النص المفهرس
صفحات 181-200
قوله تعالى ((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج)) الآية سورة المائدة ١٨١ المراد من الطيبات المستلذات والأشياء التي ينتفع بها ، وإذا ثبت هذان الأصلان فعند هذا قال نفاة القياس : لا حاجة البتة أصلا الى القياس في الشرع ؛ لأن كل حادثة تقع فحكمها المفصل إن كان مذكورا في الكتاب والسنة فذاك هو المراد وإن لم يكن كذلك ، فان كان من باب المضار حرمناه بالدلائل الدالة على أن الأصل في المضار الحرمة ، وان كان من باب المنافع أبحناه بالدلائل الدالة على إباحة المنافع ، وليس لأحد أن يقدح في هذين الأصلين بشيء من الأقيسة لأن القياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياسا واقعا في مقابلة النص ، وانه مردود ، فكان باطلا . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قوله (ولكن يريد ليطهركم) اختلفوا في تفسير هذا التطهير، فقال جمهور أهل النظر من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : إن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية ، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية ، وهذا الكلام عندنا بعيد جداً ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى ( إنما المشركون نجس ) وكلمة ((إنما)) للحصر، وهذا يدل على أن المؤمن لا تنجس اعضاؤه البتة . الثاني: قوله عليه السلام ((المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا )) فهذا الحديث مع تلك الآية كالنص الدال على بطلان ما قالوه . الثالث : أجمعت الأمة على أن بدن المحدث لو كان رطباً فأصابه ثوب لم يتنجس ، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته ، وذلك يدل على أنه لا نجاسة في أعضاء المحدث . الرابع : أن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء الأربعة ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل الأعضاء لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك . الخامس : أن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر ! السادس : أن قوله ( ولکن یرید ليطهركم ) مذكور عقيب التيمم ، ومن المعلوم بالضرورة أن التيمم زيادة في التقذير وإزالة الوضاءة والنظافة ، وأنه لا يزيل شيئاً من النجاسات أصلا ، السابع : أن المسح على الخفين قائم مقام غسل الرجلين ، ومعلوم أن هذا المسح لا يزيل شيئاً البتة عن الرجلين ، الثامن : أن الذين يراد زواله إن كان من جملة الاجسام فالحس يشهد ببطلان ذلك ، وان كان من جملة الاعراض فهو محال ، لأن انتقال الأعراض محال ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي يقوله هؤلاء الفقهاء بعيد . الوجه الثاني ﴾ في تفسير هذا التطهير أن يكون المراد منه طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى ، وذلك لأن الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح ، فان النجاسة انما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وازالته وتبعيده ، والكفر والمعاصي كذلك ، فكانت نجاسات روحانية ، وكما أن ازالة النجاسات الجسمانية تسمى طهارة فكذلك ازالة هذه العقائد الفاسدة ١٨٢ قوله تعالى ((اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه)) الآية سورة المائدة وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِثَقَهُ الَّذِىِ وَانَفَكُم بِهِةٍ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَتَّقُواْ اللهُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . والاخلاق الباطلة تسمى طهارة ، ولهذا التأويل قال الله تعالى ( انما المشركون نجس ) فجعل رأيهم نجاسة ، وقال ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم . وقال في حق عيسى عليه السلام ( اني متوفيك ورافعك الى ومطهرك من الذين كفروا) فجعل خلاصه عن طعنهم وعن تصرفهم فيه تطهيرا له . وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء الى هذه الاعضاء المخصوصة وكانت هذه الاعضاء طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة ، فلما انقاذ لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض اظهار العبودية والانقياد للربوبية ، فكان هذا الانقياد قد ازال عن قلبه آثار التمرد فكان ذلك طهارة ، فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة ، وتأكد هذا بالأخبار الكثيرة الواردة في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه ، وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه . واعلم أن هذه القاعدة التي قررناها أصل معتبر في مذهب الشافعي رحمه الله ، وعليه يخرج كثير من المسائل الخلافية في أبواب الطهارة والله أعلم . أما قوله ﴿ وليتم نعمته عليكم ﴾ ففيه وجهان : الأول: أن الكلام متعلق بما ذكر من أول السورة الى هنا ، وذلك لأنه تعالى أنعم في أول السورة باباحة الطيبات من المطاعم والمناكح ، ثم إنه تعالى ذكر بعده كيفية فرض الوضوء فكأنه قال : انما ذكرت ذلك لتتم النعمة المذكورة أولا وهي نعمة الدنيا ، والنعمة المذكورة ثانيا وهي نعمة الدين . الثاني : أن المراد : وليتم نعمته عليكم أي بالترخص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض ، فاستدلوا بذلك على أنه تغالى يخفف عنكم يوم القيامة بأن يعفو عن ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم . ثم قال تعالى ﴿ لعلكم تشكرون﴾ والكلام في ((لعل)) مذكور في أول سورة البقرة في قوله تعالى ( لعلكم تتقون ) والله أعلم . قوله تعالى ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله ان الله عليم بذات الصدور ﴾ . ١ ١٨٣ قوله تعالى ((واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه)) الآية . سورة المائدة اعلم أنه تعالى لما ذكر هذا التكليف أردفه بما يوجب عليهم القبول والانقياد ، وذلك من وجهين : الأول : كثرة نعمة الله عليهم ، وهو المراد من قوله ( واذكروا نعمة الله عليكم ) ومعلوم أن كثرة النعم توجب على المنعم عليه الاشتغال بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ إنما قال (واذكروا نعمة الله عليكم ) ولم يقل نعم الله عليكم ، لأنه ليس المقصود منه التأمل في اعداد نعم الله ، بل المقصود منه التأمل في جنس نعم الله لأن هذا الجنس جنس لا يقدر غير الله عليه ، فمن الذي يقدر على إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والايصال إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة ، فجنس نعمة الله جنس لا يقدر عليه غير الله ، فقوله تعالى (واذكروا نعمت الله ) المراد التأمل في هذا النوع من حيث انه ممتاز عن نعمة غيره ، وذلك الامتياز هو أنه لا يقدر عليه غيره ، ومعلوم أن النعمة متى كانت على هذا الوجه كان وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل . المسألة الثانية ﴾ قوله ( واذكروا نعمت الله) مشعر بسبق النسيان ، فكيف يعقل نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات ، إلا أن الجواب عنه أنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد ، فصارت غلبة طهورها وكثرتها سببا لوقوعها في محل النسيان ، ولهذا المعنى قال المحققون : انه تعالى إنما كان باطنا لكونه ظاهرا ، وهو المراد من قولهم : سبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره ، واختفى عنها بكمال نوره . ﴿ السبب الثاني ﴾ من الأسباب التي توجب عليهم كونهم منقادين لتكاليف الله تعالى هو الميثاق الذي واثقهم به ، والمواثقة المعاهدة التي قد أحكمت بالعقد على نفسه ، وهذه الآية مشابهة لقوله في أول السورة ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) وللمفسرين في تفسير هذا الميثاق وجوه الأول: أن المراد هو المواثيق التي جرت بين رسول الله يَّر وبينهم في أن يكونوا على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه ، مثل مبايعته مع الانصار في أول الأمر ومبايعته عامة المؤمنين تحت الشجرة وغيرهما ، ثم إنه تعالى أضاف الميثاق الصادر عن الرسول الى نفسه كما قال ( ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله) وقال ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ثم إنه تعالى أكد ذلك بأن ذكرهم أنهم التزموا ذلك وقبلوا تلك التكاليف وقالوا سمعنا وأطعنا ، ثم حذرهم من نقض تلك العهود والمواثيق فقال ( واتقوا الله ان الله عليم بذات الصدور ) يعني لا تنقضوا تلك العهود ولا تعزموا بقلوبكم على نقضها ، فانه ان خطر ذلك ببالكم فالله يعلم بذلك وكفى به مجازيا . والثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني اسرائيل حين قالوا آمنا بالتوراة وبكل ما فيها ، فلما كان من جملة ١٨٤ قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط) الآية سورة المائدة يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَتَعَانُ قَوْمٍ عَلَّ أَلَّا تَعْدِلُواْ ما في التوراة البشارة بمقدم محمد يلزمهم الاقرار بمحمد عليه الصلاة والسلام ، والثالث : قال مجاهد والكلبي ومقاتل : هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى منهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم . فان قيل : على هذا القول ان بني آدم لا يذكرون هذا العهد والميثاق فكيف يؤمرون بحفظه ؟ قلنا : لما أخبر الله تعالى بأنه كان ذلك حاصلاً حصل القطع بحصوله ، وحينئذ يحسن أن يأمرهم بالوفاء بذلك العهد. الرابع : قال السدى: المراد بالميثاق الدلائل العقلية والشرعية التي نصبها الله تعالى على التوحيد والشرائع ، وهو اختيار أكثر المتكلمين . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ﴾ هذا أيضاً متصل بما قبله ، والمراد حثهم على الإنقياد لتكاليف الله تعالى . واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلا أنها محصورة في نوعين : التعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله ، فقوله ( كونوا قوامين لله ) إشارة الى النوع الأول وهو التعظيم لأمر الله ، ومعنى القيام لله هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية ، وقوله ( شهداء بالقسط) إشارة الى الشفقة على خلق الله وفيه قولان : الأول : قال عطاء : يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودّك وقرابتك ، ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك . الثاني : قال الزجاج : المعنى تبينون عن دين الله ، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه . ثم قال تعالى ﴿ ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا ، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم ، وفي الآية قولان : الأول : انها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم وتجاوزوا الحد فيهم ، بل اعدلوا فيهم وإن أساؤا عليكم ، وأحسنوا اليهم وإن بالغوا في ايحاشكم ، فهذا خطاب عام ، ومعناه ١٨٥ سورة المائدة قوله تعالى ((وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) الآية أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلَّغْوَى وَآَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (ێ﴾ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَِّحَتِ لَهُ مَّغْفِرَةٌ وَأَبْرٍّ عَظِيمٌ (3) وَعَدَ اللهُ: أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلا على سبيل العدل والإنصاف، وترك الميل والظلم والإِعتساف ، والثاني : أنها مختصة بالكفار فانها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام . فان قيل : فعلى هذا القول كيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا بقتلهم وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم ؟ قلنا : يمكن ظلمهم أيضاً من وجوه كثيرة : منها انهم إذا أظهروا الإِسلام لا يقبلونه منهم ، ومنها قتل أولادهم الأطفال لاغتمام الآباء ، ومنها إيقاع المثلة بهم ، ومنها نقض عهودهم ، والقول الأول أولى . ثم قال تعالى ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ فنهاهم أولاً عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً ، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله ( هو أقرب للتقوى) ونظيره قوله (وأن تعفوا أقرب للتقوى) أي هو أقرب للتقوى، وفيه وجهان الأول : هو أقرب إلى الإتقاء من معاصي الله تعالى، والثاني هو أقرب إلى الإتقاء من عذاب الله وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه . ثم ذكر الكلام الذي يكون وعداً مع المطيعين ووعيداً للمذنبين وهو قوله تعالى ﴿واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ يعني أنه عالم بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم . ثم ذكر وعد المؤمنين فقال تعالى ﴿ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر. عظيم﴾ فالمغفرة إسقاط السيئات كما قال (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) والأجر العظيم إيصال الثواب ، وقوله ( لهم مغفرة وأجر عظيم ) فيه وجوه : الأول : أنه قال أولا ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فكأنه قيل : وأي شيء وعدهم ؟ فقال ( لهم مغفرة وأجر عظيم ) الثاني : التقدير كأنه قال : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال : لهم مغفرة وأجر عظيم ، والثالث أجرى قوله ( وعد ) مجرى قال ، والتقدير : قال الله في الذين آمنوا ١٨٦ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم)) الآية سورة المائدة وَالَِّينَ كَفَرُواْ وَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا أَوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِلَ ◌ّهِ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْ كُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَيْكُمْ إِذْهَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْ وَتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم، والرابع: أن يكون ((وعد)) واقعاً على جملة (لهم مغفرة وأجر عظيم ) أي وعدهم بهذا المجموع . فان قيل : لم أخبر عن هذا الوعد مع أنه لو أخبر بالموعود به كان ذلك أقوى ؟ قلنا : بل الإخبار عن كون هذا الوعد وعد الله أقوى ، وذلك لأنه أضاف هذا الوعد إلى اللّه تعالى فقال ( وعد الله) والإِله هو الذي يكون قادراً على جميع المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات ، وهذا يمتنع الخلف في وعده ، لأن دخول الخلف إنما يكون أما للجهل حيث ينسى وعده ، وإما للعجز حيث لا يقدر على الوفاء بوعده ، وإما للبخل حيث يمنعه البخل عن الوفاء بالوعد ، وإما للحاجة ، فإِذا كان الإِله هو الذي يكون منزهاً عن كل هذه الوجوه كان دخول الخلف في وعده محالاً ، فكان الاخبار عن هذا الوعد أوكد وأقوى من نفس الإخبار عن الموعود به ، وأيضاً فلأن هذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فتسهل بسببه تلك الشدائد ، وبعد الموت يسهل عليه بسببه البقاء في ظلمة القبر وفي عرصة القيامة عند مشاهدة تلك الأهوال . ثم ذكر بعد ذلك وعيد الكفار فقال ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ﴾ هذه الآية نص قاطع في أن الخلود ليس إلا للكفار ، لأن قوله ( أولئك أصحاب الجحيم ) يفيد الحصر، والمصاحبة تقتضى الملازمة كما يقال : أصحاب الصحراء ، أي الملازمون لها . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ في سبب نزول هذه الآية وجهان: الأول: أن المشركين في أول الأمر كانوا غالبين ، والمسلمين كانوا مقهورين مغلوبين ، ولقد كان المشركون أبداً يريدون قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم)) الآية سورة المائدة ١٨٧ إيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين ، والله تعالى كان يمنعهم عن مطلوبهم إلى أن قوي الإِسلام وعظمت شوكة المسلمين فقال تعالى ( اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم) وهو المشركون (أن يبسطوا اليكم أيديهم) بالقتل والنهب والنفي فكف اللّه تعالى بلطفه ورحمته أيدي الكفار عنكم أيها المسلمون ، ومثل هذا الانعام العظيم يوجب عليكم أن تتقوا معاصيه ومخالفته . ثم قال تعالى ﴿ واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ أي كونوا مواظبين على طاعة الله تعالى ، ولا تخافوا أحداً في إقامة طاعات اللّه تعالى . ﴿ الوجه الثاني ﴾ أن هذه الآية نزلت في واقعة خاصة ثم فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس والكلبي ومقاتل : كان النبي ◌َّ بعث سرية إلى بني عامر فقتلوا ببئر معونة إلا ثلاثة نفر : أحدهم عمرو بن أمية الضمري، وانصرف هو وآخر معه إلى النبي ◌ّ ليخبراه خبر القوم، فلقيا رجلين من بني سليم معهما أمان من النبي ◌ّ فقتلاهما ولم يعلما أن معهما أماناً ، فجاء قومهما يطلبون الدية ، فخرج النبي _ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي حتى دخلوا على بني النضير، وقد كانوا عاهدوا النبي ◌ّ على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات . فقال النبي وتحدث: رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني فلزمني ديتهما ، فأريد أن تعينوني ، فقالوا اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما تريد ، ثم همّوا بالفتك برسول الله وبأصحابه ، فنزل جبريل وأخبره بذلك ، فقام رسول الله به في الحال مع أصحابه وخرجوا ، فقال اليهود : أن قدورنا تغلي ، فأعلمهم الرسول أنه قد نزل عليه الوحي بما عزموا عليه . قال عطاء : توامروا على أن يطرحوا عليه رحا أو حجراً ، وقيل : بل ألقوا فأخذه جبريل عليه السلام ، والثاني : قال آخرون : إن الرسول نزل منزلاً وتفرق الناس عنه، وعلق رسول الله بمحطة سلاحه بشجرة ، فجاء أعرابي وسل سيف رسول الله ثم أقبل عليه وقال : من يمنعك مني ؟ قال : اللّه، قالها ثلاثاً، فأسقطه جبريل من يده فأخذه رسول الله بهدية وقال: من يمنعك مني ؟ فقال لا أحد، ثم صاح رسول اللّهَ بَّ بأصحابه فأخبرهم وأبى أن يعاقبه، وعلى هذين القولين فالمراد من قوله ( اذكروا نعمت اللّه عليكم ) تذكير نعمة الله عليهم بدفع الشر والمكروه عن نبيهم ، فانه لو حصل ذلك لكان من أعظم المحن ، والثالث روى أن المسلمين قاموا الى صلاة الظهر بالجماعة وذلك بعسفان ، فلما صلوا ندم المشركون وقالوا ليتنا أوقعنا بهم في أثناء صلاتهم ، فقيل لهم : إن للمسلمين بعدها صلاة هي أحب اليهم من أبنائهم وآبائهم ، يعنون صلاة العصر، فهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا اليها ، فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف . ١٨٨ قوله تعالى ((ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل)) الآية سورة المائدة وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِثَقَ بَنِيّ إِسْرَآءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَثَرَ نَقِيبًا المسألة الثانية ﴾ يقال: بسط إليه لسانه إذا شتمه، وبسط إليه يده إذا بطش به. ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به ، ألا ترى أن قولهم : فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى واحد ، ( فكف أيديهم عنكم ) أي منعها أن تصل إليكم . قوله تعالى ﴿ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً: الأول : أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال ( واذكروا نعمت الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ) ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به . فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم فيما نزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة ، والثاني : أنه لما ذكر قوله (اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم ) وقد ذكرنا في بعض الروايات أن هذه الآية نزلت في اليهود ، وأنهم أرادوا إيقاع الشر برسول الله ◌َّة، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبداً كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق ، الثالث : أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان ، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والإلزام غير مخصوصة بهم ، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده . المسألة الثانية ﴾ قال الزجاج: النقيب فعيل أصله من النقب وهو الثقب الواسع ، يقال فلان نقيب القوم لأنه ينقب عن أحوالهم كما ينقب عن الأسرار ومنه المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها ، ونقبت الحائط أي بلغت في النقب الى آخره ، ومنه النقبة من الجرب لأنه داء شديد الدخول ، وذلك لأنه يطلي البعير بالهناء فيوجد طعم القطران في لحمه ، والنقبة السراويل بغير رجلين لأنه قد بولغ في فتحها ونقبها ، ويقال : كلب نقيب ، وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه ، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف . إذا عرفت هذا فنقول : النقيب فعيل ، والفعيل يحتمل الفاعل والمفعول ، فان كان بمعنى الفاعل فهو الناقب عن أحوال القوم المفتش عنها ، وقال أبو مسلم : النقيب ههنا فعيل ١٨٩ سورة المائدة قوله تعالى ((وقال الله إني معكم)) الآية وَقَالَ اللهُ إِّى مَعَكُمْ لَبِنْ أَقْتُمُ الصَّلَوَةَ وَءَاتَُّمُ الَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَّرْتُهُمْ وَأَقْرَضُْمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأَكَفِرَنَّ عَنْكُمْ سَبِعَاتِكُمْ وَلَأَدْخَنْكُرْ جَنَّتِ تَّجْرِى مِنْ تَخْهَا الْأَنْهَرُ أَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَالِكَ مِنْكُرُ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ الَّبِيلِ( ١٢ بمعنى مفعول يعني اختارهم على علم بهم ، ونظيره أنه يقال للمضروب : ضريب ، وللمقتول قتيل . وقال الأصم : هم المنظور إليهم والمسند إليهم أمور القوم وتدبير مصالحهم . المسألة الثالثة﴾ أن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطاً. فاختار الله تعالى من كل سبط رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم . وقال مجاهد والكلبي والسدى : أن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى عليه السلام بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام ، فلما ذهبوا إليهم رأوا أجراماً عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا فحدثوا قومهم ، وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم ، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا ، ويوشع ابن نون من سبط افراثيم بن يوسف ، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما ( قال رجلان من الذين يخافون ) الآية . قوله تعالى ﴿ وقال الله إنى معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيآتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ في الآية حذف، والتقدير: وقال الله لهم إني معكم، إلا أنه حذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قوله ( إني معكم) خطاب لمن؟ فيه قولان: الأول : أنه خطاب للنقباء ، أي وقال الله للنقباء إني معكم . والثاني : أنه خطاب لكل بني إسرائيل ، وكلاهما محتمل إلا أن الأول أولى . لأن الضمير يكون عائداً إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكور هنا النقباء والله أعلم . المسألة الثالثة ﴾ أن الكلام قد تم عند قوله (وقال الله إني معكم) والمعنى إني معكم ١٩٠ قوله تعالى ((وقال الله إني معكم)) الآية سورة المائدة بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم ، فقوله ( إني معكم ) مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ، ثم لما وضع الله تعالى هذه المقدمة الكلية ذكر بعدها جملة شرطية ، والشرط فيها مركب من أمور خمسة ، وهي قوله ( لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً) والجزاء هو قوله ( لأكفرن عنكم سيئاتكم) وذلك إشارة إلى إزالة العقاب . وقوله ( ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) وهو إشارة إلى إيصال الثواب ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول ﴾ لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها ؟ والجواب : أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل ، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بد من الإِيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود ، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل . والسؤال الثاني ﴾ ما معنى التعزير؟ الجواب : قال الزجاج : العزر في اللغة الرد ، وتأويل عزرت فلاناً ، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه ، ولهذا قال الأكثرون : معنى قوله ( وعزرتموهم ) أي نصرتموهم ، وذلك لأن من نصر إنساناً فقد رد عنه أعداءه . قال : ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله ( وتعزروه وتوقروه ) تكراراً . والسؤال الثالث﴾ قوله (وأقرضتم الله قرضاً حسناً) دخل تحت إيتاء الزكاة ، فما الفائدة في الإِعادة ؟ والجواب : المراد بايتاء الزكاة الواجبات ، وبهذا الإقراض الصدقات المندوبة ، وخصها بالذكر تنبيهاً على شرفها وعلو مرتبتها . قال الفراء : ولو قال : وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلا أنه قد يقام الإِسم مقام المصدر ، ومثله قوله ( فتقبلها ربها بقبول حسن ) ولم يقل بتقبل ، وقوله ( وأنبتها نباتاً حسناً) ولم يقل إنباتاً . ثم قال تعالى ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ أي أخطأ الطريق المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لهم . فان قيل : من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضل سواء السبيل . قلنا : أجل ، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة ١٩١ سورة المائدة قوله تعالى ((فبما نقضهم ميثاقهم)) الآية فَبِمَا نَقْضِهِم مِيْتَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبُهُمْ قَسِيَةٌ يُحَرِفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَّوَاضِعِهِ المكفورة ، فاذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية القصوى . ثم قال تعالى ﴿ فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ في نقضهم الميثاق وجوه : الأول: بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء. الثاني: بكتمانهم صفة محمد بقية . الثالث : مجموع هذه الأمور . المسألة الثانية﴾ في تفسير ((اللعن)) وجوه: الأول: قال عطاء: لعناهم أي أخرجناهم من رحمتنا . الثاني : قال الحسن ومقاتل : مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير . الثالث : قال ابن عباس ضربنا الجزية عليهم . ثم قال تعالى ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة والكسائي ( قسية) بتشديد الياء بغير ألف على وزن فعيلة ، والباقون بالألف والتخفيف ، وفي قوله ( قسية ) وجهان : أحدهما : أن تكون القسية بمعنى القاسية إلا أن القسى أبلغ من القاسي ، كما يقال : قادر وقدير ، وعالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، فكما أن القدير أبلغ من القادر فكذلك القسى أبلغ من القاسي ، والثاني : أنه مأخوذ من قولهم : درهم قسى على وزن شقى ، أي فاسد رديء . قال صاحب الكشاف : وهو أيضاً من القسوة لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين ، والمغشوش فيه يبس وصلابة ، وقرىء ( قسية ) بكسر القاف للاتباع . المسألة الثانية ﴾ قال أصحابنا (وجعلنا قلوبهم قاسية ) أي جعلناها نائية عن قبول الحق منصرفة عن الإنقياد للدلائل . وقالت المعتزلة (وجعلنا قلوبهم قاسية ) أي أخبرنا عنها بأنها صارت قاسية كما يقال : فلان جعل فلاناً فاسقاً وعدلاً . ثم أنه تعالى ذكر بعض ما هو من نتائج تلك القسوة فقال ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) وهذا التحريف يحتمل التأويل الباطل ، ويحتمل تغيير اللفظ ، وقد بينا فيما تقدم أن الأول أولى لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى فيه تغيير اللفظ . ١٩٢ قوله تعالى ((ونسوا حظاً مما ذكروا به)) الآية سورة المائدة وَسُواْ حَقًّا تِمَّا ذُكِرُواْ بِهِ، وَلَا تَزَالُ تَطَلِحُ عَلَى خَبِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ١٣ ثم قال تعالى ﴿ ونسوا حظاً مما ذكروا به ﴾ قال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد ◌ٍّية . ثم قال تعالى ﴿ولا تزال تطلع على خائنة منهم﴾ وفى الخائنة وجهان: الأول: أن الخائنة بمعنى المصدر ، ونظيره كثير ، كالكافية والعافية ، وقال تعالى ( فأهلكوا بالطاغية ) أي بالطغيان . وقال ( ليس لوقعتها كاذبة ) أي كذب . وقال ( لا تسمع فيها لاغية ) أي لغوا . وتقول العرب : سمعت راغية الابل . وثاغية الشاء يعنون رغاءها وثغاءها . وقال الزجاج : ويقال عافاه الله عافية ، والثاني : أن يقال : الخائنة صفة، والمعنى : تطلع على فرقة خائنة أو نفس خائنة أو على فعلة ذات خيانة . وقيل : أراد الخائن ، والهاء للمبالغة كعلامة ونسابة . قال صاحب الكشاف: وقرىء على خيانة منهم . ثم قال تعالى ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه . وقيل: يحتمل أن يكون هذا القليل من الذين بقوا على الكفر لكنهم بقوا على العهد ولم يخونوا فيه . ثم قال ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ وفيه قولان : الأول : أنه منسوخ بآية السيف، وذلك لأنه عفو وصفح عن الكفار ، ولا شك أنه منسوخ بآية السيف . والقول الثاني ﴾ أنه غير منسوخ وعلى هذا القول ففي الآية وجهان : أحدهما : المعنى فاعف عن مذنبهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم ، والثاني : أنا إذا حملنا القليل على الكفار منهم الذين بقوا على الكفر فسرنا هذه الآية بأن المراد منها أمر الله رسوله بأن يعفو عنهم ويصفح عن صغائر زلاتهم ما داموا باقين على العهد ، وهو قول أبي مسلم . ثم قال تعالى ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ وفيه وجهان: الأول: قال ابن عباس: إذا عفوت فأنت محسن ، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله . والثاني : أن المراد بهؤلاء المحسنين هم المعنيون بقوله ( إلا قليلاً منهم ) وهم الذين نقضوا عهد الله ، والقول الأول أولى لأن صرف قوله ( إن الله يحب المحسنين) على القول الأول إلى الرسول ◌َل لأنه هو المأمور في هذه الآية بالعفو والصفح ، وعلى القول الثاني إلى غير الرسول ، ولا شك أن الأول أولى . ١٩٣ سورة المائدة قوله تعالى ((ومن الذين قالوا إنا نصارى)) الآية وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّا نَصَرَىّ أَخَذْنَا مِثَقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّ ◌ِمَّا ذُكِرُواْبِهِ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَتْمَةِ وَسَوْفَ يُنَبُِّهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (3) يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِنُ لَكُمْ كَثِرًا فِمَا كُنْتُمْ تُفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُوْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَ كُ مِنَ اللَّهِنُورٌ وَحِكِتَنَبٌ مُبِينٌ ١٥ قوله تعالى ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون المراد أن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند الله ، وإنما قال ( ومن الذين قالوا إنا نصارى) ولم يقل : ومن النصارى ، وذلك لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الإسم ادعاء لنصرة الله تعالى ، وهم الذين قالوا لعيسى ( نحن أنصار الله ) فكان هذا الإسم في الحقيقة اسم مدح ، فبين الله تعالى أنهم يدعون هذه الصفة ولكنهم ليسوا موصوفين بها عند الله تعالى، وقوله (أخذنا ميثاقهم) أي مكتوب في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد مخلية ، وتنكير ( الحظ) في الآية يدل على أن المراد به حظ واحد ، وهو الذي ذكرناه من الإيمان بمحمد وَلخير ، وإنما خص هذا الواحد بالذكر مع أنهم تركوا الكثير مما أمرهم الله تعالى به لأن هذا هو المعظم والمهم ، وقوله ( فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ) أي ألصقنا العداوة والبغضاء بهم ، يقال : أغرى فلان بفلان إذا ولع به كأنه ألصق به ، ويقال لما التصق به الشيء : الغراء ، وفي قوله ( بينهم ) وجهان : أحدهما : بين اليهود والنصارى . والثاني : بين فرق النصارى ، فان بعضهم يكفر بعضاً إلى يوم القيامة ، ونظيره قوله ( أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ) وقوله ( وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) وعيد لهم . قوله تعالى ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ﴾ . الفخر الرازي ج١١ م١٣ ١٩٤ قوله تعالى ((يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا)) الآية سورة المائدة يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنْ أَنْبَعَ رِضْوَاتَهُ سُبُلَ الَّلَِمِ واعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود وعن النصارى نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به ، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد ◌ّ فقال ( يا أهل الكتاب ) والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى ، وإنما وحد الكتاب لأنه خرج مخرج الجنس ، ثم وصف الرسول بأمرين: الأول : أنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون. قال ابن عباس: أخفوا صفة محمد ، وأخفوا أمر الرجم ، ثم إن الرسول ◌َّة بين ذلك لهم، وهذا معجز لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً من أحد ، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً . ﴿ الوصف الثاني للرسول﴾ قوله (ويعفو عن كثير) أي لا يظهر كثيراً مما تكتمونه أنتم ، وإنما لم يظهره لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين ، والفائدة في ذكر ذلك أنهم يعلمون كون الرسول عالماً بكل ما يخفونه ، فيصير ذلك داعياً لهم إلى ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا . ثم قال تعالى ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ وفيه أقوال: الأول : أن المراد بالنور محمد ، وبالكتاب القرآن ، والثاني : أن المراد بالنور الإِسلام ، وبالكتاب القرآن . الثالث : النور والكتاب هو القرآن ، وهذا ضعيف لأن العطف يوجب المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وتسمية محمد والإِسلام والقرآن بالنور ظاهرة، لأن النور الظاهر هو الذي يتقوى به البصر على إدراك الأشياء الظاهرة ، والنور الباطن أيضاً هو الذي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات . ثم قال تعالى ﴿ يهدي به الله ﴾ أي بالكتاب المبين ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ من كان مطلوبه من طلب الدين اتباع الدين الذي يرتضيه الله تعالى ، فأما من كان مطلوبه من دينه تقرير ما ألفه ونشأ عليه وأخذه من أسلافه مع ترك النظر والإستدلال ، فمن كان كذلك فهو غير متبع رضوان الله تعالى . ثم قال تعالى ﴿ سبل السلام ﴾ أي طرق السلامة، ويجوز أن يكون على حذف المضاف ، أي سبل دار السلام ، ونظيره قوله ( والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ) ومعلوم أنه ليس المراد هداية الإِسلام ، بل الهداية الى طريق الجنة . سورة المائدة ١٩٥ قوله تعالى ((لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح)) الآية. وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النِّ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَطِ مُسْتَقِيٍِ ﴾ لَّقَدْ T. كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَ قُلْ نَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْبَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ ◌َمِيعًا ثم قال ﴿ ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ﴾ أي من ظلمات الكفر الى نور الإيمان ، وذلك أن الكفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام ، ويهتدي بالإيمان الى طرق الجنة كما يهتدي بالنور ، وقوله ( باذنه ) أي بتوفيقه ، والباء تتعلق بالإتباع أي اتبع رضوانه باذنه ، ولا يجوز أن تتعلق بالهداية ولا بالإِخراج لأنه لا معنى له ، فدل ذلك على أنه لا يتبع رضوان الله إلا من أراد الله منه ذلك . وقوله تعالى ﴿ ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ وهو الدين الحق، لأن الحق واحد لذاته ، ومتفق من جميع جهاته ، وأما الباطل ففيه كثرة ، وكلها معوجة . قوله تعالى ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم﴾ في الآية سؤال، وهو أن أحداً من النصارى لا يقول : إن الله هو المسيح بن مريم ، فكيف حكى الله عنهم ذلك مع أنهم لا يقولون به . وجوابه : أن كثيراً من الحلولية يقولون : أن الله تعالى قد يحل في بدن إنسان معين ، أو في روحه ، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال : إن قوماً من النصارى ذهبوا إلى هذا القول ، بل هذا أقرب مما يذهب إليه النصارى ، وذلك لأنهم يقولون : أن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه السلام ، فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتاً أو صفة ، فان كان ذاتاً فذات الله تعالى قد حلت في عيسى واتحدت بعيسى فيكون عيسى هو الإله على هذا القول . وإن قلنا : إن الأقنوم عبارة عن الصفة ، فانتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول ، ثم بتقدير انتقال أقنوم العلم عن ذات الله تعالى إلى عيسى يلزم خلو ذات الله عن العلم، ومن لم يكن عالماً لم يكن إلهاً ، فحينئذ يكون الإله هو عيسى على قولهم ، فثبت أن النصارى وإن كانوا لا يصرحون بهذا القول إلا أن حاصل مذهبهم ليس إلا ذلك : ثم أنه سبحانه احتج على فساد هذا المذهب بقوله ﴿ قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً﴾ وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط. ١٩٦ قوله تعالى ((وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه)) الآية سورة المائدة وَلِلَّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ١٧ وَقَتِ الَْهُ وَالنَّصَعِ لَحْنُ أَبْتَكُواْاللَّهِ وَأَحِّتُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْبِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُ بَشَرٌ ◌ِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ والتقدير : إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ، فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره ، وقوله ( فمن يملك من الله شيئاً) أي فمن يملك من أفعال الله شيئاً ، والملك هو القدرة ، يعني فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله تعالى ومنع شيء من مراده . وقوله ( ومن في الأرض جميعاً) يعني أن عيسى مشاكل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال ، فلما سلمتم كونه تعالى خالقاً للكل مدبراً للكل وجب أن يكون أيضاً خالقاً لعيسى . ثم قال تعالى ﴿ ولله ملك السموات والأرض وما بينهما ﴾ إنما قال (وما بينهما ) بعد ذكر السموات والأرض ، ولم يقل : بينهن لأنه ذهب بذلك مذهب الصنفين والنوعين . ثم قال ﴿ يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير﴾ وفيه وجهان : الأول : يعني يخلق ما يشاء ، فتارة يخلق الإِنسان من الذكر والأنثى كما هو معتاد ، وتارة لا من الأب والأم كما في حق آدم عليه السلام ، وتارة من الأم لا من الأب كما في حق عيسى عليه السلام ، والثاني : يخلق ما يشاء ، يعني أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فالله تعالى يخلق فيه اللحمية والحياة والقدرة معجزة لعيسى ، وتارة يحيى الموتى ويبرىء الأكمة والأبرص معجزة له ، ولا اعتراض على الله تعالى في شيء من أفعاله . قوله تعالى ﴿ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ وفيه سؤال: وهو أن اليهود لا يقولون ذلك البتة ، فكيف يجوز نقل هذا القول عنهم ؟ وأما النصارى فانهم يقولون ذلك في حق عيسى لا في حق أنفسهم ، فكيف يجوز هذا النفل عنهم ؟ أجاب المفسرون عنه من وجوه : الأول : أن هذا من باب حذف المضاف، والتقدير نحن أبناء رسل الله ، فأضيف الى الله ما هو في الحقيقة مضاف الى رسل الله ، ونظيره قوله ( أن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) والثاني : أن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب فقد يطلق أيضاً على من يتخذ إيناً ، واتخاذه ابناً بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة ، فالقوم لما ادعوا أن قوله تعالى ((ولله ملك السموات والأرض وما بينهما)) الآية سورة المائدة ١٩٧ عناية الله بهم أشد وأكمل من عنايته بكل ما سواهم ، لا جرم عبر الله تعالى عن دعواهم كمال عناية الله بهم بأنهم ادعوا أنهم أبناء الله . الثالث : أن اليهود لما زعموا أن عزيراً ابن الله والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله ، ثم زعموا أن عزيراً والمسيح كانا منهم ، صار ذلك كأنهم قالوا نحن أبناء الله ، ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا إنساناً آخر فقد يقولون : نحن ملوك الدنيا ، ونحن سلاطين العالم ، وغرضهم منه كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك والسلطان فكذا ههنا، والرابع: قال ابن عباس: أن النبي ◌َّ دعا جماعة من اليهود الى دين الإِسلام وخوفهم بعقاب الله تعالى فقالوا : كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله وأحباؤه ، فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة ، وأما النصارى فانهم يتلون في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: أذهب الى أبي وأبيكم وجملة الكلام أن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلاً على سائر الخلق بسبب أسلافهم الأفاضل من الأنبياء حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم الى أن قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه . ثم إنه تعالى أبطل عليهم دعواهم وقال ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ وفيه سؤال ، وهو أن حاصل هذا الكلام أنهم لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم لكنه عذبهم فهم ليسوا أبناء الله ولا أحباءه ، والاشكال عليه أن يقال: إما أن تدعوا أن الله عذبهم في الدنيا أو تدعوا أنه سيعذبهم في الآخرة ، فان كان موضع الإلزام عذاب الدنيا فهذا لا يقدح في ادعائهم كونهم أحباء الله لأن محمداً مكان يدعى أنه هو وأمته أحباء الله، ثم إنهم ما خلوا عن محن الدنيا . انظروا إلى وقعة أحد ، وإلى قتل الحسن والحسين ، وإن كان موضع الإلزام هو أنه تعالى سيعذبهم في الآخرة فالقوم ينكرون ذلك. ومجرد إخبار محمد ◌ّ# ليس بكاف في هذا الباب ، إذ لو کان کافیاً لكان مجرد اخباره بأنهم كذبوا في إدعائهم أنهم أحباء الله كافياً ، وحينئذ يصير هذا الإِستدلال ضائعاً .. والجواب من وجوه : الأول : أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا ، والمعارضة بيوم أحد غير لازمة لأنه يقول : لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم الله في الدنيا ، ومحمد عليه الصلاة والسلام ادعى أنه من أحباء الله ولم يدع أنه من أبناء الله فزال السؤال . الثاني : أن موضع الإلزام هو عذاب الآخرة ، واليهود والنصارى كانوا معترفين بعذاب الآخرة كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا ( لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) والثالث : المراد بقوله ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) فلم مسخكم ، فالمعذب في الحقيقة اليهود الذين كانوا قبل اليهود المخاطبين بهذا الخطاب في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام ، إلا أنهم لما كانوا من جنس أولئك المتقدمين حسنت هذه الإضافة ، وهذا الجواب أولى لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله عليه الصلاة ١٩٨ قوله تعالى ((يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة)) الآية سورة المائدة وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلِّ مُلْكُ الَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَأْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيْنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرَّسُلِ أَنْ تَقُولُواْ مَاجَآءَ مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَ كُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌّ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ والسلام أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود فانهم يقولون : لا نسلم أنه تعالى يعذبنا ، بل الأولى أن يحتج عليهم بشيء قد وجد وحصل حتى يكون الإستدلال به قوياً متيناً . ثم قال تعالى ﴿ بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له ، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه ، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . واعلم أنا بينا أن مراد القوم من قولهم ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) كمال رحمته عليهم وکمال عنايته بهم . وإذا عرفت هذا فمذهب المعتزلة أن كل من أطاع الله واحترز عن الكبائر فانه يجب على الله عقلاً إيصال الرحمة والنعمة إليه أبد الآباد ، ولو قطع عنه بعد ألوف سنة في الآخرة تلك النعم لحظة واحدة لبطلت إلهيته ولخرج عن صفة الحكم ، وهذا أعظم من قول اليهود والنصارى : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكما أن قوله ( يغفر لمن يشاء ويعذُب من يشاء ) أبطال لقول اليهود ، فبأن يكون أبطالاً لقول المعتزلة أولى وأكمل. ثم قال تعالى ﴿ ولله ملك السموات والأرض وما بينهما ﴾ بمعنى من كان ملكه هكذا وقدرته هكذا فكيف يستحق البشر الضعيف عليه حقاً واجباً ؟ وكيف يملك الإنسان الجاهل بعبادته الناقصة ومعرفته القليلة عليه ديناً . انها كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذباً . ثم قال تعالى ﴿وإليه المصير﴾ أي واليه يؤول أمر الخلق في الآخرة لأنه لا يملك الضر والنفع هناك إلا هو كما قال ( والأمر يومئذ لله ) . قوله تعالى ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير ﴾ وفيه مسائل : سورة المائدة ١٩٩ قوله تعالى ((يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين. لكم )) الآية المسألة الأولى ﴾ في قوله (يبين لكم ) وجهان: الأول: أن يقدر المبين، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك المبين هو الدين والشرائع ، وإنما حسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع ، وثانيها : أن يكون التقدير يبين لكم ما كنتم تخفون ، وإنما حسن حذفه لتقدم ذكره . الوجه الثاني ﴾ أن لا يقدر المبين ويكون المعنى يبين لكم البيان، وحذف المفعول أكمل لأن على هذا التقدير يصير أعم فائدة . المسألة الثانية ﴾ قوله ( يبين لكم) في محل النصب على الحال ، أي مبيناً لكم . المسألة الثالثة ﴾ قوله ( على فترة من الرسل ) قال ابن عباس : يريد على انقطاع من الأنبياء ، يقال : فتر الشيء يفتر فتوراً إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه ، وسميت المدة التي بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع . واعلم أن قوله ( على فترة ) متعلق بقوله ( جاءكم ) أي جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل . قيل : كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة أو أقل أو أكثر . وعن الكلبي كان بين موسى وعيسى عليهما السلام ألف وسبعمائة سنة ، وألفا نبي ، وبين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة من الأنبياء : ثلاثة من بني إسرائيل ، وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ الفائدة في بعثة محمد عليه الصلاة والسلام عند فترة من الرسل هي أن التغيير والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها ، وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل والصدق بالكذب ، وصار ذلك عذراً ظاهر في اعراض الخلق عن العبادات ، لأن لهم أن يقولوا : يا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبد ، فبعث الله تعالى في هذا الوقت محمداً عليه الصلاة والسلام إزالة لهذا العذر ، وهو ( أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ) يعني إنما بعثنا اليكم الرسول في وقت الفترة كراهة أن تقولوا : ما جاءنا في هذا الوقت من بشير ولا نذير . ثم قال تعالى ﴿ فقد جاءكم بشير ونذير﴾ فزالت هذه العلة وارتفع هذا العذر . ثم قال ﴿ والله على كل شيء قدير﴾ والمعنى أن حصول الفترة يوجب احتياج الخلق إلى بعثة الرسل ، والله تعالى قادر على كل شيء ، فكان قادراً على البعثة ، ولما كان الخلق محتاجين إلى البعثة ، والرحيم الكريم قادراً على البعثة وجب في كرمه ورحمته أن يبعث الرسل إليهم ، ٢٠٠ قوله تعالى ((وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم)) الآية سورة المائدة وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكًا وَءَاتَّكُ مَّالَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ (٢﴾ يَقَّوْمِ آدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَقَلِبُواْ خَسِرِ ينَ (٣٦) فالمراد بقوله ( والله على كل شيء قدير ) الإِشارة إلى الدلالة التي قررناها . قوله تعالى ﴿ وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ واعلم أن وجه الإتصال هو أن الواو في قوله ( وإذ قال موسى لقومه ) واو عطف ، وهو متصل بقوله ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ) كأنه قيل : أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى نعم الله تعالى وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في القول في الميثاق ، وخالفوه في محاربة الجبارين . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى من عليهم بأمور ثلاثة: أولها : قوله (إذ جعل فيكم أنبياء ) لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ، فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه فانطلقوا معه الى الجبل ، وأيضاً كانوا من أولاد يعقوب بن إسحق بن ابراهيم وهؤلاء الثلاثة بالإتفاق كانوا من أكابر الأنبياء ، وأولاد يعقوب أيضاً كانوا على قول الأكثرين أنبياء ، والله تعالى أعلم موسى أنه لا يبعث الأنبياء إلا من ولد يعقوب ومن ولد اسمعيل ، فهذا الشرف حصل بمن مضى من الأنبياء ، وبالذين كانوا حاضرين مع موسى ، وبالذين أخبر الله موسى أنه سيبعثهم من ولد يعقوب واسمعيل بعد ذلك ، ولا شك أنه شرف عظيم ، وثانيها : قوله (وجعلكم ملوكاً) وفيه وجوه : أحدها : قال السدى : يعني وجعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية فينا ، ولا يغلبكم على أنفسكم غالب ، وثانيها : أن كل من كان رسولاً ونبياً كان ملكاً لأنه يملك أمر أمته ويملك التصرف فيهم ، وكان نافذ الحكم عليهم فكان ملكاً ، ولهذا قال تعالى ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً) وثالثها : أنه كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء ، وقد يقال فيمن حصل فيهم ملوك : أنتم ملوك على سبيل الإِستعارة ، ورابعها :