النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة المائدة قوله تعالى (( وترى كثيراً منهم )) الآية وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ آلْإِعْمِ وَالْعُدْوَّنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَيْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿﴾ ◌َوْلَا يَنَُْهُمُ الَُِّّونَ وَالْأَخْبَارُ عَنْ قَوْلُِ اَلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السَّحْتُّ ◌َبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ المسألة الأولى ﴾ قالوا : نزلت هذه الآية في ناس من اليهود كانوا يدخلون على الرسول عليه الصلاة والسلام ويظهرون له الإِيمان نفاقاً ، فأخبره الله عز وجل بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا لم يتعلق بقلبهم شيء من دلائلك وتقريراتك ونصائحك وتذكيراتك . ﴿ المسألة الثانية﴾ الباء في قوله (دخلوا بالكفر وخرجوا به ) يفيد بقاء الكفر معهم حالتي الدخول والخروج من غير نقصان ولا تغيير فيه البتة ، كما تقول : دخل زيد بثوبه وخرج به ، أي بقي ثوبه حال الخروج كما كان حال الدخول . ﴿ المسألة الثالثة﴾ ذكر عند الدخول كلمة ((قد )) فقال (وقد دخلوا بالكفر ) وذكر عند الخروج كلمة ((هم)) فقال (وهم قد خرجوا به) قالوا: الفائدة في ذكر كلمة ((قد )) تقريب الماضي من الحال، والفائدة في ذكر كلمة ((هم)) التأكيد في إضافة الكفر إليهم ، ونفى أن يكون من النبي وَ لّ في ذلك فعل ، أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفراً ، فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر ، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم . المسألة الرابعة ﴾ قالت المعتزلة؛ إنه تعالى أضاف الكفر إليهم حالتي الدخول والخروج على سبيل الذم ، وبالغ في تقرير تلك الاضافة بقوله ( وهم قد خرجوا به ) فدل هذا على أنه من العبد لا من الله . والجواب : المعارضة بالعلم والداعي . ثم قال تعالى ﴿والله أعلم بما كانوا يكتمون﴾ والغرض منه المبالغة فيما في قلوبهم من الجد والاجتهاد في المكر بالمسلمين والكيد بهم والبغض والعداوة لهم . ثم قال تعالى ﴿ وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ﴾ . ٤٢ قوله تعالى ((وترى كثيراً منهم يسارعون في الاثم)) الآية سورة المائدة المسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة . قيل : الإثم الكذب ، والعدوان الظلم ، وقيل : الإِثم ما يختص بهم ، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم ، وأما أكل السحت فهو أخذ الرشوة ، وقد تقدم الاستقصاء في تفسير السحت ، وفي الآية فوائد : الفائدة الأولى﴾ أنه تعالى قال (وترى كثيراً منهم) والسبب أن كلهم ما كان يفعل ذلك ، بل كان بعضهم يستحيي فيترك . الفائدة الثانية﴾ إن لفظ المسارعة إنما يستعمل في أكثر الأمر في الخير . قال تعالى ( يسارعون في الخيرات ) وقال تعالى ( نسارع لهم في الخيرات ) فكان اللائق بهذا الموضع لفظ العجلة ، إلا أنه تعالى ذكر لفظ المسارعة لفائدة ، وهي أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنهم محقون فيه . الفائدة الثالثة ﴾ لفظ الإثم يتناول جميع المعاصي والمنهيات ، فلما ذكر الله تعالى بعده العدوان وأكل السحت دل هذا على أن هذين النوعين أعظم أنواع المعصية والإثم . ثم قال تعالى ﴿ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإِثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾ معنى ((لولا)) ههنا التحضيض والتوبيخ، وهو بمعنى هلا، والكلام في تفسير الربانيين والأحبار قد تقدم . قال الحسن : الربانيون علماء أهل الإِنجيل ، والأحبار علماء أهل التوراة . وقال غيره : كله في اليهود لأنه متصل بذكرهم ، والمعنى أن الله تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي ، وذلك يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه ، لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد ، بل نقول : إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت ( لبئس ما كانوا يعملون ) وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر ( لبئس ما كانوا يصنعون) والصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقراً راسخاً متمكناً ، فجعل جرم العاملين ذنباً غير راسخ ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنباً راسخاً ، والأمر في الحقيقة كذلك لأن المعصية مرض الروح ، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه ، فإذا حصل هذا العلم وما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال ، هناك يحصل العلم بأن المرض صعب شديد لا يكاد يزول ، فكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة ، وعن ابن عباس : هي أشد آية في القرآن ، وعن الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها والله أعلم . ٤٣ سورة المائدة قوله تعالى ((وقالت اليهود يد الله مغلولة)) الآية بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَهُ غُلَتْ أَيْدِيِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أَنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ◌ُغْيَةً وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَّةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَّمَةِ كُمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأْهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِ اَلْأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُلَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قوله تعالى ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا . اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ في هذا الموضع أشكال . وهو أن الله تعالى حكى عن اليهود أنهم قالوا ذلك ، ولا شك في أن الله تعالى صادق في كل ما أخبر عنه ، ونرى اليهود مطبقين متفقين على أنا لا نقول ذلك ولا نعتقده البتة ، وأيضاً المذهب الذي يحكي عن العقلاء لا بد وأن يكون معلوم البطلان بضرورة العقل ، والقول بأن يد الله مغلولة قول باطل ببديهة العقل ، لأن قولنا ((الله)) اسم لموجود قديم ، وقادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه ، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته مقيدة وقاصرة ، وإلا فكيف يمكنه مع القدرة الناقصة حفظ العالم وتدبيره . إذا ثبت هذا فنقول : حصل الا شكال الشديد في كيفية تصحيح هذا النقل وهذه الرواية فنقول : عندنا فيه وجوه : الأول : لعل القوم إنما قالوا هذا على سبيل الالزام ، فإنهم لما سمعوا قوله تعالى ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) قالوا: لو احتاج إلى القرض لكان فقيراً عاجزاً ، فلما حكموا بأن الإله الذي يستقرض شيئاً من عباده فقیر مغلول الیدین ، لا جرم حكى الله عنهم هذا الكلام . الثاني: لعل القوم لما رأوا أصحاب الرسول مَيّ في غاية الشدة والفقر والحاجة قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء : إن إله محمد فقير مغلول اليد ، فلما قالوا ذلك حكى الله عنهم هذا الكلام الثالث : قال المفسرون : اليهود كانوا أكثر الناس مالا وثروة ، فلما بعث الله محمداً وكذبوا به ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالت اليهود : يد الله مغلولة ، أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل ، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة والمحنة يقول مثل هذه الألفاظ. الرابع: لعله كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة، وهو أنه تعالى موجب لذاته ، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وسنن واحد ، وإنه ٤٤ قوله تعالى ((وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم )» الآية سورة المائدة تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها تقع، فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغل اليد . الخامس : قال بعضهم : المراد هو قول اليهود : إن الله لا يعذبنا إلا بقدر الأيام التي عبدنا العجل فيها ، إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم الا في هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة ، واستوجبوا اللعن بسبب فساد العبارة وعدم رعاية الأدب ، وهذا قول الحسن . فثبت أن هذه الحكاية صحيحة على كل هذه الوجوه والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية ﴾ غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) قالوا : والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع المال ولا نفاقه ، فأطلقوا اسم السبب على المسبب . وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل . فقيل للجواد : فياض الكف مبسوط اليد ، وبسط البنان تره الأنامل . ويقال للبخيل : كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل . فإن قيل : فلما كان قوله ( يد الله مغلولة ) المراد منه البخل وجب أن يكون قوله ( غلت أيديهم ) المراد منه أيضاً البخل لتصح المطابقة ، والبخل من الصفات المذمومة التي نهى الله تعالى عنها ، فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك ؟ قلنا : قوله ( يد الله مغلولة ) عبارة عن عدم الممكنة من البذل والاعطاء ، ثم إن عدم المكنة من الإِعطاء تارة يكون لأجل البخل وتارة يكون لأجل الفقر ، وتارة يكون لأجل العجز ، فكذلك قوله ( غلت أيديهم ) دعاء عليهم بعدم القدرة والمكنة ؛ سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل ، وعلى هذا التقدير فإنه يزول الاشكال . المسألة الثالثة ﴾ قوله ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) فيه وجهان : الأول : أنه دعاء عليهم ، والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاستثناء في قوله ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) وكما علمنا الدعاء على المنافقين في قوله ( فزادهم الله مرضاً) وعلى أبي لهب في قوله (تبت يدا أبي لهب ) الثاني: أنه إخبار . قال الحسن : غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة ، أي شدت إلى أعناقهم جزاء لهم على هذا القول . فإن قيل : فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاء لهم على هذا القول ، فكان ينبغي أن يقال : فغلت أيديهم . قلنا : حذف العطف وإن كان مضمراً إلا أنه حذف لفائدة ، وهي أنه لما حذف كان قوله ٤٥ سورة المائدة قوله تعالى (( بل يداه مبسوطتان )) الآية ( غلت أيديهم ) كالكلام المبتدأ به ، وكون الكلام مبتدأ به يزيده قوة ووثاقة ؛ لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره ، ونظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا) ولم يقل: فقالوا أتتخذنا هزواً . وأما قوله (ولعنوا بما قالوا) قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار . ثم قال تعالى ﴿ بل يداه مبسوطتان واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات ، فإن الآيات الكثيرة من القرآن ناطقة بإثبات اليد ، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد . قال تعالى ( يد الله فوق أيديهم ) وتارة بإثبات اليدين لله تعالى : منها هذه الآية ، ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) وتارة بإثبات الأيدي . قال تعالى ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً) . إذا عرفت هذا فنقول . اختلفت الأمة في تفسير يد الله تعالى ، فقالت المجسمة : إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد ، واحتجوا عليه بقوله تعالى ( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها ) وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء ، فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلهاً، ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له . قالوا : وأيضاً اسم اليد موضوع لهذا العضو، فحمله على شيء آخر ترك للغة ، وإنه لا يجوز . واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم ، والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والكون ، وهما محدثان ، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار ، وكل ما كان متناهياً في المقدار فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء ، وكل ما كان كذلك كان قابلاً للتركيب والانحلال ، وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركبه ويؤلفه ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسماً ، فيمتنع أن تكون يده عضواً جسمانياً . وأما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد قولان : الأول : قول من يقول : القرآن لما دل على إثبات اليد لله تعالى آمناً به ، والعقل لما دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والابعاض آمناً به ، فأما أن اليد ما هي وما حقيقتها فقد فوضنا معرفتها إلى الله تعالى ، وهذا هو طريقة السلف . ٤٦ قوله تعالى (( بل يداه مبسوطتان )) الآية سورة المائدة وأما المتكلمون فقالوا : اليد تذكر في اللغة على وجوه : أحدها : الجارحة وهو معلوم ، وثانيها : النعمة ، تقول : لفلان عندي يد أشكره عليها ، وثالثها : القوة قال تعالى ( أولى الأيدي والأبصار ) فسروه بذوي القوى والعقول ، وحكى سيبويه أنهم قالوا : لا يدلك بهذا ، والمعنى سلب كمال القدرة ورابعها : الملك ، يقال : هذه الضيعة في يد فلان ، أي في ملكه . قال تعالى ( الذي بيده عقدة النكاح ) أي يملك ذلك ، وخامسها : شدة العناية والاختصاص . قال تعالى ( لما خلقت بيدي ) والمراد تخصيص آدم عليه السلام بهذا التشريف ، فإنه تعالى هو الخالق لجميع المخلوقات . ويقال : يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمن له شيئاً . إذا عرفت هذا فنقول : اليد في حق الله يمتنع أن تكون بمعنى الجارحة ، وأما سائر المعاني فكلها حاصلة . وههنا قول آخر ، وهو أن أبا الحسن الأشعري رحمه الله زعم في بعض أقواله أن اليد صفة قائمة بذات الله تعالى ، وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء قال : والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه علةولكرامة آدم واصطفائه ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لا متنع كونه علة للاصطفاء ، لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات ، فلا بد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء ، وأكثر العلماء زعموا أن اليد في حق الله تعالى عبارة عن القدرة وعن النعمة . فإن قيل : إن فسرتم اليد في حق الله تعالى بالقدرة فهذا مشكل ؛ لأن قدرة الله تعالى واحدة ونص القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة ، وبإثبات الأيدي أخرى ، وإن فسرتموها بالنعمة فنص القرآن ناطق بإثبات اليدين ، ونعم الله غير محدودة كما قال تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) . والجواب : إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة كان الجواب عن الإشكال المذكور أن القوم جعلوا قولهم ( يد الله مغلولة ) كناية عن البخل ، فأجيبوا على وفق كلامهم ، فقيل ( بل يداه مبسوطتان ) أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل ، بل هو جواد على سبيل الكمال . فإن من أعطى بيده أعطى على أكمل الوجوه ، وأما إن اخترنا تفسير اليد بالنعمة كان الجّواب عن الاشكال المذكور من وجهين : الأول : أنه نسبة بحسب الجنس ، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها ، فقيل : نعمتاه نعمة الدين ونعمة الدنيا ، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن ، أو نعمة النفع ونعمة الدفع ، أو نعمة الشدة ونعمة الرخاء . الثاني : أن المراد بالنسبة المبالغة في وصف النعمة، ألا ترى أن قولهم ((لبيك)) معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة، وكذلك ((سعديك)) معناه مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد منه طاعتين ولا مساعدتين ، فكذلك الآية : المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما قوله تعالى ((وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك)) الآية سورة المائدة ٤٧ ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة . ثم قال تعالى ﴿ ينفق كيف يشاء ﴾ أي يرزق ويخلق كيف يشاء إن شاء قتر ، وإن شاء وسع . وقال ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) وقال ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) وقال ( قل اللهم مالك الملك ) إلى قوله ( وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير ) . واعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة . وذلك لأنهم قالوا : يجب على اللّه تعالى إعطاء الثواب للمطيع ، ويجب عليه أن لا يعاقبه ، ويجب عليه أن لا يدخل العاصى الجنة ، ويجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه، فهذا المنع والحجر والقيد يجري مجرى الغل. فهم في الحقيقة قائلون بأن يد الله مغلولة وأما أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه، وليس لأحد عليه استحقاق، ولا لأحد عليه اعتراض كما قال ( قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً) فقوله سبحانه (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة، والحمدلله على الدين القويم والصراط المستقيم . ثم قال تعالى ﴿وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى ﴾ المراد بالكثير علماء اليهود ، يعني ازدادوا عند نزول ما أنزل إليك من ربك من القرآن والحجج شدة في الكفر وغلواً في الانكار ، كما يقال : ما زادتك موعظتي الاشرا . وقيل : إقامتهم على الكفر زيادة منهم في الكفر . المسألة الثانية ﴾ قال أصحابنا : دلت الآية على أنه تعالى لا يراعى مصالح الدين والدنيا لأنه تعالى لما علم أنهم يزدادون عن إنزال تلك الآيات كفراً وضلالاً ، فلو كانت أفعاله معللة برعاية المصالح للعباد لامتنع عليه إنزال تلك الآيات ، فلما أنزلها علمنا أنه تعالى لا يراعي مصالح العباد ، ونظيره قوله ( فزادتهم رجساً إلى رجسهم ) . فإن قالوا : علم الله تعالى من حالهم أنهم سواء أنزلها أو لم ينزلها فإنهم يأتون بتلك الزيادة من الكفر ، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها . قلنا : فعلى هذا التقدير لم يكن ذلك الازدياد لأجل إنزال تلك الآيات ، وهذا يقتضي أن تكون إضافة إزدياد الكفر إلى إنزال تلك الآيات باطلاً ، وذلك تكذيب لنص القرآن . ثم قال تعالى ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ﴾ . ٤٨ قوله تعالى ((والله لا يحب المفسدين)) الآية. سورة المائدة واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بين أنهم إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال والسيادة . ثم إنه تعالى بين أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة لا جرم أن الله تعالى كما حرمهم سعادة الدين ، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا ، لأن كل فريق منهم بقي مصراً على مذهبه ومقالته ، يبالغ في نصرته ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات تعظيماً لنفسه وترويجاً لمذهبه ، فصار ذلك سبباً لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم ، وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضاً ويغزو بعضهم بعضاً ، وفي قوله ( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء ) قولان : الأول : المراد منه ما بين اليهود والنصارى من العداوة لأنه جری ذکرهم في قوله ( لا تتخذوا اليهود والنصارى) وهو قول الحسن ومجاهد . الثاني : أن المراد وقوع العداوة بين فرق اليهود ، فإن بعضهم جبرية ، وبعضهم قدرية ، وبعضهم موحدة ، وبعضهم مشبهة ، وكذلك بين فرق النصارى : كالملكانية والنسطورية واليعقوبية . فإن قيل : فهذا المعنى حاصل بتمامه بين فرق المسلمين ، فكيف يمكن جعله عيباً على اليهود والنصارى ؟ قلنا : هذه البدع إنما حدثت بعد عصر الصحابة والتابعين ، أما في ذلك الزمان فلم يك شيء من ذلك حاصلاً ، فلا جرم حسن من الرسول ومن أصحابه جعل ذلك عيباً على اليهود والنصارى . ثم قال تعالى ﴿ كلَّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾. وهذا شرح نوع آخر من أنواع المحن عن اليهود ، وهو أنهم كلما هموا بأمر من الأمور رجعوا خائبين خاسرين مقهورين ملعونين كما قال تعالى ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا ) قال قتادة : لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس . ثم قال تعالى ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ أي ليس يحصل في أمرهم قوة من العزة والمنعة ، إلا أنهم يسعون في الأرض فساداً ، وذلك بأن يخدعوا ضعيفاً ، ويستخرجوا نوعاً من المكر والكيد على سبيل الخفية . وقيل : إنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين . ٤٩ قوله تعالى ((ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا)) الآية سورة المائدة وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِءَ امَنُواْ وَانْقَوْلَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْ خَلْنَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ ٠٠٠٠٠٠٠٠٤٠٠ ٦٥ وَلَوْ أَهُمْ أَقَامُواْلَّوْرَنَةَ وَالْإِلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ لَأَكُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِنْهُمْ أَمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيْرٌ مِنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ (3) ثم قال تعالى ﴿والله لا يحب المفسدين﴾ وذلك يدل على أن الساعي في الأرض بالفساد ممقوت عند الله تعالى . ثم قال تعالى ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سياتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ﴾ . واعلم أنه تعالى لما بالغ في ذمهم وفي تهجين طريقتهم بين أنهم لو آمنوا واتقوا لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا ، أما سعادات الآخرة فهي محصورة في نوعين : أحدهما : رفع العقاب ، والثاني : إيصال الثواب ، أما رفع العقاب فهو المراد بقوله ( لكفرنا عنهم سياتهم ) وأما إيصال الثواب فهو المراد بقوله ( ولأدخلناهم جنات النعيم ) . فإن قيل : الإِيمان وحده سبب مستقل باقتضاء تكفير السيآت وإعطاء الحسنات ، فلم ضم إليه شرط التقوى ؟ قلنا : المراد كونه آتياً بالإِيمان لغرض التقوى والطاعة ، لا لغرض آخر من الأغراض العاجلة مثل ما يفعله المنافقون . ثم قال تعالى ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ . واعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الآخرة ، بين في هذه الآية أيضاً أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الدنيا ووجدوا طيباتها وخيراتها ، في إقامة التوراة والأنجيل ثلاثة أوجه : أحدها : أن يعملوا بما فيها من الوفاء بعهود اللّه فيها ، ومن الفخر الرازي ج١٢ م٤ 1 ٥٠ قوله تعالى ((لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم )) الآية سورة المائدة الاقرار باشتمالها على الدلائل الدالة على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، وثانيها : إقامة التوراة إقامة أحكامها وحدودها كما يقال : أقام الصلاة إذا قام بحقوقها ، ولا يقال لمن لم يوف بشرائطها : إنه أقامها . وثالثها : أقاموها نصب أعينهم لئلا يزلوا في شيء من حدودها ، وهذه الوجوه كلها حسنة لكن الأول أحسن . وأما قوله تعالى ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ ففيه قولان : الأول : أنه القرآن، والثاني : أنه كتب سائر الأنبياء : مثل كتاب شعياء ومثل كتاب حيقوق ، وكتاب دانيال ، فإن هذه الكتب مملوءة من البشارة بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام . وأما قوله تعالى ﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ فاعلم أن اليهود لما أصروا على تكذيب محمد عليه الصلاة والسلام أصابهم القحط والشدة ، وبلغوا إلى حيث قالوا : يد الله مغلولة فالله تعالى بين أنهم لو تركوا ذلك الكفر لانقلب الأمر وحصل الخصب والسعة ، وفي قوله ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) وجوه : الأول : أن المراد منه المبالغة في شرح السعة والخصب ، لا أن هناك فوقاً وتحتاً، والمعنى لأكلوا أكلاً متصلاً كثيراً، وهو كما تقول : فلان في الخير من فرقه إلى قدمه ، تريد تكاثف الخير وكثرته عنده . الثاني : أن الأكل من فوق نزول القطر ، ومن تحت الأرجل حصول النبات ، كما قال تعالى في سورة الأعراف ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) الثالث : الأكل من فوق كثرة الأشجار المثمرة ، ومن تحت الأرجل الزروع المغلة ، والرابع : المراد أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار ، فيجتنون ما تهدل من رؤس الشجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم ، والخامس : يشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على اليهود من بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم . ثم قال تعالى ﴿ منهم أمة مقتصدة﴾ معنى الاقتصاد في اللغة الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير ، وأصله القصد ، وذلك لأن من عرف مطلوبه فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب ، أما من لم يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيراً، تارة يذهب يميناً وأخرى يساراً ، فلهذا السبب جعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ، ثم في هذه الأمة المقتصدة قولان : أحدهما : أن المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب : كعبد الله ابن سلام من اليهود ، والنجاشى من النصارى ، فهم على القصد من دينهم ، وعلى المنهج المستقيم منه ، ولم يميلوا إلى طرفي الافراط والتفريط . والثاني : المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ، ولا يكون فيهم ٥١ سورة المائدة قوله تعالى ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك)) الآية ◌َأَيُّهَا الَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن ◌َّمْ تَفْعَلْ نَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ عناد شديد ولا غلظة كاملة ، كما قال ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) . ثم قال تعالى ﴿ وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ وفيه معنى التعجب كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم ، والمراد : منهم الأجلاف المذمومون المبغضون الذين لا يؤثر فيهم الدليل ولا ينجع فيهم القول . قوله تعالى ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ أمر الرسول بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة الفاسقين ولا يخشى مكروههم فقال ( بلغ ) أي واصبر على تبليغ ما أنزلته إليك من كشف أسرارهم وفضائح أفعالهم ، فإن الله يعصمك من كيدهم ويصونك من مكرهم. وروى الحسن عن النبي ◌ّ قال ((إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً عرفت أن الناس يكذبوني واليهود والنصارى وقريش يخوفوني ، فلما أنزل الله هذه الآية زال الخوف "بالكلية)) وروى أن النبي ◌ّ لل كان أيام إقامته بمكة يجاهر ببعض القرآن ويخفي بعضه إشفاقاً على نفسه من تسرع المشركين إليه وإلى أصحابه ، فلما أعز الله الإِسلام وأيده بالمؤمنين قال له ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) أي لا تراقبن أحداً، ولا تترك شيئاً مما أنزل إليك خوفاً من أن ينالك مكروه . ثم قال تعالى ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قرأ نافع (رسالاته) في هذه الآية وفي الأنعام (حيث يجعل رسالاته) على الجمع ، وفي الأعراف ( برسالتي ) على الواحد ، وقرأ حفص عن عاصم على الضد ، ففي المائدة والأنعام على الواحد ، وفي الأعراف على الجمع ، وقرأ ابن كثير في الجميع على الواحد ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم كله على الجمع . حجة من جمع أن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات وأحكام مختلفة في الشريعة ، وكل آية أنزلها الله تعالى على رسوله وقّ فهي رسالة، فحسن لفظ الجمع، وأما من أفرد فقال: القرآن كله رسالة واحدة ، وأيضاً فإن لفظ الواحد قد يدل على الكثرة وإن لم يجمع كقوله : ٥٢ قوله تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك)) الآية سورة المائدة (وادعوا ثبوراً كثيراً) فوقع الاسم الواحد على الجمع ، وكذا ههنا لفظ الرسالة وإن كان واحداً إلا أن المراد هو الجمع . ﴿ المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول: إن قوله (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) معناه فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته ، فأي فائدة في هذا الكلام ؟ أجاب جمهور المفسرين بأن المراد : إنك إن لم تبلغ واحداً منها كنت كمن لم يبلغ شيئاً منها ، وهذا الجواب عندي ضعيف، لأن من أتى بالبعض وترك البعض لو قيل : أنه ترك الكل لكان كذباً ولوقيل أيضاً : إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل مقدار الجرم في ترك الكل فهو أيضاً محال ممتنع ، فسقط هذا الجواب . والأصح عندي أن يقال : إن هذا خرج على قانون قوله : أنا أبو النجم وشعري شعري ومعناه أن شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة إلى حيث متى قيل فيه : أنه شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يزاد عليها ، فهذا الكلام يفيد المبالغة التامة من هذا الوجه ، فكذا ههنا : فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته ، يعني أنه لا يمكن أن يوصف ترك التبليغ بتهديد أعظم من أنه ترك التبليغ ، فكان ذلك تنبيهاً على غاية التهديد والوعيد والله أعلم . المسألة الثالثة﴾ ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوهاً: الأول : أنها نزلت في قصة الرجم والقصاص على ما تقدم في قصة اليهود . الثاني : نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين والنبي سكت عنهم ، فنزلت هذه الآية . الثالث : لما نزلت آية التخيير ، وهو قوله ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا فنزلت . الرابع : نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش . قالت عائشة رضي الله عنها : من زعم أن رسول الله يَّ كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول ( يا أيها الرسول بلغ ) ولو كتم رسول الله شيئاً من الوحي لكتم قوله ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه ) الخامس : نزلت في الجهاد ، فإن المنافقين كانوا يكرهونه ، فكان يمسك أحياناً عن حثهم على الجهاد . السادس : لما نزل قوله تعالى ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ) سكت الرسول عن عيب آلهتهم فنزلت هذه الآية وقال ( بلغ ) يعني ٥٣ قوله تعالى (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك)) الآية سورة المائدة معايب آلهتهم ولا تخفها عنهم ، والله يعصمك منهم . السابع : نزلت في حقوق المسلمين ، وذلك لأنه قال في حجة الوداع لما بين الشرائع والمناسك ((هل بلغت)) قالوا نعم ، قال عليه الصلاة والسلام ((اللهم فاشهد)) الثامن: روى أنه صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها ، فأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال : يا محمد من يمنعك مني؟ فقال (( الله)) فرعدت يد الاعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ، فأنزل الله هذه الآية وبين أنه يعصمه من الناس . التاسع : كان يهاب قريشاً واليهود والنصارى ، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بهذه الآية . العاشر: نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال (( من كنت مولاهٍ فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه )) فلقيه عمر رضي الله عنه فقال : هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي . واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمله على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاماً مع اليهود والنصارى امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبية عما قبلها وما بعدها . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ في قوله ﴿والله يعصمك من الناس ﴾ سؤال، وهو أنه كيف يجمع بين ذلك وبين ما روى أنه عليه الصلاة والسلام شج وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : أن المراد يعصمه من القتل ، وفيه التنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء ، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ! وثانيها : أنها نزلت بعد يوم أحد . واعلم أن المراد من ((الناس)) ههنا الكفار ، بدليل قوله تعالى ﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ . ومعناه أنه تعالى لا يمكنهم مما يريدون . وعن أنس رضي الله عنه : كان رسول الله 85* بحرسه سعد وحذيفة حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم وقال : انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس . ٥٤ قوله تعالى ((قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا)) الآية سورة المائدة قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْلَّوْرَنَةَ وَالْإِلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَزِدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ مُغًَْا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِ ينَ (﴾ إِنَّالَّذِينَءَ امُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّبِعُونَ وَالنَّصَرَى مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ آلْآَخِ وَعَمِلَ صَدِمًا فَلَا خَوْفٌّ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٩ ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل اليكم من ربكم﴾ .. واعلم أنه تعالى لما أمره بالتبليغ سواء طاب للسامع أو ثقل عليه أمر بأن يقول لأهل الكتاب هذا الكلام وإن كان مما يشق عليهم جداً فقال ( قل يا أهل الكتاب ) من اليهود والنصارى ( لستم على شيء ) من الدين ولا في أيديكم شيء من الحق والصواب ، كما تقول : هذا ليس بشيء إذا أردت تحقيره وتصغير شأنه . وقوله ( حتى تقيموا التوراة والانجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً ) . وهذا مذكور فيما قبل ، والتكرير للتأكيد . ثم قال تعالى ﴿ فلا تأس على القوم الكافرين ) وفيه وجهان : الأول : لا تأسف عليهم بسبب زيادة طغيانهم وكفرهم ، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك ولا إلى المؤمنين . الثاني : لا تتأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم ، فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك ، روى ابن عباس أنه جاء جماعة من اليهود وقالوا : يا محمد ألست تقر أن التوراة حق من الله تعالى ؟ قال بلى ، قالوا ؛ فانا مؤمنون بها ولا نؤمن بغيرها ، فنزلت هذه الآية . قوله تعالى ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة ، قوله تعالى ((إن الذين آمنوا والذين هادوا )) الآية سورة المائدة وبقي هنا مسائل : المسألة الأولى﴾ ظاهر الاعراب يقتضى أن يقال : والصابئين، وهكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود وابن كثير ، وللنحويين في علة القراءة المشهورة وجوه : الأول : وهو مذهب الخليل وسيبويه ارتفع الصابئون بالابتداء على نية التأخير ، كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والصابئون كذلك ، فحذف خبره ، والفائدة في عدم عطفهم على من قبلهم هو أن الصابئين أشد الفرق المذكورين في هذه الآية ضلالاً ، فكأنه قيل : كل هؤلاء الفرق إن آمنوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم وأزال ذنبهم ، حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضاً كذلك . ﴿الوجه الثاني﴾ وهو قول الفراء أن كلمة ((إن)) ضعيفة في العمل ههنا، وبيانه من وجوه: الأول: إن كلمة ((إن)) إنما تعمل لكونها مشابهة للفعل ، ومعلوم أن المشابهة بين الفعل وبين الحرف ضعيفة ، الثاني : إنها وإن كانت تعمل لكن إنما تعمل في الاسم فقط ، أما الخبر فإنه بقي مرفوعاً بكونه خبر المبتدأ ، وليس لهذا الحرف في رفع الخبر تأثير ، وهذا مذهب الكوفيين ، وقد بيناه بالدليل في سورة البقرة في تفسير قوله ( إن الذين كفروا سواء عليهم أ أنذرتهم ) الثالث : إنها إنما يظهر أثرها في بعض الأسماء ، أما الأسماء التي لا يتغير حالها عند اختلاف العوامل فلا يظهر أثر هذا الحرف فيها ، والأمرههنا كذلك ، لأن الاسم ههنا هو قوله ( الذين ) وهذه الكلمة لا يظهر فيها أثر الرفع والنصب والخفض . إذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا كان اسم ((إن)) بحيث لا يظهر فيه أثر الاعراب . فالذي يعطف عليه يجوز النصب على إعمال هذا الحرف، والرفع على إسقاط عمله ، فلا يجوز أن يقال : إن زيداً وعمرو قائمان لأن زيداً ظهر فيه أثر الاعراب ، لكن إنما يجوز أن يقال : إن هؤلاء وإخوتك يكرموننا ، وإن هذا نفسه شجاع ، وإن قطام وهند عندنا ، والسبب في جواز ذلك أن كلمة ((إن)) كانت في الأصل ضعيفة العمل ، وإذا صارت بحيث لا يظهر لها أثر في اسمها صارت في غاية الضعف، فجاز الرفع بمقتضى الحكم الثابت قبل دخول هذا الحرف عليه ، وهو كونه مبتدأ ، فهذا تقرير قول الفراء ، وهو مذهب حسن وأولى من مذهب البصريين ، لأن الذي قالوه يقتضي أن كلام الله على الترتيب الذي ورد عليه ليس بصحيح ، وإنما تحصل الصحة عند تفكيك هذا النظم ، وأما على قول الفراء فلا حاجة إليه ، فكان ذلك أولى . المسألة الثانية﴾ قال بعض النحويين: لا شك أن كلمة ((إن)) من العوامل الداخلة ٥٦ قوله تعالى ((إن الذين آمنوا والذين هادوا)) الآية سورة المائدة على المبتدأ والخبر ، وكون المبتدأ مبتدأ والخبر خبراً وصف حقيقي ثابت حال دخول هذا الحرف وقبله ، وكونه مبتدأ يقتضي الرفع . إذا ثبت هذا فنقول: المعطوف على اسم ((إن)) يجوز انتصابه بناء على إعمال هذا الحرف، ويجوز ارتفاعه أيضاً لكونه في الحقيقة مبتدأ محدثاً عنه ومخبراً عنه . طعن صاحب الكشاف فيه وقال: إنما يجوز ارتفاعه على العطف على محل ((إن واسمها)) بعد ذكر الخبر ، تقول : إن زيداً منطلق وعمراً وعمرو بالنصب على اللفظ، والرفع على موضع ((إن)) واسمها ، لأن الخبر قد تقدم ، وأما قبل ذكر الخبر فهو غير جائز، لأنا لو رفعناه على محل ((إن واسمها)) لكان العامل في خبرهما هو المبتدأ ، ولو كان كذلك لكان العامل في خبرهما هو الابتداء ، لأن الابتداء هو المؤثر في المبتدأ والخبر معاً، وحينئذ يلزم في الخبر المتأخر أن يكون مرفوعاً بحرف ((إن)) وبمعنى الابتداء ، فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان ، وإنه محال . واعلم أن هذا الكلام ضعيف ، وبيانه من وجوه : الأول : ان هذه الأشياء التي تسميها النحويون : رافعة وناصبة ليس معناها أنها كذلك لذواتها أو لأعيانها ، فان هذا لا يقوله عاقل ، بل المراد أنها معرفات بحسب الوضع والاصطلاح لهذه الحركات ، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد غير محال ، ألا ترى أن جميع أجزاء المحدثات دالة على وجود الله تعالى . والوجه الثاني﴾ في ضعف هذا الجواب أنه بناه على أن كلمة ((ان)) مؤثرة في نصب الاسم ورفع الخبر ، والكوفيون ينكرون ذلك ويقولون : لا تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر البتة ، وقد أحكمنا هذه المسألة في سورة البقرة . والوجه الثالث ﴾ وهو أن الأشياء الكثيرة إذا عطف بعضها على البعض فالخبر الواحد لا يكون خبرا عنها ، لأن الخبر عن الشيء عبارة عن تعريف حاله وبيان صفته ، ومن المحال أن يكون حال الشيء وصفته عين حال الآخر وصفته ، لامتناع قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة . وإذا ثبت هذا ظهر أن الخبر وان كان في اللفظ واحداً إلا أنه في التقدير متعدد ، وهو لا محالة موجود بحسب التقدير والنية ، وإذا حصل التعدد في الحقيقة لم يمتنع كون البعض مرتفعا بالحرف والبعض بالابتداء ، وبهذا التقدير لم يلزم اجتماع الرافعين على مرفوع واحد . والذي ٥٧ سورة المائدة قوله تعالى ((إن الذين آمنوا والذين هادوا)) الآية يحقق ذلك انه سلم ان بعد ذكر الاسم وُخبره جاز الرفع والنصب في المعطوف عليه ، ولا شك أن هذا المعطوف إنما جاز ذلك فيه لأنا نضمر له خبرا ، وحكمنا بان ذلك الخبر المضمر مرتفع بالابتداء . وإذا ثبت هذا فنقول : ان قبل ذكر الخبر إذا عطفنا اسما على اسم حكم صريح العقل أنه لا بد من الحكم بتقدير الخبر ، وذلك إنما يحصل باضمار الاخبار الكثيرة ، وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكر من الالتزام والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى لما بين أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا ، بين أن هذا الحكم عام في الكل ، وانه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ، وذلك لأن الانسان له قوتان : القوة النظرية ، والقوة العملية ، أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق ، وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير ، وأعظم المعارف شرفا معرفة أشرف الموجودات . وهو الله سبحانه وتعالى ، وكمال معرفته إنما يحصل بكونه قادرا على الحشر والنشر؛ فلا جرم كان أفضل المعارف هو الايمان بالله واليوم الآخر ، وأفضل الخيرات في الأعمال أمران : المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود ، والسعي في ايصال النفع إلى الخلق كما قال عليه الصلاة والسلام ((التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله)) ثم بين تعالى أن كل من أتى بهذا الايمان وبهذا العمل فانه يرد القيامة من غير خوف ولا حزن . والفائدة في ذكرهما أن الخوف يتعلق بالمستقبل ، والحزن بالماضي ، فقال ( لا خوف عليهم ) بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة ( ولا هم يحزنون ) بسبب ما فاتهم من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أمورا أعظم وأشرف وأطيب مما كانت لهم حاصلة في الدنيا ، ومن كان كذلك فانه لا يحزن بسبب طيبات الدنيا . فان قيل : كيف يمكن خلو المكلف الذي لا يكون معصوما عن أهوال القيامة ؟ والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى شرط ذلك بالعمل الصالح ، ولا يكون آتيا بالعمل الصالح إلا إذا كان تاركا لجميع المعاصي ، والثاني : أنه ان حصل خوف فذلك عارض قليل لا يعتد به . ﴿ المسألة الرابعة ) قالت المعتزلة: انه تعالى شرط عدم الخوف وعدم الحزن بالايمان والعمل الصالح ، والمشروط بشيء عدم عند عدم الشرط ، فلزم أن من لم يأت مع الايمان بالعمل الصالح فانه يحصل له الخوف والحزن ، وذلك يمنع من العفو عن صاحب الكبيرة . ٥٨ سورة المائدة قوله تعالى ((لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل)) الآية لَقَدْ أُخَذْنَا مِثَقَ بَنِيِّ إِسْرَءِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَ هُمْ رَسُولُ بِمَا لَا تَهْوَّ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُونَ ٠ ٧ والجواب : أن صاحب الكبيرة لا يقطع بأن الله يعفو عنه لا محالة ، فكان الخوف والحزن حاصلا قبل اظهار العفو . المسألة الخامسة ﴾ أنه تعالى قال في أول الآية ( ان الذين آمنوا ) ثم قال في آخر الآية ( من آمن بالله) وفي هذا التكرير فائدتان : الأولى : ان المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون ، فالفائدة في هذا التكرير إخراجهم عن وعد عدم الخوف وعدم الحزن . الفائدة الثانية ﴾ أنه تعالى أطلق لفظ الايمان، والايمان يدخل تحته أقسام ، وأشرفها الايمان بالله واليوم الآخر ، فكانت الفائدة في الاعادة التنبيه على أن هذين القسمين أشرف أقسام الايمان ، وقد ذكرنا وجوها كثيرة في قوله ( يا أيها الذين آمنوا ) وكلها صالحة لهذا الموضع . المسألة السادسة﴾ الراجع إلى اسم ((ان)) محذوف، والتقدير: من آمن منهم، إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوما ، والله أعلم . قوله تعالى ﴿ لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا اليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ﴾ . اعلم أن المقصود بيان عتو بني اسرائيل وشدة تمردهم عن الوفاء بعهد الله ، وهو متعلق بما افتتح الله به السورة ، وهو قوله (أوفوا بالعقود) فقال ( لقد أخذنا ميثاق بني اسرائيل ) يعني خلقنا الدلائل وخلقنا العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ، وأرسلنا اليهم رسلا بتعريف الشرائع والأحكام . وقوله ( كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ) جملة شرطية وقعت صفة لقوله (رسلا ) والراجع محذوف، والتقدير : كلما جاءهم رسول منهم بما لا تهوى أنفسهم ، أي بما يخالف أهواءهم وما يضاد شهواتهم من مشاق التكليف . وههنا سؤالات : الأول : أين جواب الشرط؟ فان قوله ( فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ) لا يصلح أن يكون جوابا لهذا الشرط ، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين . ٥٩ سورة المائدة قوله تعالى ((وحسبوا أن لا تكون فتنة)) الآية وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُوْ تُمَّتَابَ الهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ ◌َمُواْ وَصَعُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ يَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( ٧١ + والجواب : أن جواب الشرط محذوف ، وانما جاز حذفه لأن الكلام المذكور دليل عليه ، والتقدير : كلما جاءهم رسول ناصبوه ، ثم انه قيل : فكيف ناصبوه ؟ فقيل : فريقا كذبوا وفريقا يقتلون . وقوله : الرسول الواحد لا يكون فريقين . فنقول : إن قوله ( كلما جاءهم رسول ) يدل على كثرة الرسل ، فلا جرم جعلهم فريقين . السؤال الثاني﴾ لم ذكر أحد الفعلين ماضيا، والآخر مضارعاً؟ والجواب : أنه تعالى بين أنهم كيف كانوا يكذبون عيسى وموسى في كل مقام ، وكيف كانوا يتمردون على أوامره وتكاليفه ، وانه عليه السلام إنما توفى في التيه على قول بعضهم لشؤم تمردهم عن قبول قوله في مقاتلة الجبارين . وأما القتل فهو ما اتفق لهم في حق زكريا ويحيى عليهما السلام ، وكانوا قد قصدوا أيضا قتل عيسى وان كان الله منعهم عن مرادهم وهم يزعمون أنهم قتلوه ، فذكر التكذيب بلفظ الماضي هنا إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليه السلام ؛ لأنه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة ، وذكر القتل بلفظ المضارع إشارة إلى معاملتهم مع زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام لكون ذلك الزمان قريبا فكان كالحاضر . السؤال الثالث ﴾ ما الفائدة في تقديم المفعول في قوله تعالى ( فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ) . والجواب : قد عرفت أن التقديم إنما يكون لشدة العناية ، فالتكذيب والقتل وان كانا منكرين إلا أن تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقتلهم أقبح ، فكان التقديم لهذه الفائدة . ثم قال تعالى ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو ( أن لا تكون فتنة ) برفع نون ( تكون) والباقون بالنصب ، وذكر الواحدي لهذا تقريرا حسنا فقال : الافعال على ثلاثة أضرب : فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره نحو : العلم والتيقن والتبين ، فما كان مثل هذا ٦٠ قوله تعالى ((وحسبوا أن لا تكون فتنة)) الآية سورة المائدة يقع بعده ( أن ) الثقيلة ولم يقع بعده ( أن ) الخفيفة الناصبة للفعل ، وذلك لأن الثقيلة تدل على ثبات الشيء واستقراره ، فاذا كان العلم يدل على الاستقرار والثبات و( أن ) الثقيلة تفيد هذا المعنى حصلت بينهما موافقة ومجانسة ، ومثاله من القرآن قوله تعالى ( ويعلمون أن الله هو الحق المبين . ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده . ألم يعلم بأن الله يرى) والباء زائدة . والضرب الثاني : فعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار ، نحو : أطمع وأخاف وأرجو ، فهذا لا يستعمل فيه إلا الخفيفة الناصبة للفعل . قال تعالى ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي . تخافون أن يتخطفكم الناس . فخشينا أن يرهقهما ) . والضرب الثالث : فعل يحذو مرة إلى هذا القبيل ومرة أخرى الى ذلك القبيل نحو : حسب وأخواتها ، فتارة تستعمل بمعنى أطمع وأرجو فيما لا يكون ثابتاً ومستقرا ، وتارة بمعنى العلم فيما يكون مستقرا . إذا عرفت هذا فنقول : يمكن إجراء الحسبان ههنا بحيث يفيد الثبات والاستقرار ، لأن القوم كانوا جازمين بأنهم لا يقعون بسبب ذلك التكذيب والقتل في الفتنة والعذاب ، ويمكن إجراؤه بحيث لا يفيد هذا الثبات من حيث أنهم كانوا يكذبون ويقتلون بسبب حفظ الجاه والتبع ، فكانوا بقلوبهم عارفين بأن ذلك خطأ ومعصية ، وإذا كان اللفظ محتملا لكل واحد من هذين المعنيين لا جرم ظهر الوجه في صحة كل واحدة من هاتين القراءتين ، فمن رفع قوله ( أن لا تكون) كان المعنى: أنه لا تكون، ثم خففت المشددة وجعلت (( لا )) عوضاً من حذف الضمير ، فلو قلت : علمت أن يقول ، بالرفع لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضاً من حذف الضمير : نحو السين وسوف وقد ، كقوله ( علم أن سيكون ) ووجه النصب ظاهر . ثم قال الواحدي : وكلا الوجهين قد جاء به القرآن ، فمثل قراءة من نصب وأوقع بعده الخفيفة قوله ( أم حسب الذين يعملون السيآت أن يسبقونا . أم حسب الذين اجترجوا السيآت أن نجعلهم . الم أحسب الناس أن يتركوا ) ومثل قراءة من رفع ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم . أيحسبون أنما نمدهم به . أيحسب الانسان أن لن نجمع ) فهذه مخففة من الثقيلة لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها ((لن)) ومثل المذهبين في الظن قوله ( تظن أن يفعل . إن ظننا أن يقيما) ومن الرفع قوله ( وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن . وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا) فأن ههنا الخفيفة من الشديدة كقوله ( علم أن سيكون ) لأن ((أن)) الناصبة للفعل لا تجتمع مع لن، لأن ((لن)) تفيد التأكيد، و((أن)) الناصبة تفيد