النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة المائدة قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة)) الآية ( فاغسلوا وجوهكم ) والعين جزء من الوجه ، فوجب أن يجب غسله . حجة الفقهاء أنه تعالى قال في آخر الآية ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) ولا شك أن في إدخال الماء في العين حرجاً والله أعلم . المسألة الرابعة والعشرون ) المضمضة والإستنشاق لا يجبان في الوضوء والغسل عند الشافعي رحمه الله ، وعند أحمد وإسحق رحمهما الله واجبان فيهما ، وعند أبي حنيفة رحمه الله واجب في الغسل ، غير واجب في الوضوء . لنا أنه تعالى أوجب غسل الوجه ، والوجه هو الذي يكون مواجهاً وداخل الأنف والفم غير مواجه فلا يكون من الوجه . إذا ثبت هذا فنقول: إيصال الماء إلى الأعضاء الأربعة يفيد الطهارة لقوله ( ولكن يريد ليطهركم ) والطهارة تفيد جواز الصلاة كما بيناه . المسألة الخامسة والعشرون ﴾ غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي رحمهم الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجب . لنا أنه من الوجه ، والوجه يجب غسله بالآية ، ولأنا أجمعنا على أنه يجب غسله قبل نبات الشعر ، فحيلولة الشعر بينه وبين الوجه لا تسقط كالجبهة لما وجب غسلها قبل نبات شعر الحاجب وجب أيضاً بعده . المسألة السادسة والعشرون ﴾ قال الشافعي رحمه الله: يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجب . لنا أن قوله تعالى ( فاغسلوا وجوهكم ) يوجب غسل الوجه ، والوجه اسم للجلدة الممتدة من الجبهة إلى الذقن ، ترك العمل به عند كثافة اللحية عملا بقوله ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وعند خفة اللحية لم يحصل هذا الحرج ، فكانت الآية دالة على وجوب غسله . : المسألة السابعة والعشرون ﴾ هل يجب إمرار الماء على ما نزل من اللحية عن حد الوجه وعلى الخارج منها إلى الاذنين عرضاً؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان : أحدهما : انه يجب . والثاني : انه لا يجب ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والمزني . حجة الشافعي رحمه الله أنا توافقنا على أن في اللحية الكثيفة لا يجب إيصال الماء إلى منابت الشعور وهي الجلد ، وإنما أسقطنا هذا التكليف لأنا أقمنا ظاهر اللحية مقام جلدة الوجه في كونه وجهاً ، وإذا كان ظاهر اللحية يسمى وجهاً والوجه يجب غسله بالتمام بدليل قوله ( فاغسلوا وجوهكم ) لزم بحكم هذا الدليل إيصال الماء إلى ظاهر جميع اللحية . المسألة الثامنة والعشرون ﴾ لونبت للمرأة لحية يجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وان الفخر الرازي ج١١ م١١ ١٦٢ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة)) الآية سورة المائدة كانت تلك اللحية كثيفة ، وذلك لأن ظاهر الآية يدل على وجوب غسل الوجه ، والوجه عبارة عن الجلدة الممتدة من مبدأ الجبهة إلى منتهى الذقن ، تركنا العلم به في حق الرجال دفعاً للحرج ، ولحية المرأة نادرة فتبقى على الأصل . واعلم أنه يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع : العنفقة ، والحاجبان والشاربان ، والعذاران ، وأهداف العينين ، لأن قوله ( فاغسلوا وجوهكم ) يدل على وجوب غسل كل جلد الوجه ، ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج ، وهذه الشعور خفيفة فلا حرج في إيصال الماء الى الجلدة ، فوجب أن تبقى على الأصل . ﴿ المسألة التاسعة والعشرون﴾ قال الشعبي: ما أقبل من الأذن معدود من الوجه فيجب غسله مع الوجه ، وما أدبر منه فهو معدود من الرأس فيمسح ، وعندنا الأذن ليست البتة من الوجه إذ الوجه ما به المواجهة ، والأذن ليست كذلك . المسألة الثلاثون ﴾ قال الجمهور: غسل اليدين إلى المر فقين واجب معهما ، وقال مالك وزفر رحمهما الله : لا يجب غسل المرفقين ، وهذا الخلاف حاصل أيضاً في قوله ( وأرجلكم إلى الكعبين) حجة زفر أن كلمة ((إلى)) لانتهاء الغاية ، وما يجعل غاية للحكم يكون خارجاً عنه كما في قوله ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) فوجب أن لا يجب غسل المرفقين . والجواب من وجهين : الأول : أن حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود بمقطع محسوس ، وههنا يكون الحد خارجاً عن المحدود ، وهو كقوله ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) فان النهار منفصل عن الليل انفصالاً محسوساً لأن انفصال النور عن الظلمة محسوس ، وقد لا يكون كذلك كقولك : بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف ، فان طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس . إذا عرفت هذا فنقول : لا شك أن امتياز المرفق عن الساعد ليس له مفصل معين ، وإذا كان كذلك فليس إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر ، فوجب القول بإيجاب غسل كل المرفق . و الوجه الثاني من الجواب ﴾ سلمنا أن المرفق لا يجب غسله ، لكن المرفق اسم لما جاوز طرف العظم ، فانه هو المكان الذي يرتفق به أي يتكأ عليه ، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله ، وهذا الجواب اختيار الزجاج والله أعلم . المسألة الحادية والثلاثون ﴾ الرجل إن كان أقطع ، فان كان أقطع مما دون المرفق ١٦٣ سورة المائدة قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة )) الآية وجب عليه غسل ما بقي من المرفق لأن قوله ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) يقتضي وجوب غسل اليدين إلى المرفقين ، فاذا سقط بعضه بالقطع وجب غسل الباقي بحكم الآية ، وأما إن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلا ، وأما إذا كان أقطع من المرفق قال الشافعي رحمه الله : يجب إمساس الماء لطرف العظم ، وذلك لأن غسل المرفق لما كان واجباً والمرفق عبارة عن ملتقى العظمين ، فاذا وجب إمساس الماء لملتقى العظمين وجب إمساس الماء لطرف العظم الثاني لا محالة . المسألة الثانية والثلاثون ﴾ تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب ، وقال أحمد : هو واجب . لنا أنه تعالى ذكر الأيدي والأرجل ولم يذكر فيه تقديم اليمنى على اليسرى ، وذلك يدل على أن الواجب هو غسل اليدين بأي صفة كان والله أعلم . المسألة الثالثة والثلاثون﴾ السنة أن يصب الماء على الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرفق ، فان صب الماء على المرفق حتى سال الماء إلى الكف ، فقال بعضهم : هذا لا يجوز لأنه تعالى قال ( وأيديكم إلى المرافق ) فجعل المرافق غاية الغسل ، فجعله مبدأ الغسل خلاف الآية فوجب أن لا يجوز . وقال جمهور الفقهاء : انه لا يخل بصحة الوضوء إلا أنه يكون تركاً للسنة . ﴿ المسألة الرابعة والثلاثون ﴾ لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله ( وأيديكم إلى المرافق ) كما أنه لو نبت على الكف أصبع زائدة فانه يجب غسلها بحكم هذه الآية . ﴿ المسألة الخامسة والثلاثون﴾ قوله تعالى (إلى المرافق) يقتضي تحديد الأمر لا تحديد المأمور به ، يعني أن قوله ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) أمر بغسل اليدين إلى المرفقين ، فايجاب الغسل محدود بهذا الحد ، فبقي الواجب هو هذا القدر فقط، أما نفس الغسل فغير محدود بهذا الحد لأنه ثبت بالأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة . ﴿ المسألة السادسة والثلاثون ﴾ قال الشافعي رحمه الله: الواجب في مسح الرأس أقل شيء يسمى مسحاً للرأس ، وقال مالك : يجب مسح الكل ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : الواجب مسح ربع الرأس . حجة الشافعي أنه لوقال : مسحت المنديل ، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية أما لو قال : مسحت يدي بالمنديل فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل . إذا ثبت هذا فنقول : قوله ( وامسحوا برؤسكم ) يكفي في العمل به مسح اليد بجزء من ١٦٤ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة )) الآية سورة المائدة أجزاء الرأس ، ثم ذلك الجزء غير مقدر في الآية ، فان أوجبنا تقديره بمقدار معين لم يمكن تعيين ذلك المقدار إلا بدليل مغاير لهذه الآية ، فيلزم صيرورة الآية مجملة وهو خلاف الأصل ، وإن قلنا : أنه يكفي فيه إيقاع المسح على أي جزء كان من أجزاء الرأس كانت الآية مبينة مفيدة ، ومعلوم أن حمل الآية على محمل تبقى الآية معه مفيدة أولى من حملها على محمل تبقى الآية معه مجملة ، فكان المصير إلى ما قلناه أولى . وهذا استنباط حسن من الآية . المسألة السابعة والثلاثون ﴾ لا يجوز الإكتفاء بالمسح على العمامة ، وقال الأوزاعي والثوري وأحمد : يجوز. لنا أن الآية دالة على أنه يجب المسح على الرأس ، ومسح العمامة ليس مسحاً للرأس واحتجوا بما روى أنه عليه الصلاة والسلام مسح على العمامة . جوابنا : لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة . ﴿ المسألة الثامنة والثلاثون﴾ اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما ، فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر : أن الواجب فيهما المسح ، وهو مذهب الأمامية من الشيعة . وقال جمهور الفقهاء والمفسرين : فرضهما الغسل ، وقال داود الأصفهاني : يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية . وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري : المكلف مخير بين المسح والغسل . حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله ( وأرجلكم ) فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب ، فنقول : أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس ، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل . فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذا كسر على الجواركما في قوله : جحر ضب خرب ، وقوله کبیر أناس في بجاد مزمل قلنا : هذا باطل من وجوه : الأول : أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر ، وكلام الله يجب تنزيهه عنه . وثانيها : أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الإلتباس كما في قوله : جحر ضب خرب ، فان من المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر ، وفي هذه الآية الأمن من الإلتباس غير حاصل . ١٦٥ سورة المائدة قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة)) الآية وثالثها : أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب ، وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضاً : إنها توجب المسح . وذلك لأن قوله ( وامسحوا برؤسكم ) فرؤسكم في محل النصب ولكنها مجرورة بالباء ، فاذا عطفت الأرجل على الرؤس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤس ، والجر عطفاً على الظاهر ، وهذا مذهب مشهور للنحاة . إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله ( وأرجلكم ) هو قوله ( وامسحوا ) ويجوز أن يكون هو قوله ( فاغسلوا ) لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى ، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله ( وأرجلكم ) هو قوله ( وامسحوا) فثبت أن قراءة ( وأرجلكم ) بنصب اللام توجب المسح أيضاً ، فهذا وجه الإستدلال بهذه الآية على وجوب المسح ، ثم قالوا : ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز . واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين : الأول : أن الأخبار الكثيرة وردت بايجاب الغسل ، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس ، فكان الغسل أقرب إلى الإحتياط فوجب المصير اليه ، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها ، والثاني : أن فرض الرجلين محدود الى الكعبين، والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح ، والقوم أجابوا عنه بوجهين : الأول : أن الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم ، وعلى هذا التقدير فيجب المسح على ظهر القدمين ، والثاني : أنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق ، إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين الى هذين الموضعين ، وحينئذ لا يبقى هذا السؤال . المسألة التاسعة والثلاثون ﴾ مذهب جمهور الفقهاء أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق، وقالت الأمامية وكل من ذهب الى وجوب المسح: أن الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب البقر والغنم موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم ، وهو قول محمد بن الحسن رحمه الله . وكان الأصمعي يختار هذا القول ويقول : الطرفان الناتئان يسميان المنجمين . هكذا رواه القفال في تفسيره. حجة الجمهور وجوه : الأول : أنه لو كان الكعب ما ذكره الامامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً ، فكان ينبغي أن يقال : وأرجلكم إلى الكعاب ، كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال ( وأيديكم إلى المرافق ) والثاني : أن العظم المستدير سورة المائدة ١٦٦ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة)) الآية الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلا المشرحون ، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان معلومان لكل أحد ، ومناط التكاليف العامة يجب أن يكون أمراً ظاهراً، لا أمراً خفياً. الثالث: روى عن النبي ◌َّلل أنه قال ((ألصقوا الكعاب بالكعاب)) ولا شك أن المراد ما ذكرناه . الرابع : أن الكعب مأخوذ من الشرف والإِرتفاع ، ومنه جارية كاعب إذا نتأ ثدياها ، ومنه الكعب لكل ماله ارتفاع . حجة الأمامية : أن اسم الكعب واقع على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات ، فوجب أن يكون في حق الإِنسان كذلك ، وأيضاً المفصل يسمى كعباً، ومنه كعوب الرمح لمفاصله ، وفي وسط القدم مفصل ، فوجب أن يكون الكعب هو هو . والجواب: أن مناط التكاليف الظاهرة يجب أن يكون شيئاً ظاهراً ، والذي ذكرناه أظهر ، فوجب أن يكون الكعب هو هو . المسألة الأربعون ﴾ أثبت جمهور الفقهاء جواز المسح على الخفين . وأطبقت الشيعة والخوارج على إنكاره ، واحتجوا بأن ظاهر قوله تعالى ( وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) يقتضي إما غسل الرجلين أو مسحهما . والمسح على الخفين ليس مسحاً للرجلين ولا غسلاً لهما ، فوجب أن لا يجوز بحكم نص هذه الآية ، ثم قالوا : أن القائلين بجواز المسح على الخفين إنما يعولون على الخبر ، لكن الرجوع إلى القرآن أولى من الرجوع إلى هذا الخبر ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن نسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، والثاني : أن هذه الآية في سورة المائدة ، وأجمع المفسرون على أن هذه السورة لا منسوخ فيها البتة إلا قوله تعالى ( یا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) فان بعضهم قال : هذه الآية منسوخة ، وإذا كان كذلك امتنع القول بأن وجوب غسل الرجلين منسوخ ، والثالث : أن خبر المسح على الخفين بتقدير أنه كان متقدماً على نزول الآية كان خبر الواحد منسوخاً بالقرآن ، ولو كان بالعكس كان خبر الواحد ناسخاً للقرآن ، ولا شك أن الأول أولى لوجوه : الأول : أن ترجيح القرآن المتواتر على خبر الواحد أولى من العكس،وثانيها: أن العمل بالآية أقرب إلى الإحتياط ، وثالثها : أنه قدروى عنه ◌َّ أنه قال ((إذا روي لكم عني حديث فأعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإلا فردوه )) وذلك يقتضي تقديم القرآن على الخبر ، ورابعها : أن قصة معاذ تقتضي تقديم القرآن على الخبر . الوجه الرابع ﴾ في بيان ضعف هذا الخبر: أن العلماء اختلفوا فيه ، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لأن تقطع قدماي أحب إلى من أن أمسح على الخفين ، وعن ابن عباس ١٦٧ قوله تعالى (( وإن كنتم جنباً فاطهروا)) الآية سورة المائدة وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهِّرُواْ رضي الله عنهما أنه قال : لأن أمسح على جلد حمار أحب إلى من أن أمسح على الخفين ، وأما مالك فاحدى الروايتين عنه أنه أنكر جواز المسح على الخفين ، ولا نزاع أنه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة ، فلولا أنه عرف فيه ضعفاً وإلا لما قال ذلك ، والرواية الثانية عن مالك أنه ما أباح المسح على الخفين للمقيم ، وأباحه للمسافر مهما شاء من غير تقدير فيه . وأما الشافعي وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء فانهم جوزوه للمسافر ثلاثة أيام بلياليها من وقت الحدث بعد اللبس . وقال الحسن البصري : ابتداؤه من وقت لبس الخفين ، وقال الأوزاعي وأحمد: يعتبر وقت المسح بعد الحدث ، قالوا : فهذا الإِختلاف الشديد بين الفقهاء يدل على أن الخبر ما بلغ مبلغ الظهور والشهرة ، وإذا كان كذلك وجب القول بأن هذه الأقوال لما تعارضت تساقطت ، وعند ذلك يجب الرجوع إلى ظاهر كتاب الله تعالى. الخامس : أن الحاجة إلى معرفة جواز المسح على الخفين حاجة عامة في حق كل المكلفين ، فلو كان ذلك مشروعاً لعرفه الكل ، ولبلغ مبلغ التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر ضعفه ، فهذا جملة كلام من أنكر المسح على الخفين . وأما الفقهاء فقالوا : ظهر عن بعض الصحابة القول به ولم يظهر من الباقين إنكار ، فكان ذلك إجماعاً من الصحابة ، فهذا أقوى ما يقال فيه . وقال الحسن البصري : حدثني سبعون من أصحاب الرسول ◌َ ﴿ أنه مسح على الخفين، وأما إنكار ابن عباس رضي الله عنهما فروى أن عكرمة روى ذلك عنه ، فلما سئل ابن عباس عنه فقال : كذب علي . وقال عطاء : كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفين لكنه لم يمت حتى وافقهم ، وأما عائشة رضي الله عنها فروى أن شريح بن هانىء قال : سألتها عن مسح الخفين فقالت : اذهب الى علي فاسأله فانه كان مع الرسول وم سلم في أسفاره ، قال: فسألته فقال امسح ، وهذا يدل على أن عائشة تركت ذلك الإنكار . المسألة الحادية والأربعون ﴾ رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي علیه غسل الوجه ومسح الرأس . فان لم یکن معه من یوضئه أو ييممه يسقط عنه ذلك أيضاً ، لأن قوله تعالى ( وامسحوا برؤسكم وأرجلكم الى الكعبين ) مشروط بالقدرة عليه لا محالة ، فاذا فاتت القدرة سقط التكليف ، فهذا جملة ما يتعلق من المسائل بآية الوضوء . قوله تعالى ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ قال الزجاج : معناه فتطهروا، إلا أن التاء ١٦٨ قوله تعالى ((وإن كنتم جنباً فاطَّهروا)) الآية سورة المائدة تدغم في الطاء لأنهما من مكان واحد ، فاذا أدغمت التاء في الطاء سكن أول الكلمة فزيد فيها ألف الوصل ليبتدأ بها. فقيل : اطهروا . واعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية الطهارة الصغرى ذكر بعدها كيفية الطهارة الكبرى ، وهي الغسل من الجنابة وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ لحصول الجنابة سببان : الأول: نزول المنى ، قال عليه الصلاة والسلام ((إنما الماء من الماء) والثاني: التقاء الختانين، وقال زيد بن ثابت ومعاذ وأبو سعيد الخدري: لا يجب الغسل إلا عند نزول الماء. لنا قوله عليه الصلاة والسلام ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)). واعلم أن ختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة ، وأما ختان المرأة فاعلم أن شفريها محيطان بثلاثة أشياء: ثقبة في أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد ، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير ، والثالث فوق ثقبة البول موضع ختانها ، وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك ، وقطع هذه الجلدة هو ختانها ، فاذا غابت الحشفة حاذی ختانها ختانه . المسألة الثانية﴾ قوله (فاطهروا) أمر بالطهارة على الإطلاق بحيث لم يكن مخصوصاً بعضو معين دون عضو ، فكان ذلك أمراً بتحصيل الطهارة في كل البدن على الإطلاق ، ولأن الطهارة الصغرى لما كانت مخصوصة ببعض الأعضاء لا جرم ذكر الله تعالى تلك الأعضاء على التعيين ، فههنا لما لم يذكر شيئاً من الأعضاء على التعيين علم أن هذا الأمر أمر بطهارة كل البدن . واعلم أن هذا التطهير هو الإغتسال كما قال في موضع آخر ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) المسألة الثالثة﴾ الدلك غير واجب في الغسل، وقال مالك رحمه الله: واجب . لنا أن قوله ( فاطهروا) أمر بتطهير البدن ، وتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك بدليل أن النبي گآ لما سئل عن الإغتسال من الجنابة قال ((أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات خفيفات من الماء فاذا أنا قد طهرت)) أثبت حصول الطهارة بدون الدلك ، فدل على أن التطهير لا يتوقف على الدلك . المسألة الرابعة﴾ لا يجوز للجنب مس المصحف . وقال داود : يجوز. لنا قوله ١٦٩ قوله تعالى (( وإن كنتم جنباً فاطَّهروا)) الآية سورة المائدة (فاطهروا) فدل على أنه ليس بطاهر ، وإلا لكان ذلك أمراً بتطهير الطاهر وإنه غير جائز ، وإذا لم يكن طاهراً لم يجز له مس المصحف لقوله تعالى ( لا يمسه إلا المطهرون ) . ﴿ المسألة الخامسة﴾ لا يجب تقديم الوضوء على الغسل، وقال أبو ثور وداود: يجب. لنا أن قوله ( فاطهروا) أمر بالتطهير، والتطهير حاصل بمجرد الإغتسال ، ولا يتوقف على الوضوء بدليل قوله عليه الصلاة والسلام (( أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فاذا أنا قد طهرت)) . المسألة السادسة ﴾ قال الشافعى رحمه الله : المضمضة والإِستنشاق غير واجبين فى الغسل ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : هما واجبان . حجة الشافعي قوله عليه الصلاة والسلام (( أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فاذا أنا قد طهرت)). وحجة أبي حنيفة الآية والخبر . أما الآية فقوله تعالى ( فاطهروا) وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم ، وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس ، ترك العمل به في الأجزاء الباطنة التي يتعذر تطهيرها ، وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما ، فوجب بقاؤهما تحت النص ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام ((بلوا الشعر وانقوا البشرة)) فان تحت كل شعرة جنابة فقوله ((بلوا الشعر)) يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً، وقوله ((وانقوا البشرة)» يدخل فيه جلدة داخل الفم . المسألة السابعة ﴾ شعر الرأس إن كان مفتولاً مشدوداً بعضه ببعض نظر ، فان كان ذلك يمنع من وصول الماء إلى جلدة الرأس وجب نقضه ، وقال مالك لا يجب ، وإن كان لا يمنع لم يجب وقال النخعي : يجب . لنا أن قوله ( فاطهروا) عبارة عن إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن ، فان كان شد بعض الشعور بالبعض مانعاً منه وجب إزالة ذلك الشد ليزول ذلك المانع ، فان لم يكن مانعاً منه لم يجب إزالته ، لأن ما هو المقصود قد حصل فلا حاجة إليه . ﴿ المسألة الثامنة ﴾ قال الأكثرون: لا ترتيب في الغسل، وقال إسحق : تجب البداءة بأعلى البدن لنا أن قوله ( فاطهروا) أمر بالتطهير المطلق ، وذلك حاصل بايصال الماء إلى كل، البدن ، فاذا حصل التطهير وجب أن يكون كافياً في الخروج عن العهدة. ١٧٠ قوله تعالى: ((وإن كنتم مرضى أو على سفر)) الآية سورة المائدة وَإِن كُنتُ مَّرْ ضَقَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ قوله تعالى ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر أوجاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ يجوز للمريض أن يتيمم لقوله تعالى ( وإن كنتم مرضى أو على سفر ) ولا يجوز أن يقال : إنه شرط فيه عدم الماء ، لأن عدم الماء يبيح التيمم ، فلا معنى لضمه إلى المرض ، وإنما يرجع قوله ( فلم تجدوا ماء ) إلى المسافر . ﴿ المسألة الثانية﴾ المرض على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يخاف الضرر والتلف، فههنا يجوز له التيمم بالاتفاق. الثاني: أن لا يخاف الضرر ولا التلف، فههنا قال الشافعي: لا يجوز التيمم، وقال مالك وداود - يجوز، وحجتها ان قوله (وإن كنتم مرضى) يتناول جميع أنواع المرض. الثالث: أن يخاف الزيادة في العلة وبطء المرض، فههنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي رحمه الله . وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله ، والدليل عليه عموم قوله (وإن كنتم مرضى ) الرابع : أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه ، قال في الجديد : لا يتيمم ، وقال في القديم يتيمم ، وهو الأصح لأنه هو المطابق للآية . المسألة الثالثة ﴾ إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض ، فقال الشافعي رحمه الله : إنه يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم ، وقال أبو حنيفة رحمه الله: أن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم ، وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم . حجة الشافعي رحمه الله الأخذ بالإِحتياط ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الله تعالى جعل المرض أحد أسباب جواز التيمم ، والمرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض فكان داخلاً تحت الآية . المسألة الرابعة ﴾ لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً يمنع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف ، قال الشافعي رحمه الله : يلزمه نزع اللصوق عند التيمم حتى يصل التراب إليه ، وقال الأكثرون : لا يجب . حجة الشافعي رعاية الإِحتياط ، وحجة الجمهور أن مدار الأمر في التيمم على التخفيف وإزالة الحرج على ما قال تعالى ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) فايجاب نزع اللصوق حرج ، فوجب أن لا يجب . ﴿ المسألة الخامسة﴾ يجوز التيمم في السفر القصير، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا : لا يجوز. لنا أن قوله تعالى ( أو على سفر ) مطلق وليس فيه تفصيل ن السفر هل ١٧١ سورة المائدة قوله تعالى: ((وإن كنتم مرضى أو على سفر)) الآية هو طويل أو قصير، ولقائل أن يقول : إنا إذا قلنا السفر الطويل والقصير سببان للرخصة لكون لفظ السفر مطلقاً وجب أن نقول : المرض الخفيف والشديد سببان للرخصة لكون لفظ المرض مطلقاً ، ويدل أيضاً على أن السفر القصير يبيح التيمم ما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه انصرف من قومه فبلغ موضعاً مشرفاً على المدينة فدخل وقت العصر فطلب الماء للوضوء فلم يجد فجعل يتيمم ، فقال له مولاه : أتتيمم وها هي تنظر إليك جدران المدينة ! فقال : أو أعيش حتى أبلغها ، وتيمم وصلى ، ودخل المدينة والشمس حية بيضاء وما أعاد الصلاة . المسألة السادسة ﴾ المسافر إذا كان معه ماء ويخاف العطش جاز له أن يتيمم لقوله تعالى في آخر الآية ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) ولأن فرض الوضوء سقط عنه إذا أضر بماله ، بدليل أنه إذا لم يجد الماء إلا بثمن كثير لم يجب عليه الوضوء ، فاذا أضر بنفسه كان أولى . المسألة السابعة ﴾ إذا كان معه ماء وكان حيوان آخر عطشاناً مشرفاً على الهلاك يجوز له التيمم لأن ذلك الماء واجب الصرف إلى ذلك الحيوان ، لأن حق الحيوان مقدم على الصلاة ، ألا ترى أنه يجوز له قطع الصلاة عند إشراف صبي أو أعمى على غرق أو حرق، فاذا كان كذلك كان ذلك الماء كالمعدوم ، فدخل حينئذ تحت قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) . المسألة الثامنة ﴾ إذا لم يكن معه ماء ولكن كان مع غيره ماء ، ولا يمكنه أن يشتري إلا بالغبن الفاحش جاز التيمم له : لأن قوله ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) رفع عنه تحمل الغبن الفاحش ، وحينئذ يكون كالفاقد للماء فيدخل تحت قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) وكذا القول إذا كان يباع الماء بثمن المثل لكنه لا يجد ذلك الثمن ، أو كان معه ذلك الثمن لكنه يحتاج إليه حاجة ضرورية ، فأما إذا كان واجداً لثمن المثل ولم يكن به إليه حاجة ضرورية فهنا يجب شراء الماء . المسألة التاسعة ﴾ إذا وهب منه ذلك الماء هل يجوز له التيمم ، قال أصحابنا : يجوز له التيمم ولا يجب عليه قبول ذلك الماء ، لأن المنة في قبول الهبة شاقة ، وأنا أتعجب منهم فانهم لما جعلوا هذا القدر من الحرج سبباً لجواز التيمم فلم لم يجدوا خوف زيادة الألم في المرض سبباً لجواز التيمم . ﴿ المسألة العاشرة﴾ إذا أعير منه الدلو والرشاء، فههنا الأكثرون قالوا: لا يجوز له التيمم ، لأن المنة في هذه الاعارة قليلة ، وكان هذا الإنسان واجداً للماء من غير حرج فلم يجز له التيمم لأن قوله تعالى ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) دليل على أنه يشترط لجواز التيمم عدم ١٧٢ قوله تعالى ((فلم تجدوا ماء فتيمموا)) الآية سورة المائدة فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَعَّمُواْ صَعِيدًا طَِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُومِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ وجدان الماء . ﴿ المسألة الحادية عشرة ﴾ قوله ( أو جاء أحد منكم من الغائط) كناية عن قضاء الحاجة ، وأكثر العلماء ألحقوا به كل ما يخرج من السبيلين سواء كان معتاداً أو نادراً لدلالة الأحاديث عليه . ﴿ المسألة الثانية عشر﴾ قال الشافعي رحمه الله: الإِستنجاء واجب إما بالماء وإما بالأحجار وقال أبو حنيفة رحمه الله : غير واجب . حجة الشافعي قوله : فليستنج بثلاثة أحجار ، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال ( أوجاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ) أوجب عند المجيء من الغائط الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث ، وذلك يدل على أنه غير واجب . ﴿ المسألة الثالثة عشرة﴾ لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله، ولا ينقض عند أبي حنيفة رحمه الله . المسألة الرابعة عشرة ﴾ ظاهر قوله ( أو لا مستم النساء) يدل على انتقاص وضوء اللامس ، أما انتقاض وضوء الملموس فغير مأخوذ من الآية ، بل إنما أخذ من الخبر ، أو من القیاس الجلي . قوله تعالى ﴿ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ وفيه مسائل ، وهي محصورة في نوعين : أحدهما : الكلام في أن الماء المطهر ما هو؟ والثاني : الكلام في أن التيمم كيف هو ؟ أما النوع الأول ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ الوضوء بالماء المسخن جائز ولا يكره، وقال مجاهد: يكره . لنا وجهان : الأول : قوله تعالى ( فاغسلوا وجوهكم ) والغسل عبارة عن إمرار الماء على العضو وقد أتى به فيخرج عن العهدة . الثاني : أنه قال ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) علق جواز التيمم بفقدان الماء ، وههنا لم يحصل فقدان الماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم . المسألة الثانية ﴾ قال أصحابنا : الماء إذا قصد تشميسه في الإناء كره الوضوء به ، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله : لا يكره . حجة أصحابنا ما روى عن ابن عباس رضي الله ١٧٣ سورة المائدة قوله تعالى ((فلم تجدوا ماء فتيمموا)) الآية عنهما أن النبي ◌َّ قال ((من اغتسل بماء مشمسٍ فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه)) ومن أصحابنا من قال : لا يكره ذلك من جهة الشرع ، بل من جهة الطب . وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه أمر بالغسل في قوله ( فاغسلوا وجوهكم ) وهذا غسل فيكون كافياً ، الثاني أنه واجد للماء فلم يجز له التيمم . المسألة الثالثة ﴾ لا يكره الوضوء بما فضل عن وضوء المشرك، وكذا لا يكره الوضوء بالماء الذي يكون في أواني المشركين . وقال أحمد وإسحق لا يجوز. لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ولأنه واجد للماء فلا يتيمم . وروى أنه عليه الصلاة والسلام توضأ من مزادة مشركة ، وتوضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية . المسألة الرابعة ﴾ يجوز الوضوء بماء البحر . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لا يجوز . لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ، ولأن شرط جواز التيمم عدم الماء ، ومن وجد ماء البحر فقد وجد الماء . المسألة الخامسة ﴾ قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز ذلك في السفر . حجة الشافعي قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) أوجب الشارع عند عدم الماء التيمم ، وعند الخصم يجوز له الترك للتيمم بل يجب ، وذلك بأن يتوضأ بنبيذ التمر ، فكان ذلك على خلاف الآية ، فان تمسكوا بقصة الجن قلنا : قيل أن ذلك كان ماء نبذت فيه تميرات لإزالة الملوحة ، وأيضاً فقصة الجن كانت بمكة وسورة المائدة آخر ما نزل من القرآن ، فجعل هذا ناسخاً لذلك أولى. ﴿ المسألة السادسة﴾ ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة . وقال الأكثرون : لا يجوز. لنا أن عند عدم الماء أوجب الله التيمم ، وتجويز الوضوء بسائر المائعات يبطل ذلك . احتجوا بأن قوله تعالى ( فاغسلوا وجوهكم ) أمر بمطلق الغسل ، وإمرار المائع على العضو يسمى غسلا كقول الشاعر : فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها وإذا كان الغسل اسماً للقدر المشترك بين ما يحصل بالماء وبين ما يحصل بسائر المائعات كان قوله ( فاغسلوا ) إذناً في الوضوء بكل المائعات . قلنا : هذا مطلق ، والدليل الذي ذكرناه مقيد ، وحمل المطلق على المقيد هو الواجب . المسألة السابعة ﴾ قال الشافعي رحمه الله : الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز ١٧٤ قوله تعالى ((فلم تجدوا ماء فتيمموا)) الآية 1 سورة المائدة الوضوء به . وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز : حجة الشافعي أن مثل هذا الماء لا يسمى ماء على الإِطلاق فواجده غير واجد للماء ، فوجب أن يجب عليه التيمم ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن واجده واجد للماء لأن الماء المتغير بالزعفران ماء موصوف بصفة معينة ، فكان أصل الماء موجوداً لا محالة ، فواجده يكون واجداً للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم لقوله تعالى ( فلم تجدوا ماء فتيمموا) علق جواز التيمم بعدم الماء . المسألة الثامنة﴾ الماء الذي تغير وتعفن بطول المكث طاهر طهور بدليل قوله تعالى ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) علق جواز التيمم على عدم الماء وهذا الماء المتعفن ماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم عند وجوده . ﴿ المسألة التاسعة﴾ قال مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء يبقى طاهراً طهوراً، وهو قول قديم للشافعي رحمه الله ، والقول الجديد للشافعي أنه لم يبق طهوراً ولكنه طاهر ، وهو قول محمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة رحمه الله في أكثر الروايات أنه نجس . حجة مالك أن جواز التيمم معلق على عدم وجدان الماء ، وهو قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) وواجد الماء المستعمل واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم ، وإذا لم يجز التيمم جازله التوضؤ ، لأنه لا قائل بالفرق . وأيضاً قال تعالى ( وأنزلنا من السماء ماء طهوراً) والطهور هو الذي يتكرر منه هذا الفعل كالضحوك والقتول والأكول والشروب ، والتكرار إنما يحصل إذا كان المستعمل في الطهارة يجوز استعماله فيها مرة أخرى . المسألة العاشرة ﴾ قال مالك : الماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير الماء بتلك النجاسة بقي طاهراً طهوراً سواء كان قليلاً أو كثيراً، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين . وقال الشافعي رحمه الله: إن كان أقل من القلتين ينجس . وقال أبو حنيفة : إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس . حجة مالك أن الله جعل في هذه الآية عدم الماء شرطاً لجواز التيمم ، وواجد هذا الماء الذي فيه النزاع واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز له التيمم . أقصى ما في الباب أن يقال : هذا المعنى موجود عند صيرورة الماء القليل متغيراً ، إلا أنا نقول : العام حجة في غير محل التخصيص ، وأيضاً قوله تعالى ( فاغسلوا وجوهكم ) أمر بمطلق الغسل ، ترك العمل به في سائر المائعات وفي الماء القليل الذي تغير بالنجاسة ، فيبقى حجة في الباقي . وقال مالك رحمه الله: ثم تأيد التمسك بهذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام ((خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه)) ولا يعارض هذا بقوله عليه الصلاة والسلام ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً)) لأن القرآن أولى من خبر الواحد ، والمنطوق أولى من المفهوم . : ١٧٥ سورة المائدة قوله تعالى ((فلم تجدوا ماء فتيمموا)) الآية المسألة الحادية عشرة ﴾ يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب. وقال أحمد وإسحق : لا يجوز بفضل ماء المرأة إذا خلت به ، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب . لنا قوله تعالى ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) وواجد هذا الماء واجد للماء فلم يجز له التيمم ، وإذا لم يجز له ذلك جاز له الوضوء لأنه لا قائل بالفرق . المسألة الثانية عشرة ﴾ أسار السباع طاهرة مطهرة ، وكذا سؤر الحمار. وقال أبو حنيفة رحمه الله : نجسة . لنا أن واجد هذا السؤر واجد للماء فلم يجز له التيمم ، ولأن قوله ( فاغسلوا ) يتناول جميع أنواع الماء على ما تقدم تقرير هذين الوجهين . ﴿المسألة الثالثة عشرة﴾ الماء إذا بلغ قلتين ووقعت فيه نجاسة غير مغيرة بقي طاهراً طهوراً عند الشافعي رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله ينجس . لنا أنه واجد للماء فلم يجز له التيمم ، ولأنه أمر بالغسل وقد أتى به فخرج عن العهدة : المسألة الرابعة عشرة ﴾ الماء الذي تفتت الأوراق فيه ، للناس فيه تفاصيل ، لكن هذه الآية دالة على كونه طاهراً مطهراً ما لم يزل عنه اسم الماء المطلق ، وبالجملة فهذه الآية دالة على أنه كلما بقي اسم الماء المطلق كان طاهراً طهوراً . النوع الثاني ﴾ من المسائل المستخرجة من هذه الآية من مسائل التيمم. ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون رحمهم الله: لا بد في التيمم من النية ، وقال زفر رحمه الله لا يجب . لنا قوله تعالى ( فتيمموا ) والتيمم عبارة عن القصد ، فدل على أنه لا بد من النية . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال الشافعي وأبو حنيفة: يجب تيمم اليدين إلى المرفقين، وعن علي وابن عباس إلى الرسغين ، وعن مالك إلى الكوعين ، وعن الزهري إلى الآباط . لنا : اليد اسم لهذا العضو إلى الأبط فقوله ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) يقتضي المسح إلى الأبطين ، تركنا العمل بهذا النص في العضدين لأنا نعلم أن التيمم بدل عن الوضوء . ومبناه على التخفيف بدليل أن الواجب تطهير أعضاء أربعة في الوضوء ، وفي التيمم الواجب تطهير عضوين وتأكد هذا المعنى بقوله تعالى في آية التيمم ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ) فإذا كان العضدان غير معتبرين في الوضوء فبأن لا يكونا معتبرين في التيمم أولى ، وإذا خرج العضدان عن ظاهر النص بهذا الدليل بقي اليدان إلى المر فقين فيه ، فالحاصل انه تعالى إنما ترك تقييد التيمم في اليدين بالمرفقين لأنه بدل عن الوضوء ، فتقييده بهما في الوضوء ١٧٦ قوله تعالى ((فلم تجدوا ماء فتيمموا)) الآية سورة المائدة يغني عن ذكر هذا التقييد في التيمم . المسألة الثالثة﴾ يجب استيعاب العضوين في التيمم . ونقل الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا يمم الأكثر جاز. لنا قوله ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) والوجه واليد اسم لجملة هذين العضوين ، وذلك لا يحصل إلا بالإِستيعاب ، ولقائل أن يقول : قد ذكرتم في قوله تعالى ( وامسحوا برؤسكم ) أن الباء تفيد التبعيض فكذا ههنا . ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قال الشافعي رحمه الله: إذا وضع يده على الأرض فما لم يعلق بيده شيء من الغبار لم يجزه ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله . وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله يجزئه . لنا قوله تعالى ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وكلمة (( منه)) تدل على التمسح بشيء من ذلك التراب كما أن من قال : فلان يمسح من الدهن أفاد هذا المعنى ، وقد بالغنا في تقرير هذا في تفسير آية التيمم من سورة النساء والله أعلم . المسألة الخامسة ﴾ قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز بالتراب وبالرمل وبالخزف المدقوق والجص والنورة والزرنيخ . لنا ما روى أن ابن عباس قال : الصعيد هو التراب ، وأيضاً التيمم طهارة غير معقولة المعنى ، فوجب الإِقتصار فيه على مورد النص ، والنص المفصل إنما ورد في التراب . قال عليه الصلاة والسلام ((التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج)) وقال ((جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً)) والله أعلم . المسألة السادسة ﴾ لو وقف على مهب الرياح فسفت الرياح التراب عليه فأمر يده عليه أو لم يمر ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله أنه لا يكفي . وقال بعض المحققين يكفي ، لأنه لما وصل الغبار إلى أعضائه ثم أمر الغبار على تلك الأعضاء فقد قصد إلى استعمال الصعيد الطيب في أعضائه فكان كافياً . المسألة السابعة﴾ المذهب أنه إذا يممه غيره صح، وقيل لا يصح لأن قوله ( فتيمموا) أمر له بالفعل ولم يوجد . ١٧٧٠ قوله تعالى ((فلم تجدوا ماء فتيمموا)) الآية سورة المائدة المسألة الثامنة ﴾ قال الشافعي رحمه الله: لا يجوز التيمم إلا بعد دخول وقت الصلاة . وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز . لنا قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة) إلى قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا) والقيام الى الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها . المسألة التاسعة ﴾ إذا ضرب رجله حتى ارتفع عنه غبار قال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز له أن يتيمم ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز . حجة أبي يوسف قوله تعالى ( فيمموا صعيدا طيبا) والغبار المنفصل عن التراب لا يقال إنه صعيد طيب ، فوجب أن لا يجزى . المسألة العاشرة ﴾ لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله تعالى ( فتيمموا صعيدا طيبا) والنجس لا يكون طيبا . المسألة الحادية عشرة ﴾ قال الشافعي رحمه الله : المسافر إذا لم يجد الماء بقربه لم يجز له التيمم إلا بعد الطلب عن اليمين واليسار ، وإن كان هناك واد هبط اليه ، وإن كان جبل صعده . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إذا غلب على ظنه عدم الماء لم يجب طلبه . لنا قوله تعالى ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) جعل عدم وجدان الماء شرطاً لجواز التيمم ، وعدم الوجدان مشروط بتقديم الطلب ، فدل هذا على أنه لا بد من تقديم الطلب . المسألة الثانية عشرة﴾ لا يصح الطلب إلا بعد دخول وقت الصلاة ، فان طلب قبله يلزمه الطلب ثانيا بعد دخول الوقت ، إلا أن يحصل عنده يقين أن الأمر بقي كما كان ولم يتغير . لنا قوله تعالى ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ) إلى قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) فقوله ( إذا قمتم إلى الصلاة ) عبارة عن دخول الوقت ، فوجب أن يكون قوله ( فلم تجدوا ) عبارة عن عدم الوجدان بعد دخول الوقت ، وعدم الوجدان بعد دخول الوقت مشروط بحصول الطلب بعد دخول الوقت ، فعلمنا أنه لا بد من الطلب بعد دخول الوقت . المسألة الثالثة عشرة﴾ لا خلاف في جواز التيمم بدلا عن الوضوء . وأما التيمم بدلا عن الغسل في حق الجنب فعن على وابن عباس جوازه ، وهو قول أكثر الفقهاء . وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز . لنا أن قوله : إما أن يكون مختصا بالجماع أو يدخل فيه الجماع ، فوجب جواز التيمم الفخر الرازي ج١١ م١٢. ١٧٨ قوله تعالى ((فلم تجدوا ماء فتيمموا)) الآية سورة المائدة بدلا عن الغسل لقوله ( أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) . ة المسألة الرابعة عشرة﴾ قال الشافعي رحمه الله: لا يجمع بالتيمم بين فرضين وإن لم يحدث كما في الوضوء . وقال أحمد : يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين . حجة الشافعي : قوله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) إلى قوله ( وإن كنتم جنبا . فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ) . وجه الاستدلال به أن ظاهره يقتضى الأمر بكل وضوء عند كل صلاة إن وجد الماء ، وبالتيمم إن فقد الماء ، ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله وتض ليل ، فيبقى في التيمم على مقتضى ظاهر الآية . ﴿ المسألة الخامسة عشرة﴾ قال الشافعي رحمه الله: اذا لم يجد الماء في أول الوقت ويتوقع وجدانه في آخر الوقت جازله التيمم في أول الوقت . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : بل يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت . حجة الشافعي : قوله ( إذا قمتم إلى الصلاة ) إلى قوله ( قلم تجدوا ماء ) وقوله ( إذا قمتم إلى الصلاة ) ليس المراد منه القيام إلى الصلاة ، بل المراد دخول وقت الصلاة . وهذا يدل على أن عند دخول الوقت اذا لم يجد الماء جاز له التيمم . المسألة السادسة عشرة ﴾ اذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه وقال أبو موسى الأشعري والشعبي : لا يبطل . لنا قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) إلى قوله ( قلم تجدوا ماء فتيمموا) شرط عدم وجدان الماء بجواز الشروع في الصلاة بالتيمم ، ومن وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة فقد فاته هذا الشرط فوجب أن لا يجوز له الشروع في الصلاة بذلك التيمم . المسألة السابعة عشرة ﴾ لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة . قال طاوس : يلزمه . لنا قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) إلى قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) جوز له الشروع في الصلاة بالتيمم عند عدم وجدان الماء ، وقد حصل ذلك ، فوجب أن يكون سبباً لخروجه عن عهدة التكليف ، لأن الاتيان بالمأمور به سبب للاجزاء . ١٧٩ سورة المائدة قوله تعالى ((فلم تجدوا ماء فتيمموا)) الآية المسألة الثامنة عشرة ﴾ لو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها، وبه قال مالك وأحمد خلافا لأبي حنيفة والثوري ، وهو اختيار المزنى وابن شريح . لنا أن عدم وجدان الماء يقتضي جواز الشروع في الصلاة بحكم التيمم على ما دلت الآية عليه . فقد انتقدت عليه صلاته صحيحة ، فاذا وجد الماء في أثناء الصلاة فنقول : ما لم تبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء ، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لا تبطل صلاته ، فيتوقف كل واحد منهما على الآخر ، فيكون دورا وهو باطل . والله أعلم . المسألة التاسعة عشرة ﴾ لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الاعادة على أحد قولي الشافعي رحمه الله ، وهو قول أحمد وأبي يوسف ، والقول الثاني أنه لا يلزمه ، وهو قول مالك وأبي حنيفة . حجة القول الثاني أنه عاجز عن الماء لأن عدم الماء كما "أنه سبب للعجز عن استعمال الماء ، فكذلك النسيان سبب للعجز ، فثبت أنه عند النسيان عاجز فيه ، فيدخل تحت قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) وحجة القول الأول أنه غير معذور في ذلك النسيان . المسألة العشرون ﴾ إذا ضل رحله في الرحال ففيه الخلاف المذكور، والأولى أن لا تجب الاعادة . المسألة الحادية والعشرون ﴾ إذا نسي كون الماء في رحله ولكنه استقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجده ، فالأكثرون على أنه تجب الاعادة لأن العذر ضعيف. وقال قوم : لا تجب الاعادة ، لأنه لما استقصي في الطلب صار عاجزاً عن استعمال الماء فدخل تحت قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) . المسألة الثانية والعشرون ﴾ لو صلی بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكن استعمال ذلك الماء ، فان كان قد علمه أولا ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله ، وإن لم يكن عالمابها قط ، فان كان عليها علامة ظاهرة لزمه الاعادة ، وإن لم يكن عليها علامة فلا إعادة لأنه عاجز عن استعمال الماء ، فدخل تحت قوله ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) فهذا جملة الكلام في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه الآية ، وهي مائة مسألة ، وقد كتبناها في موضع ما كان معنا شيء من الكتب الفقهية المعتبرة ، وكان القلب مشوشا بسبب استيلاء الكفار على بلاد المسلمين . فنسأل الله تعالى أن يكفينا شرهم ، وأن يجعل كدنا في استنباط أحكام الله من نص الله سببا لرجحان الحسنات على السيآت انه أعز مأمول وأكرم مسئول . ١٨٠ قوله تعالى ((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج)) الآية سورة المائدة مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُ مِنْ حَجِ وَلَكِنِيُِّدُ لِيُطَهِرَكُمْ وَلِيُتِمَ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُونَ (هـ قوله تعالى ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ﴾ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ دلت الآية على أنه تعالى مريد، وهذا متفق عليه بين الأئمة ، إلا أنهم اختلفوا في تفسير كونه مريدا ، فقال الحسن النجار : أنه مريد بمعنى أنه غير مغلوب ولا مكره ، وعلى هذا التقدير فكونه تعالى ((مريدا)) صفة سلبية ، ومنهم من قال : انه صفة ثبوتية ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : معنى كونه مريداً لأفعال نفسه أنه دعاه الداعي إلى إيجادها . ومعنى كونه مريداً لأفعال غيره أنه دعاه الداعي إلى الأمر بها ، وهو قول الجاحظ وأبي قاسم الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة . وقال الباقون : كونه مريدا صفة زائدة على العلم ، وهو الذي سميناه بالداعي ، ثم منهم من قال : انه مريد لذاته ، وهذه هي الرواية الثانية عن الحسن النجار . وقال آخرون : انه مريد بارادة ، ثم قال أصحابنا : مريد بارادة قديمة . قالت المعتزلة البصرية : مريد بارادة محدثة لا في محله وقالت الكرامية : مريد بارادة محدثة قائمة بذاته والله أعلم . المسألة الثانية ﴾ قالت المعتزلة: دلت الآية على أن تكليف ما لا يطاق لا يوجد لأنه تعالى أخبر أنه ما جعل عليكم في الدين من حرج ، ومعلوم أن تكليف ما لا يطاق أشد أنواع الحرج . قال أصحابنا : لما كان خلاف المعلوم محال الوقوع فقد لزمكم ما ألزمتموه علينا . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن هذه الآية أصل كبير معتبر في الشرع، وهو أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، ويدل عليه هذه الآية فانه تعالى قال ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) ويدل عليه أيضا قوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ويدل عليه من الأحاديث قوله عليه السلام (( لا ضرر ولاضرار في الاسلام)) ويدل عليه أيضا أن دفع الضرر مستحسن في العقول فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشرع لقوله عليه السلام ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) وأما بيان أن الأصل في المنافع الاباحة فوجوه : أحدها: قوله تعالى ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) وثانيها : قوله ( أحل لكم الطيبات ) وقد بينا أن