النص المفهرس
صفحات 1-20
تَفْسِيْرُ الفَُخْرِ الرَّازى الشَّهُ بالتّغِيرِ الكبيرِ وَمَفَتْحِ الْغَيْ للإمَام محمّ الرَّزى محمر الدين ابن العلامة ضياءالدين عمر الشّهر بخطيِ الرَى نَفَعَ اللّهبالمنيمين ٥٤٤ __ ٦٠٤ هـ حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م الجُزْءُ الثَّانِي عَشَر - دار الفكر للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع : لبنان - بيروت - حارة حريك شارع عبد النور هاتف ٢٧٣٦٥٠ - ٢٧٣٨٧ ص . ب ٧٠٦١ برقیا فیکسي ٣ الجزء سورة المائدة قوله تعالى ((انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور)) الآية بسـ إِنَّ أَنزَلْنَا الَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُرُ بِهَا الَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَُّونَ وَآلْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوْ مِنْ كِتَبِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ قوله تعالى ﴿ انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ﴾ اعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم ، وترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين اليهم ، وفي مسائل . المسألة الأولى ﴾ العطف يقتضى المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فوجب حصول الفرق بين الهدى والنور ، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف ، والنور بيان للتوحيد والنبوة والمعاد. قال الزجاج ((فيهاهدى))﴾ أي بيان الحكم الذي جاؤا يستفتون فيه النبي ◌َّ ((ونور)) بيان أن أمر النبي ◌َّل حق. المسألة الثانية ﴾ احتج القائلون بان شرع من قبلنا لازم علينا الا اذا قام الدليل على صيرورته منسوخا بهذه الآية ؛ وتقريره أنه تعالى قال : ان في التوراة هدى ونورا . والمراد كونه هدى ونورا في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه. هدى ونور ، ولا يمكن ان يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ، ولو كان المراد منهما معا هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار ، وأيضا ان هذه الآية انما نزلت في مسألة الرجم ، فلا بد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية ، لأنا وان اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا ، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها . السَارِس ٤ قوله تعالى ((إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور)) الآية سورة المائدة المسألة الثالثة ﴾ قوله ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى ، وذلك أن اللّه تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب ، إنما بعثهم باقامة التوراة حتى يجدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها . فان قيل : كل نبي لا بد وأن يكون مسلماً ، فما الفائدة في قوله ( النبيون الذين أسلموا ) . قلنا فيه وجوه : الأول: المراد بقوله ( أسلموا) أي انقادوا لحكم التوراة ، فان من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . الثاني : قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه يِّ حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له ، كقوله تعالى ( إن إبراهيم كان أمة ) وقوله ( أم يحسدون الناس ) وذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان حاصلا لأكثر الأنبياء . الثالث : قال ابن الانباري : هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم يهود أو نصارى ، فقال تعالى ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه . الرابع : المراد بقوله ( النبيون الذين أسلموا) يعني الذين كان مقصودهم من الحكم بالتوراة الايمان والاسلام وإظهار أحكام الله تعالى والانقياد لتكاليفه ، والغرض منه التنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين ، فان غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام . المسألة الرابعة ﴾ قوله ( الذين هادوا) فيه وجهان : الأول : المعنى ان النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا ، أي لأجلهم وفيما بينهم ، والثاني : يجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير على معنى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا . المسألة الخامسة ﴾ أما الربانيون فقد تقدم تفسيره ، وأما الاحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء، واختلف أهل اللغة في واحدة، قال الفراء: انما هو ((حبر)) بكسر الحاء ، يقال ذلك للعالم وانما سمي بهذا الأسم لمكان الحبر الذي يكتب به ، وذلك أنه يكون صاحب كتب ، وكان أبو عبيدة يقول : حبر بفتح الحاء . قال الليث : هو حبر وحبر بكسر الحاء سورة المائدة قوله تعالى (( فلا تخشواالناس واخشون)) الآية فَلا ◌َتَخْشَوْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بَِايَتِى ثَمَنَا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكِّفِرُونَ ٤٤ وفتحها . وقال الاصمعي : لا أدري أهو الحبر أو الحبر ، وأما اشتقاقه فقال قوم : أصله من التحبير وهو التحسين ، وفي الحديث (( يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره)) أي جماله وبهاؤه ، والمحبر للشيء المزين ، ولما كان العلم أكمل أقسام الفضيلة والجمال والمنقبة لا جرم سمي العالم به . وقال آخرون : اشتقاقه من الحبر الذي يكتب به ، وهو قول الفراء والكسائي وأبي عبيدة ، والله اعلم . المسألة السادسة ﴾ دلت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالا من الأحبار ، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين ، والأحبار كآحاد العلماء . ثم قال ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ حفظ كتاب الله على وجهين: الأول: أن يحفظ فلا ينسى. الثاني: أن يحفظ فلا يضيع ، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين : أحدهما : أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم ، والثاني : أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه . المسألة الثانية ﴾ الباء في قوله ( بما استحفظوا من كتاب الله) فيه وجهان : الأول : أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا . والثاني : أن يكون المعنى يحكمون بما استحفظوا ، وهو قول الزجاج . ثم قال تعالى ﴿ وكانوا عليه شهداء ﴾ أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله ، فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها عن التحريف والتغيير . ثم قال تعالى ﴿ فلا تخشوا الناس واخشوني ﴾ واعلم أنه تعالى لما قرر أن النبيين والربانيين والأحبار كانوا قائمين بامضاء أحكام التوراة ٦ قوله تعالى ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) الآية سورة المائدة من غير مبالاة، خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول الله وَئية، ومنعهم من التحريف والتغيير . واعلم أن إقدام القوم على التحريف لا بد وأن يكون لخوف ورهبة ، أو لطمع ورغبة ، ولما كان الخوف أقوى تأثيرا من الطمع قدم تعالى ذكره فقال ( فلا تخشوا الناس واخشون ) والمعنى إياكم وأن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف ، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم ، فلا تكونوا خائفين من الناس ، بل كونوا خائفين مني ومن عقابي . ولما ذكر أمر الرهبة اتبعه بأمر الرغبة ، فقال ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ﴾ أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة ، فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة . فان كل متاع الدنيا قليل ، والرشوة التي تأخذونها منهم في غاية القلة ، والرشوة لكونها سحتاً تكون قليلة البركة والبقاء والمنفعة ، فكذلك المال الذي تكتسبونه قليل من قليل ، ثم انتم تضيعون بسببه الدين والثواب المؤبد ، والسعادات التي لا نهاية لها . ويحتمل ايضا أن يكون اقدامهم على التحريف والتبديل لمجموع الأمرين ، للخوف من الرؤساء ولأخذ الرشوة من العامة ، ولما منعهم الله من الأمرين ونبه على ما في كل واحد منهما من الدناءة والسقوط كان ذلك برهانا قاطعا في المنع من التحريف والتبديل . ثم إنه أتبع هذا البرهان الباهر بالوعيد الشديد . فقال ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى ﴾ المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في اقدامهم على تحريف حكم اللّه تعالى في حد الزاني المحصن ، يعني أنهم لما أنكروا حكم الله المنصوص عليه في التوراة وقالوا : إنه غير واجب ، فهم كافرون على الاطلاق ، لا يستحقون اسم الايمان لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قالت الخوارج: كل من عصى الله فهو كافر . وقال جمهور الأئمة: ليس الأمر كذلك ، أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية وقالوا : إنها نص في أن كل من حكم ٧ قوله تعالى ((وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)) الآية سورة المائدة وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِلَنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَّ بِلْأُذُنِ وَالسِنَّ بِآلّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ بغير ما أنزل الله فهو كافر ، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله ، فوجب أن يكون كافراً . وذكر المتكلمون والمفسرون أجوبة عن هذه الشبهة : الأول : أن هذه الآية نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم ، وهذا ضعيف لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومنهم من حاول دفع هذا السؤال فقال : المراد ومن لم يحكم من هؤلاء الذين سبق ذكرهم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وهذا أيضا ضعيفُ لأن قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) كلام أدخل فيه كلمة ((من)) في معرض الشرط ، فيكون للعموم . وقول من يقول : المراد ومن لم يحكم بما أنزل الله من الذين سبق ذكرهم فهو زيادة في النص وذلك غير جائز. الثاني : قال عطاء : هو كفر دون كفر . وقال طاوس : ليس بكفر ينقل عن الملة كمن يكفر بالله واليوم الآخر ، فكأنهم حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين ، وهو أيضا ضعيف ، لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين . والثالث : قال ابن الانباري : يجوز أن يكون المعنى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي افعال الكفار ، ويشبه من أجل ذلك الكافرين ، وهذا ضعيف أيضا لأنه عدول عن الظاهر . والرابع : قال عبد العزيز بن يحيى الكناني : قوله ( بما أنزل الله) صيغة عموم ، فقوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) معناه من أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وهذا حق لأن الكافر هو الذي أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله ، أما الفاسق فانه لم يأت بضد حكم الله الا في القليل ، وهو العمل ، أما في الاعتقاد والاقرار فهو موافق ، وهذا أيضا ضعيف لأنه لو كانت هذه الآية وعيدا مخصوصا بمن خالف حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله تعالى لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في الرجم ، وأجمع المفسرون على أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله تعالى في واقعة الرجم ، فيدل على سقوط هذا الجواب ، والخامس: قال عكرمة: قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله) انما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، الا أنه أنى بما يضاده فهو حاكم بما انزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم . ٨ قوله تعالى ((وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس)) الآية سورة المائدة ثم قال تعالى ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن والسن بالسن والجروح قصاص ﴾ . والمعنى أنه تعالى بين في التوراة أن حكم الزاني المحصن هو الرجم ، واليهود غيروه وبدلوه ، وبين في هذه الآية أيضا أنه تعالى بين في التوراة أن النفس بالنفس ، وهؤلاء اليهود غيروا هذا الحكم أيضا ، ففضلوا بني النضير على بني قريظة ، وخصصوا إيجاب القود ببني قريظة دون بني النضير ، فهذا هو وجه النظم من الآية ، وفي الآية مسائل . المسألة الأولى﴾ قرأ الكسائي : العين والأنف والأذن والسن والجروح كلها بالرفع ، وفيه وجوه : أحدها : العطف على محل ( أن النفس ) لأن المعنى : وكتبنا عليهم فيها النفس بالنفس لأن معنى كتبنا قلنا ، وثانيها : أن الكتابة تقع على مثل هذه الجمل تقول : كتبت ((الحمد لله)) وقرأت ((سورة أنزلناها)) وثالثها: أنها ترتفع على الاستئناف ، وتقديره : أن النفس مقتولة بالنفس والعين مفقوءة بالعين ، ونظيره قوله تعالى في هذه السورة ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى ) وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بنصب الكل سوى ((الجروح)) فانه بالرفع ، فالعين والأنف والأذن نصب عطفا على النفس ، ثم ( الجروح ) مبتدأ ، و( قصاص ) خبره ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة كلها بالنصب عطفا لبعض ذلك على بعض ، وخبر الجميع قصاص ، وقرأ نافع ( الأذن ) بسكون الذال حيث وقع ، والباقون بالضم مثقلة ، وهما لغتان . المسألة الثانية ﴾ قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، يريد من قتل نفسا بغير قود قيد منه ، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح ، إنما هو العفو أو القصاص . وعن ابن عباس : كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت هذه الآية ، وأما الأطراف * فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضا في الأطراف ، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال ( والجروح قصاص ) وهو كل ما يمكن أن يقتص منه ، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والأنف والقدمين واليدين وغيرها ، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم ، أو كسر في عظم ، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف ففيه أرش وحكومة . واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعا في التوراة ، فمن قال : شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال : هذه الآية حجة في شرعنا ، ومن أنكر ذلك قال : إنها ليست بحجة علينا . المسألة الثالثة ﴾ (القصاص ) ههنا مصدر يراد به المفعول ، أي والجروح متقاصة ٩ سورة المائدة قوله تعالى ((فمن تصدق به فهو كفارة له)) الآية فَنْ تَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُمْ وَمَنْ أَرْيَحْتُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلُونَ (® وَقَفَيْنَ عَلَى ءَاثَدِهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الَّوْرَةِ وَءَاتَيْنَهُ آلْإِنِلَ فِيهِ هُدَى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيِ مِنَ الثَّوْرَةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ بعضها ببعض . ثم قال تعالى ﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ الضمير في قوله ( له ) يحتمل أن يكون عائدا إلى العافي أو إلى المعفو عنه ، أما الأول فالتقدير أن المجروح أو ولى المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له ، أي للعاني ويتأكد هذا بقوله تعالى في آية القصاص ٣ في سورة البقرة ( وأن تعفوا أقرب للتقوى) ويقرب منه قوله ﴾ ((أيعجز أحدكم أن يكون كأبى خضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس)) وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله وَ الإ قال ((من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه)) وهذا أكثر المفسرين . ﴿والقول الثاني﴾ أن الضمير في قوله (فهو كفارة له) عائد الى القاتل والجارح ، يعني أن المجنى عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة للجاني ، يعني لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو ، وأما المجنى عليه الذي عفا فأجره على الله تعالى . ثم قال تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) وفيه سؤال ، وهو أنه تعالى قال أولا ( فأولئك هم الكافرون ) وثانيا ( هم الظالمون ) والكفر أعظم من الظلم ، فلما ذكر أعظم التهديدات أولا ، فأي فائدة في ذكر الأخف بعده ؟ وجوابه : أن الكفر من حيث أنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ، ومن حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس ، ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه ، وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه . قوله تعالى ﴿ وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ﴾ قفيته : مثل ١٠ قوله تعالى (( وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم)) الآية سورة المائدة عقبته إذا اتبعته ، ثم يقال : عقبته بفلان وقفيته به ، فتعديه الى الثاني بزيادة الباء . فان قيل : فأين المفعول الأول في الآية ؟ قلنا : هو محذوف، والظرف وهو قوله ( على آثارهم ) كالساد مسده ، لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه ، والضمير في ( آثارهم ) للنبيين في قوله ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) . وههنا سؤالات : ﴿ السؤال الأول) أنه تعالى وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقا لما بين يديه من التوراة ، وإنما يكون كذلك إذا كان عمله على شريعة التوراة ، ومعلوم أنه لم يكن كذلك ، فان شريعة عيسى عليه السلام كانت مغايرة لشريعة موسى عليه السلام ، فلذلك قال في آخر هذه الآية ( وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ) فكيف طريق الجمع بين هذين الأمرين ؟ والجواب : معنى كون عيسى مصدقا للتوراة أنه أقر بأنه كتاب منزل من عند الله ، وأنه كان حقا واجب العمل به قبل ورود النسخ السؤال الثاني ﴾ لم كرر قوله ( مصدقا لما بين يديه ) والجواب : ليس فيه تكرار لأن في الأول أن المسيح يصدق التوراة ، وفي الثاني الانجيل يصدق التوراة . السؤال الثالث ﴾ أنه تعالى وصف الانجيل بصفات خمسة فقال ( فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ) وفيه مباحثات ثلاثة : أحدها : ما الفرق بين هذه الصفات الخمسة : وثانيها : لم ذكر الهدى مرتين ؟ وثالثها : لم خصصه بكونه موعظة للمتقين ؟ . ﴿ والجواب عن الأول﴾ ان الانجيل هدى بمعنى انه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد والتنزيه ، وبراءة الله تعالى عن الصاحبة والولد والمثل والضد ، وعلى النبوة وعلى المعاد، فهذا هو المراد بكونه هدى، وأما كونه نوراً، فالمراد به كونه بيانا للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف، وأما كونه مصدقا لما بين يديه ، فيمكن حمله على كونه مبشرا بمبعث محمد وَ له وبمقدمه وأما كونه هدى مرة أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمد شيخ سبب لاهتداء الناس إلى نبوة محمد بَله. ولما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ١١ قوله تعالى (( وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله)) الآية سورة المائدة وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ آلْإِنِيلِ بِمَا أَنَزَّلَ الَهُفِيهِ وَمَن لَّْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اٌلْفَسِقُونَ. ذلك لا جرم أعاده الله تعالى مرة أخرى تنبيها على أن الانجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد وَيّ، فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجا إلى البيان والتقرير، وأما كونه موعظة فلاشتمال الانجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة وانما خصها بالمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بها، كما في قوله (هدى للمتقين) . السؤال الرابع ﴾ قوله في صفة الانجيل ( ومصدقا لما بين يديه ) عطف على ماذا ؟ الجواب : أنه عطف على محل ( فيه هدى) ومحله النصب على الحال ، والتقدير : وآتيناه الانجیل حال کونه هدی ونورا ومصدقا لما بين يديه . ثم قال تعالى ﴿ وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ﴾ قرأ حمزة ( وليحكم بكسر اللام وفتح الميم ، جعل اللام متعلق بقوله ( وآتيناه الانجيل ) لأن ايتاء الانجيل انزال ذلك عليه ، فكان المعنى آتيناه الانجيل ليحكم ، وأما الباقون فقرؤا بجزم اللام والميم على سبيل الأمر ، وفيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير : وقلنا ليحكم أهل الانجيل ، فيكون هذا إخبارا عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الانجيل ، ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله ( وكتبنا وقفينا ) يدل عليه ، وحذف القول كثير كقوله تعالى ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) أي يقولون سلام عليكم ، والثاني : أن يكون قوله ( وليحكم ) ابتداء أمر للنصارى بالحكم في الانجيل . فان قيل : كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الانجيل بعد نزول القرآن ؟ قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن المراد ليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد تمّ وهو قول الأصم ، والثاني : وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ، مما لم يصر منسوخا بالقرآن ، والثالث : المراد من قوله ( وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ) زجرهم عن تحريف ما في الانجيل وتغييره مثل ما فعله اليهود من إخفاء أحكام التوراة ، فالمعنى بقوله (وليحكم ) أي وليقر أهل الانجيل بما أنزل الله فيه على الوجه الذي أنزله الله فيه من غير تحريف ولا تبديل . ١٢ قوله تعالى ((وأنزلنا إليك الكتاب بالحق)) الآية سورة المائدة وَأَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ثم قال تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ﴾ واختلف المفسرون ، فمنهم من جعل هذه الثلاثة ، أعني قوله ( الكافرون الظالمون الفاسقون ) صفات لموصوف واحد . قال القفال : وليس في افراد كل واحد من هذه الثلاثة بلفظ ما يوجب القدح في المعنى ، بل هو كما يقال : من أطاع الله فهو المؤمن ، من أطاع الله فهو البر ، من أطاع الله فهو المتقي ، لأن كل ذلك صفات مختلفة حاصلة لموصوف واحد . وقال آخرون : الأول في الجاحد ، والثاني والثالث في المقر التارك . وقال الأصم : الأول والثاني في اليهود ، والثالث في النصارى . ثم قال تعالى ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ﴾ وهذا خطاب مع محمد ◌ّ ، فقوله ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ) أي القرآن ، وقوله ( مصدقا لما بين يديه من الكتاب ) أي كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن . وقوله ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ فيه مسائل : المسألة الأولى﴾ في المهيمن قولان: الأول: قال الخليل وأبو عبيدة: يقال قد هيمن الرجل يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً عليه حافظا . قال حسان : إن الکتاب مھیمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألباب والثاني : قالوا : الأصل في قولنا : آمن يؤمن فهو مؤمن ، أأمن يؤأمن فهو مؤأمن بهمزتين ، ثم قلبت الأولى هاء كما في : هرقت وأرقت ، وهياك واياك ، وقلبت الثانية ياء فصار مهيمنا ، فلهذا قال المفسرون ( ومهيمنا عليه ) أي أمينا على الكتب التي قبله . المسألة الثانية ﴾ انما كان القرآن مهيمنا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخا البتة ، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف على ما قال تعالى ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ) وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والانجيل والزبور حق صدق باقية أبدا ، فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبدا . المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف: قرىء ( ومهيمنا عليه) بفتح الميم لأنه مشهود عليه من عند الله تعالى بأن يصونه عن التحريف والتبديل لما قررنا من الآيات ، ولقوله ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) والمهيمن عليه هو الله تعالى. ١٣ سورة المائدة قوله تعالى ((فاحكم بينهم بما أنزل الله)) الآية فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَاَ أَنزَّلَ اللهُ وَلَ نَّبِعُ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَبًا ثم قال تعالى ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ﴾ يعني فاحكم بين اليهود بالقرآن والوحي الذي نزله الله تعالى عليك . ( ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) وفيه مسائل . ﴿ المسألة الأولى﴾ ((ولا تتبع)) يريد ولا تنحرف ، ولذلك عداه بعن، كأنه قيل : ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم . المسألة الثانية﴾ روى أن جماعة من اليهود قالوا: تعالوا نذهب إلى محمد ريل لعلنا نفتنه عن دينه ، ثم دخلوا عليه وقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم ، وانا إن اتبعناك اتبعك کل اليهود ، وان بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم اليك ، فاقض لنا ونحن نؤمن بك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . المسألة الثالثة ﴾ تمسك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقال : لولا جواز المعصية عليهم والا لما قال ( ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) . والجواب : ان ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي . وقيل : الخطاب له والمراد غيره . ثم قال تعالى ﴿ لكل جعلنامنكم شرعة ومنهاجا ﴾ ٠ وفيه مسائل . المسألة الأولى﴾ لفظ ((الشرعة)) في اشتقاقه وجهان: الأول: معنى شرع بين وأوضح . قال ابن السكيت : لفظ الشرع مصدر : شرعت الاهاب ، إذا شققته وسلخته . الثاني : شرع مأخوذ من الشروع في الشيء وهو الدخول فيه ، والشريعة في كلام العرب المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون منها ، فالشريعة فعيلة بمعنى المفعولة ، وهي الأشياء التي أوجب الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها، وأما المنهاج فهو الطريق الواضح ، يقال : نهجت لك الطريق وأنهجت لغتان . ١٤ قوله تعالى ((ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة)) الآية سورة المائدة وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن ◌ِيَبْلُوَكُمْ فِ مَآءَ اتَنِكُمْ فَأَسْتَقُواْ الْخَيْرَتِ إِلَى الهِ مَرْ جِعُكُمْ بَهِيعًا فَينَِئُ بِمَا كُنْتُمْ فِتَخْتَلِفُونَ ٤٨ المسألة الثانية﴾ احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لا يلزمنا ، لأن قوله ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) يدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلا بشريعة خاصة ، وذلك ينفي كون أمة أحد الرسل مكلفة بشريعة الرسول الآخر . المسألة الثالثة ﴾ وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل ، وآيات دالة على حصول التباين فيها . ﴿ أما النوع الأول ﴾ فقوله ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) إلى قوله ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) وقال ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) . وأما النوع الثاني ﴾ فهو هذه الآية، وطريق الجمع أن نقول: النوع الأول من الآيات مصروف إلى ما يتعلق بأصول الدين ، والنوع الثاني مصروف إلى ما يتعلق بفروع الدين . المسألة الرابعة ﴾ الخطاب في قوله (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) خطاب للأمم الثلاث: أمة موسى ، وأمة عيسى ، وأمة محمد عليهم السلام ، بدليل أن ذكر هؤلاء الثلاثة قد تقدم في قوله ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) ثم قال ( وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم ) ثم قال ( وأنزلنا إليك الكتاب ) . ثم قال ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) يعني شرائع مختلفة : للتوراة شريعة ، وللانجيل شريعة ، وللقرآن شريعة . المسألة الخامسة ﴾ قال بعضهم : الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد ، والتكرير للتأكيد والمزاد بهما الدين . وقال آخرون : بينهما فرق ، فالشرعة عبارة عن مطلق الشريعة ، والطريقة عبارة عن مكارم الشريعة ، وهي المراد بالمنهاج ، فالشريعة أول ، والطريقة آخر . وقال المبرد : الشريعة ابتداء الطريقة ، والطريقة المنهاج المستمر ، وهذا تقرير ما قلناه . والله أعلم باسرار كلامه . ثم قال تعالى ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ أي جماعة متفقة على شريعة واحدة ، ١٥ سورة المائدة قوله تعالى ((وأن احكم بينهم بما أنزل الله)) الآية وَأَنِ أَحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَ إِنَّ كَثِيرًاً مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ ﴾ أو ذوي أمة واحدة ، أي دين واحد لا اختلاف فيه . قال الأصحاب : هذا يدل على أن الكل بمشيئة الله تعالى والمعتزلة حملوه على مشيئة الالجاء . ثم قال تعالى ﴿ولكن ليبلوكم فيما آتاكم﴾ من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها منقادين لله خاضعين لتكاليف الله ، أم تتبعون الشبه وتقصرون في العمل . فاستبقوا الخيرات ﴾ أي فابتدروها وسابقوا نحوها . إلى الله مرجعكم جميعا﴾ استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات. ﴿ فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم ، وموفيكم ومقصركم في العمل ، والمراد أن الأمر سيؤول إلى ما يزول معه الشكوك ويحصل معه اليقين ، وذلك عند مجازاة المحسن باحسانه والمسيء باساءته . ثم قال تعالى ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ فان قيل: قوله (وأن احكم بينهم ) معطوف على ماذا ؟ قلنا: على ((الكتاب)) في قوله (وأنزلنا اليك الكتاب ) كأنه قيل : وأنزلنا إليك أن احكم و(أن )﴾ وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الافعال، ويجوز ان يكون معطوفاً على قوله (بالحق) أي انزلناه بالحق وبأن احكم ، وقوله ( ولا تتبع أهواءهم ) قد ذكرنا أن اليهود وأرادوا ايقاعه في تحريف دينه فعصمه الله تعالى عن ذلك . ﴿ المسألة الثانية﴾ قالوا : هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) . المسألة الثالثة﴾ أعيد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى إما للتأكيد ، وإما ١٦ قوله تعالى (( أفحكم الجاهلية يبغون)) الآية سورة المائدة أَخُكْرَ الْجَهِلَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَرُ مِنَ اللّهِ حُكَ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ لأنهما حكمان أمر بهما جميعا ، لأنهم احتكموا اليه في زنا المحصن ، ثم احتكموا في قتيل كان فيهم . ثم قال تعالى ﴿ واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك ﴾ قال ابن عباس : يريد به يردوك إلى أهوائهم ، فان كل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن ، ومنه قوله ( وان كادوا ليفتنونك ) والفتنة ههنا في كلامهم التي تميل عن الحق وتلقى في الباطل وكان ◌َ ل يقول ( أعوذ بك من فتنة المحيا) قال هو أن يعدل عن الطريق. قال أهل العلم : هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائزان على الرسول ، لأن الله تعالى قال ( واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك ) والتعمد في مثل هذا غير جائز على الرسول ، فلم يبق الا الخطأ والنسيان . ثم قال تعالى ﴿ فان تولوا ﴾ أي فان لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ . وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ المراد يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا، وهو أن يسلطك عليهم، ويعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء، وإنما خص الله تعالى بعض الذنوب لأن القوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم، وكان مجازاتهم بالبعض كافيا في اهلاكهم والتدمير عليهم، والله أعلم . ﴿ المسألة الثانية ﴾ دلت الآية على أن الكل بارادة الله تعالى، لأنه لا يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم إلا وقد أراد ذنوبهم ، وذلك يدل على أنه تعالى مريد للخير والشر. ثم قال تعالى ﴿ وإن كثيراً من الناس لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر معتدون فيه ، يعني أن التولي عن حكم الله تعالى من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر . ثم قال تعالى ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ . وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن عامر ( تبغون) بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على المغايبة ، وقرأ السلمى ( أفحكم الجاهلية ) برفع الحكم على الابتداء ، وإيقاع ( يبغون ) ١٧ سورة المائدة قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود)) الآية وَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَ تَّخِذُ واْ الْيَهُودَ وَاَلَّصَرَّ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَهُم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لَهْدِى الْقَوْمَ الَِّنَ ٥١ خبرا وإسقاط الراجع عنه لظهوره ، وقرأ قتادة ( أبحكم الجاهلية ) والمراد أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام الجاهلية ، فأرادوا بشهيتهم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما كأولئك الحكام . المسألة الثانية ﴾ في الآية وجهان: الأول: قال مقاتل: كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام ، فلما بعث تحاكموا اليه ، فقالت بنو قريظة : بنو النضير إخواننا ، أبونا واحد ، وديننا واحد ، وكتابنا واحد ، فان قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين وسقاً من تمر ، وإن قتلنا منهم واحداً أخذوا منا مائة وأربعين وسقاً من تمر ، وأروش جراحاتنا على النصف من أروش جراحاتهم ، فاقض بيننا وبينهم ، فقال عليه السلام : فاني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضري ، ودم النضري وفاء من دم القرظي ، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ، ولا جراحة ، فغضب بنو النضير وقالوا : لا نرضى بحكمك فانك عدو لنا ، فانزل الله تعالى هذه الآية ( أفحكم الجاهلية يبغون ) يعني حكمهم الأول . وقيل : إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه ، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به ، فمنعهم الله تعالى منه بهذه الآية ، الثاني : أن المراد بهذه الآية أن يكون تعبيرا لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم مع أنهم يبغون حكم الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى . ثم قال تعالى ﴿ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ اللام في قوله ( لقوم يوقنون ) للبيان كاللام في ((هيت لك)) أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون ، فانهم هم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكما ، ولا أحسن منه بيانا . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ﴾ اعلم أنه تم الكلام عند قوله ( أولياء ) ثم ابتدأ فقال ( بعضهم أولياء بعض ) وروى أن عبادة ابن الصامت جاء إلى رسول الله بهم فتبرأ عنده من موالاة اليهود، فقال عبد الله بن أبي : لكني لا أتبرأ منهم لأني أخاف الدوائر ، فنزلت هذه الآية ، ومعنى لا تتخذوهم الفخر الرازي ج١٢ م٢ ١٨ قوله تعالى ((فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم)) الآية سورة المائدة فَتَرَى الَّذِينَ فِ قُوِهِم مََّضْ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَىَ أَن تُصِيبَنَا دَآَبِرَةٌ فَسَى اللهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَ أَسَرُواْ فِىَ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ أولياء : أي لا تعتمدوا على الاستنصار بهم ، ولا تتوددوا إليهم . ثم قال ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ قال ابن عباس: يريد كأنه مثلهم ، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين ، ونظيره قوله ( ومن لم يطعمه فانه مني ) . ثم قال ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين) روى عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قلت لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه: إن لي كاتبا نصرانيا ، فقال: مالك قاتلك الله، ألا اتخذت حنيفا ، أما سمعت قول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) قلت : له دينه ولي كتابته ، فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله ، قلت : لا يتم أمر البصرة إلا به ، فقال : مات النصراني والسلام ، يعني هب أنه قد مات فما تصنع بعده ، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن عنه بغيره . ثم قال تعالى ﴿ فترى الذين في قلوبهم ، مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ واعلم أن المراد بقوله ( الذين في قلوبهم مرض ) المنافقون : مثل عبدالله بن أبي وأصحابه ، وقوله ( يسارعون فيهم ) أي يسارعون في مودة اليهود ونصارى نجران ، لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهماتهم ويقرضونهم ، ويقول المنافقون : إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا دائرة . قال الواحدي رحمه الله : الدائرة من دوائر الدهر كالدولة ، وهي التي تدور من قوم إلى قوم ، والدائرة هي التي تخشى ، كالهزيمة والحوادث المخوفة ، فالدوائر تدور، والدوائل تدول. قال الزجاج : أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد # فيدور الأمر كما كان قبل ذلك . ثم قال تعالى ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ﴾ . ١٩ سورة المائدة قوله تعالى ((ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله)) الآية وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَتْمَتِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِينَ (® يَأْيُّهَا الَّذِينَءَ امَنُواْ مَن يَرْقَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُّهُوَهُ أَِلَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَّفِرِينَ يُجْنِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَ بٍِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ قال المفسرون (عيسى)) من اللّه واجب ، لأن الكريم اذا أطمع في خير فعله ، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له ، والمعنى : فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله على أعدائه وإظهار المسلمين على أعدائهم ، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود . أو يخرجهم عن بلادهم فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم ، وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول ويقولون : لا نظن أنه يتم له أمره ، والا ظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه . وقيل : أو أمر من عنده ، يعني أن يؤمر النبي محملة باظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على فعالهم . فان قيل : شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين ، وقوله ( عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده) ليس كذلك ، لأن الاتيان بالفتح داخل في قوله ( أو أمر من عنده ) . قلنا : قوله ( أو أمر من عنده) معناه أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل البتة ، كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب فأعطوا بايديهم من غير محاربة ولا عسكر . ثم قال تعالى ﴿ ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم انهم لمعكم حبطت أعمالهم فاصبحوا خاسرين ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ( يقول ) بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والشام ، والباقون بالواو ، وكذلك هي في مصاحف أهل العراق . قال ٢٠ قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه)) الآية سورة المائدة الواحدي رحمه الله : وحذف الواو ههنا كاثباتها ، وذلك لأن في الجملة المعطوفة ذكرا من المعطوف عليها ، فان الموصوف بقوله ( يسارعون فيهم ) هم الذين قال فيهم المؤمنون ( أهؤلاء الذين أقسموا باللّه ) فلما حصل في كل واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى حسن العطف بالواو وبغير الواو ، ونظيره قوله تعالى ( سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ) لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم أغنى ذلك عن ذكر الواو ، ثم قال ( ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم ) فأدخل الواو ، فدل ذلك على أن حذف الواو وذكرها جائز . وقال صاحب الكشاف : حذف الواو على تقدير أنه جواب قائل يقول : فماذا يقول المؤمنون حينئذ ؟ فقيل : يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا . واختلفوا في قراءة هذه الآية من وجه آخر ، فقرأ أبو عمرو ( ويقول الذين آمنوا ) نصبا على معنى : وعسى أن يقول الذين آمنوا ، وأما من رفع فانه جعل الواو لعطف جملة على جملة ، ويدل على قراءة الرفع قراءة من حذف الواو . ﴿ المسألة الثانية﴾ الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول هو أنهم يتعجبون من حال المنافقين عندما أظهروا الميل الى موالاة اليهود والنصارى ، وقالوا : انهم يقسمون باللّه جهد أيمانهم انهم معنا ومن أنصارنا ، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم ؟ المسألة الثالثة ﴾ قوله ( حبطت أعمالهم ) يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين ، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ، والمعنى ذهب ما أظهروه من الايمان ، وبطل كل خير عملوه لأجل أنهم الآن أظهروا موالاة اليهود والنصارى ، فأصبحوا خاسرين في الدنيا والآخرة ، فانه لما بطلت أعمالهم بقيت عليهم المشقة في الاتيان بتلك الأعمال ، ولم يحصل لهم شيء من ثمراتها ومنافعها ، بل استحقوا اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ﴾ . وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ ابن عامر ونافع ( يرتدد) بدالين ، والباقون بدال واحدة مشددة ، والأول لاظهار التضعيف ، والثاني للادغام ، قال الزجاج : اظهار الدالين هو الأصل لأن الثاني من المضاعف إذا سكن ظهر التضعيف ، نحو قوله ( ان يمسسكم قرح )