النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة المائدة قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم)) الآية ويجوز في اللغة : إن يمسكم . ﴿ المسألة الثانية ﴾ روى صاحب الكشاف أنه كان أهل الردة احدى عشرة فرقة: ثلاث في عهد رسول الله﴾ : بنو مدلج : ورئيسهم ذو الحمار ، وهو الأسود العنسي ، وكان كاهنا ادعى النبوة في اليمن واستولى على بلادها، وأخرج عمال رسول الله، فكتب رسول الله بنعلي﴾ إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن ، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي بيته فقتله ، وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل ، فر المسلمون ، وقبض رسول الله من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول . وبنو حنيفة قوم مسيلمة ، ادعى النبوة وكتب إلى رسول الله: من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول الله أما بعد فان الأرض نصفها لي ونصفها لك ، فأجابه الرسول : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب : أما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين ، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة ، وكان يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الاسلام ، أراد في جاهليتي وفي إسلامي . وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد : ادعى النبوة ، فبعث اليه رسول الله خالدا ، فانهزم بعد القتال إلى الشام ، ثم أسلم وحسن اسلامه . وسبع في عهد أبي بكر : فزارة قوم عيينة بن حصن ، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري ، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل ، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة ، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر التي ادعت النبوة وزوجت نفسها من مسيلمة الكذاب ، وكندة قوم الاشعث بن قيس ، وبنو بكر ابن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد ، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر . وفرقة واحدة في عهد عمر : غسان قوم جبلة بن الأيهم ، وذلك أن جبلة أسلم على يد عمر ، وكان يطوف ذات يوم جارا رداءه ، فوطىء رجل طرف ردائه فغضب فلطمه ، فتظلم إلى عمر فقضى له بالقصاص عليه ، الا أن يعفو عنه ، فقال : أنا أشتريها بألف ، فأبى الرجل ، فلم يزل يزيد في الفداء الى أن بلغ عشرة آلاف، فأبى الرجل الا القصاص ، فاستنظر عمر فأنظره عمر فهرب الى الروم وارتد . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا من يتول منكم الكفار فيرتد عن دينه فليعلم أن الله تعالى يأتي بأقوام آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه . وقال الحسن رحمه الله: علم الله أن قوما يرجعون عن الاسلام بعد موت نبيهم ، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم ٢٢ قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم )) الآية سورة المائدة يحبهم ويحبونه . وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخبارا عن الغيب ، وقد وقع المخبر على وفقه فيكون معجزا . المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في أن أولئك القوم من هم ؟ فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج : هم أبو بكر وأصحابه لأنهم هم الذين قاتلوا أهل الردة . وقالت عائشة رضي الله عنها: مات رسول الله له وارتدت العرب، واشتهر النفاق ، ونزل بأبي مالو نزل بالجبال الراسيات لهاضها . وقال السدي : نزلت الآية في الانصار لأنهم هم الذين نصروا الرسول وأعانوه على اظهار الدين . وقال مجاهد : نزلت في أهل اليمن . وروى مرفوعا أن النبي # لما نزلت هذه الآية أشار الى أبي موسى الأشعري وقال: هم قوم هذا. وقال آخرون : هم الفرس لأنه روى أن النبي ◌َّ لما سئل عن هذه الآية ضرب بيده على عاتق سلمان وقال : هذا وذووه ، ثم قال : لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس . وقال قوم : انها نزلت في علي عليه السلام ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه عليه السلام لما دفع الراية الى علي عليه السلام يوم خيبر قال : لأدفعن الراية غدا الى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، وهذا هو الصفة المذكورة في الآية . والوجه الثاني ﴾ أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله ( انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) وهذه الآية في حقي علي ، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضا في حقه ، فهذه جملة الأقوال في هذه الآية . ولنا في هذه الآية مقامات : المقام الأول ﴾ أن هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الامامية من الروافض ، وتقرير مذهبهم أن الذين أقروا بخلافة أبي بكر وإمامته كلهم كفروا وصاروا مرتدين ، لأنهم أنكروا النص الجلي على إمامة علي عليه السلام فنقول : لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربهم ويقهرهم ويردهم إلى الدين الحق بدليل قوله ( من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم) إلى آخر الآية وكلمة ((من)) في معرض الشرط للعموم ، فهي تدل على أن كل من صار مرتدا عن دين الاسلام فان الله يأتي بقوم يقهرهم ويردهم ويبطل شوكتهم ، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتي الله بقوم يقهرهم ويبطل مذهبهم ، ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فان الروافض هم المقهورون الممنوعون عن اظهار مقالاتهم الباطلة أبدا منذ كانوا علمنا فساد مقالتهم ومذهبهم ، وهذا كلام ظاهر لمن أنصف . ٣٣ سورة قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم » الآية المقام الثاني ﴾ انا ندعي أن هذه الآية يجب أن يقال: انها نزلت في حق أبي بكر رضي الله عنه والدليل عليه وجهان : الأول : ان هذه الآية مختصة بمحاربة المرتدين ، وأبو بكر هو الذي تولى محاربة المرتدين على ما شرحنا ، ولا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه السلام لأنه لم يتفق له محاربة المرتدين ، ولأنه تعالى قال ( فسوف يأتي الله ) وهذا للاستقبال لا للحال ، فوجب أن يكون هؤلاء القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب . فان قيل : هذا لازم عليكم لأن أبا بكر رضي الله عنه كان موجودا في ذلك الوقت . قلنا : الجواب من وجهين : الأول : ان القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردة ما كانوا موجودين في الحال ، والثاني : أن معنى الآية ان الله تعالى قال : فسوف يأتي الله بقوم قادرين متمكنين من هذا الحراب ، وأبو بكر وان كان موجودا في ذلك الوقت الا أنه ما كان مستقلا في ذلك الوقت بالحراب والأمر والنهي ، فزال السؤال ، فثبت أنه لا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا يمكن أيضا أن يكون المراد هو علي عليه السلام ، لأن عليا لم يتفق له قتال مع أهل الردة ، فكيف تحمل هذه الآية عليه . فان قالوا : بل كان قتاله مع أهل الردة لأن كل من نازعه في الامامة كان مرتدا . قلنا : هذا باطل من وجهين : الأول : ان اسم المرتد إنما يتناول من كان تاركا للشرائع الاسلامية ، والقوم الذين نازعوا عليا ما كانوا كذلك في الظاهر ، وما كان أحد يقول : إنه إنما يحاربهم لأجل أنهم خرجوا عن الاسلام ، وعلي عليه السلام لم يسمهم ألبتة بالمرتدين ، فهذا الذي يقوله هؤلاء الروافض لعنهم الله بهت على جميع المسلمين وعلى علي أيضا . الثاني : أنه لو کان کل من نازعه في الامامة کان مرتداً لزم في أبي بکر وفي قومه أن يكونوا مرتدين ، ولو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي الله بقوم يقهرونهم ويردونهم إلى الدين الصحيح ، ولما لم يوجد ذلك ألبتة علمنا أن منازعة علي في الامامة لا تكون ردة ، وإذا لم تكن ردة لم يمكن حمل الآية على على ، لأنه نازلة فيمن يحارب المرتدين ، ولا يمكن أيضا أن يقال : أنها نازلة في أهل اليمن أو في أهل فارس ، لأنه لم يتفق لهم محاربة مع المرتدين ، وبتقدير أن يقال : اتفقت لهم هذه المحاربة ولكنهم كانوا رعية وأتباعا وأذنابا ، وكان الرئيس المطاع الأمر في تلك الواقعة هو أبو بكر ، ومعلوم أن حمل الآية على من كان أصلا في هذه العبادة ورئيسا مطاعا فيها أولى من حملها على الرعية والأتباع والأذناب ، فظهر بما ذكرنا من الدليل الظاهر أن هذه الآية مختصة بأبي بكر . والوجه الثاني في بيان أن هذه الآية مختصة بأبي بكر﴾ هو أنا نقول : هب أن عليا ٢٤ قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم)) الآية سورة المائدة كان قد حارب المرتدين ، ولكن محاربة أبي بكر مع المرتدين كانت أعلى حالا وأكثر موقعا في الاسلام من محاربة علي مع من خالفه في الامامة، وذلك لأنه علم بالتواتر أنه وكلير لما توفي اضطربت الأعراب وتمردوا ، وأن أبا بكر هو الذي قهر مسيلمة وطليحة ، وهو الذي حارب الطوائف السبعة المرتدين ، وهو الذي حارب مانعي الزكاة ، ولما فعل ذلك استقر الاسلام وعظمت شوكته وانبسطت دولته . أما لما انتهى الأمر إلى علي عليه السلام فكان الاسلام قد انبسط في الشرق والغرب ، وصار ملوك الدنيا مقهورين ، وصار الاسلام مستوليا على جميع الأديان والملل ، فثبت أن محاربة أبي بكر رضي الله عنه أعظم تأثيرا في نصرة الاسلام وتقويته من محاربة علي عليه السلام ، ومعلوم أن المقصود من هذه الآية تعظيم قوم يسعون في تقوية الدين ونصرة الاسلام ، ولما كان أبو بكر هو المتولي لذلك وجب أن يكون هو المراد بالآية . ﴿المقام الثالث في هذه الآية﴾ وهو أنا ندعي دلالة هذه الآية على صحة إمامة أبي بكر ، وذلك لأنه لما ثبت بما ذكرنا أن هذه الآية مختصة به فنقول : إنه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الآية بصفات : أولها : أنه يحبهم ويحبونه . فلما ثبت أن المراد بهذه الآية هو أبو بكر ثبت أن قوله ( يحبهم ويحبونه ) وصف لأبي بكر ، ومن وصفه الله تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالما ، وذلك يدل على أنه كان محقاً في إمامته ، وثانيها : قوله ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) وهو صفة أبي بكر أيضا الدليل الذي ذكرناه ، ويؤكده ما روي في الخبر المستفيض أنه عليه الصلاة والسلام قال ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر )) فكان موصوفا بالرحمة والشفقة على المؤمنين وبالشدة مع الكفار ، ألا ترى أن في أول الأمر حين كان الرسول # في مكة وكان في غاية الضعف كيف كان يذب عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكيف كان يلازمه ويخدمه ، وما كان يبالي بأحد من جبابرة الكفار وشياطينهم ، وفي آخر الأمر أعني وقت خلافته كيف لم يلتفت الى قول أحد ، وأصر على أنه لا بد من المحاربة مع مانعي الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده ، حتى جاء أكابر الصحابة وتضرعوا اليه ومنعوه من الذهاب ، ثم لما بلغ بعث العسكر اليهم انهزموا وجعل الله تعالى ذلك مبدأ لدولة الاسلام ، فكان قوله ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) لا يليق إلا به ، وثالثها : قوله ( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) فهذا مشترك فيه بين أبي بكر وعلي ، إلا أن حظ أبي بكر فيه أتم وأكمل ، وذلك لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار كانت في أول البعث ، وهناك الاسلام كان في غاية الضعف ، والكفر كان في غاية القوة ، وكان يجاهد الكفار بمقدار قدرته ، ويذب عن رسول الله بغاية وسعه ، وأما علي عليه السلام فانه إنما شرع في الجهاد يوم بدر وأحد ، وفي ذلك الوقت كان الاسلام قويا وكانت ٢٥ قوله تعالى ((أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)) الآية سورة المائدة العساكر مجتمعة ، فثبت أن جهاد أبي بكر كان أكمل من جهاد علي من وجهين : الأول : أنه كان متقدماً عليه في الزمان ، فكان أفضل لقوله تعالى ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) والثاني : أن جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرسول ، وجهاد علي كان في وقت القوة ، ورابعها : قوله ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) وهذا لائق بأبي بكر لأنه متأكد بقوله تعالى ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ) وقد بينا أن هذه الآية في أبي بكر ، ومما يدل على أن جميع هذه الصفات لأبي بكر أنا بينا بالدليل أن هذه الآية لا بد وأن تكون في أبي بكر ، ومتى كان الأمر كذلك كانت هذه الصفات لا بد وأن تكون لأبي بكر ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بصحة امامته ، إذ لو كانت إمامته باطلة لما كانت هذه الصفات لائقة به . فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه كان موصوفا بهذه الصفات حال حياة الرسول الخلية ، ثم بعد وفاته لما شرع في الامامة زالت هذه الصفات وبطلت . قلنا : هذا باطل قطعا لأنه تعالى قال ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) فأثبت كونهم موصوفين بهذه الصفة حال إتيان الله بهم في المستقبل ، وذلك يدل على شهادة اللّه له بكونه موصوفا بهذه الصفات حال محاربته مع أهل الردة ، وذلك هو حال إمامته ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على صحة امامته ، اما قول الروافض لعنهم الله : ان هذه الآية في حق علي رضي الله عنه بدليل أنهم # قال يوم خيبر ((لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)) وكان ذلك هو علي عليه السلام ، فنقول : هذا الخبر من باب الآحاد ، وعندهم لا يجوز التمسك به في العمل ، فكيف يجوز التمسك به في العلم ، وأيضا ان اثبات هذه الصفة لعلي لا يوجب انتفاءها عن أبي بكر ، وبتقدير أن يدل على ذلك لكنه لا يدل على انتفاء ذلك المجموع عن أبي بكر ، ومن جملة تلك الصفات كونه كراراً غير فرار ، فلما انتفى ذلك عن أبي بكر لم يحصل مجموع تلك الصفات له ، فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب ، فأما انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة في اللفظ عليه ، فهو تعالى إنما أثبت هذه الصفة المذكورة في هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدين بعد ذلك فهب أن تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت ، فلم يمنع ذلك من حصولها في الزمان المستقبل ، ولأن ما ذكرناه تمسك بظاهر القرآن ، وما ذكروه تمسك بالخبر المذكور المنقول بالآحاد ، ولأنه معارض بالأحاديث الدالة على كون أبي بكر محبا لله ولرسوله . وكون الله محبا له وراضيا عنه . قال تعالى في حق أبي بكر ( ولسوف يرضى ) وقال عليه الصلاة والسلام ((ان الله يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة)) وقال (( ما صب الله شيئا في صدري إلا وصبه في صدر أبي بكر)) وكل ذلك يدل على أنه كان يحب الله ورسوله و يحبه الله ورسوله . ٢٦ قوله تعالى ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)) الآية سورة المائدة وأما الوجه الثاني ﴾ وهو قولهم: الآية التي بعد هذه الآية دالة على إمامة علي فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في علي ، فجوابنا : أنا لا نسلم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامة علي وسنذكر الكلام فيه إن شاء الله تعالى ، فهذا ما في هذا الموضع من البحث والله أعلم . أما قوله تعالى ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فتحقيق الكلام في المحبة ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى ( والذين آمنوا أشد حباً لله ) فلا فائدة في الاعادة . وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له ، وهذا حق لأنه لولا أن الله أحبهم وإلا لما وفقهم حتى صاروا محبين له . ثم قال تعالى ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ﴾ وهو كقوله ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) قال صاحب الكشاف : أذلة جمع ذليل : وأما ذلول فجمعه ذلل ، وليس المراد بكونهم أذلة هو أنهم مهانون ، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب ، فان من كان ذليلا عند إنسان فانه البتة لا يظهر شيئاً من التكبر والترفع ، بل لا يظهر إلا الرفق واللين فكذا ههنا ، فقوله ( أعزة على الكافرين ) أي يظهرون الغلظة والترفع على الكافرين . وقيل : يعازونهم أي يغالبونهم من قولهم : عزه يعزه إذا غلبه ، كأنهم مشددون عليهم بالقهر والغلبة . فان قيل : هلا قيل : أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين . قلنا : فيه وجهان : أحدهما : أن يضمن الذل معنى الرحمة والشفقة ، كأنه قيل : راحمين عليهم مشفقين عليهم على وجه التذلل والتواضع ، والثاني : أنه تعالى ذكر كلمة ((على)) حتى يدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم ، فيفيد أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم ذليلين في أنفسهم ، بل ذاك التذلل إنما كان لأجل أنهم أرادوا أن يضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع . وقرىء ( أذلة وأعزة ) بالنصب على الحال . ثم قال تعالى ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ أي لنصرة دين الله ﴿ولا يخافون لومة لائم ﴾ وفيه وجهان : الأول : أن تكون هذه الواو للحال ، فان المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم ، فبين الله تعالى في هذه الآية أن من كان قوياً في الدين فانه لا يخاف في نصرة دين الله بيده ولسانه لومة لائم . الثاني : أن تكون هذه الواو للعطف ، والمعنى أن من شأنهم أن يجاهدوا في سبيل الله لا لغرض آخر ، ومن شأنهم أنهم صلاب في نصرة الدين لا يبالون بلومة اللائمين ، واللومة المرة الواحدة من اللوم ، والتنكير فيها وفي اللائم مبالغة ، كأنه قيل : ٢٧ سورة المائدة قوله تعالى (( إنما وليكم الله ورسوله )) الآية إِنَّمَا وَلِبُّكُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيُمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْنُونَ الَّكَوَةَ وَهُمْ رَكُونَ لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللائمين . ثم قال تعالى ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ فقوله ( ذلك ) إشارة إلى ما تقدم ذكره من وصف القوم بالمحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة الواحدة ، فبين تعالى أن كل ذلك بفضله وإحسانه ، وذلك صريح في أن طاعات العباد مخلوقة لله تعالى ، والمعتزلة يحملون اللفظ على فعل الالطاف، وهو بعيد لأن فعل الالطاف عام في حق الكل ، فلا بد في التخصيص من فائدة زائدة . ثم قال تعالى ﴿ والله واسع عليم ﴾ فالواسع إشارة إلى كمال القدرة ، والعليم إشارة إلى كمال العلم ، ولما أخبر الله تعالى أنه سيجيء بأقوام هذا شأنهم وصفتهم أكد ذلك بأنه كامل القدرة فلا يعجز عن هذا الموعود ، كامل العلم فيمتنع دخول الخلف في اخباره ومواعيده . قوله تعالى ﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ﴾ . وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار أمر في هذه الآية بموالاة من يجب موالاته وقال ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) أي المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ في قوله ( والذين آمنوا) قولان: الأول : أن المراد عامة المؤمنين، وذلك لأن عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود وقال : أنا بريء إلى اللّه من حلف قريظة والنضير ، وأتولى الله ورسوله نزلت هذه الآية على وفق قوله . وروى أيضاً أن عبد الله بن سلام قال : يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل ، فنزلت هذه الآية ، فقال : رضينا بالله ورسوله وبالؤمنين أولياء ، فعلى هذا : الآية عامة في حق كل المؤمنين ، فكل من كان مؤمنا فهو ولي كل المؤمنين ، ونظيره قوله تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وعلى هذا فقوله ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) صفة لكل المؤمنين ، والمراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأنهم كانوا يدعون الايمان ، إلا أنهم ما كانوا مداومين على الصلوات والزكوات ، قال تعالى في صفة ٢٨ قوله تعالى ((إنما وليكم الله ورسوله)) الآية سورة المائدة صلاتهم ( ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ) وقال ( يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ) وقال في صفة زكاتهم ( أشحة على الخير ) وأما قوله ( وهم راكعون ) ففيه على هذا القول وجوه : الأول : قال أبو مسلم : المراد من الركوع الخضوع ، يعني أنهم يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لجميع أوامر الله ونواهيه والثاني : أن يكون المراد : من شأنهم إقامة الصلاة ، وخص الركوع بالذكر تشريفاً له كما في قوله ( واركعوا مع الراكعين ) والثالث : قال بعضهم : إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفون في هذه الصفات ، منهم من قد أتم الصلاة ، ومنهم من دفع المال إلى الفقير ، ومنهم من كان بعد في الصلاة وكان راكعا ، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات لا جرم ذكر الله تعالى كل هذه الصفات . القول الثاني ﴾ أن المراد من هذه الآية شخص معين، وعلى هذا ففيه أقوال : الأول : روى عكرمة أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه . والثاني : روى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام . روي أن عبدالله بن سلام قال : لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول الله انا رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع، فنحن نتولاه. وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: صليت مع رسول اللّه محدّ يوما صلاة الظهر ، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد ، فرفع السائل يده الى السماء وقال : اللهم اشهد اني سألت في مسجد الرسول ◌َ فما أعطاني أحد شيئاً، وعلى عليه السلام كان راكعاً ، فأومأ اليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي ◌َ له ، فقال ((اللهم إن أخي موسى سألك فقال ( رب اشرح لي صدري) إلى قوله ( وأشركه في أمري ) فأنزلت قرآنا ناطقا ( سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا) اللهم وأنامحمد نبيك وصفیك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد به ظهري . قال أبوذر : فوالله ما أتم رسول الله هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال : يا محمد اقرأ ( انما وليكم الله ورسوله ) الى آخرها ، فهذا مجموع ما يتعلق بالروايات في هذه المسألة . ﴿ المسألة الثانية﴾ قالت الشيعة: هذه الآية دالة على أن الامام بعد رسول الله بحث هو علي بن أبي طالب ، وتقريره أن نقول : هذه الآية دالة على أن المراد بهذه الآية امام ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الامام هو علي بن أبي طالب . بيان المقام الأول ﴾ أن الولي في اللغة قد جاء بمعنى الناصر والمحب، كما في قوله ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وجاء بمعنى المتصرف قال عليه الصلاة والسلام ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها)) فنقول : ههنا وجهان : الأول : أن لفظ الولي جاء بهذين ٢٩ سورة المائدة قوله تعالى (( إنما وليكم الله ورسوله)) الآية المعنيين ولم يعين الله مراده ، ولا منافأة بين المعنيين ، فوجب حمله عليهما ، فوجب دلالة الآية على أن المؤمنين المذكورين في الآية متصرفون في الأمة . الثاني : أن نقول : الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، فوجب أن يكون بمعنى المتصرف ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر، لأن الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة في كل المؤمنين ، بدليل أنه تعالى ذكر بكلمة ((إنما)) وكلمة)) إنما)) للحصر، كقوله (إنما الله إله واحد ) والولاية بمعنى النصرة عامة لقوله تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وهذا يوجب القطع بأن الولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة ، واذا لم تكن بمعنى النصرة كانت بمعنى التصرف، لأنه ليس للولي معنى سوى هذين ، فصار تقدير الآية : إنما المتصرف فيكم أيها المؤمنون هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية ، وهذا يقتضي أن المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية متصرفون في جميع الأمة ، ولا معنى للامام إلا الانسان الذي يكون متصرفا في كل الأمة ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن الشخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الأمة . أما بيان المقام الثاني ﴾ وهو أنه لما ثبت ما ذكرنا وجب أن يكون ذلك الانسان هو علي بن أبي طالب ، وبيانه من وجوه : الأول : أن كل من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال : إن ذلك الشخص هو علي ، وقد ثبت بما قدمنا دلالة هذه الآية على إمامة شخص ، فوجب أن يكون ذلك الشخص هو علي ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . الثاني : تظاهرت الروايات على أن هذه الآية نزلت في حق علي ، ولا يمكن المصير إلى قول من يقول : إنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه : لأنها لو نزلت في حقه لدلت على إمامته ، وأجمعت الأمة على أن هذه الآية لا تدل على إمامته ، فبطل هذا القول . والثالث : أن قوله ( وهم راكعون ) لا يجوز جعله عطفاً على ما تقدم ، لأن الصلاة قد تقدمت ، والصلاة مشتملة على الركوع ، فكانت إعادة ذكر الركوع تكراراً، فوجب جعله حالاً أي يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين ، وأجمعوا على أن إيتاء الزكاة حال الركوع لم يكن إلا في حق علي ، فكانت الآية مخصوصة به ودالة على إمامته من الوجه الذي قررناه ، وهذا حاصل استدلال القوم بهذه الآية على إمامة علي عليه السلام . والجواب : أما حمل لفظ الولي على الناصر وعلى المتصرف معاً فغير جائز ، لما ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز حمل اللفظ المشترك على مفهوميه معاً . ﴿ أما الوجه الثاني﴾ فنقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في هذه الآية الناصر والمحب ، ونحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا المعنى أولى من حمله على معنى ٣٠ قوله تعالى (( إنما وليكم الله ورسوله )) الآية سورة المائدة المتصرف ، ثم نجيب عما قالوه فنقول : الذي يدل على أن حمله على الناصر أولى وجوه : الأول : أن اللائق بما قبل هذه الآية وبعدها ليس إلا هذا المعنى ، أما ما قيل هذه الآية فلأنه تعالى قال ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) وليس المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرفين في أرواحكم وأموالكم لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة ، بل المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أحباباً وأنصاراً ، ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال ( إنّا وليكم الله ورسوله والمؤمنون) الموصوفون ، والظاهر أن الولاية المأمور بها ههنا هي المنهي عنها فيما قبل ، ولما كانت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كانت الولاية المأموربها هي الولاية بمعنى النصرة ، وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء ، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة ، فكذلك الولاية في قوله ( إنما وليكم الله ) يجب أن تكون هي بمعنى النصرة ، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرها قطع بأن الولي في قوله ( إنما وليكم الله ) ليس إلا بمعنى الناصر والمحب ، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإِمام ، لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد ، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط ، ويجب تنزيه كلام الله تعالى عنه . الحجة الثانية ﴾ أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورون في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية ، لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول ، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية في الحال ، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال ، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين ، فلا بد وأن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والاثبات متواردين على شيء واحد ، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها . الحجة الثالثة ﴾ أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع وهي قوله ( والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظيم لكنه مجاز لا حقيقة . والأصل حمل الكلام على الحقيقة . ٣١ سورة المائدة قوله تعالى (( إنما وليكم الله ورسوله )) الآية الحجة الرابعة ﴾ أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة وهي قوله ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ) إلى آخر الآية من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر ، فلودلت هذه الآية على صحة إمامة على بعد الرسول لزم التناقض بين الآيتين ، وذلك باطل ، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن علياً هو الإمام بعد الرسول . و الحجة الخامسة ﴾ أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض ، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لأحتج بها في محفل من المحافل ، وليس للقوم أن يقولوا : إنه تركه للتقية فإنهم ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير ، وخبر المباهلة ، وجميع فضائله ومناقبه ، ولم يتمسك البتة بهذه الآية في إثبات إمامته ، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم الله . الحجة السادسة ﴾ هي أنها دالة على إمامة على ، لكنا توافقنا على أنها عند نزولها ما دلت على حصول الإِمامة في الحال ، لأن علياً ما كان نافذ التصرف في الأمة حال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلم يبق إلا أن تحمل الآية على أنها تدل على أن علياً سيصير إماماً بعد ذلك ، ومتى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان ، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت ، فإن قالوا : الأمة في هذه الآية على قولين : منهم من قال : إنها لا تدل على إمامة علي ، ومنهم من قال : إنها تدل على إمامته ، وكل من قال بذلك قال : إنها تدل على إمامته بعد الرسول من غير فصل ، فالقول بدلالة الآية على إمامة علي لا على هذا الوجه ، قول ثالث ، وهو باطل لأنا نجيب عنه فنقول : ومن الذي أخبركم أنه ما كان أحد في الأمة قال هذا القول ، فإن من المحتمل ، بل من الظاهر أنه منذ استدل مستدل بهذه الآية على إمامة علي ، فإن السائل يورد على ذلك الاستدلال هذا السؤال ، فكان ذكر هذا الاحتمال وهذا السؤال مقروناً بذكر هذا الاستدلال . الحجة السابعة ﴾ أن قوله ( إنما وليكم الله ورسوله) لا شك أنه خطاب مع الأمة، وهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله ، وإنما ذكر الله تعالى هذا الكلام تطبيباً لقلوب المؤمنين وتعريفاً لهم بأنه لا حاجة بهم إلى اتخاذ الأحباب والأنصار من الكفار ، وذلك لأن من كان الله ورسوله ناصراً له ومعيناً له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة من اليهود والنصارى وإذا كان كذلك كان المراد بقوله ( إنما وليكم الله ورسوله ) هو الولاية بمعنى النصرة والمحبة ، ولا شك أن لفظ الولي مذكور مرة واحدة ، فلما أريد به ههنا معنى النصرة امتنع أن يراد به معنى التصرف لما ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معاً . ٣٢ قوله تعالى (( إنما وليكم الله ورسوله)) الآية سورة المائدة ﴿ الحجة الثامنة ﴾ أنه تعالى مدح المؤمنين في الآية المتقدمة بقوله (يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) فإذا حملنا قوله ( إنما وليكم الله ورسوله) على معنى المحبة والنصرة كان قوله ( إنما وليكم الله ورسوله) يفيد فائدة قوله ( يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) وقوله ( يجاهدون في سبيل الله ) يفيد فائدة قوله ( يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فكانت هذه الآية مطابقة لما قبلها مؤكدة لمعناها فكان ذلك أولى، فثبت بهذه الوجوه أن الولاية المذكورة في هذه الآية يجب أن تكون بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف . أما الوجه الذي عولوا عليه وهو أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، والولاية بمعنى النصرة عامة ، فجوابه من وجهين : الأول: لا نسلم أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة، ولا نسلم إن كلمة (( إنما)) للحصر، والدليل عليه قوله ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) ولا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل ، وقال ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ) ولا شك أن اللعب واللهو قد يحصل في غيرها . الثاني : لا نسلم أن الولاية بمعنى النصرة عامة في كل المؤمنين ، وبيانه أنه تعالى قسم المؤمنين قسمين : أحدهما : الذين جعلهم مولياً عليهم وهم المخاطبون بقوله ( إنما وليكم الله ) والثاني : الأولياء ، وهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، فإذا فسرنا الولاية ههنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل أحد القسمين أنصاراً للقسم الثاني . ونصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع المؤمنين، ولو كان كذلك لزم في القسم الذي هم المنصورون أن يكونوا ناصرين لأنفسهم ، وذلك محال ، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة ، بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة ، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في هذه الآية خاصة أن لا تكون بمعنى النصرة ، وهذا جواب حسن دقيق لا بد من التأمل فيه . وأما استدلالهم بأن هذه الآية نزلت في حق على فهو ممنوع ، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في حق الأمة ، والمراد أن الله تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين ، ومنهم من يقول : إنها نزلت في حق أبي بكر . وأما استدلالهم بأن الآية مختصة بمن أدی الزكاة في الركوع حال کونه في الركوع، وذلك هو علي بن أبي طالب فنقول : هذا أيضاً ضعيف من وجوه : الأول : إن الزكاة اسم للواجب لا ٣٣ سورة المائدة قوله تعالى (( انما وليكم الله ورسوله)) الآية للمندوب بدليل قوله تعالى (وآتوا الزكاة ) فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب ، وذلك عند أكثر العلماء معصية ، وإنه لا يجوز إسناده إلى علي عليه السلام ، وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن قوله (وآتوا الزكاة ) ظاهره يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب : الثاني : وهو أن اللائق بعلي عليه السلام أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة ، والظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ولفهمه ، ولهذا قال تعالى ( الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) ومن كان قلبه مستغرقاً في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير . الثالث : أن دفع الخاتم في الصلاة للفقير عمل كثير، واللائق بحال علي عليه السلام أن لا يفعل ذلك . الرابع : أن المشهور أنه عليه السلام كان فقيراً ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه، ولذلك فانهم يقولون : انه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه ((سورة هل أتى)) وذلك لا يمكن إلا إذا كان فقيراً، فأما من كان له مال تجب فيه الزكاة يمتنع أن يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص، وإذا لم يكن له مال تجب فيه الزكاة امتنع حمل قوله (ويؤتون الزكاة وهم راكعون) عليه . الوجه الخامس : هب أن المراد هو علي بن طالب لكنه لا يتم الاستدلال بالآية إلا إذا تم المراد بالولي هو المتصرف لا الناصر والمحب ، وقد سبق الكلام فيه . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ إعلم أن الذين يقولون: المراد من قوله ( ويؤتون الزكاة وهم . راكعون) هو أنهم يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين احتجوا بالآية على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة ، فإنه دفع الزكاة إلى السائل وهو في الصلاة ، ولا شك أنه نوى إيتاء الزكاة وهو في الصلاة ، فدل ذلك على أن هذه الأعمال لا تقطع الصلاة ، وبقي في الآية سؤالان . السؤال الأول ﴾ المذكور في الآية هو الله تعالى ورسوله والمؤمنون ، فلم لم يقل: إنما أولياؤكم ؟ والجواب : أصل الكلام إنما وليكم الله ، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة ، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله والمؤمنين على سبيل التبع ، ولو قيل : إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ، وفي قراءة عبدالله: إنما مولاكم الله. السؤال الثاني﴾ ((الذين يقيمون)) ما محله ؟ الجواب: الرفع على البدل من ((الذين آمنوا)) أو يقال: التقدير : هم الذين يقيمون ، أو النصب على المدح ، والغرض من ذكره تمييز المؤمن المخلص عمن يدعي الايمان الفخر الرازي ج١٢ م٣ ٣٤ قوله تعالى ((ومن يتولَّ الله ورسوله)) الآية سورة المائدة يَأَيُّهَا الَّذِينَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَالَّذِينَ ءَ امَنُواْ فَإِنَّ ◌ِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ ءَامُواْلَِّدُواْ الَّذِينَ آَُّواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَةَ وَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنْتُ مُؤْمِنَ \٥ ويكون منافقاً ؛ لأن ذلك الإِخلاص إنما يعرف بكونه مواظباً على الصلاة في حال الركوع ، أي في حال الخضوع والخشوع والاخبات لله تعالى . ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ﴾ ثم قال تعالی وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ الحزب في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه ، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم ، وللمفسرين عبارات . قال الحسن : جند الله ، وقال أبو روق : أولياء الله وقال أبو العالية: شيعة الله، وقال بعضهم: أنصار الله. وقال الأخفش: حزب الله الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم . المسألة الثانية ﴾ قوله (فإن حزب الله هم الغالبون ) جملة واقعة موقع خبر المبتدأ ، والعائد غير مذكور لكونه معلوماً ، والتقدير فهو غالب لكونه من جند الله وأنصاره . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ . إعلم أنه تعالى نهى في الآية المتقدمة عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وساق الكلام في تقريره ، ثم ذكر ههنا النهي العام عن موالاة جميع الكفار وهو هذه الآية ، وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي (الكفار ) بالجر عطفاً على قوله ( من الذين أوتوا الكتاب ) ومن الكفار ، والباقون بالنصب عطفاً على قوله ( الذين اتخذوا) بتقدير : ولا الكفار . المسألة الثانية ﴾ قيل : كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث أظهرا الإيمان ثم نافقا ، . وكان رجال من المسلمين يوادونهما ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية . ٣٥ قوله تعالى ((وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً)) الاية سورة المائدة قُلْ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ اَّخَذُوهَا هُوًا تَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّآ إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَسِقُونَ المسألة الثالثة ﴾ هذه الآية تقتضي امتياز أهل الكتاب عن الكفار لأن العطف يقتضي المغايرة ، وقوله ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ) صريح في كونهم كفاراً ، وطريق التوفيق بينهما أن كفر المشركين أعظم وأغلظ ، فنحن لهذا السبب نخصصهم باسم الكفر. والله أعلم . ة المسألة الرابعة ﴾ معنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم إظهارهم ذلك باللسان مع الاصرار على الكفر في القلب ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن ) والمعنى أن القوم لما اتخذوا دينكم هزواً وسخرية فلا تتخذوهم أولياء وانصاراً وأحباباً ، فإن ذلك كالأمر الخارج عن العقل والمروءة . قوله تعالى ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ﴾ . لما حكى في الآية الأولى عنهم أنهم اتخذوا دين المسلمين هزواً ولعباً ذكرههنا بعض ما يتخذونه من هذا الدين هزواً ولعباً فقال (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً)) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ الضمير في قوله ( اتخذوها) للصلاة أو المناداة. قيل : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن بالمدينة يقول : أشهد أن محمداً رسول الله يقول : أحرق الكاذب ، فدخلت خادمته بنار ذات ليلة فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله . وقيل: كان منادى رسول اللّه ◌ُ لل ينادي للصلاة وقام المسلمون إليها ، فقالت اليهود: قاموا لا قاموا ، صلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء ، فنزلت الآية : وقيل : كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيراً للناس عنها . ٣٦ قوله تعالى ((قل يا أهل الكتاب هل تنقمون)) الآية سورة المائدة وقيل : قالوا يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم يسمع فيما مضى ، فإن كنت نبياً فقد خالفت فيما أحدثت جميع الأنبياء ، فمن أين لك صباح كصياح العير ، فأنزل الله هذه الآية . ﴿ المسألة الثانية ) قالوا: دلت الآية على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده . المسألة الثالثة﴾ قوله ( هزواً ولعباً) أمران، وذلك لأنهم عند إقامة الصلاة يقولون : هذه الأعمال التي أتينا بها استهزاء بالمسلمين وسخرية منهم ، فإنهم يظنون أنا على دينهم مع أنا لسنا كذلك . ولما اعتقدوا أنه ليس فيها فائدة ومنفعة في الدين والدنيا قالوا إنها لعب. ثم قال تعالى ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ أي لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزواً ولعباً ، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم ، ولذلك قال بعض الحكماء : أشرف الحركات الصلاة ، وأنفع السكنات الصيام . قوله تعالى ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون ﴾ . إعلم أن وجه النظم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإِسلام هزواً ولعباً قال لهم : ما الذي تنقمون من هذا الدين ، وما الذي تجدون فيه مما يوجب اتخاذه هزواً ولعباً وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ الحسن (هل تنقمون) بفتح القاف، والفصيح كسرها . يقال : نقمت الشيء ونقمته بكسر القاف وفتحها إذا أنكرته ، وللمفسرين عبارات : هل تنقمون منا : هل تعيبون هل تنكرون ، هل تكرهون . قال بعضهم : سمي العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل . وقال آخرون : الكراهة التي يتبعها سخط من الكاره تسمى نقمة ، لأنها تتبعها النقمة التي هي العذاب فعلى القول الأول لفظ النقمة موضوع أولاً للمكروه ، ثم سمي العذاب نقمة لكونه مكروهاً، وعلى القول الثاني لفظ النقمة موضوع للعذاب ، ثم سمي المنكر والمكروه نقمة لأنه يتبعه العذاب . ﴿ المسألة الثانية﴾ معنى الآية أنه يقول لأهل الكتاب: لم اتخذتم هذا الدين هزواً ولعباً ، ثم قال على سبيل التعجب : هل تجدون في هذا الذين إلا الإيمان بالله والإيمان بما أنزل ٣٧ سورة المائدة قوله تعالى ((وأن أكثركم فاسقون)) الآية على محمد ◌ٍمَّة، والإِيمان بجميع الأنبياء الذين كانوا قبل محمد ! يعني أن هذا ليس مما ينقم ، أما الإِيمان بالله فهو رأس جميع الطاعات ، وأما الإيمان بمحمد وبجميع الأنبياء فهو الحق والصدق ؛ لأنه إذا كان الطريق إلى تصديق بعض الأنبياء في ادعاء الرسالة والنبوة هو المعجز ، ثم رأينا أن المعجز حصل على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب الاقرار بكونه رسولا ، فأما الإِقرار بالبعض وإنكار البعض فذلك كلام متناقض ، ومذهب باطل ، فثبت أن الذين نحن عليه هو الدين الحق والطريق المستقيم ، فلم تنقموه علينا ! قال ابن عباس : إن نفراً من اليهود أتوا رسول الله له فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ، فقال: أؤمن بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم واسمعيل إلى قوله ونحن له مسلمون ، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً شراً من دينكم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها . وأما قوله ﴿وأن أكثركم فاسقون﴾ فالقراءة العامة ((أن)) بفتح الألف، وقرأ نعيم بن ميسرة ((إن)) بالكسر، وفي الآية سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ كيف ينقم اليهود على المسلمين مع كون أكثر اليهود فاسقين ؟ والجواب من وجوه : الأول : قوله ( وأن أكثركم فاسقون ) تخصيص لهم بالفسق ، فيدل على سبيل التعريض أنهم لم يتبعوهم على فسقهم ، فكان المعنى : وما تنقمون منا إلا أن آمنا ، وما فسقنا مثلكم ، الثاني : لما ذكر تعالى ما ينقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل وليس ذلك مما ينقم ذكر في مقابله فسقهم ، وهو مما ينقم ، ومثل هذا حسن في الازدواج . يقول القائل : هل تنقم مني إلا أني عفيف وإنك فاجر ، وأني غني وأنت فقير ، فيحسن ذلك لاتمام المعنى على سبيل المقابلة. والثالث: أن يكون الواو بمعنى ((مع)) أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أن أكثركم فاسقون ، فإن أحد الخصمين إذا كان موصوفاً بالصفات الذميمة واكتسب الثاني شيئاً كثيراً من الصفات الحميدة كان اكتسابه للصفات الحميدة مع كون خصمه مكتسباً للصفات الذميمة أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم . والرابع : أن يكون على تقدير حذف المضاف ، أي واعتقاد أنكم فاسقون . الخامس : أن يكون التقدير : وما تنقمون منا إلا بأن آمناً بالله وبأن أكثركم فاسقون ، يعني بسبب فسقكم نقمتم الإيمان علينا . السادس : يجوز أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف كأنه قيل : وما تنقمون منا إلا الإِيمان لقلة إنصافكم ، ولأجل أن أكثركم فاسقون . السؤال الثاني ﴾ اليهود كلهم فساق وكفار، فلم خص الأكثر بوصف الفسق ؟ ٣٨ قوله تعالى (( قل هل أنبئكم بشرمن ذلك)) الآية سورة المائدة اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ قُلْ هَلْ أَنَبِّئُكُ بِشَرِّمِّن ذَلِكَ مَنُوبَةً عِنَ مِنْهُمُ الْفِرَدَةَ وَاَْازِ يَرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرِّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ ◌َنِ سَوَآءِ السّپیلِ ٦٠ والجواب من وجهين : الأول : يعني أن أكثركم إنما يقولون ما يقولون ، ويفعلون ما يفعلون طلباً للرياسة والجاه وأخذ الرشوة والتقرب إلى الملوك ، فأنتم في دينكم فساق لا عدول ، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه ، وقد يكون فاسق دينه ، ومعلوم أن كلهم ما كانوا كذلك فلذلك خص أكثرهم بهذا الحكم ، والثاني : ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك . ثم قال تعالى ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل ﴾ . وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله (من ذلك) إشارة إلى المنقم ، ولا بد من حذف المضاف، وتقديره : بشرمن أهل ذلك ؛ لأنه قال : من لعنه الله ، ولا يقال الملعون شرمن ذلك الدين ، بل يقال : إنه شرممن له ذلك الدين . فإن قيل : فهذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوماً عليهم بالشر، ومعلوم أنه لیس کذلك . قلنا : إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم ، فإنهم حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر، فقيل لهم : هب أن الأمر كذلك ولكن لعنة الله وغضبه ومسخ الصور شرمن ذلك . ﴿ المسألة الثانية﴾ ((مثوبة)) نصب على التمييز، ووزنها مفعلة كقولك: مقولة ومجوزة ، وهو بمعنى المصدر ، وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول والميسور . فإن قيل : المثوبة مختصة بالاحسان ، فكيف جاءت في الاساءة ؟ قلنا : هذا على طريقة قوله ( فبشرهم بعذاب أليم ) وقول الشاعر : ٣٩ سورة المائدة قوله تعالى ( قل هل أنبئكم بشرمن ذلك)) الآية تحية بينهم ضرب وجيع ﴿ المسألة الثالثة﴾ ((من)) في قوله (من لعنة الله) يحتمل وجهين : الأول : أنه في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، فإنه لما قال ( قل هل أنبئكم بشرمن ذلك ) فكأن قائلاً قال : من ذلك ؟ فقيل : هو من لعنه الله ، ونظيره قوله تعالى ( قل أفأنبئكم بشرمن ذلكم النار ) كأنه قال: هو النار. الثاني: يجوز أن يكون في موضع خفض بدلاً من ((شر)) والمعنى أنبئكم بمن لعنه الله . المسألة الرابعة ﴾ اعلم أنه تعالى ذكر من صفاتهم أنواعاً: أولها : أنه تعالى لعنهم ، وثانيها : أنه غضب عليهم ، وثالثها : أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت . قال أهل التفسير : عني بالقردة أصحاب السبت ، وبالخنازير كفار مائدة عيسى . وروى أيضاً أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ، ومشايخهم مسخوا خنازير . المسألة الخامسة﴾ ذكر صاحب الكشاف في قوله ( وعبد الطاغوت ) أنواعاً من القرآآت : أحدها : قرأ أبي : وعبدوا الطاغوت ، وثانيها : قرأ ابن مسعود : ومن عبدوا، وثالثها : وعابد الطاغوت عطفاً على القردة ، ورابعها : وعابدي ، وخامسها : وعباد، وسادسها : وعبد ، وسابعها : وعبد ، بوزن حطم ، وثامنها : وعبيد ، وتاسعها : وعبد بضمتين جميع عبيد ، وعاشرها : وعبدة بوزن كفرة ، والحادي عشر: وعبد ، وأصله عبدة ، فحذفت التاء للاضافة ، أو هو كخدم في جمع خادم ، والثاني عشر: عبد ، والثالث عشر: عباد ، والرابع عشر: وأعبد ، والخامس عشر: وعبد الطاغوت على البناء للمفعول ، وحذف الراجع ، بمعنى وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم ، والسادس عشر: وعبد الطاغوت ، بمعنى صار الطاغوت معبوداً من دون الله تعالى ، كقولك : أمر إذا صار أميراً ، والسابع عشر: قرأ حمزة : عبد الطاغوت بفتح العين وضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت ، وعابوا هذه القراءة على حمزة ولحنوه ونسبوه إلى ما لا يجوز ذكره ، وقال قوم : إنها ليست بلحن ولا خطأ ، وذكروا فيها وجوهاً : الأول : أن العبد هو العبد إلا أنهم ضموا الباء للمبالغة ، كقولهم : رجل حذر. وفطن للبليغ في الحذر والفطنة ، فتأويل عبد الطاغوت أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان ، وهذا أحسن الوجوه . والثاني : أن العبد ، والعبد لغتان كقولهم : سبع وسبع . الثالث : أن . العبد جمعه عباد ، والعباد جمعه عبد، كثمار وثمر ، ثم استثقلوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى بالفتحة . الرابع : يحتمل أنه أراد أعبد الطاغوت ، فيكون مثل فلس وأفلس ، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى العين . الخامس : يحتمل أنه أراد : وعبدة الطاغوت كما ٤٠ قوله تعالى (( وإذا جاؤكم قالوا آمنا )) الآية. سورة المائدة وَإِذَا جَاءُ وَكُمْ قَالُوَاْءَ امَنَّا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ نَرَجُوْبِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ قرى ، ثم حذف الهاء وضم الباء لئلا يشتبه بالفعل . المسألة السادسة ) قوله ( وعبد الطاغوت ) قال الفراء : تأويله وجعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت ، فعلى هذا : الموصول محذوف . ﴿ المسألة السابعة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله . قالوا : لأن تقدير الآية وجعل الله منهم من عبد الطاغوت ، وإنما يفعل معنى هذا الجعل إذا كان هو الذي جعل فيهم تلك العبادة ، إذ لو كان جعل تلك العبادة منهم لكان الله تعالى ما جعلهم عبدة الطاغوت ، بل كانوا هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك ، وذلك على خلاف الآية . قالت المعتزلة : معناه أنه تعالى حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) والكلام فيه قد تقدم مراراً . المسألة الثامنة﴾ قيل : الطاغوت العجل ، وقيل : الطاغوت الأحبار ، وكل من أطاع أحداً في معصية الله فقد عبده . ثم قال تعالى ﴿أولئك شر مكاناً﴾ أي أولئك الملعونون الممسوخون شر مكاناً من المؤمنين ، وفي لفظ المكان وجهان : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأن مكانهم سقر، ولا مكان أشد شراً منه . والثاني : أنه أضيف الشر في اللفظ إلى المكان وهو في الحقيقة لأهله ، وهو من باب الكناية كقولهم : فلان طويل النجاد كثير الرماد ، ويرجع حاصله إلى الاشارة إلى الشيء بذكر لوازمه وتوابعه . ثم قال ﴿ وأضل عن سواء السبيل ﴾ أي عن قصد السبيل والدين الحق. قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية عير المسلمون أهل الكتاب وقالوا : يا إخوان القردة والخنازير ، فافتضحوا ونكسوا رؤسهم . قوله تعالى ﴿ وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ﴾ . وفيه مسائل :