النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة المائدة
قوله تعالى ((إنما جزاء الذين يحاربون الله)) الآية
ويسعون في الأرض فسادا ) يتناول كل من كان موصوفا بهذه الصفة ، سواء كان كافرا أو
مسلما ، أقصى ما في الباب أن يقال الآية نزلت في الكفار لكنك تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ المحاربون المذكورون في هذه الآية هم القوم الذين يجتمعون ولهم
منعة ممن أرادهم بسبب أنهم يحمى بعضهم بعضا ويقصدون المسلمين في أرواحهم ودمائهم ،
وانما اعتبرنا القوة والشوكة لأن قاطع الطريق إنما يمتاز عن السارق بهذا القيد ، واتفقوا على أن
هذه الحالة اذا حصلت في الصحراء كانوا قطاع الطريق ، فأما لو حصلت في نفس البلدة فقال
الشافعي رحمه الله : إنه يكون أيضا ساعيا في الأرض بالفساد ويقام عليه هذا الحد . قال :
وأراهم في المصران لم يكونوا أعظم ذنبا فلا أقل من المساواة ، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما
الله: اذا حصل ذلك في المصرفانه لا يقام عليه الحد . وجه قول الشافعي رحمه الله النص
والقياس ، أما النص فعموم قوله تعالى ( انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في
الأرض فسادا) ومعلوم أنه إذا حصل هذا المعنى في البلد كان لا محالة داخلا تحت عموم هذا
النص ، وأما القياس فهو أن هذا حد فلا يختلف في المصر وغير المصر كسائر الحدود ، وجه قول
أبي حنيفة رحمه الله أن الداخل في المصر يلحقه الغوث في الغالب فلا يتمكن من المقاتلة فصار
في حكم السارق .
﴿ المسألة الرابعة) قوله ( أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو
ينفوا من الأرض) للعلماء في لفظ ((أو)) في هذه الآية قولان: الأول: أنها للتخيير وهو قول
ابن عباس في رواية على بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد ، والمعنى أن
الامام إن شاء قتل وان شاء صلب ، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل ، وإن شاء نفى ، أى
واحد من هذه الاقسام شاء فعل. وقال ابن عباس في رواية عطاء: كلمة ((أو)) ههنا ليست
للتخيير ، بل هي لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات ، فمن اقتصر على القتل قتل ،
ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف. ومن
أخاف السبل ولم يأخذ المال نفى من الأرض ، وهذا قول الأكثرين من العلماء ، وهو مذهب
الشافعي رحمه الله ، والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان : الأول : أنه لو كان المراد من
الآية التخيير لوجب أن يمكن الامام من الاقتصار على النفي ، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك
علما أن ليس المراد من الآية التخيير ، والثاني : أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال
فقدهم بالمعصية ولم يفعل ، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي ، فثبت أنه لا
يجوز حمل الآية على التخيير ، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلا على حدة ، فصار

٢٢٢
قوله تعالى ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله)) الآية
سورة المائدة
التقدير : أن يقتلوا إن قتلوا ، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل ، أو تقطع أيديهم
وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على اخذ المال أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبل ،
والقياس الجلي أيضا يدل على صحة ما ذكرناه لأن القتل العمد العدوان يوجب القتل ، فغلظ
ذلك في قاطع الطريق ، وصار القتل حتما لا يجوز العفو عنه ، وأخذ المال يتعلق به القطع في غير
قاطع الطريق ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين ، وإن جمعوا بين القتل وبين أخذ
المال جمع في حقهم بين القتل وبين الصلب ، لأن بقاءه مصلوبا في ممر الطريق يكون سببا
لاشتهار إيقاع هذه العقوبة ، فيصير ذلك زاجراً لغيره عن الاقدام على مثل هذه المعصية ، وأما
إن اقتصر على مجرد الاخافة اقتصر الشرع منه على عقوبة خفيفة وهي النفي من الأرض .
المسألة الخامسة ﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله : اذا قتل وأخذ المال فالامام مخير فيه بين
ثلاثة أشياء . أن يقتلهم فقط ، أو يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم قبل القتل ، أو يقتلهم
ويصلبهم ، وعند الشافعي رحمه الله : لا بد من الصلب ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله.
حجة الشافعي رحمه الله : أنه تعالى نص على الصلب كما نص على القتل فلم يجز إسقاط
الصلب كما لم يجز إسقاط القتل . ثم اختلفوا في كيفية الصلب ، فقيل : يصلب حيا ثم يزج
بطنه برمح حتى يموت ، وقال الشافعي رحمه الله : يقتل ويصلى عليه ثم يصلب .
﴿ المسألة السادسة﴾ اختلفوا في تفسير النفي من الأرض. قال الشافعي رحمه الله:
معناه ان وجد هؤلاء المحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وان لم
يجدهم طلبهم أبدا حتى اذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه ، وبه قال أحمد واسحق رحمهما
الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله : النفي من الأرض هو الحبس ، وهو اختيار أكثر أهل اللغة ،
قالوا : ويدل عليه أن قوله ( أو ينفوا من الأرض ) اما أن يكون المراد النفي من جميع الأرض ،
وذلك غير ممكن مع بقاء الحياة ، واما أن يكون اخراجه من تلك البلدة الى بلدة أخرى ، وهو
أيضا غير جائز : لأن الغرض من هذا النفي دفع شره عن المسلمين ، فلو أخرجناه الى بلد
آخر لاستضر به من كان هناك من المسلمين ، وأما أن يكون المراد اخراجه الى
دار الكفر وهو أيضا غير جائز ، لأن اخراج المسلم الى دار الكفر تعريض له بالردة وهو غير
جائز ، ولما بطل الكل لم يبق إلا أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلا مكان
الحبس . قالوا : والمحبوس قد يسمى منفيا من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا
ولذاتها ، ولا يرى أحدا من أحبابه ، فصار منفيا عن جميع اللذات والشهوات والطيبات فكان
كالمنفي في الحقيقة . ولما حبسوا صالح بن عبد القدوس على تهمة الزندقة في حبس ضيق وطال

٢٢٣
سورة المائدة
قوله تعالى ((ذلك لهم خزي في الدنيا)) الآية
ذَلِكَ لَهُمْ نِحْىٌ فِ الدُّنْيًّا وَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ ﴾ إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ قَبْلِ
أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَعْلُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٤
لبثه هناك ذكر شعرا ، منه قوله :
فلسنا من الاحيا ولسنا من الموتى
خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها
عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
اذا جاءنا السجان يوما لحاجة
قال الشافعي رحمه الله : هذا النفي المذكور في الآية محمول على وجهين : الأول : أن
هؤلاء المحاربين اذا قتلوا وأخذوا المال فالامام إن أخذهم أقام عليهم الحد ، وان لم يأخذهم
طلبهم أبدا فكونهم خائفين من الامام . هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي . الثاني :
القوم الذين يحضرون الواقعة ويكثرون جمع هؤلاء المحاربين ويخيفون المسلمين ولكنهم ما قتلوا
وما أخذوا المال فالامام ان أخذهم أقام عليهم الحد ، وان لم يأخذهم طلبهم أبدا . فيقول
الشافعي ههنا : إن الامام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم ، فالمراد بنفيهم عن الأرض هو هذا
الحبس لا غير، والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك لهم خزي في الدنيا﴾ أي فضيحة وهو ان ﴿ولهم في الآخرة عذاب
عظيم ﴾
قالت المعتزلة : الآية دالة على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة ، ودالة على أن
قتلهم قد أحبط ثوابهم ، لأنه تعالى حكم بأن ذلك لهم خزي في الدنيا والآخرة ، وذلك يدل
على كونهم مستحقين للذم ، وكونهم مستحقين للذم في الحال يمنع من بقاء استحقاقهم للمدح
والتعظيم لما أن ذلك جمع بين الضدين ، واذا كان الأمر كذلك ثبت القول بالقطع بوعيد
الفساق ، وثبت القول بالاحباط .
والجواب : لا نزاع بيننا وبينكم في أن هذا الحد إنما يكون واقعا على جهة الخزى
والاستخفاف اذا لم تحصل التوبة ، فأما عند حصول التوبة فان هذا الحد لا يكون على جهة
الخزي والاستخفاف، بل يكون على جهة الامتحان ، فاذا جاز لكم أن تشترطوا هذا الحكم
بعدم التوبة لدليل دل على اعتبار هذا الشرط ، فنحن أيضا نشرط هذا الحكم بشرط عدم العفو ،
وحينئذ لا يبقى الكلام إلا في أنه هل دل هذا الدليل على أنه تعالى يعفو عن الفساق أم لا ؟ وقد
ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى ( بلى من كسب سيئة

٢٢٤
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه)) الآية
سورة المائدة
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجْهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ
٣٥
وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .
ثم قال تعالى ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ﴾
قال الشافعي رحمه الله تعالى : لما شرح ما يجب على هؤلاء المحاربين من الحدود
والعقوبات استثنى عنه ما اذا تابوا قبل القدرة عليهم . وضبط هذا الكلام أن ما يتعلق من تلك
الأحكام بحقوق الله تعالى فانه يسقط بعد هذه التوبة ، وما يتعلق منها بحقوق الآدميين فانه لا
يسقط ، فهؤلاء المحاربون إن قتلوا إنسانا ثم تابوا قبل القدرة عليهم كان ولى الدم على حقه في
القصاص والعفو ، إلا أنه يزول حتم القتل بسبب هذه التوبة ، وإن أخذ مالا وجب عليه رده
ولم يكن عليه قطع اليد أو الرجل ، وأما إذا تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه ،
وتقام الحدود عليه . قال الشافعي رحمه الله تعالى : ويحتمل أن يسقط كل حد لله بالتوبة ، لأن
((ماعزا)) لما رجم أظهر توبته، فلما تمموا رجمه ذكروا ذلك لرسول الله له ، فقال: هلا
تركتموه ، أو لفظ هذا معناه ، وذلك يدل على أن التوبة تسقط عن المكلف كل ما يتعلق بحق
الله تعالى .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم
تفلحون ﴾ .
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ في النظم وجهان : الأول: اعلم أنا قد بينا أنه تعالى لما أخبر رسوله
أن قوما من اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول وإلى اخوانه من المؤمنين وأصحابه
بالغدر والمكر ومنعهم الله تعالى عن مرادهم ، فعند ذلك شرح للرسول شدة عتيهم على الأنبياء
وكمال إصرارهم على إيذائهم ، وامتد الكلام إلى هذا الموضع ، فعند هذا رجع الكلام إلى
المقصود الأول وقال ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) كأنه قيل : قد عرفتم
كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب وبعدهم عن الطاعات التي هي الوسائل للعبد إلى
الرب ، فكونوا يا أيها المؤمنون بالضد من ذلك ، وكونوا متقين عن معاصي الله ، متوسلين إلى
الله بطاعات الله .

سورة المائدة ٢٢٥
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه)) الآية
﴿الوجه الثاني في النظم﴾ أنه تعالى حكى عنهم انهم قالوا (نحن أبناء الله وأحباؤه ) أي
نحن أبناء أنبياء الله ، فكان افتخارهم بأعمال آبائهم ، فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليكن
مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم ، فاتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ، والله
أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما: أحدهما :
ترك المنهيات ، وإليه الاشارة بقوله ( اتقوا الله ) وثانيهما : فعل المأمورات ، واليه الاشارة
بقوله تعالى ( وابتغوا اليه الوسيلة ) ولما كان ترك المنهيات مقدما على فعل المأمورات بالذات لا
جرم قدمه تعالى عليه في الذكر . وإنما قلنا : إن الترك مقدم على الفعل لأن الترك عبارة عن بقاء
الشيء على عدمه الأصلي ، والفعل هو الايقاع والتحصيل ، ولا شك أن عدم جميع المحدثات
سابق على وجودها ، فكان الترك قبل الفعل لا محالة .
فان قيل : ولم جعلت الوسيلة مخصوصة بالفعل مع انا نعلم أن ترك المعاصي قد يتوسل
به إلى الله تعالى ؟
قلنا : الترك ابقاء الشيء على عدمه الأصلي ، وذلك العدم المستمر لا يمكن التوسل به إلى
شيء البتة فثبت أن الترك لا يمكن أن يكون وسيلة ، بل من دعاه داعي الشهوة إلى فعل قبيح ،
ثم تركه لطلب مرضاة الله تعالى، فهنا يحصل التوسل بذلك الامتناع إلى الله تعالى ، إلا أن
ذلك الامتناع من باب الأفعال ، ولهذا قال المحققون : ترك الشيء عبارة عن فعل ضده .
إذا عرفت هذا فنقول : إن الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال ، فالذي يجب
تركه هو المحرمات ، والذي يجب فعله هو الواجبات ، ومعتبران أيضاً في الأخلاق ، فالذي
يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة ، والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة ، ومعتبران أيضاً
في الأفكار فالذي يجب فعله هو الفكر في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد ، والذي
يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات ، ومعتبران أيضا في مقام التجلي ، فالفعل هو الاستغراق
في الله تعالى ، والترك هو الالتفات إلى غير الله تعالى ، وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك
بالتحلية والتخلية ، وبالمحو والصحو، وبالنفي والإثبات ، وبالفناء والبقاء ، وفي جميع
المقامات النفي مقدم على الاثبات، ولذلك كان قولنا ((لا إله إلا الله)) النفي مقدم فيه على
الاثبات .
المسألة الثالثة ﴾ الوسيلة فعيلة ، من وسل اليه إذا تقرب اليه . قال لبيد الشاعر :
ألا كل ذي لب إلى الله واسل
أرى الناس لا يدرون ما قد أمرهم
الفخر الرازي ج١١ ١٥٫

٢٢٦
قوله تعالى (( وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون )) الآية
سورة المائدة
أي متوسل ، فالوسيلة هي التي يتوسل بها إلى المقصود . قالت التعليمية : دلت الآية
على أنه لا سبيل إلى الله تعالى إلا بمعلم يعلمنا معرفته ، ومرشد يرشدنا إلى العلم به ، وذلك
لأنه أمر بطلب الوسيلة إليه مطلقا ، والايمان به من أعظم المطالب وأشرف المقاصد ، فلا بد
فيه من الوسيلة .
وجوابنا : أنه تعالى إنما أمر بابتغاء الوسيلة إليه بعد الايمان به ، والايمان به عبارة عن
المعرفة به فكان هذا أمراً بابتغاء الوسيلة إليه بعد الايمان وبعد معرفته ، فيمتنع أن يكون هذا
أمراً بطلب الوسيلة إليه في معرفته ، فكان المراد طلب الوسيلة اليه في تحصيل مرضاته وذلك
بالعبادات والطاعات .
ثم قال تعالى ﴿ وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ واعلم أنه تعالى لما أمر بترك ما لا
ينبغي بقوله ( اتقوا الله ) وبفعل ما ينبغى ، بقوله (وابتغوا اليه الوسيلة ) وكل واحد منهما شاق
ثقيل على النفس والشهوة ، فان النفس لا تدعو إلا إلى الدنيا واللذات المحسوسة ، والعقل لا
يدعو إلا إلى خدمة الله وطاعته والاعراض عن المحسوسات ، وكان بين الحالتين تضاد وتناف ،
ولذلك فان العلماء ضربوا المثل في مظان تطلب الدنيا والآخرة بالضرتين ، وبالضدين ،
وبالمشرق والمغرب ، وبالليل والنهار ، وإذا كان كذلك كان الانقياد لقوله تعالى ( اتقوا الله
وابتغوا إليه الوسيلة ) من أشق الأشياء على النفس وأشدها ثقلا على الطبع ، فلهذا السبب
أردف ذلك التكليف بقوله ( وجاهدوا في سبيله ) لعلكم تفلحون وهذه الآية آية شريفة مشتملة
على أسرار روحانية ، ونحن نشيرههنا إلى واحد منها ، وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان ،
منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله ، ومنهم من يعبده لغرض آخر .
والمقام الأول ﴾ هو المقام الشريف العالي ، واليه الاشارة بقوله (وجاهدوا في سبيله )
أي في سبيل عبوديته وطريق الاخلاص في معرفته وخدمته .
﴿والمقام الثاني﴾ دون الأول، واليه الاشارة بقوله ( لعلكم تفلحون) والفلاح اسم
جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب .
واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين في هذه الآية إلى معاقد جميع الخيرات ، ومفاتح كل
السعادات أتبعه بشرح حال الكفار ، وبوصف عاقبة من لم يعرف حياة ولا سعادة إلا في هذه
الدار ، وذكر من جملة تلك الأمور الفظيعة نوعين :

٢٢٧
سورة المائدة
قوله تعالى ((إن الذين كفروا لو أن لهم ما في)) الآية
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّ فِى الْأَرْضِ ◌َِعًا وَمِثْلَهُ, مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِن عَذَابٍ
يَوْمِ الْفِيَامَةِ مَا تُقُبِلَ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ يُرِدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ الَّارِ وَمَا هُم
رو
ءُ
بَخِرِ جِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
أحدهما : قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا
به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ﴾ .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ الجملة المذكورة مع كلمة ((لو)) خبر ((إن)).
فان قيل : لم وحد الراجع في قوله ( ليفتدوا به ) مع أن المذكور السابق بيان ما في
الأرض جميعاً ومثله ؟
قلنا : التقدير كأنه قيل : ليفتدوا بذلك المذكور .
المسألة الثانية ) قوله ( ولهم عذاب أليم ) يحتمل أن يكون في موضع الحال ،
ويحتمل أن يكون عطفاً على الخبر .
المسألة الثالثة ﴾ المقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم ، فانه لا سبيل
لهم إلى الخلاص منه. وعن النبي مَله ((يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض
ذهباً أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت )) .
النوع الثاني ﴾ من الوعيد المذكور في هذه الآية.
قوله ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ﴾
وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ إرادتهم الخروج تحتمل وجهين: الأول: انهم قصدوا ذلك وطلبوا
المخرج منها كما قال تعالى ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ) .
قيل : إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج . وقيل : يكادون يخرجون
من النار لقوة النار ودفعها للمعذبين ، والثاني : أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم ، كقوله تعالى

٢٢٨
قوله تعالى ((والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما )) الآية
سورة المائدة
وَالسَّارِقُ وَالَّارِقَةُ فَقْطَعُوْأَيْدِيَهُمَا ◌َجَآءَ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ الَهِ وَاللّهُ عَنْ زُحَكِيمٌ ◌َ
◌َنْ تَابَ مِنْ بَعْدِّ ◌ُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ الَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أَّ تَعْلَمْ
أَنَّ الله ◌َهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءٍ وَاللهُ عَلَى كُلٍّ
ج
شَىْءٍ قَدِيرٌ(
٤٠
في موضع آخر (ربنا أخرجنا منها) ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ ( يريدون أن يخرجوا من
النار ) بضم الياء .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخرج من النار من قال ((لا
إله إلا الله)) على سبيل الاخلاص . قالوا : لأنه تعالى جعل هذا المعنى من تهديدات الكفار ،
وأنواع ما خوفهم به من الوعيد الشديد ، ولولا أن هذا المعنى مختص بالكفار وإلا لم يكن
لتخصيص الكفار به معنى والله أعلم . ومما يؤيد هذا الذي قلناه قوله ( ولهم عذاب مقيم )
وهذا يفيد الحصر، فكان المعنى ولهم عذاب مقيم لا لغيرهم ، كما أن قوله ( لكم دينكم ) أي
لكم لا لغيركم ، فكذا ههنا .
قوله تعالى ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز
حکیم ﴾
في اتصال الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة قطع
الأيدي والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة ، بين في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل
السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضاً ، والثاني : أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال
( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا
الناس جميعا) ذكر بعد هذا الجنايات التي تبيح القتل والايلام ، فذكر أولا قطع الطريق ،
وثانيا : أمر السرقة ، وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ اختلف النحويون في الرفع في قوله (والسارق والسارقة) على
وجوه : الأول وهو قول سيبويه والأخفش : أن قوله ( والسارق والسارقة ) مرفوعان بالابتداء
والخبر محذوف والتقدير ، فيما يتلى عليكم السارق والسارقة ، أي حكمهما كذا ، وكذا القول في

٢٢٩
سورة المائدة
قوله تعالى ((والسارق والسارقة فاقطعوا )) الآية
قوله ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ) وفي قوله (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ) وقرأ
عيسى بن عمر ( والسارق والسارقة ) بالنصب ، ومثله ( الزانية والزاني ) والاختيار عند
سيبويه النصب في هذا . قال لأن قوله القائل : زيدا فاضربه أحسن من قولك : زيد فاضربه ،
وأيضاً لا يجوز أن يكون ( فاقطعوا ) خبر المبتدا ، لأن خبر المبتدا لا يدخل عليه الفاء .
﴿والقول الثاني﴾ وهو اختيار الفراء: أن الرفع أولى من النصب، لأن الألف واللام
في قوله ( والسارق والسارقة) يقومان مقام ((الذي)) فصار التقدير : الذي سرق فاقطعوا يده،
وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء على الخبر لأنه صار جزاء ، وأيضاً النصب إنما يحسن
إذا أردت سارقا بعينه أو سارقة بعينها ، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا
الفعل فالرفع أولى ، وهذا القول هو الذي اختاره الزجاج وهو المعتمد .
ومما يدل على أن المراد من الآية الشرط والجزاء وجوه : الأول : ان الله تعالى صرح بذلك
وهو قوله ( جزاء بما كسبا) وهذا دليل على أن القطع شرع جزاء على فعل السرقة ، فوجب أن
يعم الجزاء لعموم الشرط ، والثاني : أن السرقة جناية ، والقطع عقوبة ، وربط العقوبة بالجناية
مناسب ، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على أن الوصف علة لذلك الحكم ،
والثالث : أنا لو حملنا الآية على هذا الوجه كانت الآية مفيدة ، ولو حملناها على سارق معين
صارت مجملة غير مفيدة ، فكان الأول أولى .
وأما القول الذي ذهب اليه سيبويه فليس بشيء ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنه طعن
في القرآن المنقول بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن جميع الأمة ، وذلك باطل
قطعا ، فان قال لا أقول : ان القراءة بالرفع غير جائزة ولكني أقول : القراءة بالنصب أولى ،
فنقول : وهذا أيضا ردىء لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها الا عيسى بن عمر على قراءة
الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمر منكر وكلام مردود . والثاني : أن القراءة
بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القراء من قرأ ( واللذين يأتيانها منكم ) بالنصب ،
ولما لم يوجد في القراء أحد قرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول .
﴿ الوجه الثالث﴾ انا إذا قلنا (والسارق والسارقة). مبتدا، وخبره هو الذي
نضمره ، وهو قولنا فيما يتلى عليكم ، فحينئذ قد تمت هذه الجملة بمبتداها وخبرها ، فبأي شيء
تتعلق الفاء في قوله ( فاقطعوا أيديهما ) فان قال : الفاء تتعلق بالفعل الذي دل عليه قوله
( والسارق والسارقة ) يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يديه فنقول : إذا احتجت في آخر الأمر
الى أن تقول : السارق والسارقة تقديره : من سرق ، فاذكر هذا أولا حتى لا تحتاج الى

٢٣٠
قوله تعالى ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)) الآية
سورة المائدة
الاضمار الذي ذكرته . والرابع : انا إذا اخترنا القراءة بالنصب لم يدل ذلك على كون السرقة
علة لوجوب القطع ، وإذا اخترنا القراءة بالرفع أفادت الآية هذا المعنى ، ثم هذا المعنى متأكد
بقوله ( جزاء بما كسبا) فثبت أن القراءة بالرفع أولى . الخامس : أن سيبويه قال : هم
يقدمون الأهم فالأهم ، والذي هم بشأنه أعني ، فالقراءة بالرفع تقتضی تقدیم ذکر کونه سارقا
على ذكر وجوب القطع ، وهذا يقتضى أن يكون أكبر العناية مصروفا الى شرح ما يتعلق بحال
السارق من حيث أنه سارق ، وأما القراءة بالنصب فانها تقتضي أن تكون العناية ببيان القطع
أتم من العناية بكونه سارقا ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فان المقصود في هذه الآية بيان تقبيح
السرقة والمبالغة في الزجر عنها ، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة قطعاً والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ قال كثير من المفسرين الأصوليين : هذه الآية مجملة من وجوه :
أحدها : أن الحكم معلق على السرقة ، ومطلق السرقة غير موجب للقطع ، بل لا بد وأن
تكون هذه السرقة سرقة لمقدار مخصوص من المال ، وذلك القدر غير مذكور في الآية فكانت
مجملة ، وثانيها : أنه تعالى أوجب قطع الأيدي ، وليس فيه بيان أن الواجب قطع الأيدي
الايمان والشمائل ، وبالا جماع لا يجب قطعهما معاً فكانت الآية مجملة ، وثالثها : أن اليد اسم
يتناول الأصابع فقط ، ألا ترى أنه لو حلف لا يمس فلانا بيده فمسه بأصابعه فانه يحنث في
يمينه ، فاليد اسم يقع على الأصابع وحدها ، ويقع على الأصابع مع الكف، ويقع على
الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين ، ويقع على كل ذلك إلى المنكبين ، واذا كان لفظ اليد
محتملا لكل هذه الأقسام ، والتعيين غير مذكور في هذه الآية فكانت مجملة ، ورابعها : أن
قوله ( فاقطعوا ) خطاب مع قوم ، فيحتمل أن يكون هذا التكليف واقعاً على مجموع الأمة ،
وأن يكون واقعاً على طائفة مخصوصة منهم ، وأن يكون واقعاً على شخص معين منهم ، وهو
إمام الزمان كما يذهب اليه الأكثرون ، ولما لم يكن التعيين مذكوراً في الآية كانت الآية مجملة ،
فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية مجملة على الاطلاق ، هذا تقرير هذا المذهب .
وقال قوم من المحققين : الآية ليست مجملة البتة ، وذلك لأنا بينا أن الألف واللام في
قوله ( والسارق والسارقة) قائمان مقام ((الذي)) والفاء في قوله ( فاقطعوا ) للجزاء ، فكان
التقدير : الذي سرق فاقطعوا يده ، ثم تأكد هذا بقوله تعالى ( جزاء بما كسبا ) وذلك الكسب لا
بد وأن يكون المراد به ما تقدم ذكره وهو السرقة ، فصار هذا دليلا على أن مناط الحكم ومتعلقه
هو ماهية السرقة ومقتضاه أن يعم الجزاء فيما حصل هذا الشرط ، اللهم إلا إذا قام دليل منفصل
يقتضي تخصيص هذا العام، وأما قوله ((الأيدي)) عامة فنقول : مقتضاه قطع الأيدي لكنه لما
انعقد الاجماع على أنه لا يجب قطعهما معا ، ولا الابتداء باليد اليسرى أخرجناه عن العموم .

سورة المائدة ٢٣١
قوله تعالى ((والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما)) الآية
وأما قوله : لفظ اليد دائر بين أشياء فنقول : لا نسلم ، بل اليد اسم لهذا العضو الى
المنكب ، ولهذا السبب قال تعالى ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق ) فلولا دخول
العضدين في هذا الأسم والا لما احتيج إلى التقييد بقوله ( الى المرافق ) فظاهر الآية يوجب قطع
اليدين من المنكبين كما هو قول الخوارج ، إلا أنا تركنا ذلك لدليل منفصل .
وأما قوله : رابعا يحتمل أن يكون الخطاب مع كل واحد . وأن يكون مع واحد معين .
قلنا : ظاهره أنه خطاب مع كل أحد ، ترك العمل به فيما صار مخصوصا بدليل منفصل
فيبقى معمولا به في الباقي .
والحاصل أنا نقول : الآية عامة ، فصارت مخصوصة بدلائل منفصلة في بعض الصور
فتبقى حجة فيما عداها ، ومعلوم أن هذا القول أولى من قول من قال : إنها مجملة فلا تفيد
فائدة أصلا .
المسألة الثالثة ﴾ قال جمهور الفقهاء : القطع لا يجب الا عند شرطين : قدر
النصاب ، وأن تكون السرقة من الحرز. وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن البصري :
القدر غير معتبر ، فالقطع واجب في سرقة القليل والكثير ، والحرز أيضا غير معتبر ، وهو قول
داود الاصفهاني ، وقول الخوارج ، وتمسكوا في المسألة بعموم الآية كما قررناه ، فان قوله
( والسارق والسارقة ) يتناول السرقة سواء كانت قليلة أو كثيرة وسواء سرقت من الحرز أو من
غير الحرز .
إذا ثبت هذا فنقول : لوذهبنا الى التخصيص لكان ذلك إما بخبر الواحد ، أو بالقياس
وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز . وحجة جمهور الفقهاء انه لا حاجة بنا
الى القول بالتخصيص ، بل نقول : إن لفظ السرقة لفظة عربية ، ونحن بالضرورة نعلم أن
أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة من حنطة الغير ، أوتبنة واحدة ، أو كسرة صغيرة من خبز :
إنه سرق ماله ، فعلمنا أن أخذ مال الغير كيفما كان لا يسمى سرقة ، وأيضا السرقة مشتقة من
مسارقة عين المالك ، وانما يحتاج الى مسارقة عين المالك لو كان المسروق أمرا يكون متعلق
الرغبة في محل الشح والضنة حتى يرغب السارق في أخذه ويتضايق المسروق منه في دفعه الى
الغير ولهذا الطريق اعتبرنا في وجوب القطع أخذ المال من حرز المثل ؛ لأن ما لا يكون موضوعا
في الحرز لا يحتاج في أخذه إلى مسارقة الأعين فلا يسمى أخذه سرقة . وقال داود : نحن لا
نوجب القطع في سرقة الحبة الواحدة ، ولا في سرقة التبنة الواحدة ، بل في أقل شيء يجري فيه

٢٣٢
قوله تعالى ((والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما)) الآية
سورة المائدة
الشح والضنة ، وذلك لأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة ، فربما استحقر الملك الكبير آلافا
مؤلفة ، وربما استعظم الفقير طسوجا ، ولهذا قال الشافعي رحمه الله : لو قال لفلان على مال
عظيم ، ثم فسر بالحبة يقبل قوله فيه لاحتمال أنه كان عظيما عنده لغاية فقره وشدة احتياجه اليه ،
ولما كانت مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة وجب بناء الحكم على أقل ما يسمى مالا ، وليس
لقائل أن يستبعد ويقول : كيف يجوز قطع اليد في سرقة الطسوجة الواحدة ، لأن الملحدة قد
جعلوا هذا طعنا في الشريعة ، فقالوا : اليد لما كانت قيمتها خمسمائة دينار من الذهب . فكيف
تقطع لأجل القليل من المال ؟ ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه
تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل ، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك
الدناءة بهذه العقوبة العظيمة ، وإذا كان هذا الجواب مقبولا من الكل فليكن أيضا مقبولا منا في
إيجاب القطع في القليل والكثير . قال : ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن ههنا
بخبر الواحد ، وذلك لأن القائلين بتخصيص هذا العموم اختلفوا على وجوه ، فقال الشافعي
رحمه الله: يجب القطع في ربع دينار ، وروى فيه قوله عليه الصلاة والسلام (( لاقطع إلا في ربع
دينار)) وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجوز القطع إلا في عشرة دراهم مضروبة وروى فيه قوله
عليه الصلاة والسلام (( لاقطع إلا في ثمن المجن)) والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من
عشرة دراهم . وقال مالك وأحمد وإسحق : إنه مقدر بثلاثة دراهم أو ربع دينار . وقال ابن
أبي ليلى : مقدر بخمسة دراهم ، وكل واحد من هؤلاء المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه
الآخر ، وعلى هذا التقدير فهذه المخصصات صارت متعارضة ، فوجب أن لا يلتفت إلى شيء
منها ، ويرجع في معرفة حكم الله تعالى إلى ظاهر القرآن . قال : وليس لأحد أن يقول :
إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أنه لا يجب القطع إلا في مقدار معين . قال : لأن
الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة ، وكان يقول : احذر من قطع يدك بدرهم ،
ولو كان الاجماع منعقداً لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من زمان الصحابة وشدة احتياطه
فيما يتعلق بالدين ، فهذا تقرير مذهب الحسن البصري وداود الأصفهاني .
وأما الفقهاء فانهم اتفقوا على أنه لا بد في وجوب القطع من القدر ، ثم قال الشافعي
رحمه الله : القطع في ربع دينار فصاعدا وهو نصاب السرقة ، وسائر الاشياء تقوم به . وقال أبو
حنيفة والثوري : لا يجب القطع في أقل من عشرة دراهم مضروبة ، ويقوم غيرها بها . وقال
مالك رحمه الله : ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال ابن أبي ليلى : خمسة دراهم .
حجة الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) يوجب
القطع في القليل والكثير ، إلا أن الفقهاء توافقوا فيما بينهم على أنه لا يجب القطع فيما دون ربع

قوله تعالى ((والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما)) الآية سورة المائدة ٢٣٣
دينار ، فوجب أن يبقى في ربع دينار فصاعدا على ظاهر النص ؛ ثم أكد هذا بما روى أنه عليه
الصلاة والسلام قال (( لاقطع الا في ربع دينار))
وأما الذي تمسك به أبو حنيفة رحمه الله من قوله عليه الصلاة والسلام ((لاقطع الا في
ثمن المجن)) فهو ضعيف لوجهين : الأول : أن ثمن المجن مجهول ، فتخصيص عموم القرآن
بخبر واحد مجمل مجهول المعنى لا يجوز . الثاني : أنه ان كان ثمن المجن مقدرا بعشرة دراهم
كان التخصيص الحاصل بسببه في عموم قوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) أكثر
من التخصيص الحاصل في عموم هذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام ((لا قطع الا في ربع
دينار)) فكان الترجيح لهذا الجانب .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال الشافعي رحمه الله: الرجل إذا سرق أولا قطعت يده اليمنى،
وفي الثانية رجله اليسرى ، وفي الثالثة يده اليسرى ، وفي الرابعة رجله اليمنى ، وقال أبو حنيفة
والثوري : لا يقطع في المرة الثالثة والرابعة .
واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجهين : الأول : ان السرقة علة لوجوب
القطع ، وقد وجدت في المرة الثالثة ، فوجب القطع في المرة الثالثة أيضا ، انما قلنا : ان السرقة
علة لوجوب القطع لقوله ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) وقد بينا ان المعنى : الذي سرق
فاقطعوا يده ، وأيضا الفاء في قوله ( فاقطعوا أيديهما ) يدل على أن القطع وجب جز
اء على تلك السرقة ، فالسرقة علة لوجوب القطع ، ولا شك أن السرقة حصلت في المرة الثالثة ،
فما هو الموجب للقطع حاصل في المرة الثالثة ، فلا بد وأن يترتب عليه موجبه ، ولا يجوز أن
يكون موجبه هو القطع في المرة الأولى لأن الحكم لا يسبق العلة ، وذلك لأن القطع وجب
بالسرقة الأولى ، فلم يبق إلا أن تكون السرقة في المرة الثالثة توجب قطعاً آخر وهو المطلوب ،
والثاني : أنه تعالى قال ( فاقطعوا أيديهما ) ولفظ الأيدي. لفظ جمع ، وأقله ثلاثة ، والظاهر
يقتضي وجوب قطع ثلاثة من الأيدي في السارق والسارقة ، ترك العمل به ابتداء فيبقى معمولا
به عند السرقة الثالثة .
فان قالوا : إن ابن مسعود قرأ فاقطعوا أيمانهما ، فكان هذا الحكم مختصاً باليمين لا في
مطلق الأيدي ، والقراءة الشاذة جارية مجرى خبر الواحد .
قلنا : القراءة الشاذة لا تبطل القراءة المتواترة ، فنحن نتمسك بالقراءة المتواترة في إثبات
مذهبنا وأيضا القراءة الشاذة ليست بحجة عندنا ، لأنا نقطع أنها ليست قرآنا ، إذ لو كانت
قرآناً لكانت متواترة ، فانا لو جوزنا أن لا ينقل شيء من القرآن الينا على سبيل التواتر انفتح

٢٣٤
قوله تعالى (( والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما)) الآية
سورة المائدة
باب طعن الروافض والملاحدة في القرآن ، ولعله كان في القرآن آيات دالة على إمامة علي بن
أبي طالب رضي الله عنه نصاً ، وما نقلت الينا ، ولعله كان فيه آيات دالة على نسخ أكثر هذه
الشرائع وما نقلت الينا ولما كان ذلك باطلا بأنه لو كان قرآنا لكان متواترا ، فلما لم يكن متواترا
قطعنا أنه ليس بقرآن ، فثبت أن القراءة الشاذة ليست بحجة ألبتة .
المسألة الخامسة﴾ قال الشافعي رحمه الله: أغرم السارق ما سرق. وقال أبو حنيفة
والثوري وأحمد وإسحق : لا يجمع بين القطع والغرم ، فان غرم فلا قطع ، وإن قطع فلا
غرم . وقال مالك رحمه الله: يقطع بكل حال ، وأما الغرم فيلزمه إن كان غنياً ، ولا يلزمه إن
كان فقيرا .
حجة الشافعي رحمه الله أن الآية دلت على أن السرقة توجب القطع ، وقوله عليه الصلاة
والسلام ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) يوجب الضمان ، وقد اجتمع الأمران في هذه السرقة
فوجب أن يجب القطع والضمان ، فلو ادعى مدع أن الجمع ممتنع كان ذلك معارضة ، وعليه
الدليل ، على أنا نقول : إن حد الله لا يمنع حق العباد ، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في
الصيد المملوك ، وبدليل أنه لو كان المسروق باقياً وجب رده بالاجماع ، ويدل عليه أيضا أن
المسروق كان باقياً على ملك المالك الى وقت قطع يد السارق بالاتفاق ، فعند حصول القطع إما
أن يحصل الملك فيه مقتصراً على وقت القطع ، أو مسنداً إلى أول زمان السرقة ، والأول لا
يقول به الخصم ، والثاني يقتضي أن يقال : إنه حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان
الذي كان سابقاً على ذلك الوقت ، وهذا يقتضى وقوع الفعل في الزمان الماضي ، وهذا محال .
حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى حكم بكون هذا القطع جزاء ، والجزاء هو الكافي ،
فدل ذلك على أن هذا القطع كاف في جناية السرقة ، وإذا كان كافيا وجب أن لا يضم الغرم
اليه .
والجواب : لو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزم رد المسروق عند كونه قائما ، والله
أعلم بالصواب .
· المسألة السادسة ﴾ قال الشافعي رحمه الله : السيد يملك اقامة الحد على المماليك .
وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يملك .
حجة الشافعي أن قوله ( فاقطعوا أيديهما ) عام في حق الكل ، لأن هذا الخطاب ليس
فيه ما يدل على كونه مخصوصا بالبعض دون البعض ، ولما عم الكل دخل فيه المولى أيضا ، ترك

سورة المائدة ٢٣٥
قوله تعالى ((فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح )) الآية
العمل به في حق غير الامام والمولى ، فوجب أن يبقى معمولا به في حق الامام والمولى .
المسألة السابعة﴾ احتج المتكلمون بهذه الآية في أنه يجب على الأمة أن ينصبوا
لأنفسهم إماما معينا ، والدليل عليه أنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة ،
فلا بد من شخص يكون مخاطبا بهذا الخطاب ، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة
الحدود على الجناة ، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للامام ، فلما
كان هذا التكليف تكليفا جازما ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا التكليف إلا عند وجود الامام ،
وما لا يتأتى الواجب الا به ، وكان مقدورا للمكلف، فهو واجب ، فلزم القطع بوجوب نصب
الامام حينئذ .
المسألة الثامنة ﴾ قالت المعتزلة: قوله ( نكالا من الله ) يدل على أنه انما أقيم عليه
هذا الحد على سبيل الاستخفاف والاهانة ، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بكونه مستحقا
للاستخفاف والذم والاهانة ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع أن يقال : إنه بقي مستحقا للمدح
والتعظيم ، لأنهما ضدان والجمع بينهما محال ، وذلك يدل على أن عقاب الكبير يحبط ثواب
الطاعات .
واعلم أنا قد ذكرنا الدلائل الكثيرة في بطلان القول بالاحباط في سورة البقرة في تفسير
قوله تعالى ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) فلا نعيدها ههنا .
ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعا على سبيل التنكيل مشروط
بعدم التوبة ، فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله تعالى لزم القطع بأن اقامة الحد لا
تكون أيضا على سبيل التنكيل ، بل تكون على سبيل الامتحان ، لكنا ذكرنا الدلائل
الكثيرة على العفو .
﴿ المسألة التاسعة ﴾ قالت المعتزلة، قوله (جزاء بما كسبا نكالا من الله) يدل على تعليل
أحكام الله، فان الباء في قوله ( بما كسبا) صريح في أن القطع إنما وجب معللا بالسرقة . .
وجوابه ما ذكرناه في هذه السورة في قوله ( من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من
قتل نفسا بغير نفس ) .
﴿ المسألة العاشرة﴾ قوله (جزاء بما كسبا) قال الزجاج : جزاء نصب لأنه مفعول له ،
والتقدير فاقطعوهم لجزاء فعلهم ، وكذلك ( نكالا من الله ) فان شئت كانا منصوبين على
المصدر الذي دل عليه ( فاقطعوا ) والتقدير : جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من
الله .

٢٣٦
قوله تعالى ((ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض)) الآية سورة المائدة
أما قوله ( والله عزيز حكيم ) فالمعنى : عزيز في انتقامه ، حكيم في شرائعه وتكاليفه .
قال الأصمعي كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي ، فقرأت هذه الآية فقلت ( والله غفور
رحيم ) سهواً ، فقال الأعرابي : كلام من هذا؟ فقلت كلام الله. قال أعد ، فأعدت : والله
غفور رحيم ، ثم تنبهت فقلت : والله عزيز حكيم ، فقال : الآن أصبت ، فقلت كيف
عرفت ؟ قال : يا هذا عزيز حكيم فأمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع .
ثم قال تعالى ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فان الله يتوب عليه ان الله غفور
رحيم ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ دلت الآية على أن من تاب فان الله يقبل توبته ، فان قيل: قوله
( وأصلح ) يدل على أن مجرد التوبة غير مقبول .
قلنا : المراد من قوله ( وأصلح ) أي يتوب بنية صالحة صادقة وعزيمة صحيحة خالية عن
سائر الأغراض .
المسألة الثانية ﴾ إذا تاب قبل القطع تاب الله عليه ، وهل يسقط عنه الحد ؟ قال بعض
العلماء التابعين : يسقط عنه الحد ، لأن ذكر الغفور الرحيم في آخر هذه الآية يدل على سقوط
العقوبة عنه ، والعقوبة المذكورة في هذه الآية هي الحد ، فظاهر الآية يقتضي سقوطها . وقال
الجمهور : لا يسقط عنه هذا الحد ، بل يقام عليه على سبيل الامتحان .
﴿ المسألة الثالثة) دلت الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى لأنه تعالى
تمدح بقبول التوبة ، والتمدح إنما يكون بفعل التفضل والاحسان ، لا بأداء الواجبات .
ثم قال تعالى ﴿ ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن
يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما أوجب قطع اليد وعقاب الآخرة على السارق قبل التوبة ، ثم ذكر أنه
يقبل توبته إن تاب أردفه ببيان أن له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فيعذب من يشاء ويغفر
لمن يشاء ، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه في مقابلة تقدم السرقة على التوبة . قال الواحد :
الآية واضحة للقدرية في التعديل والتجويز ، وقولهم بوجوب الرحمة للمطيع ، ووجوب
العذاب للعاصي على الله ، وذلك لأن الآية دالة على ان الرحمة مفوضة الى المشيئة والوجوب ينافي
ذلك .
وأقول : فيه وجه آخر يبطل قولهم : وذلك لأنه تعالى ذكر أولا قوله ( ألم تعلم أن الله

٢٣٧
سورة المائدة
قوله تعالى (( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين)» الآية
◌َيُّهَا الَّسُولُ لَا يَخْزُكَ الَّذِينَ يُسَْرِعُونَ فِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْءَ امَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَّ
تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَّعُونَ لِقَوْمِءَ انَحِينَ لَمْ يَأْتُوكَ
يُحْرِفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِ يَقُولُونَ إِنْ أَوْتِثُمْ هَذَا ◌َعُوهُ وَإِن ◌َرْ تُؤْتَوُ فَاحْذَرُواْ
وَمَنْ يُدِ اللهُ فِتْنَهُ، فَلَنْ تَهْلِكَ لَهُ مِنَ الَِّشَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُأَن يُطَهِّرَ
قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِ الدُّنْيَانِىٌ وَلَهُمْ فِ اْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (® ◌َُّعُونَ لِلْكَذِبِ
أَُّلُونَ لِلْسُّحْتِ فَإِن جَاءُ وَكَ فَاحْكُمْبَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنَ
يَضُرُوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّه ◌ُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
كَيْفَ يُحَكُونَكَ وَعِندَهُمَ التَّوْرَنُ فِيهَا حُكُ اللهِثُمَّيَتَوَلَوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ
٤٢
بِالْمُؤْمِنِينَ
له ملك السموات والأرض ) ثم رتب عليه قوله ( يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء) وهذا يدل
على أنه إنما حسن منه التعذيب تارة ، والمغفرة أخرى ، لأنه مالك الخلق وربهم وإلههم ،
وهذا هو مذهب أصحابنا فانهم يقولون : إنه تعالى يحسن منه كل ما يشاء ويريد لأجل كونه
مالكا لجميع المحدثات ، والمالك له أن يتصرف في ملكه كيف شاء وأراد : أما المعتزلة فانهم
يقولون : حسن هذه الأفعال من الله تعالى ليس لأجل كونه إلها للخلق ومالكا لهم ، بل لأجل
رعاية المصالح والمفاسد ، وذلك يبطله صريح هذه الآية كما قررناه .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا
بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم
اعلم أنه تعالى لما بين بعض التكاليف والشرائع ، وكان قد علم من بعض الناس كونهم
متسارعين إلى الكفر لاجرم صبر رسوله على تحمل ذلك ، وأمره بأن لا يحزن لأجل ذلك ، فقال
( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) وفي الآية مسائل :

٢٣٨
قوله تعالى ((يحرفون الكلم من بعد مواضعه)) الآية
سورة المائدة
١
المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى خاطب محمد الله بقوله: يا أيها النبي في مواضع
كثيرة ، وما خاطبه بقوله : يا أيها الرسول إلا في موضعين : أحدهما : ههنا ، والثاني : قوله
( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) وهذا الخطاب لا شك انه خطاب تشريف
وتعظيم .
﴿ المسألة الثانية) قرىء (لا يحزنك) بضم الياء، ويسرعون، والمعنى لا تهتم ولا
تبال بمسارعة المنافقين في الكفر وذلك بسبب احتیاهم في استخراج وجوه الکید والمکر في حق
المسلمين وفي مبالغتهم في موالاة المشركين فاني ناصرك عليهم وكافيك شرهم . يقال : أسرع فيه
الشيب وأسرع فيه الفساد بمعنى وقع فيه سريعا ، فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم
أنفسهم فيه على أسرع الوجوه متى وجدوا فيه فرصة ، وقوله ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم
تؤمن قلوبهم ) فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : من الذين قالوا بأفواههم آمنا ولم تؤمن قلوبهم
ولا شك أن هؤلاء هم المنافقون .
ثم قال تعالى ﴿ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾.
وفي مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ ذكر الفراء والزجاج ههنا وجهين : الأول: أن الكلام إنما يتم عند
قوله ( ومن الذين هادوا) ثم يبتدأ الكلام من قوله ( سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين )
وتقدير الكلام : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود ، بعد ثم ذلك،
وصف الكل بكونهم سماعين لقوم آخرين .
الوجه الثاني ﴾ أن الكلام تم عند قوله ( ولم تؤمن قلوبہم ) ثم ابتدأ من قوله ( ومن
الذين هادوا سماعون للكذب ) وعلى هذا التقدير فقوله ( سماعون ) صفة محذوف ، والتقدير :
ومن الذين هادوا قوم سماعون : وقيل : خبر مبتدأ محذوف ، يعني هم سماعون .
المسألة الثانية﴾ ذكر الزجاج في قوله (سماعون للكذب) وجهين: الأول : أن معناه
قابلون للكذب ، والسمع يستعمل ويراد منه القبول ، كما يقال : لا تسمع من فلان أي لا
تقبل منه ، ومنه (( سمع الله لمن حمده)) وذلك الكذب الذي يقبلونه هو ما يقوله رؤساؤهم من
الأكاذيب في دين الله تعالى في تحريف التوراة، وفي الطعن في محمد تَئية .
﴿والوجه الثاني﴾ أن المراد من قوله (سماعون للكذب ) نفس السماع، واللام في
قوله ( للكذب ) لام كي ، أي يسمعون منك لكي يكذبوا عليك . وأما قوله ( سماعون لقوم

سورة المائدة ٢٣٩
قوله تعالى ((ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله)) الآية
آخرين لم يأتوك ) فالمعنى أنهم أعين وجواسيس لقوم آخرين لم يأتوك ولم يحضروا عندك
لينقلوا إليهم أخبارك . فعلى هذا التقدير قوله ( سماعون للكذب ) أي سماعون إلى رسول الله
وَي- لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمزجوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير،
سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود ، وهم عيون ليبلغوهم ما سمعوا منه .
ثم إنه تعالى وصف هؤلاء اليهود بصفة أخرى فقال ﴿ يحرفون الكلم من بعد مواضعه ﴾
أي من بعد أن وضعه الله مواضعه ، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرم حرامه . قال
المفسرون : إن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبرزنيا ، وكان حد الزنا في التوراة الرجم ،
فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فأرسلوا قوما إلى رسول الله وَله ليسألوه عن حكمه في الزانيين
اذا أحصنا ، وقالوا : إن أمركم بالجلد فاقبوا ، وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا ، فلما
سألوا الرسول و ◌َ﴿ عن ذلك نزل جبريل بالرجم فابوا أن يأخذوا به ، فقال له جبريل عليه
السلام: اجعل بينك وبينهم ((ابن صوريا)) فقال الرسول : هل تعرفون شابا أمرد أبيض
أعور يسكن فدك يقال له : ابن صوريا؟ قالوا نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ،
فرضوا به حكما ، فقال له الرسول مَله: أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى
ورفع فوقکم الطور وانجاکم وأغرق آل فرعون والذي أنزل علیکم کتابه وحلاله وحرامه هل
تجدون فيه الرجم على من أحصن ؟ قال ابن صوريا : نعم ، فوثبت عليه سفلة اليهود ،
فقال : خفت ان كذبته أن ينزل علينا العذاب ، ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من
علاماته ، فقال ابن صوريا : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي
الذي بشر به المرسلون ، ثم أمر رسول الله وَّة بالزانيين فرجما عند باب مسجده.
إذا عرفت القصة فنقول : قوله ( يحرفون الكلم من بعد مواضعه ) أي وضعوا الجلد
مكان الرجم .
وقوله تعالى ﴿ يقولون ان أوتيتم هذا فخذوه وان لم تؤتوه فاحذروا ﴾ أي ان أمركم
محمد بالجلد فاقبلوا ، وان أمركم بالرجم فلا تقبلوا .
واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن الثيب الذمي يرجم . قال : لأنه صح عن
رسول الله لل أنه أمر برجمه ، فان كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول فقد ثبت
المقصود ، وان كان إنما أمر بذلك بناء على ما ثبت في شريعة موسى عليه السلام وجب أن يكون
ذلك مشروعا في ديننا، ويدل عليه وجهان: الأول: أن رسول الله ◌َ ليل لما أفتى على وفق شريعة
التوراة في هذه المسألة كان الاقتداء به في ذلك واجبا ، لقوله ( فاتبعوه ) والثاني : ان ما كان

٢٤٠
قوله تعالى ((أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم)) الآية سورة المائدة
ثابتا في شرع موسى عليه السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل
على نسخ هذا الحكم ، فوجب أن يكون باقيا ، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله تعالى
( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) حكمه باق في شرعنا .
ولما شرح الله تعالى فضائح هؤلاء اليهود قال ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله
شيئا ﴾
واعلم أن لفظ الفتنة محتمل لجميع أنواع المفاسد ، إلا أنه لما كان هذا اللفظ مذكورا
عقيب أنواع كفرهم التي شرحها الله تعالى وجب أن يكون المراد من هذه الفتنة تلك الكفريات
التي تقدم ذكرها ، وعلى هذا التقدير فالمراد : ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على
دفع ذلك عنه .
ثم أكد تعالى هذا فقال ﴿ اولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم }
قال أصحابنا : دلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر ، وأنه لم يطهر
قلبه من الشك والشرك ، ولو فعل ذلك لآمن ، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية . أما
المعتزلة فانهم ذكروا في تفسير الفتنة وجوها : أحدها : أن الفتنة هي العذاب ، قال تعالى
( على النار يفتنون ) أي يعذبون ، فالمراد ههنا : أنه يريد عذابه لكفره ونفاقه ، وثانيها :
الفتنة الفضيحة ، يعني ومن يرد الله فضيحته . الثالث : فتنته : إضلاله ، والمراد من
الاضلال ؟ الحكم بضلاله وتسميته ضالا ، ورابعها : الفتنة الاختبار ، يعني من يرد الله
اختباره فيما يبتليه من التكاليف ، ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها فلن تملك له من الله ثوابا ولا
نفعا .
وأما قوله ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ فذكروا فيه وجوها: أحدها :
لم يرد الله أن يمد قلوبهم بالالطاف، لأنه تعالى علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع
في قلوبهم ، وثانيها : لم يرد الله أن يطهر قلوبهم عن الحرج والغم والوحشة الدالة على
كفرهم ، وثالثها : أن هذا استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى ، وأنه غير ملتفت إليه
بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله ، والكلام عن هذه الوجوه قد تقدم مرارا .
ثم قال تعالى ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ وخزي المنافقين هتك سترهم باطلاع الرسول ليلة
على كذبهم وخوفهم من القتل ، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى
في إيجاب الرجم وأخذ الجزية منهم .