النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ قوله تعالى ((فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم)) الآية سورة المائدة عدم الثبات كما قررناه . ﴿ المسألة الثانية﴾ أن باب حسب من الأفعال التي لا بد لها من مفعولين، إلا أن قوله ( أن لا تكون فتنة ) جملة قامت مقام مفعولي حسب لأن معناه : وحسبوا الفتنة غير نازلة بهم . المسألة الثالثة﴾ ذكر المفسرون في ((الفتنة)) وجوها، وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، ثم عذاب الدنيا أقسام : منها القحط ، ومنها الوباء ، ومنها القتل ، ومنها العداوة ، ومنها البغضاء فيما بينهم ، ومنها الادبار والنحوسة ، وكل ذلك قد وقع بهم ، وكل واحد من المفسرين حمل الفتنة على واحد من هذه الوجوه . واعلم أن حسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين : الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن النسخ ممتنع على شرع موسى عليه السلام ، وكانوا يعتقدون أن الواجب عليهم في كل رسول جاء بشرع آخر أنه يجب عليهم تكذيبه وقتله ، والثاني : أنهم وإن اعتقدوا في أنفسهم كونهم مخطئين في ذلك التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكانوا يعتقدون أن نبوة أسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب . ثم قال تعالى ﴿ فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون ﴾ . وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ الآية دالة على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين . واختلف المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه : الأول : المراد أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ، ثم تاب الله على بعضهم حيث وفق بعضهم للايمان به ، ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد عليه الصلاة والسلام بأن أنكروانبوته ورسالته ، وإنما قال ( كثير منهم ) لأن اكثر اليهود وإن أصروا على الكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام إلا أن جمعاً منهم آمنوا به : مثل عبدالله بن سلام وأصحابه . الثاني : عموا وصموا حين عبدوا العجل ، ثم تابوا عنه فتاب الله عليهم ، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت ، وهو طلبهم رؤية الله جهرة ونزول الملائكة : الثالث : قال القفال رحمه الله تعالى: ذكر الله تعالى في سورة بني اسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيراً لهذه الآية فقال ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ٦٢ قوله تعالى ((فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم)) الآية سورة المائدة لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) فهذا في معنى ( فعموا وصموا ) ثم قال ( فاذا جاء وعد الآخرة ليسوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ) فهذا في معنى قوله ( ثم عموا وصموا كثير منهم ) الرابع : أن قوله ( فعموا وصموا ) إنما كان برسول أرسل اليهم مثل داود وسليمان وغيرهما فآمنوا به فتاب الله عليهم ، ثم وقعت فترة فعموا وصموا مرة أخرى . ﴿ المسألة الثانية) قرىء. عموا وصموا بالضم على تقدير: عماهم الله وصمهم الله، أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم ، كما تقول : نزكته إذا ضربته بالنزك ، وهو رمح قصير ، وركبته اذا ضربته بركبتك . المسألة الثالثة﴾ في قوله ( ثم عموا وصموا كثير منهم ) وجوه : الأول: على مذهب من يقول من العرب ((أكلوني البراغيث)) والثاني: أن يكون ( كثير منهم ) بدلا عن الضمير في قوله ( ثم عموا وصموا ) والابدال كثير في القرآن قال تعالى ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) وقال( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) وهذا الابدال ههنا في غاية الحسن ، لأنه لو قال : عموا وصموا لأوهم ذلك أن كلهم صاروا كذلك ، فلما قال ( كثير منهم ) دل على أن ذلك حاصل للأكثر لا للكل . الثالث : أن قوله ( كثير منهم ) خبر مبتدأ محذوف . والتقدير : هم كثير منهم . ﴿ المسألة الرابعة﴾ لا شك أن المراد بهذا العمى والصمم الجهل والكفر، فنقول: إن فاعل هذا الجهل هو الله تعالى أو العبد ، والأول يبطل قول المعتزلة ، والثاني باطل لأن الانسان لا يختار البتة تحصيل الجهل والكفر لنفسه . فان قالوا : انما اختاروا ذلك لأنهم ظنوا أنه علم . قلنا : حاصل هذا أنهم انما اختاروا هذا الجهل لسبق جهل آخر ، إلا أن الجهالات لا تتسلسل بل لا بد من انتهائها إلى الجهل الأول ، ولا يجوز أن يكون فاعله هو العبد لما ذكرناه ، فوجب أن يكون فاعله هو الله تعالى . ثم قال تعالى ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ أي من قتل الانبياء وتكذيب الرسل ، والمقصود منه التهديد . ٦٣ سورة المائدة قوله تعالى ((لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح)) الآية لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَنَبَنِيّ إِسْرَاءِيلَ أَعْبُواْلَهَ رَبِى وَرَبَّكُمّ ◌ِنْهُ مَن يُشْرِكْبِلَّهِفَقَدْ حَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنَهُ النَّارُ وَمَا لِّلِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ◌َّةٍ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ إِلَهُ وَإِذْ وَإِنْ لَّمْ يَتَهُوْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيْمَسَّنَّ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ قوله تعالى ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ اعلم أنه تعالى لما استقصى الكلام مع اليهود شرع ههنا في الكلام مع النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا : إن اللّه هو المسيح ابن مريم ، وهذا هو قول اليعقوبية لأنهم يقولون : ان مريم ولدت إلها ، ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون : إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى ، ثم حكى تعالى عن المسيح أنه قال . وهذا تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد قول النصارى ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يفرق بين نفسه وبين غيره في أن دلائل الحدوث ظاهرة عليه . ثم قال تعالى ﴿انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ﴾ ومعناه ظاهر. واحتج أصحابنا على أن عقاب الفساق لا يكون مخلدا ، قالوا : وذلك لأنه تعالى جعل أعظم أنواع الوعيد والتهديد في حق المشركين هو أن الله حرم عليهم الجنة وجعل مأواهم النار ، وأنه ليس لهم ناصر ينصرهم ولا شافع يشفع لهم ، فلو كان حال الفساق من المؤمنين كذلك لما بقي لتهديد المشركين على شركهم بهذا الوعيد فائدة . ثم قال تعالى ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ ((ثلاثة)) كسرت بالاضافة ، ولا يجوز نصبها لأن معناه ، واحد ثلاثة . أما إذا قلت : رابع ثلاثة فههنا يجوز الجر والنصب ، لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه فيهم . ٦٤ قوله تعالى ((أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه)) الآية سورة المائدة أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ، وَاللَّهُغَفُورٌ رَّحِيمُ (٨) مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمَّهُ صِدِقَةٌ كَانَ يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ آَنْظُرُ كَيْفَ نُبَيِنُ لَهُمُ المسألة الثانية ﴾ في تفسير قول النصارى ( ثالث ثلاثة ) طريقان: الأول : قول بعض المفسرين ، وهو أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) فقوله ( ثالث ثلاثة ) أي أحد ثلاثة آلهة ، أو واحد من ثلاثة آلهة ، والدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم ( وما من إله إلا إله واحد) وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار ، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم ، قال الواحدي : ولا يكفر من يقول : إن الله ثالث ثلاثة اذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة ، فانه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم ، لقوله تعالى ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ) . والطريق الثاني ﴾ أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون : جوهر واحد، ثلاثة اقانيم أب ، وابن ، وروح القدس ، وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة ، وعنوا بالأب الذات ، وبالابن الكلمة ، وبالروح الحياة ، واثبتوا الذات والكلمة والحياة ، وقالوا : ان الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر ، واختلاط الماء باللبن ، وزعموا أن الأب إله ، والابن إله ، والروح إله ، والكل إله واحد . واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل ، فان الثلاثة لا تكون واحدا ، والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى . ثم قال تعالى ﴿وما من إله إلا إله واحد ﴾ في ((من)) قولان: أحدهما : أنها صلة زائدة والتقدير: وما إله إلا إله واحد، والثاني : أنها تفيد معنى الاستغراق والتقدير: وما في الوجود من هذه الحقيقة إلا فرد واحد . ثم قال تعالى ﴿ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ﴾ قال الزجاج : معناه : ليمسن الذين أقاموا على هذا الدين ؛ لأن كثيرا منهم تابوا عن النصرانية . ثم قال تعالى ﴿ أفلا يتوبون الى اللّه ويستغفرونه والله غفور رحيم ﴾ قال الفراء : هذا أمر في لفظ الاستفهام كقوله ( فهل أنتم منتهون ) في آية تحريم الخمر . ٦٥ سورة المائدة قوله تعالى ((انظر كيف نبين لهم)) الآية قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ مَالَا يَمْلِكُ لَكُمْضَرًّا اُلَيَاتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ٧٥ ٧٦ وَلَا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثم قال تعالى ﴿ ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ﴾ أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها ، فإن كان الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى وفلق البحر على يد موسى ، وإن كان خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى ( وأمه صديقة ) وفي تفسير ذلك وجوه : أحدها : أنها صدقت بآيات ربها وبكل ما أخبر عنه ولدها . قال تعالى في صفتها ( وصدقت بكلمات ربها وكتبه ) وثانيها : أنه تعالى قال ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً) فلما كلمها جبريل وصدقته وقع عليها اسم الصديقة ، وثالثها : أن المراد بكونها صديقة غاية بعدها عن المعاصي وشدة جدها واجتهادها في إقامة مراسم العبودية ، فإن الكامل في هذه الصفة تسمى صديقاً قال تعالى ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ). ثم قال تعالى ﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ . واعلم أن المقصود من ذلك : الاستدلال على فساد قول النصارى ، وبيانه من وجوه : الأول : أن كل من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن ، وكل من كان كذلك كان مخلوقاً لا إلهاً ، والثاني : أنهما كانا محتاجين ، لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة ، والإِه هو الذي يكون غنياً عن جميع الأشياء ، فكيف يعقل أن يكون إلهاً . الثالث قال بعضهم : إن قوله ( كانا يأكلان الطعام ) كناية عن الحدث لأن من أكل الطعام فإنه لا بد وأن يحدث ، وهذا عندي ضعيف من وجوه : الأول : أنه ليس كل من أكل أحدث ، فإن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون . الثاني: أن الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطعام ، وهذه الحاجة من أقوى الدلائل على أنه ليس باله ، فأي حاجة بنا إلى جعله كناية عن شيء آخر . الثالث : أن الاله هو القادر على الخلق والايجاد ، فلوكان إلهاً لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطعام والشراب ، فلما لم يقدر على دفع الضرر عن نفسه كيف يعقل أن يكون إلهاً للعالمين ، وبالجملة ففساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل . ثم قال تعالى ﴿ انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ﴾ يقال: أفكه يأفكه الفخر الرازي ج١٢ م٥ ٦٦ قوله تعالى ((قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق)) الآية سورة المائدة قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا نَّعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُواْ مِن ٧٧ قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ ١ إفكاً إذا صرفه ، والافك الكذب لأنه صرف عن الحق ، وكل مصروف عن الشيء مأفوك عنه ، وقد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر ، ومعنى قوله ( أنى يؤفكون ) أنى يصرفون عن الحق ، قال أصحابنا : الآية دلت على أنهم مصروفون عن تأمل الحق ، والانسان يمتنع أن يصرف نفسه عن الحق والصدق إلى الباطل والجهل والكذب ، لأن العاقل لا يختار لنفسه ذلك ، فعلمنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي صرفهم عن ذلك . ثم قال تعالى ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً﴾ وهذا دليل آخر على فساد قول النصارى ، وهو يحتمل أنواعاً من الحجة : الأول : أن اليهود كانوا يعادونه ويقصدونه بالسوء ، فما قدر على الاضرار بهم ، وكان أنصاره وصحابته يحبونه فما قدر على إيصال نفع من منافع الدنيا إليهم ، والعاجز عن الاضرار والنفع كيف يعقل أن يكون إلهاً . الثاني : أن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ، ولما عطش وطلب الماء منهم صبوا الخل في منخريه ، ومن كان في الضعف هكذا كيف يعقل أن يكون إلهاً . الثالث : أن إله العالم يجب أن يكون غنياً عن كل ما سواه ، ويكون كل ما سواه محتاجاً إليه ، فلو كان عيسى كذلك لامتنع كونه مشغولاً بعبادة الله تعالى ، لأن الاله لا يعبد شيئاً ، إنما العبد هو الذي يعبد الإِله ، ولما عرف بالتواتر كونه كان مواظباً على الطاعات والعبادات علمنا أنه كان يفعلها لكونه محتاجاً في تحصيل المنافع ودفع المضار إلى غيره ، ومن کان کذلك کیفیقدر على إيصال المنافع إلى العباد ودفع المضار عنهم ، وإذا كان كذلك كان عبداً كسائر العبيد ، وهذا هو عين الدليل الذي حكاه الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام حيث قال لأبيه ( لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ) . ثم قال تعالى ﴿والله هو السميع العليم﴾ والمراد منه التهديد يعني سميع بكفرهم عليم بضمائرهم . قوله تعالى ﴿ قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ﴾ . اعلم أنه تعالى لما تكلم أولاً على أباطيل اليهود ، ثم تكلم ثانياً على أباطيل النصارى ٦٧ سورة المائدة قوله تعالى (( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)) الآية وأقام الدليل القاهر على بطلانها وفسادها ، فعند ذلك خاطب مجموع الفريقين بهذا الخطاب فقال ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ) والغلو نقيض التقصير . ومعناه الخروج عن الحد ، وذلك لأن الحق بين طرفي الافراط والتفريط ، ودين اللّه بين الغلو والتقصير . وقوله (غير الحق ) صفة المصدر ، أي لا تغلوا في دينكم غلواً غير الحق ، أي غلواً باطلاً ، لأن الغلو في الدين نوعان : غلوحق ، وهو أن يبالغ في تقريره وتأكيده ، وغلو باطل وهو أن يتكلف في تقرير الشبه وإخفاء الدلائل ، وذلك الغلو هو أن اليهود لعنهم الله نسبوه إلى الزنا . وإلى أنه كذاب ، والنصارى ادعوا فيه الالهية . ثم قال تعالى ﴿ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ﴾ وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ الأهواء ههنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة . قال الشعبي : ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه . قال ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله . واتبع هواه فتردى . وما ينطق عن الهوى . أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قال أبو عبيدة : لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر. لا يقال : فلان يهوى الخير ، إنما يقال : يريد الخير ويحبه . وقال بعضهم : الهوی إله یعبد من دون الله . وقيل : سمي الهوی هوی لأنه يهوى بصاحبه في النار ، وأنشد في ذم الهوى : إن الهوى لهو الهوان بعينه * فإذا هویت فقد لقيت هوانا وقال رجل لابن عباس : الحمد لله الذي جعل هواي على هواك، فقال ابن عباس : كل هوى ضلالة . المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال ، فبين أنهم كانوا ضالين من قبل ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم ، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى أنهم الآن ضالون كما كانوا ، ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من الله والقرب من عقاب الله تعالى من هذة الحالة . نعوذ بالله منها ، ويحتمل أن يكون المراد : أنهم ضلوا وأضلوا ، ثم ضلوا بسبب اعتقادهم في ذلك الاضلال أنه إرشاد إلى الحق ، ويحتمل أن يكون المراد بالضلال الأول والضلال عن الدين ، وبالضلال الثاني الضلال عن طريق الجنة . واعلم أنه تعالى لما خاطب أهل الكتاب بهذا الخطاب وصف أسلافهم فقال تعالى : ٦٨ قوله تعالى (( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل)) الآية سورة المائدة ◌ُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَبِّ إِسْرَ ءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوْ يَعْتَدُونَ (٨) كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ـ تَ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ ٧٩ عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَدِدُونَ ﴾ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالنِّّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ ١١ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ﴾ . قال أكثر المفسرين : يعني أصحاب السبت ، وأصحاب المائدة . أما أصحاب السبت فهو أن قوم داود ؛ وهم أهل ((ايلة)) لما اعتدوا في السبت بأخذ الحيتان على ما ذكر الله تعالى هذه القصة في سورة الأعراف قال داود : اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة ، وأما أصحاب المائدة فإنهم لما أكلوا من المائدة ولم يؤمنوا قال عيسى : اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير ، وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي . قال بعض العلماء : أن اليهود كانوا يفتخرون بأنا من أولاد الأنبياء ، فذكر الله تعالى هذه الآية لتدل على أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء . وقيل : إن داود وعيسى عليهما السلام بشرا بمحمد صلىَّ الله عليه وسلم ، ولعنا من يكذبه ، وهو قول الأصم . ثم قال تعالى ﴿ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ﴾ والمعنى أن ذلك اللعن كان بسبب أنهم يعصون ويبالغون في ذلك العصيان . ثم إنه تعالى فسر المعصية والاعتداء بقوله . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ﴾ وللتناهي ههنا معنيان: أحدهما : وهو الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهي ، أي كانوا لا ينهي بعضهم بعضاً ، روى ابن مسعود عن النبي ◌َّ أنه قال ((من رضى عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم)). ٦٩ سورة المائدة قوله تعالى (( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)) الآية والمعنى الثاني في التناهي : أنه بمعنى الانتهاء . يقال : انتهى عن الأمر ، وتناهى عنه إذا كف عنه . ثم قال تعالى ﴿ لبئس ما كانوا يفعلون﴾ اللام في ((لبئس)) لام القسم، كأنه قال: أقسم لبئس ما كانوا يفعلون ، وهو ارتكاب المعاصي والعدوان ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فإن قيل : الانتهاء عن الشيء بعد أن صار مفعولاً غير ممكن فلم ذمهم عليه ؟ قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن يكون المراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه . الثاني : لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلآته وأدواته . الثالث : لا يتناهون عن الاصرار على منكر فعلوه . ثم قال تعالى ﴿ ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا ﴾. اعلم أنه تعالى لما وصف أسلافهم بما تقدم وصف الحاضرين منهم بأنهم يتولون الكفار وعبدة الأوثان ، والمراد منهم كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على الرسول صلىَّ الله عليه وسلم ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى ( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً) . ثم قال تعالى ﴿ لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ﴾ أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في دار الآخرة . وقوله تعالى ﴿أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون﴾ محل ((أن)) رفع كما تقول : بئس رجلاً زيد ، ورفعه كرفع زيد ، وفي زيد وجهان : الأول : أن يكون مبتدأ ، ويكون ((بئس)) وما عملت فيه خبره ، والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قال : بئس رجالاً قتل : ما هو؟ فقال : زيد ، أي هو زيد . ثم قال تعالى ﴿ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون ﴾ والمعنى : لو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء ، لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة وفي شرع موسى عليه السلام ، فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى عليه السلام ، بل مرادهم الرياسة والجاه فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه ، فلهذا وصفهم الله تعالى بالفسق ٧٠ قوله تعالى ((لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا )) الآية سورة المائدة الجُزءُ ٢٠٠٠١٠٠٠٠٠٠٠ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةُ لِلَّذِينَ ءَ امَنُواْ الْيَّهُدَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّأَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةُ لِلَّذِينَءَامَنُوْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَدَرَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ ٨٢ فقال ( ولكن كثيراً منهم فاسقون ) وفيه وجه آخر ذكره القفال ، وهو أن يكون المعنى : ولو كان هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون بالله وبمحمد صلىَّ الله عليه وسلم ما اتخذوهم هؤلاء اليهود أولياء ، وهذا الوجه حسن ليس في الكلام ما يدفعه . قوله تعالى ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾ . إعلم أنه تعالى لما ذكر من أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى ما ذكره ذكر في هذه الآية أن اليهود في غاية العداوة مع المسلمين ، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة ، بل نبه على أنهم أشد في العداوة من المشركين من جهة أنه قدم على ذكر المشركين . ولعمري أنهم كذلك . وعن النبي صلىَّ الله عليه وسلم أنه قال (( ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله)) وذكر الله تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم . وههنا مسألتان : الأولى : قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي : المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول صلىَّ الله عليه وسلم وآمنوا به ، ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين . وقال آخرون : مذهب اليهود أنه يجب عليهم ايصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان ، فإن قدروا على القتل فذاك ، وإلا فبغضب المال أو بالسرقة أو بنوع من المكر والكيد والحيلة ، وأما النصارى فليس مذهبهم ذاك بل الايذاء في دينهم حرام ، فهذا هو وجه التفاوت : المسألة الثانية ﴾ المقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على الرسول صلىَّ الله عليه وسلم ، واللام في قوله ( لتجدن ) لام القسم ، والتقدير: قسما إنك تجد اليهود والمشركين أشد الناس عداوة مع المؤمنين ، وقد شرحت لك أن هذا التمرد والمعصية عادة قديمة لهم ، ففرغ خاطرك عنهم ولا تبال بمكرهم وكيدهم . ٧١ قوله تعالى ((ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا)) الآية سورة المائدة السكانِين ثم ذكر تعالى سبب هذا التفاوت فقال ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ﴾ . وفي الآية مسألتان : الأولى : علة هذا التفاوت أن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا والدليل عليه قوله تعالى ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ) فقرنهم في الحرص بالمشركين المنكرين للمعاد ، والحرص معدن الاخلاق الذميمة لأن من كان حريصاً على الدنيا طرح دينه في طلب الدنيا وأقدم على كل محظور ومنكر بطلب الدنيا ، فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال مالاً أو جاهاً ، وأما النصارى فإنهم في أكثر الأمر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبر والترفع ، وكل من كان كذلك فإنه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم ولا يخاصمهم بل يكون لين العريكة في طلب الحق سهل الانقياد له ، فهذا هو الفرق بين هذين الفريقين في هذا الباب ، وهو المراد بقوله تعالى ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ) . ﴿ وههنا دقيقة نافعة ﴾ في طلب الدين وهو أن كفر النصارى أغلظ من كفر اليهود لأن النصارى ينازعون في الالهيات وفي النبوات ، واليهود لا ينازعون إلا في النبوات ، ولا شك في أن الأول أغلظ ، ثم إن النصارى مع غلظ كفرهم لما لم يشتد حرصهم على طلب الدنيا بل كان في قلبهم شيء من الميل إلى الآخرة شرفهم الله بقوله ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) وأما اليهود مع أن كفرهم أخف في جنب كفر النصارى طردهم وخصهم الله بمزيد اللعن وما ذاك إلا بسبب حرصهم على الدنيا ، وذلك ينبهك على صحة قوله صلى الله عليه وسلم ((حب الدنيا رأس كل خطيئة)). المسألة الثانية ﴾ القس والقسيس اسم لرئيس النصارى ، والجمع القسيسون . وقال عروة بن الزبير: صنعت النصارى الانجيل وأدخلت فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين ، وكان اسمه قسيساً ، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس . قال قطرب : القس والقسيس العالم بلغة الروم ، وهذا مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين ، وأما الرهبان فهو جمع راهب كركبان وراكب ، وفرسان وفارس . وقال بعضهم : الرهبان واحد ، وجمعه رهابين كقربان وقرابين ، وأصله من الرهبة بمعنى المخافة . فإن قيل : كيف مدحهم الله تعالى بذلك مع قوله ( ورهبانية ابتدعوها ) وقوله عليه ٧٢ قوله تعالى ((وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول)) الآية سورة المائدة وَ إِذَا سَمِعُوْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الَّسُولِ تَرَّ أَعُْهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مَِّّا عَ فُوْ مِنَ الْحَقِّ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِالَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ ٨٣ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَ كْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ الْحَقِّ وَطَمَعُ أَنْ يُدِْلَا رَبَُّ مَعَ الْقَوْمِ الصَِّينَ (8) فَأَثَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوْ جَنَِّتٍ تَجْرِى مِن تَحِمَا آلْأَنْهُ خَدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴿َّهَوَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِعَايَئِنَ أُوْلَئِكَ أَعْحَبُ الْجَحِيمِ الصلاة والسلام ((لا رهبانية في الإسلام)). قلنا : إن ذلك صار ممدوحاً في مقابلة طريقة اليهود في القساوة والغلظة، ولا يلزم من هذا القدر كونه ممدوحاً على الاطلاق . ثم قال تعالى ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ﴾ الضمير في قوله ( سمعوا) يرجع إلى القسيسين والرهبان الذين آمنوا منهم ( وما أنزل ) يعني القرآن إلى الرسول يعني محمداً عليه الصلاة والسلام قال ابن عباس : يريد النجاشي وأصحابه ، وذلك لأن جعفر الطيار قرأ عليهم سورة مريم ، فأخذ النجاشي تبنة من الأرض وقال : والله ما زاد على ما قال الله في الانجيل مثل هذا ، وما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة ، ، وأما قوله (ترى أعينهم تفيض من الدمع ) ففيه وجهان : الأول : المراد أن أعينهم تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلىء الاناء وغيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه . الثاني : أن يكون المراد المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها . وأما قوله تعالى ﴿ مما عرفوا من الحق ﴾ أي مما نزل على محمد وهو الحق. فإن قيل: أي فرق بين ((من)) وبين ((من)) في قوله ( مما عرفوا من الحق ) . قلنا : الأولى لابتداء الغاية ، والتقدير : أن فيض الدمع إنما ابتدىء من معرفة الحق ، وكان من أجله وبسببه ، والثانية للتبعيض ، يعني أنهم عرفوا بعض الحق وهو القرآن فأبكاهم الله ، فکیف لو عرفوا كله . قوله تعالى ((يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين)) الآية. سورة المائدة ٧٣ وأما قوله تعالى ﴿ يقولون ربنا آمنا ﴾ أي بما سمعنا وشهدنا أنه حق ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وفيه وجهان : الأول: يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام الذين يشهدون بالحق ، وهو مأخوذ من قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ) والثاني : أي مع كل من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك . وأما قوله تعالى ﴿وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ﴾ . ففيه مسألتان : الأولى : قال صاحب الكشاف: محل ( لا نؤمن ) النصب على الحال بمعنى غير مؤمنين ، كقولك قائماً ، والواو في قوله ( ونطمع ) واو الحال . فإن قيل : فما العامل في الحال الأولى والثانية . قلنا : العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل ، كأنه قيل : أي شيء حصل لنا حال كوننا غير مؤمنين ، وفي الثاني معنى هذا الفعل ولكن مقيداً بالحال الأولى ، لأنك لو أزلتها وقلت : وما لنا ونطمع لم يكن كلاماً ، ويجوز أن يكون ( ونطمع ) حالاً من (لا نؤمن ) على أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا يوحدون الله ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، وأن يكون معطوفاً على قوله ( لا نؤمن ) على معنى : وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين . المسألة الثانية﴾ تقدير الآية: ويدخلنا ربنا مع القوم الصالحين جنته ودار رضوانه ، قال تعالى ( ليدخلنهم مدخلاً يرضونه ) إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوماً . ثم قال تعالى ﴿فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ ظاهر الآية يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بمجرد القول لأنه تعالى قال ( فأثابهم الله بما قالوا ) وذلك غير ممكن لأن مجرد القول لا يفيد الثواب . وأجابوا عنه من وجهين : الأول أنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما ٧٤ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله)) الآية سورة المائدة يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيَِّتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ اٌلْمُعْتَدِينَ ٨٧ قالوا ، وهو المعرفة ، وذلك هو قوله ( مما عرفوا من الحق ) فلما حصلت المعرفة والاخلاص وكمال الانقياد ثم انضاف إليه القول لا جرم كمل الإيمان . الثاني : روى عطاء عن ابن عباس أنه قال قوله ( بما قالوا ) يريد بما سألوا ، يعني قولهم ( فاكتبنا مع الشاهدين ) . المسألة الثانية ﴾ الآية دالة على أن المؤمن الفاسق لا يبقى مخلداً في النار ، وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى قال ( وذلك جزاء المحسنين ) وهذا الاحسان لا بد وأن يكون هو الذي تقدم ذكره من المعرفة وهو قوله ( مما عرفوا من الحق ) ومن الاقرار به ، وهو قوله ( فأثابهم الله بما قالوا ) وإذا كان كذلك ، فهذه الآية دالة على أن هذه المعرفة ، وهذا الاقرار يوجب أن يحصل له هذا الثواب ، وصاحب الكبيرة له هذه المعرفة وهذا الاقرار ، فوجب أن يحصل له هذا الثواب ، فأما أن ينقل من الجنة إلى النار وهو باطل بالاجماع ، أو يقال : يعاقب على ذنبه ثم ينقل إلى الجنة وذلك هو المطلوب . الثاني : هو أنه تعالى قال ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) فقوله ( أولئك أصحاب الجحيم ) يفيد الحصر، أي أولئك أصحاب الجحيم لا غيرهم ، والمصاحب للشيء هو الملازم له الذي لا ينفك عنه ، فهذا يقتضي تخصيص هذا الدوام بالكفار ، فصارت هذه الآية من هذين الوجهين من أقوى الدلائل على أن الخلود في النار لا يحصل للمؤمن الفاسق . قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ . اعلم أن الله تعالى لما استقصى في المناظرة مع اليهود والنصارى عاد بعده إلى بيان الأحكام وذكر جملة منها . النوع الأول ﴾ ما يتعلق بحل المطاعم والمشارب واللذات فقال ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ الطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها القلوب، وفي الآية قولان : الأول : روى أنه صلى الله عليه وسلم وصف يوم القيامة لأصحابه في بيت عثمان بن مظعون وبالغ وأشبع الكلام في الانذار والتحذير ، فعزموا على أن يرفضوا الدنيا ٧٥ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل)) الآية سورة المائدة ويحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة ، وأن يصوموا النهار ويقوموا الليل ؛ وأن لا يناموا على الفرش ، ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض ، فأخبر النبي وَّر بذلك، فقال لهم ((إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر آكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)) وبهذا الكلام ظهر وجه النظم بين هذه الآية وبين ما قبلها، وذلك لأنه تعالى مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهباناً، وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ولذاتها، فلما مدحهم أوهم ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل تلك الطريقة، فذكر تعالى عقيب هذه الآية إزالة لذلك الوهم، ليظهر للمسلمين أنهم ليسوا مأمورين بذلك . فإن قيل : ما الحكمة في هذا النهي ، فإن من المعلوم أن حب الدنيا مستول على الطباع والقلوب ، فإذا توسع الانسان في اللذات والطيبات اشتد ميله إليها وعظمت رغبته فيها ، وكلما كانت تلك النعم أكثر وأدوم كان ذلك الميل أقوى وأعظم ، وكلما ازداد الميل قوة ورغبة ازداد حرصه في طلب الدنيا واستغراقه في تحصيلها ، وذلك يمنعه عن الاستغراق في معرفة الله وفي طاعته ويمنعه عن طلب سعادات الآخرة ، وأما إذا أعرض عن لذات الدنيا وطيباتها، فكلما كان ذلك الاعراض أتم وأدوم كان ذلك الميل أضعف والرغبة أقل ، وحينئذ تتفرغ النفس لطلب معرفة الله تعالى والاستغراق في خدمته ، وإذا كان الأمر كذلك فما الحكمة في نهي الله تعالى عن الرهبانية ؟ والجواب : عنه من وجوه : الأول : أن الرهبانية المفرطة والاحتراز التام عن الطيبات واللذات مما يوقع الضعف في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والدماغ ، وإذا وقع الضعف فيهما اختلت الفكرة وتشوش العقل . ولا شك أن أكمل السعادات وأعظم القربات إنما هو معرفة الله تعالى ، فإذا كانت الرهبانية الشديدة مما يوقع الخلل في ذلك بالطريق الذي بيناه لا جرم وقع النهي عنها . والثاني : وهو أن حاصل ما ذكرتم أن اشتغال النفس بطلب اللذات الحسية يمنعها عن الاستكمال بالسعادات العقلية ، وهذا مسلم لكن في حق النفوس الضعيفة ، أما النفوس المستعلية الكاملة فإنها لا يكون استعمالها في الأعمال الحسية مانعاً لها من الاستكمال بالسعادات العقلية ، فإنا نشاهد النفوس قد تكون ضعيفة بحيث متى اشتغلت بمهم امتنع عليها الاشتغال بمهم آخر ، وكلما كانت النفس أقوى كانت هذه الحالة أكمل ، وإذا كان كذلك كانت الرهبانية الخالصة دليلاً على نوع من الضعف والقصور ، وإنما الكمال في الوفاء بالجهتين والاستكمال في الناس . الثالث : وهو أن من استوفى اللذات الحسية ، كان غرضه منها الاستعانة بها على استيفاء اللذات العقلية فإن رياضته ومجاهدته أتم من رياضة من ٧٦ قوله تعالى ((فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيباً) الآية سورة المائدة M وَكُوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِبًا وَأَتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيّ أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( أعرض عن اللذات الحسية ، لأن صرف حصة النفس إلى جانب الطاعة أشق وأشد من الاعراض عن حصة النفس بالكلية ، فكان الكمال في هذا أتم . الرابع : وهو أن الرهبانية التامة توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل . وأما ترك الرهبانية مع المواظبة على المعرفة والمحبة والطاعات فإنه يفيد عمارة الدنيا والآخرة ، فكانت هذه الحالة أكمل ، فهذا جملة الكلام في هذا الوجه . القول الثاني ﴾ في تفسير هذه الآية ما ذكره القفال ، وهو أنه تعالى قال في أول السورة ( أوفوا بالعقود ) فبين أنه كما لا يجوز استحلال المحرم كذلك لا يجوز تحريم المحلل ، وكانت العرب تحرم من الطيبات ما لم يحرمه الله تعالى ، وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وقد حكى الله تعالى ذلك في هذه السورة وفي سورة الأنعام ، وكانوا يحللون الميتة والدم وغيرهما ، فأمر الله تعالى أن لا يحرموا ما أحل الله ولا يحللوا ما حرمه الله تعالى حتى يدخلوا تحت قوله ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) . المسألة الثانية ) قوله ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) يحتمل وجوهاً: أحدها : لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله تعالى لكم ، وثانيها ؛ لا تظهروا باللسان تحريم ما أحله الله لكم ، وثالثها : لا تجتنبوا عنها اجتناباً شبيه الاجتناب من المحرمات ، فهذه الوجوه الثلاثة محمولة على الاعتقاد والقول والعمل ، ورابعها : لا تحرموا على غيركم بالفتوى ، وخامسها : لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) وسادسها : أن يخلط المغصوب بالمملوك خلطاً لا يمكنه التمييز ، وحينئذ يحرم الكل ، فذلك الخلط سبب لتحريم ما كان حلالاً له ، وكذلك القول فيما إذا خلط النجس بالطاهر ، والآية محتملة لكل هذه الوجوه ، ولا يبعد حملها على الكل والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة ) قوله (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) فيه وجوه : الأول : أنه تعالى جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلماً فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها ، والثاني : أنه لما أباح الطيبات حرم الاسراف فيها بقوله تعالى ( ولا تعتدوا) ونظيره قوله تعالى ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا) الثالث : يعني لما أحل لكم الطيبات فاكتفوا بهذه المحللات ولا تتعدوها إلى ما حرم عليكم . ثم قال تعالى ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ﴾. وفيه مسائل : ٧٧ قوله تعالى (( لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم)) الآية سورة المائدة لَُّؤَاخِذُ كُمُ اللهُ بِالَّغْوِ فِىَ أَيْمَئِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّد ◌ُ الْأَيْمَانَ المسألة الأولى ﴾ قوله (وكلوا) صيغة أمر، وظاهرها للوجوب لا أن المراد ههنا الإباحة والتحليل . واحتج أصحاب الشافعي به في أن التطوع لا يلزم بالشروع ، وقالوا : ظاهر هذه الآية يقتضي إباحة الأكل على الاطلاق فيتناول ما بعد الشروع في الصوم ، غايته أنه خص في بعض الصور إلا أن العام حجة في غير محل التخصيص . ﴿ المسألة الثانية) قوله (حلالاً طيباً) يحتمل أن يكون متعلقاً بالأكل ، وأن يكون متعلقاً بالمأكول ، فعلى الأول يكون التقدير : كلوا حلاً طيباً مما رزقكم الله ، وعلى التقدير الثاني : كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً طيباً ، أما على التقدير الأول فإنه حجة المعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً ، وذلك لأن الآية على هذا التقدير دالة على الاذن في أكل كل ما رزق الله تعالى وإنما يأذن الله تعالى في أكل الحلال ، فیلزم أن یکون کل ما كان رزقاً كان حلالاً ، وأما على التقدير الثاني فإنه حجة لأصحابنا على أن الرزق قد يكون حراماً لأنه تعالى خصص إذن الأكل بالرزق الذي يكون حلالاً طيباً ولولا أن الرزق قد لا يكون حلالاً . وإلا لم يكن لهذا التخصيص والتقييد فائدة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ لم يقل تعالى: كلوا ما رزقكم، ولكن قال (كلوا مما رزقكم الله) وكلمة ((من)) للتبعيض ، فكأنه قال : اقتصروا في الأكل على البعض واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه إرشاد إلى ترك الاسراف كما قال ( ولا تسرفوا ) . المسألة الرابعة﴾ ((وكلوا مما رزقكم الله)) يدل على أنه تعالى قد تكفل برزق كل أحد . فإنه لو لم يتكفل برزقه لما قال ( كلوا مما رزقكم الله) وإذا تكفل الله برزقه وجب أن لا يبالغ في الطلب وأن يعول على وعد الله تعالى وإحسانه ، فإنه أكرم من أن يخلف الوعد ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ((ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)) أما قوله ( واتقوا الله ) فهو تأكيد للتوصية بما أمر به ، زاده توكيداً بقوله تعالى ( أنتم به مؤمنون ) لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه . ﴿ النوع الثاني﴾ من الأحكام المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم ﴾ . ٧٨ قوله تعالى (( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)) الآية سورة المائدة قد ذكرنا أنه تعالى بين في هذا الموضع أنواعاً من الشرائع والأحكام . بقي أن يقال : أي مناسبة بين هذا الحكم وبين ما قبله حتى يحسن ذكره عقيبه ؟ فنقول : قد ذكرنا أن سبب نزول الآية الأولى أن قوماً من الصحابة حرموا على أنفسهم المطاعم والملابس واختاروا الرهبانية وحلفوا على ذلك فلما نهاهم الله تعالى عنها قالوا : يا رسول الله فكيف نصنع بإيماننا أنزل الله هذه الآية . واعلم أن الكلام في أن يمين اللغو ما هو قد سبق على الاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله ( لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) فلا وجه للاعادة . ثم قال تعالى ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم (عقدتم ) بتشديد القاف بغير ألف ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ( عقدتم ) بتخفيف القاف بغير ألف ، وقرأ ابن عامر عاقدتم بالألف والتخفيف . قال الواحدي : يقال عقد فلان اليمين والعهد والحبل عقدا إذا وكده وأحكمه ، ومثل ذلك أيضاً عقد بالتشديد إذا وكد ، ومثله أيضاً عاقد بالألف . إذا عرفت هذا فنقول : أما من قرأ بالتخفيف فإنه صالح القليل والكثير ، يقال : عقد زيد يمينه ، وعقدوا أيمانهم ، وأما من قرأ بالتشديد فاعلم أن عبيدة زيف هذه القراءة وقال: التشديد للتكرير مرة بعد مرة . فالقراءة بالتشديد توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة لأنها لم تتكرر . وأجاب الواحدي رحمه الله عنه من وجهين : الأول : أن بعضهم قال : عقد بالتخفيف والتشديد واحد في المعنى . الثاني : هب أنها تفيد التكرير كما في قوله ( وغلقت الأبواب ) إلا أن هذا التكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه . ومتى جمع بين القلب واللسان فقد حصل التكرير أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر لم يكن معقداً ، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل عافاه الله وطارقت النعل وعاقبت اللص فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف . ﴿ المسألة الثانية﴾ ((ما)) مع الفعل بمنزلة المصدر، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بعقدكم أو بتعقيدكم أو بمعاقدتكم الإيمان . ٧٩ قوله تعالى ((فكفارته اطعام عشرة مساكين)) الآية سورة المائدة فَكَفََّنُهُوَ إِطْعَامُ عَثَرَةٍ مَسَئِكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَرِيُرَقَّيَّةٍ ثَمَنْ لَّْيَدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُوَاْ أَْتَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيْنُ اللّهُ لَكُمْ ءَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (3له ﴿ المسألة الثالثة﴾ فى الآية محذوف، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم ، فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوماً عندهم أو بنكث ما عقدتم ، فحذف المضاف . وأما كيفية استدلال الشافعي بهذه الآية على أن اليمين الغموس توجب الكفارة فقد ذكرناها في سورة البقرة . ثم قال تعالى ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ﴾ . واعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير ، فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر ، وهو الصوم . وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ معنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الاتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ، ولا يجوز له تركها جميعاً ، ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه الثلاثة ، فإنه يخرج عن العهدة ، فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير ، ومن الفقهاء من قال : الواحد لا بعينه ، وهذا الكلام يحتمل وجهين : الأول : أن يقال : الواجب عليه أن يدخل في الوجود واحداً من هذه الثلاثة لا بعينه . وهذا محال في العقول لأن الشيء الذي لا يكون معيناً في نفسه يكون ممتنع الوجود لذاته ، وما كان كذلك فإنه لا يراد به التكليف ، الثاني : أن يقال : الواجب عليه واحد معين في نفسه وفي علم الله تعالى، إلا أنه مجهول العين عند الفاعل ، وذلك أيضاً محال لأن كون ذلك الشيء واجباً بعينه في علم الله تعالى هو أنه لا يجوز تركه بحال ، وأجمعت الأمة على أنه يجوز له تركه بتقدير الإتيان بغيره ، والجمع بين هذين القولين جمع بين النفي والإثبات وهو محال ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه . المسألة الثانية ﴾ قال الشافعى رحمه الله نصيب كل مسكين مد ، وهو ثلثا من ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم، وقال أبو حنيفة رحمه الله ٨٠ قوله تعالى (( فكفارته إطعام عشرة مساكين))الآية سورة المائدة الواجب نصف صاع من الحنطة ، وصاع من غير الحنطة . حجة الشافعي أنه تعالى لم يذكر في الاطعام إلا قوله ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) وهذا الوسط إما أن يكون المراد منه ما كان متوسطاً في العرف ،أو ما كان متوسطاً في الشرع، فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا من من الحنطة إذا جعل دقيقاً أو جعل خبزاً فإنه يصير قريباً من المن ، وذلك كاف في قوت اليوم الواحد ظاهراً ، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فلم يرد في الشرع له مقدار إلا في موضع واحد ، وهو ما روى في خبر المفطر في نهار رمضان أن النبي صلىَّ اللّه عليه وسلم أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار، فقال الرجل: ما أجد فأتى النبي صلىَّ الله عليه وسلم بعرق فيه خمسة عشر صاعاً، فقال له النبي صلىَّ الله عليه وسلم أطعم هذا ، وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع ، وهو مد ، ولا يلزم كفارة الحلف لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل ، فكان قدرها معتبراً بصدقة الفطر ، وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد . وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى قال ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) والأوسط هو الأعدل والذي ذكره الشافعي رحمه الله هو أدنى ما يكفي ، فأما الأعدل فيكون بادام ، وهكذا روى عن ابن عباس رحمهما الله: مد معه إدامه ، والإِدام يبلغ قيمته قيمة مد آخر أو يزيد في الأغلب . أجاب الشافعي رحمه الله بأن قوله ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) يحتمل أن يكون المراد التوسط في القدر ، فإن الانسان ربما كان قليل الأكل جداً يكفيه الرغيف الواحد ، وربما كان كثير الأكل فلا يكفيه المنوان ، إلا أن المتوسط الغالب أنه يكفيه من الخبز ما يقرب من المن ، ويحتمل أن يكون المراد التوسط في القيمة لا يكون غالباً كالسكر ، ولا يكون خسيس الثمن كالنخالة والذرة ، والأوسط هو الحنطة والتمر والزبيب والخبز ، ويحتمل أن يكون المراد الأوسط في الطيب واللذاذة ، ولما كان اللفظ محتملاً لكل واحد من الأمرين فنقول : يجب حمل اللفظ على ما ذكرناه لوجهين : الأول : أن الادام غير واجب بالاجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام الثاني: أن هذا القدر واجب بيقين ، والباقي مشكوك فيه لأن اللفظ لا دلالة فيه عليه فأوجبنا اليقين وطرحنا الشك والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قال الشافعي رحمه الله : الواجب تمليك الطعام . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إذا غدى أو عشى عشرة مساكين جاز . حجة الشافعي : أن الواجب في هذه الكفارة أحد الأمور الثلاثة ، إما الاطعام ، أو الكسوة ، أو الاعتاق ، ثم أجمعنا على أن الواجب في الكسوة التمليك ، فوجب أن يكون