناس ، إن الآية لا تدل
على ذلك بل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذاً بذنوب العاصي ، فأما وجوب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالدلائل ، خطب الصديق رضي الله عنه . فقال : إنكم
تقرؤن هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ) وتضعونها غير موضعها وإني سمعت
رسول الله وَلو يقول ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب)).
﴿والوجه الثاني في تأويل الآية﴾ ما روى عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا قوله
( عليكم أنفسكم ) يكون هذا في آخر الزمان : قال ابن مسعود لما قرئت عليه هذه الآية ليس
هذا بزمانها ، ما دامت قلوبكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً ولم يذق بعضكم بأس بعض ، فأمروا
وأنهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً ووكل كل امرىء ونفسه ، فعند ذلك جاء
تأويل هذه الآية ، وهذا القول عندي ضعيف، لأن قوله ( يا أيها الذين آمنوا ) خطاب عام ،
وهو أيضاً خطاب مع الحاضرين فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب .
والوجه الثالث في تأويل الآية ﴾ ما ذهب إليه عبدالله بن المبارك فقال : هذه أوكد آية
في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه قال ( عليكم أنفسكم ) يعني عليكم أهل
دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار ، وهذا كقوله ( فاقتلوا أنفسكم ) يعني أهل دينكم
فقوله ( عليكم أنفسكم ) يعني بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغب بعضكم بعضاً في الخيرات ،
وينفره عن القبائح والسيئات ، والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله ( عليكم أنفسكم ) معناه
احفظوا أنفسكم . فكان ذلك أمراً بأن تحفظ فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر كان ذلك واجباً .
والوجه الرابع ﴾ أن الآية مخصوصة بالكفار الذين علم أنه لا ينفعهم الوعظ، ولا
يتركون الكفر، بسبب الأمر بالمعروف، فههنا لا يجب على الانسان أن يأمرهم بالمعروف ،

١٢٠.
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم» الآية
سورة المائدة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَثُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ
والذي يؤكد هذا القول ما ذكرنا في سبب النزول أن الآية نازلة في المنافقين ، حيث عيروا
المسلمين بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون المشركين .
الوجه الخامس﴾ أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الانسان عند الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله ، فههنا عليه نفسه لا تضره ضلالة من ضل ولا
جهالة من جهل ، وكان ابن شبرمة . يقول : من فر من اثنين فقد فر . ومن فر من ثلاثة فلم
يفر .
﴿ الوجه السادس ﴾ لا يضركم إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ضلال من
ضل فلم يقبل ذلك .
﴿ الوجه السابع﴾ (عليكم أنفسكم ) من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر
بالمعروف عند القدرة ، فإن لم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك فإنكم خرجتم عن
عهدة تكلیفکم فلا يضركم ضلال غيركم .
والوجه الثامن﴾ أنه تعالى قال لرسوله ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك)
وذلك لا يدل على سقوط الأمر بالمعروف عن الرسول فكذا ههنا .
المسألة الخامسة) قرىء لا يضركم بفتح الراء مجزوماً على جواب قوله ( عليكم
أنفسكم ) وقرىء بضم الراء ، وفيه وجهان : أحدهما : على وجه الخبر أي ليس يضركم من
ضل ، والثاني : أن حقها الفتح على الجواب ولكن ضمت الراء اتباعاً لضمة الضاد .
ثم قال تعالى ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ يريد مصيركم ومصير من خالفكم
فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ يعني یجازیکم بأعمالكم .
قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية
﴾ .
إعلم أنه تعالى : لما أمر بحفظ النفس في قوله ( عليكم أنفسكم ) أمر بحفظ المال في قوله
( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ اتفقوا على أن سبب نزول هذه الآية أن تميماً الداري وأخاه عدياً
كانا نصرانيين خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلماً مهاجراً ،