النص المفهرس

صفحات 121-140

قوله تعالى: ((يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم)) الآية سورة النساء ١٢١
يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُ بُرْهَنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينا ◌َ﴾ فَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَيُدْ خِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ
٤٠٠٤
صِرَاطًا مُسْتَقِيماً
المسألة الخامسة﴾ قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( عبيد اللّه) على التصغير.
المسألة السادسة ﴾ قوله (ولا الملائكة المقربون) يدل على أن طبقات الملائكة مختلفة
في الدرجة والفضيلة فالاكابر منهم مثل جبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وحملة العرش ،
وقد شرحنا طبقاتهم في سورة البقرة في تفسير قوله ( وإذ قال ربك للملائكة ) .
ثم قال تعالى ﴿ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم اليه جميعا﴾ والمعنى أن
من استنكف عن عبادة الله واستكبر عنها فان الله يحشرهم اليه أي يجمعهم اليه يوم القيامة حيث
لا يملكون لانفسهم شيئا .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه يحشر هؤلاء المستنكفين المستكبرين لم يذكر ما يفعل بهم بل
ذكر أولا ثواب المؤمنين المطيعين .
فقال ﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾ ثم
ذكر آخراً عقاب المستنكفين المستكبرين .
فقال ﴿ وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليما ولا يجدون لهم من دون الله
ولياً ولا نصيرا﴾ والمعنى ظاهر لا إشكال فيه ، وإنما قدم ثواب المؤمنين على عقاب المستنكفين
لأنهم إذا رأوا أولا ثواب المطيعين ثم شاهدوا بعده عقاب أنفسهم كان ذلك أعظم في الحسرة .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا اليكم نوراً مبينا فأما الذين
آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم اليه صراطاً مستقيما ﴾.
واعلم أنه تعالى : لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود
والنصارى وأجاب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب . ودعا جميع الناس الى الاعتراف برسالة
محمد عليه الصلاة والسلام فقال ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ) والبرهان هو محمد
عليه الصلاة والسلام ، وإنما سماه برهانا لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال

١٢٢
قوله تعالى: ((يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة)) الآية
سورة النِّساء
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِكُمْ فِى الْكَلَلَةِ إِن أَمْرُ ؤْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ وَلَهُ -أُخْتٌ فَلَهَا
يِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَ إِن لَّمْ يَكُن لََّا وَلَدْهُ فَإِن كَانَتَ أَنْنَتَيْنِ فَلَهُمَالثُّلُثَنِ مِمَّا
تَرَّ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةُ رِجَالًا وَنِسَآءُ فَلَّ كَرٍ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْيَنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَنْ
تَضِلُواْ وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (3)
٠١٠٠٠-"
الباطل ، والنور المبين هو القرآن ، وسماه نوراً لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب ، ولما قرر
على كل العالمين كون محمد رسولا وكون القرآن كتاباً حقاً أمرهم بعد ذلك أن يتمسكوا بشريعة
محمد ◌ٍّ ووعدهم عليه بالثواب فقال ( فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به) والمراد آمنوا بالله في
ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ، واعتصموا به أي بالله في أن يثبتهم على الايمان
ويصونهم عن نزغ الشيطان ويدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم اليه صراطاً مستقيما ، فوعد
بأمور ثلاثة ، الرحمة والفضل والهداية . قال ابن عباس : الرحمة الجنة ، والفضل ما يتفضل به
عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ( ويهديهم اليه صراطاً مستقيما) يريد ديناً مستقيما .
وأقول : الرحمة والفضل محمولان على ما في الجنة من المنفعة والتعظيم ، وأما الهداية
فالمراد منها السعادات الحاصلة بتجلي أنوار عالم القدس والكبرياء في الأرواح البشرية وهذا هو
السعادة الروحانية ، وأخر ذكرها عن القسمين الأولين تنبيهاً على أن البهجة الروحانية أشرف
من اللذات الجسمانية .
قوله تعالى ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت
فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا
إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ﴾ .
اعلم أنه تعالى تكلم في أول السورة في أحكام الأموال وختم آخرها بذلك ليكون الآخر
مشاكلا للأول ، ووسط السورة مشتمل على المناظرة مع الفرق المخالفين للدين . قال أهل
العلم : ان الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين احداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة ،
والأخرى في الصيف وهي هذه الآية ، ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف وقد ذكرنا أن الكلالة
اسم يقع على الوارث وعلى الموروث ، فان وقع على الوارث فهو من سوى الوالد والولد ، وان
وقع على الموروث فهو الذي مات ولا يرثه احد الوالدين ولا أحد من الأولاد ، ثم قال ( ان

١٠
١٢٣
سورة النِّساء
قوله تعالى: ((يبين الله لكم أن تضلوا)» الآية
امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ) ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر ، ومحل
( ليس له ولد) الرفع على الصفة ، أي ان هلك امرؤ غير ذي ولد .
واعلم أن ظاهر هذه الآية فيه تقييدات ثلاث : الأول : ان ظاهر الآية يقتضي أن
الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد ، فأما عند وجود الولد فانها لا تأخذ النصف ، وليس الأمر
كذلك ، بل شرط کون الأخت تأخذ النصف أن لا یکون للمیت ولد ابن ، فان کان له بنت فان
الأخت تأخذ النصف . الثاني : ان ظاهر الآية يقتضي أنه اذا لم يكن للميت ولد فان الأخت
تأخذ النصف وليس كذلك ، بل الشرط ان لا يكون للميت ولد ولا والد ، وذلك لأن الأخت لا
ترث مع الوالد بالاجماع . الثالث : أن قوله ( وله أخت ) المراد منه الأخت من الأب والأم ،
أو من الأب لأن الأخت من الأم والأخ من الأم قد بين الله حكمه في أول السورة بالاجماع .
ثم قال تعالى ﴿ وهو يرثها ان لم يكن لها ولد ﴾ يعني أن الأخ يستغرق ميراث الأخت
اذا لم يكن للأخت ولد ، الا أن هذا الأخ من الأب والأم أو من الأب ، أما الأخ من الأم فانه
لا يستغرق الميراث .
ثم قال تعالى ﴿ فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وان كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر
مثل حظ الانشين ﴾ وهذه الآية دالة على أن الأخت المذكورة ليست هي الأخت من الأم فقط ،
وروى أن الصديق رضي الله عنه قال في خطبته : ألا ان الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في
الفرائض ، فأولها في الولد والوالد ، وثانيها في الزوج والزوجة والأخوة من الأم ، والآية التي
ختم بها سورة النساء أنزلها في الأخوة والأخوات من الأب والأم ، والآية التي ختم بها سورة
الانفال أنزلها في أولى الأرحام .
ثم قال تعالى ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا﴾ وفيه وجوه : الأول : قال البصريون :
المضاف ههنا محذوف وتقديره : يبين الله لكم كراهة أن تضلوا ، إلا أنه حذف المضاف كقوله
( واسأل القرية ) الثاني: قال الكوفيون : حرف النفي محذوف، والتقدير ، يبين الله لكم لمثلا
تضلوا ، ونظيره قوله ( إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ) أي لئلا تزولا . الثالث :
قال الجرجاني صاحب النظم : يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتجتنبوها .
ثم قال تعالى ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقا.
واعلم أن في هذه السورة لطيفة عجيبة ، وهي أن أولها مشتمل على بيان كمال قدرة الله
تعالى فانه قال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) وهذا دال على سعة

١٢٤
قوله تعالى: ((يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم)) الآية سورة النِّساء
القدرة ، وآخرها مشتمل على بيان كمال العلم وهو قوله ( والله بكل شيء عليم ) وهذان
الوصفان هما اللذان بهما تثبت الربوبية والالهية والجلالة والعزة ، وبهما يجب على العبد أن
يكون مطيعا للأوامر والنواهي منقاداً لكل التكاليف .
قال المصنف فرغت من تفسير هذه السورة يوم الثلاثاء ثاني عشر جمادي الآخرة من سنة
خمس وتسعين وخمسمائة .

١٢٥
سورة المائدة
قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)» الآية
(٥) سُورَة المائِدَة مَانيَّة
وآَيَاتها عشرونَ وَقانة
مدنية إلا آية ٣ فنزلت بعرفات في حجة الوداع
وآياتها ١٢٠ نزلت بعد الفتح
بِسُـ
ج
يَأْيُهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَوْ فُوا بِالْعُقُودِ
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود
في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ يقال: وفي بالعهد وأوفى به ، ومنه (الموفون بعدهم) والعقد هو
وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والاحكام ، والعهد إلزام ، والعقد التزام على سبيل
الاحكام ، ولما كان الايمان عبارة عن معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله وکان من
جملة أحكامه أنه يجب على جميع الخلق إظهار الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه وأوامره ونواهيه
فكان هذا العقد أحد الأمور المعتبرة في تحقق ماهية الايمان ، فلهذا قال ( يا أيها الذين آمنوا.
أوفوا بالعقود ) يعني يا أيها الذين التزمتم بايمانكم أنواع العقود في إظهار طاعة الله أوفوا بتلك
العقود ، وإنما سمى الله تعالى هذه التكاليف عقودا كما في هذه الآية لأنه تعالى ربطها بعباده كما
يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق .
واعلم أنه تعالى تارة يسمى هذه التكاليف عقودا كما في هذه الآية ، وكما في قوله ( ولكن

١٢٦
قوله تعالى: ((أحلت لكم بهيمة الأنعام)) الآية
سورة المائدة
أُحِلَتْ لَكُ بِمَةُ الْأَنْعَِمِ
يؤاخذكم بما عقدتم الايمان ) وتارة عهودا ، قال تعالى ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) وقال
( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان ) وحاصل الكلام في هذه الآية أنه أمر بأداء
التكالیف فعلا وتركا .
المسألة الثانية ﴾ قال الشافعي رحمه الله: اذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد
لغا، وقال أبو حنيفة رحمه الله: بل يصح. حجة أبي حنيفة أنه نذر الصوم والذبح فيلزمه
الصوم والذبح ، بيان الأول أنه نذر صوم يوم العيد ، ونذر ذبح الولد ، وصوم يوم العيد ماهية
مركبة من الصوم ومن وقوعه في يوم العيد ، وكذلك ذبح الولد ماهية مركبة من الذبح ومن
وقوعه في الولد ، والآتي بالمركب يكون آتيا بكل واحد من مفرديه ، فملتزم صوم يوم العيد
وذبح الولد يكون لا محالة ملتزما للصوم والذبح .
إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن يجب عليه الصوم والذبح لقوله تعالى ( أوفوا بالعقود )
ولقوله تعالى ( لم تقولون ما لا تفعلون ) ولقوله ( يوفون بالنذر ) ولقوله عليه الصلاة والسلام
((أوف بنذرك)) أقصى ما في الباب أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعا في يوم العيد ،
وفي خصوص كون الذبح واقعا في الولد ، إلا أن العام بعد التخصيص حجة ، وحجة
الشافعي رحمه الله: أن هذا نذر في المعصية فيكون لغواً لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا نذر في
معصية الله )) .
ة المسألة الثالثة ﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله : خيار المجلس غير ثابت ، وقال الشافعي
رحمه الله : ثابت ، حجة أبي حنيفة أنه لما انعقد البيع والشراء وجب أن يحرم الفسخ ، لقوله
تعالى ( أوفوا بالعقود ) وحجة الشافعي تخصيص هذا العموم بالخبر ، وهو قوله عليه الصلاة
والسلام ((المتبايعان بالخيار كل واحد منهما ما لم يتفرقا)).
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال أبو حنيفة رحمه الله: الجمع بين الطلقات حرام، وقال الشافعي
رحمه الله: ليس بحرام ، حجة أبي حنيفة أن النكاح عقد من العقود لقوله تعالى ( ولا تعزموا
عقدة النكاح ) فوجب أن يحرم رفعه لقوله تعالى ( أوفوا بالعقود ) ترك العمل به في الطلقة
الواحدة بالاجماع فيبقى فيما عداها على الأصل ، والشافعي رحمه الله خصص هذا العموم
بالقياس ، وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم .
قوله تعالى ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾

١٢٧
: سورة المائدة
قوله تعالى: ((أحلت لكم بهيمة الأنعام)) الآية
اعلم أنه تعالى لما قرر بالآية الأولى على جميع المكلفين أنه يلزمهم الانقياد لجميع تكاليف
الله تعالى ، وذلك كالأصل الكلي والقاعدةُ الجملية ، شرع بعد ذلك في ذكر التكاليف المفصلة ،
فبدأ بذكر ما يحل وما يحرم من المطعومات فقال ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قالوا: كل حي لا عقل له فهو بهيمة ، من قولهم : استبهم الأمر
على فلان إذا أشكل ، وهذا باب مبهم أي مسدود الطريق، ثم اختص هذا الأسم بكل ذات
اربع في البر والبحر ، والأنعام هي الابل والبقر والغنم ، قال تعالى ( والأنعام خلقها لكم فيها
دفء) إلى قوله ( والخيل والبغال والحمير ) ففرق تعالى بين الأنعام وبين الخيل والبغال
والحمير. وقال تعالى ( مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم
ومنها يأكلون) وقال (ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله) إلى قوله ( ثمانية أزواج من
الضأن اثنين ومن المعزاثنين ) وإلى قوله ( ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين ) قال الواحدي رحمه
الله : ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء .
إذا عرفت هذا فنقول : في لفظ الآية سؤالات : الأول : أن البهيمة اسم الجنس ،
والانعام اسم النوع فقوله ( بهيمة الأنعام ) يجري مجرى قول القائل : حيوان الانسان وهو
مستدرك . الثاني : انه تعالى لو قال : أحلت لكم الأنعام ، لكان الكلام تاما بدليل أنه تعالى
قال في آية أخرى ( وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) فأي فائدة في زيادة لفظ البهيمة في
هذه الآية . الثالث : أنه ذكر لفظ البهيمة بلفظ الوحدان ، ولفظ الأنعام بلفظ الجمع ، فما
الفائدة فيه ؟
والجواب عن السؤال الأول من وجهين : الأول : أن المراد بالبهيمة وبالأنعام شيء
واحدٍ، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان، وهذه الاضافة بمعنى ((من)) كخاتم فضة ، ومعناه
البهيمة من الأنعام أو للتأكيد كقولنا : نفس الشيء وذاته وعينه . الثاني : أن المراد بالبهيمة
شيء ، وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : أن المراد من بهيمة الأنعام
الظباء وبقر الوحش ونحوها ، كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في
الاجترار وعدم الأنياب ، فاضيفت إلى الأنعام لحصول المشابهة . الثاني : أن المراد ببهيمة
الأنعام أجنة الأنعام . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها
جنين ، فأخذ ابن عباس بذنبها وقال : هذا من بهيمة الأنعام . وعن ابن عمر رضي الله عنهما
أنها أجنة الأنعام ، وذكاته ذكاة أمه .
واعلم أن هذا الوجه يدل على صحة مذهب الشافعي رحمه الله في أن الجنين مذكى بذكاة
الأم .
:

١٢٨
قوله تعالى: ((أحلت لكم بهيمة الأنعام)) الآية
سورة المائدة
المسألة الثانية ﴾ قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام، والايلام قبيح، والقبيح لا
يرضى به الاله الرحيم الحكيم ، فيمتنع أن يكون الذبح حلالا مباحا بحكم الله . قالوا :
والذي يحقق ذلك أن هذه الحيوانات ليس لها قدرة عن الدفع عن أنفسها ، ولا لها لسان تحتج
على من قصد إيلامها ، والايلام قبيح إلا أن إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى هذا الحد
أقبح .
واعلم أن فرق المسلمين افترقوا فرقا كثيرة بسبب هذه الشبهة فقالت المكرمية : لا نسلم
أن هذه الحيوانات تتألم عند الذبح ، بل لعل الله تعالى يرفع ألم الذبح عنها . وهذا كالمكابرة
في الضروريات ، وقالت المعتزلة : لا نسلم أن الايلام قبيح مطلقا ، بل إنما يقبح اذا لم يكن
مسبوقا بجناية ولا ملحقا بعوض . وههنا الله سبحانه يعوض هذه الحيوانات في الآخرة بأعواض
شريفة ، وحينئذ يخرج هذا الذبح عن أن يكون ظلما ، قالوا : والذي يدل على صحة ما قلناه
ما تقرر في العقول أنه يحسن تحمل ألم الفصد والحجامة لطلب الصحة ، فاذا حسن تحمل
الألم القليل لأجل المنفعة العظيمة ، فكذلك القول في الذبح . وقال أصحابنا : إن الأذن في
ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ملكه ، والمالك لا اعتراض عليه اذا تصرف في ملك
نفسه ، والمسألة طويلة مذكورة في علم الأصول والله أعلم .
المسألة الثالثة ﴾ قال بعضهم : قوله ( احلت لكم بهيمة الأنعام) مجمل ؛ لأن
الاحلال انما يضاف الى الافعال ، وههنا أضيف إلى الذات فتعذر اجراؤه على ظاهره فلا بد من
اضمار فعل ، وليس إضمار بعض الافعال أولى من بعض ، فيحتمل أن يكون المراد إحلال
الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو لحمها ، أو المراد احلال الانتفاع بالأكل ، ولا شك
أن اللفظ محتمل للكل فصارت الآية مجملة ، الا أن قوله تعالى ( والانعام خلقها لكم فيها دفء
ومنافع ومنها تأكلون ) دل على أن المراد بقوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) اباحة الانتفاع بها
من كل هذه الوجوه .
واعلم انه تعالى لما ذكر قوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) ألحق به نوعين من الاستثناء :
الأول : قوله ( الا ما يتلى عليكم ) واعلم أن ظاهر هذه الاستثناء مجمل ، واستثناء الكلام
المجمل من الكلام المفصل يجعل ما بقي بعد الاستثناء مجملا أيضا ، إلا أن المفسرين أجمعوا
على أن المراد من هذا الاستثناء هو المذكور بعد هذه الآية وهو قوله ( حرمت عليكم الميتة والدم
ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما
ذكيتم وما ذبح على النصب ) ووجه هذا أن قوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) يقتضي احلالها
لهم على جميع الوجوه فبين الله تعالى أنها ان كانت ميتة ، أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو

١٢٩
سورة المائدة
قوله تعالى: ((إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد )) الآية
إِلَّمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ مُ إِنَّ اللهَ يَحْكُ مَا يُرِيدُ (2)
افترسها السبع أو ذبحت على غير اسم الله تعالى فهي محرمة .
النوع الثاني ﴾ من الاستثناء قوله تعالى ﴿ غير محلى الصيد وانتم حرم﴾ وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ انه تعالى لما أحل بهيمة الأنعام ذكر الفرق بين صيدها وغير صيدها،
فعرفنا ان ما كان منها صيداً ، فانه حلال في الاحلال دون الاحرام ، وما لم يكن صيدا فانه
حلال في الحالين جميعا والله أعلم .
المسألة الثانية ) قوله ( وأنتم حرم) أي محرمون أي داخلون في الاحرام بالحج
والعمرة أو أحدهما ، يقال : أحرم بالحج والعمرة فهو محرم وحرم ، كما يقال : أجنب فهو
مجنب وجنب ، ويستوي فيه الواحد والجمع ، يقال قوم حرم كما يقال قوم جنب . قال تعالى
( وان كنتم جنبا فاطهروا)
واعلم أنا إذا قلنا : أحرم الرجل فله معنيان : الأول هذا ، والثاني أنه دخل الحرم
فقوله ( وأنتم حرم) يشتمل على الوجهين ، فيحرم الصيد على من كان في الحرم كما يحرم على
من كان محرما بالحج أو العمرة ، وهو قول الفقهاء .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ اعلم أن ظاهر الآية يقتضي ان الصيد حرام على المحرم ، ونظير هذه
الآية قوله تعالى (وإذا حللتم فاصطادوا) فان ((إذا)) للشرط، والمعلق بكلمة الشرط على الشيء
عدم عند عدم ذلك الشيء ، إلا أنه تعالى بين في آية أخرى أن المحرم على المحرم إنما هو صيد
البر لا صيد البحر ، قال تعالى ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم
عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) فصارت هذه الآية بيانا لتلك الآيات المطلقة .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ انتصب ( غير) على الحال من قوله (أحلت لكم ) كما تقول:
أحل لكم الطعام غير معتدين فيه . قال الفراء : هو مثل قولك : أحل لك الشيء لا مفرطا فيه
ولا متعديا ، والمعنى أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الاحرام فانه لا يحل
لكم ذلك إذا كنتم محرمين .
ثم قال تعالى ﴿ إن الله يحكم ما يريد﴾ والمعنى أنه تعالى أباح الأنعام في جميع الأحوال ،
وأباح الصيد في بعض الأحوال دون بعض ، فلو قال قائل : ما السبب في هذا التفصيل
الفخر الرازي ج١١ م٩

١٣٠
قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله)) الآية
سورة المائدة
يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَأُحِلُواْ شَعَبْرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْخَرَامَ وَلَ الْهَدْىَ وَلَ الْقَلَتْبِدَ
وَلَآ ءَآمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ
والتخصيص كان جوابه أن يقال : أنه تعالى مالك الأشياء وخالقها فلم يكن على حكمه
اعتراض بوجه من الوجوه ، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا أن علة حسن التكليف هي الربوبية
والعبودية لا ما يقوله المعتزلة من رعاية المصالح .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا
القلائد ولا أمين البيت الحرام
اعلم أنه تعالى : لما حرم الصيد على المحرم في الآية الأولى أكد ذلك بالنهي في هذه الآية
عن مخالفة تكاليف الله تعالى فقال ( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) .
واعلم أن الشعائر جمع ، والأكثرون على أنها جمع شعيرة . وقال ابن فارس : واحدها
شعارة ، والشعيرة فعيلة بمعنى مفعلة ، والمشعرة المعلمة ، والاشعار الاعلام ، وكل شيء
أشعر فقد أعلم ، وكل شيء جعل علما على شيء أو علم بعلامة جاز أن يسمى شعيرة ،
فالهدى الذي يهدى الى مكة يسمى شعائر لأنها معلمة بعلامات دالة على كونها هديا . واختلف
المفسرون في المراد بشعائر الله ، وفيه قولان : الأول : قوله ( لا تحلوا شعائر الله ) أي لا تخلوا
بشيء من شعائر الله وفرائضه التي حدها لعباده وأوجبها عليهم ، وعلى هذا القول فشعائر الله
عام في جميع تكاليفه غير مخصوص بشيء معين ، ويقرب منه قول الحسن : شعائر الله دين
الله . والثاني : أن المراد منه شيء خاص من التكاليف، وعلى هذا القول فذكروا وجوها :
الأول : المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد . والثاني : قال ابن
عباس : ان المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون الهدايا ويعظمون المشاعر وينحرون ، فاراد
المسلمون أن يغيروا عليهم ، فانزل الله تعالى ( لا تحلوا شعائر الله ) الثالث : قال الفراء :
كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج ولا يطوفون بهما ، فأنزل الله تعالى :
لا تستحلوا ترك شيء من مناسك الحج وائتوا بجميعها على سبيل الكمال والتمام . الرابع : قال
بعضهم : الشعائر هي الهدايا تطعن في أسنامها وتقلد ليعلم أنها هدى ، وهو قول أبي عبيدة
قال : ويدل عليه قوله تعالى ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ) وهذا عندي ضعيف لأنه
تعالى ذكر شعائر الله ثم عطف عليها الهدى ، والمعطوف يجب ان يكون مغايرا للمعطوف عليه .

١٣١
سورة المائدة
قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا)) الآية
ثم قال تعالى ﴿ ولا الشهر الحرام ﴾ أي لا تحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه.
واعلم أن الشهر الحرام هو الشهر الذي كانت العرب تعظمه وتحرم القتال فيه ، قال
تعالى ( ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها
أربعة حرم) فقيل : هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، فقوله ( ولا الشهر الحرام ) يجوز
أن يكون إشارة إلى جميع هذه الأشهر كما يطلق اسم الواحد على الجنس ، ويجوز أن يكون
المراد هو رجب لأنه أكمل الأشهر الأربعة في هذه الصفة .
ثم قال تعالى ﴿ ولا الهدى﴾ قال الواحدي: الهدى ما أهدى إلى بيت الله من ناقة أو
بقرة أو شاة ، واحدها هدية بتسكين الدال ، ويقال أيضا هدية ، وجمعها هدى ، قال
الشاعر :
حلفت برب مكة والمصلى
وأعناق الهدى مقلدات
ونظير هذه الآية قوله تعالى ( هديا بالغ الكعبة ) وقوله ( والهدى معكوفا أن يبلغ محله )
ثم قال تعالى ﴿ ولا القلائد ﴾ والقلائد جمع قلادة وهي التي تشد على عنق البعير وغيره
وهي مشهورة . وفي التفسير وجوه : الأول : المراد منه الهدى ذوات القلائد ، وعطفت على
الهدى مبالغة في التوصية بها لأنها أشرف الهدى كقوله ( وجبريل وميكال ) كأنه قيل : والقلائد
منها خصوصا الثاني : أنه نهى عن التعرض لقلائد الهدى مبالغة في النهي عن التعرض للهدى
على معنى : ولا تحلوا قلائدها فضلا عن أن تحلوها ، كما قال ( ولا يبدين زينتهن ) فنهى عن
إبداء الزينة مبالغة في النهي عن ابداء مواضعها . الثالث : قال بعضهم : كانت العرب في
الجاهلية مواظبين على المحاربة إلا في الأشهر الحرم ، فمن وجد في غير هذه الأشهر الحرم أصيب
منه ، إلا أن يكون مشعرا بدنة أو بقرة من لحاء شجر الحرم ، أو محرما بعمرة الى البيت ،
فحينئذ لا يتعرض له فأمر الله المسلمين بتقرير هذا المعنى .
ثم قال ﴿ ولا آمين البيت الحرام﴾ أي قوماً قاصدين المسجد الحرام ، وقرأ عبدالله:
ولا آمي البيت الحرام على الاضافة .

١٣٢
قوله تعالى: «یبتغون فضلا من ربهم ورضوانا)) الآية
سورة المائدة
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنْ زَّيْهِمْ وَرِضْوَانًا
ثم قال تعالى ﴿ يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ﴾ وفيه مسائل:
و المسألة الأولى﴾ قرأ حميد بن قيس الاعرج ( تبتغون ) بالتاء على خطاب المؤمنين .
المسألة الثانية ﴾ في تفسير الفضل والرضوان وجهان : الأول : يبتغون فضلا من ربهم
بالتجارة المباحة لهم في حجهم ، كقوله ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) قالوا :
نزلت في تجاراتهم أيام الموسم ، والمعنى : لا تمنعوهم فانما قصدوا البيت لاصلاح معاشهم
ومعادهم ، فابتغاء الفضل للدنيا، وابتغاء الرضوان للآخرة . قال أهل العلم : ان المشركين
كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله وإن كانوا لا ينالون ذلك ، فلا يبعد ان يحصل لهم
بسبب هذا القصد نوع من الحرمة .
والوجه الثاني ﴾ أن المراد بفضل الله الثواب، وبالرضوان أن يرضى عنهم ، وذلك
لأن الكافر وإن كان لا ينال الفضل والرضوان لكنه يظن أنه بفعله طالب لهما ، فيجوز أن
يوصف بذلك بناء على ظنه ، قال تعالى ( وانظر إلى إلهك ) وقال ( ذق إنك أنت العزيز
الكريم ) .
المسألة الثالثة ﴾ اختلف الناس فقال بعضهم : هذه الآية منسوخة ، لأن قوله ( لا
تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام) يقتضي حرمة القتال في الشهر الحرام ، وذلك منسوخ بقوله
( اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وقوله ( ولا آمين البيت الحرام ) يقتضي حرمة منع المشركين
عن المسجد الحرام وذلك منسوخ بقوله ( فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وهذا قول
كثير من المفسرين كابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة . وقال الشعبي : لم ينسخ من سورة
المائدة إلا هذه الآية . وقال قوم آخرون من المفسرين : هذه الآية غير منسوخة ، وهؤلاء لهم
طريقان : الأول : أن الله تعالى أمرنا في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين ،
وحرم علينا أخذ الهدى من المهدين اذا كانوا مسلمين ، والدليل عليه أول الآية وآخرها ، أما
اول الآية فهو قوله ( لا تحلوا شعائر الله) وشعائر الله إنما تليق بنسك المسلمين وطاعاتهم لا
بنسك الكفار ، وأما آخر الآية فهو قوله ( يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ) وهذا إنما يليق
بالمسلم لا بالكافر . الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد بالآية الكفار الذين كانوا في
عهد النبي ◌َّر، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر ولزم المراد بقوله تعالى (فلا يقربوا
المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) .

١٣٣
سورة المائدة
قوله تعالى: ((وإذا حللتم فاصطادوا)) الآية
وَإِذَا ◌َلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَتَعَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ
الْحَرَِّ أَن تَعْتَدُوأَ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىِ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِلْمِ وَالْعُدْوَنِ
وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
ثم قال تعالى ﴿ واذا حللتم فاصطادوا ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى) قرىء: وإذا أحللتم يقال حل المحرم وأحل ، وقرىء بكسر الفاء
وقيل هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء .
المسألة الثانية ﴾ هذه الآية متعلقة بقوله ( غير محلى الصيد وانتم حرم) يعني لما كان
المانع من حل الاصطياد هو الاحرام ، فاذا زال الاحرام وجب أن يزول المنع .
المسألة الثالثة﴾ ظاهر الأمر وإن كان للوجوب إلا أنه لا يفيد ههنا إلا الإباحة،
وكذا في قوله ( فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) ونظيره قول القائل : لا تدخلن هذه
الدار حتى تؤدي ثمنها ، فاذا أديت فادخلها ، أي فاذا أديت فقد أبيح لك دخولها ، وحاصل
الكلام أنا إنما عرفنا أن الأمر ههنا لم يفد الوجوب بدليل منفصل والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ ولا يجر منكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا
على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان ﴾ وفي الآية مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قال القفال رحمه الله: هذا معطوف على قوله ( لا تحلوا شعائر الله)
إلى قوله ( ولا آمين البيت الحرام) يعني ولا تحملنكم عداوتكم لقوم من أجل أنهم صدوكم عن
المسجد الحرام على أن تعتدوا فتمنعوهم عن المسجد الحرام ، فان الباطل لا يجوز أن يعتدي
به . وليس للناس أن يعين بعضهم بعضاً على العدوان حتى إذا تعدّى واحد منهم على الآخر
تعدّى ذلك الآخر عليه ، لكن الواجب أن يعين بعضهم بعضاً على ما فيه البر والتقوى ، فهذا
هو المقصود من الآية .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف ((جرم)) يجري مجرى كسب في تعديه تارة إلى
مفعول واحد ، وتارة إلى اثنين ، تقول : جرم ذنبا نحو كسبه ، وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه ،
ويقال : أجرمته ذنبا على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين ، كقولهم : أكسبته

١٣٤
قوله تعالى: ((حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)) الآية سورة المائدة
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْئَةُ وَالَّمُ وَلَحْمُ أَنْزِيرٍ وَمَآ أَّهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِهِ وَالْمُنْخَتِقَةُ
وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتْرِيَةُ وَالنَّطِحَةُ وَمَاْ أَكَلَ الَُّعُ إِلَّ مَاذَ كَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ
تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ ذَالِكُمْ فِسْقٌ
ذنباً، وعليه قراءة عبد الله ( ولا يجر منكم ) بضم الياء ، وأول المفعولين على القراءتين ضمير
المخاطبين . والثاني : أن تعتدوا ، والمعنى لا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الإعتداء ولا
يحملنكم عليه .
المسألة الثالثة ﴾ الشنآن البغض ، يقال : شنأت الرجل أشنؤه شنأ ومشنأ وشنأة
ومشنأة وشنآنا بفتح الشين وكسرها ، ويقال : رجل شنآن وامرأة شنآنة مصروفان ، ويقال شنآن
بغير صرف ، وفعلان قد جاء وصفاً وقد جاء مصدراً .
المسألة الرابعة ﴾ قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم واسمعيل عن نافع بجزم النون
الأولى ، والباقون بالفتح . قالوا: والفتح أجود لكثرة نظائرها في المصادر كالضربان والسيلان
والغليان والغشيان ، وأما بالسكون فقد جاء في الأكثر وصفاً . قال الواحدي: ومما جاء
مصدراً قولهم : لويته حقه لياناً ، وشنان في قول أبي عبيدة . وأنشد للأحوص .
وان عاب فيه ذو الشنآن وفندا
فقوله : ذو الشنان على التخفيف كقولهم : إني ظمان ، وفلان ظمان ، بحذف الهمزة
وإلقاء حركتها على ما قبلها .
المسألة الخامسة﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو (إن صدوكم ) بكسر الألف على الشرط
والجزاء والباقون بفتح الألف، يعني لأن صدوكم . قال محمد بن جرير الطبري : وهذه
القراءة هي الإختيار لأن معنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله اليه
والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة ، وهذه السورة نزلت بعد الحديبية ، وكان هذا الصد متقدماً
لا محالة على نزول هذه الآية .
ثم قال تعالى ﴿واتقوا الله ان الله شديد العقاب﴾ والمراد منه التهديد والوعيد ، يعني
اتقوا الله ولا تستحلوا شيئاً من محارمه ان الله شديد العقاب ، لا يطيق أحد عقابه .
قوله تعالى ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة
والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ﴾

١٣٥
سورة المائدة
قوله تعالى: ((حرمت عليكم الميتة والدم)) الآية
اعلم أنه تعالى قال في أول السورة ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) ثم ذكر فيه استثناء
أشياء تتلى عليكم ، فههنا ذكر الله تعالى تلك الصور المستثناة من ذلك العموم.، وهي أحد عشر
نوعاً: الأول : الميتة : وكانوا يقولون : انكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.
واعلم أن تحريم الميتة موافق لما في العقول ، لأن الدم جوهر لطيف جداً ، فاذا مات
الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن وفسد وحصل من أكله مضار عظيمة .
والثاني : الدم : قال صاحب الكشاف: كانوا يملؤون المعي من الدم ويشوونه ويطعمونه
الضيف، فالله تعالى حرم ذلك عليهم . والثالث : لحم الخنزير ، قال أهل العلم : الغذاء
يصير جزءاً من جوهر المغتذى ، فلا بد أن يحصل للمغتذى أخلاق وصفات من جنس ما كان
حاصلاً في الغذاء ، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات ، فحرم
أكله على الإِنسان لئلا يتكيّف بتلك الكيفية ، وأما الشاة فانها حيوان في غاية السلامة ، فكأنها
ذات عارية عن جميع الأخلاق ، فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب أكل لحمها كيفية أجنبية عن
أحوال الإِنسان . الرابع : ما أهل لغير الله به ، والاهلال رفع الصوت ، ومنه يقال أهل فلان
بالحج إذا لبى به ، ومنه استهل الصبي وهو صراخه إذا ولد ، وكانوا يقولون عند الذبح : باسم
اللات والعزى فحرم الله تعالى ذلك . والخامس : المنخنقة ، يقال : خنقه فاختنق ، والخنق
والإِختناق انعصار الحلق .
واعلم أن المنخنقة على وجوه : منها أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة فاذا ماتت
أكلوها ، ومنها ما يخنق بحبل الصائد ، ومنها ما يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتختنق
فتموت ، وبالجملة فبأي وجه اختنقت فهي حرام .
واعلم أن هذه المنخنقة من جنس الميتة ، لأنها لما ماتت وما سال دمها كانت كالميت حتف
أنفه . والسادس : الموقوذة ، وهي التي ضربت إلى أن ماتت يقال : وقذها وأوقذها إذا ضربها
إلى أن ماتت ، ويدخل في الموقوذة ما رمى بالبندق فمات ، وهي أيضاً في معنى الميتة وفي معنى
المنخنقة فانها ماتت ولم يسل دمها . السابع : المتردية ، والمتردي هو الواقع في الردى وهو
الهلاك . قال تعالى ( وما يغنى عنه ماله إذا تردى ) أي وقع في النار ، ويقال : فلان تردى من
السطح ، فالمتردية هي التي تسقط من جبل أو موضع مشرف فتموت ، وهذا أيضاً من الميتة لأنها
ماتت وما سال منها الدم ، ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فانه
يحرم أكله لأنه لا يعلم أنه مات بالتردي أو بالسهم ، والثامن : النطيحة ، وهي المنطوحة إلى
أن ماتت ، وذلك مثل شاتين تناطحا إلى أن ماتا أومات أحدهما ، وهذا أيضاً داخل في الميتة
لأنها ماتت من غير سيلان الدم .

١٣٦
قوله تعالى: ((حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)) الآية سورة المائدة
واعلم أن دخول الهاء في هذه الكلمات الأربع ، أعني : المنخنقة ، والموقوذة ،
والمتردية ، والنطيحة ، إنما كان لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة ، كأنه قيل : حرمت
عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة ، وخصت الشاة لأنها من أعم ما يأكله الناس ، والكلام يخرج
على الأعم الأغلب ويكون المراد هو الكل .
فان قيل : لم أثبت الهاء في النطيحة مع أنها كانت في الأصل منطوحة فعدل بها إلى
النطيحة ، وفي مثل هذا الموضع تكون الهاء محذوفة ، كقولهم : كف خضيب ، ولحية دهين ،
وعين كحيل .
قلنا : إنما تحذف الهاء من الفعيلة إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها ، فاذا لم يذكر
الموصوف وذكرت الصفة وضعتها موضع الموصوف، تقول : رأيت قتيلة بني فلان بالهاء لأنك
إن لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو أو امرأة ، فعلى هذا إنما دخلت الهاء في النطيحة لأنها
صفة لمؤنث غير مذكور وهو الشاة ، والتاسع : قوله ( وما أكل السبع إلا ما ذكيتم) وفيه
مسائل .
﴿ المسألة الأولى﴾ السبع: اسم يقع على ماله ناب ويعدو على الإنسان والدواب
ويفترسها ، مثل الأسد وما دونه ، ويجوز التخفيف في سبع فيقال : سبع وسبعة ، وفي رواية
عن أبي عمرو : السبع بسكون الباء ، وقرأ ابن عباس : وأكيل السبع .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل
بعضه أكلوا ما بقي ، فحرمه الله تعالى . وفي الآية محذوف تقديره : وما أكل منه السبع لأن ما
أكله السبع فقد نفد ولا حكم له ، وإنما الحكم للباقي .
المسألة الثالثة ﴾ أصل الذكاء في اللغة إتمام الشيء، ومنه الذكاء في الفهم وهو
تمامه ، ومنه الذكاء في السن ، وقيل : جرى المذكيات غلاب، أي جرى المسنات التي قد أ سنت
وتأويل تمام السن النهاية في الشباب ، فاذا نقص عن ذلك أو زاد فلا يقال له الذكاء في السن ،
ويقال ذكيت النار أي أتممت اشعالها .
إذا عرفت هذا الأصل فنقول : الإستثناء المذكور في قوله ( إلا ما ذكيتم ) فيه أقوال :
الأول : أنه استثناء من جميع ما تقدم من قوله ( والمنخنقة ) إلى قوله ( وما أكل السبع ) وهو
قول علي وابن عباس والحسن وقتادة ، فعلى هذا إنك إن أدركت ذکاته بأن وجدت له عینا
تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فانه حلال ، فانه لولا بقاء الحياة فيه لما حصلت

١٣٧
قوله تعالى: ((وأن تستقسموا بالأزلام)) الآية
سورة المائدة
هذه الأحوال ، فلما وجدتها مع هذه الأحوال دل على أن الحياة بتمامها حاصلة فيه .
﴿والقول الثاني﴾ أن هذا الاستثناء مختص بقوله (وما أكل السبع ).
والقول الثالث ﴾ أنه استثناء منقطع كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا فهو
حلال .
﴿والقول الرابع﴾ أنه استثناء من التحريم لا من المحرمات ، يعني حرم عليكم ما مضى
إلا ما ذكيتم فانه لكم حلال . وعلى هذا التقدير يكون الإستثناء منقطعاً أيضاً . العاشر: من
المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى ( وما ذبح على النصب ) وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ النصب يحتمل أن يكون جمعاً وأن يكون واحداً ، فان قلنا إنه جمع
ففي واحده ثلاثة أوجه : الأول : أن واحده نصاب ، فقولنا : نصاب ونصب كقولنا : حمار
وحمر . الثاني : أن واحده النصب ، فقولنا نصب ونصب كقولنا : سقف وسقف ورهن
ورهن ، وهو قول ابن الأنباري . والثالث : أن واحده النصبة . قال الليث : النصب جمع
النصبة ، وهي علامة تنصب للقوم ، أما إن قلنا : أن النصب واحد فجمعه أنصاب ،
فقولنا : نصب وأنصاب كقولنا طنب وأطناب . قال الأزهري : وقد جعل الأعشى النصب
واحداً فقال :
لعاقبة والله ربك فاعبدا
ولا النصب المنصوب لا تنسکنه
﴿ المسألة الثانية ﴾ من الناس من قال: النصب هي الأوثان، وهذا بعيد لأن هذا
معطوف على قوله ( وما أهل لغير الله به ) وذلك هو الذبح على اسم الأوثان ، ومن حق المعطوف
أن يكون مغايراً للمعطوف عليه . وقال ابن جريج : النصب ليس بأصنام فان الأصنام أحجار
مصورة منقوشة ، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة ، وكانوا يذبحون عندها
للأصنام ، وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويضعون اللحوم عليها ، فقال المسلمون: يا رسول
الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه، وكان النبي ◌َّ لم
ينكره ، فأنزل الله تعالى ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ) .
واعلم أن ((ما)) في قوله ( وما ذبح ) في محل الرفع لأنه عطف على قوله ( حرمت عليكم
الميتة ) إلى قوله ( وما أكل السبع ) .
واعلم أن قوله ( وما ذبح على النصب ) فيه وجهان : أحدهما : وما ذبح على اعتقاد
تعظيم النصب، والثاني: وما ذبح للنصب، و((اللام)) و((على)) يتعاقبان، قال تعالى

١٣٨
قوله تعالى: ((وأن تستقسموا بالأزلام)) الآية
سورة المائدة
( فسلام لك من أصحاب اليمين ) أي فسلام عليك منهم ، وقال ( وإن أسأتم فلها ) أي
فعليها .
﴿ النوع الحادي عشر﴾ قوله تعالى ﴿وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ قال القفال رحمه الله:
ذكر هذا في جملة المطاعم لأنه مما أبدعه أهل الجاهلية وكان موافقاً لما كانوا فعلوه في المطاعم ،
وذلك أن الذبح على النصب إنما كان يقع عند البيت ، وكذا الإِستقسام بالأزلام كانوا يوقعونه
عند البيت إذا كانوا هناك ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ في الآية قولان : الأول : كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو
تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب بالقداح ، وكانوا قد كتبوا على بعضها :
أمرني ربي ، وعلى بعضها : نهاني ربي ، وتركوا بعضها خالياً عن الكتابة ، فان خرج الأمر
أقدم على الفعل ، وإن خرج النهي أمسك ، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى ،
فمعنى الإِستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح . الثاني : قال
المؤرخ وكثير من أهل اللغة : الإستقسام هنا هو الميسر المنهى عنه ، والأزلام قداح الميسر،
والقول الأول اختيار الجمهور .
المسألة الثانية﴾ الأزلام القداح واحدها زلم، ذكره الأخفش. وإنما سميت القداح
بالأزلام لأنها زلمت أي سويت . ويقال : رجل مزلم وامرأة مزلمة إذا كان خفيفاً قليل العلائق ،
ويقال قدح مزلم وزلم إذا ظرف وأجيد قده وصنعته ، وما أحسن ما زلم سهمه ، أي سواه ،
ويقال لقوائم البقر أزلام ، شبهت بالقداح للطافتها .
ثم قال تعالى ﴿ ذلكم فسق﴾ وفيه وجهان : الأول: أن يكون راجعاً إلى الإستقسام
بالأزلام فقط ومقتصراً عليه . والثاني : أن يكون راجعاً إلى جميع ما تقدم ذكره من التحليل
والتحريم ، فمن خالف فيه راداً على الله تعالى كفر .
فان قيل: على القول الأول لم صار الإِستقسام بالازلام فسقاً؟ أليس أنه لو كان يحب
الفأل ، وهذا أيضاً من جملة الفأل فلم صار فسقاً ؟
قلنا : قال الواحدي : إنما يحرم ذلك لأنه طلب لمعرفة الغيب ، وذلك حرام لقوله تعالى
( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) وقال ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا
الله) وروى أبو الدرداء عن رسول الله مَ ليل أنه قال ((من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده
عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة )).

١٣٩
سورة المائدة
قوله تعالى: ((الیوم یئس الذين كفروا )) الآية
الْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَثْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا فَمَنِ آَضْطُرَّ فِى
تَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَازِفٍ لِإِثْرِ فَإِنَّ الَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣)
ولقائل أن يقول : لو كان طلب الظن بناء على الامارات المتعارفة طلباً لمعرفة الغيب لزم
أن يكون علم التعبير غيباً أو كفراً لأنه طلب للغيب ، ويلزم أن يكون التمسك بالفأل كفراً
لأنه طلب للغيب ، ويتعين أن يكون أصحاب الكرامات المدعون للإِلهامات كفاراً ، ومعلوم
أن ذلك كله باطل ، وأيضاً فالآيات إنما وردت في العلم ، والمستقسم بالأزلام نسلم أنه لا
يستفيد من ذلك علماً وإنما يستفيد من ذلك ظناً ضعيفاً ، فلم يكن ذلك داخلاً تحت هذه
الآيات . وقال قوم آخرون انهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج
من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبارشاد الأصنام وإعانتهم ، فلهذا السبب كان ذلك فسقاً
وكفراً ، وهذا القول عندي أولى وأقرب .
قوله تعالى ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ﴾
اعلم أنه تعالى لما عدد فيما مضى ما حرمه من بهيمة الأنعام وما أحله منها ختم الكلام فيها
بقوله ( ذلكم فسق ) والغرض منه تحذير المكلفين عن مثل تلك الأعمال ، ثم حرضهم على
التمسك بما شرع لهم بأكمل ما يكون فقال ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم )
أي فلا تخافوا المشركين في خلافكم إياهم في الشرائع والأديان ، فاني أنعمت عليكم بالدولة
القاهرة والقوة العظيمة وصاروا مقهورين لكم ذليلين عندكم ، وحصل لهم اليأس من أن
يصيروا قاهرين لكم مستولين عليكم ، فاذا صار الأمر كذلك فيجب عليكم أن لا تلتفتوا
إليهم ، وأن تقبلوا على طاعة الله تعالى والعمل بشرائعه وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قوله ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ) فيه قولان: الأول : أنه
ليس المراد هو ذلك اليوم بعينه حتى يقال إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين ، وإنما هو كلام خارج
على عادة أهل اللسان معناه لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار لأنكم الآن صرتم
بحيث لا يطمع أحد من أعدائكم في توهين أمركم ، ونظيره قوله : كنت بالأمس شاباً واليوم
قد صرت شيخاً ، ولا يريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك ، ولا باليوم يومك الذي أنت فيه .

١٤٠
قوله تعالى: ((اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم)) الآية
سورة المائدة
والقول الثاني ﴾ أن المراد به يوم نزول هذه الآية، وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم
عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي ◌َّة واقف بعرفات على ناقته العضباء .
المسألة الثانية ﴾ قوله ( يئس الذين كفروا من دينكم ) فيه قولان : الأول : يئسوا من
أن تحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله محرمة . والثاني : يئسوا من أن يغلبوكم على
دينكم ، وذلك لأنه تعالى كان قد وعد باعلاء هذا الدين على كل الأديان ، وهو قوله تعالى
( ليظهره على الدين كله ) فحقق تلك النصرة وأزال الخوف بالكلية وجعل الكفار مغلوبين بعد
أن كانوا غالبين ، ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين ، وهذا القول أولى .
المسألة الثالثة﴾ قال قوم: الآية دالة على أن التقية جائزة عند الخوف، قالوا لأنه
تعالى أمرهم باظهار هذه الشرائع وإظهار العمل بها وعلل ذلك بزوال الخوف من جهة الكفار ،
وهذا يدل على أن قيام الخوف يجوز تركها .
ثم قال تعالى ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام
ديناً ﴾
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية سؤال وهو أن قوله (اليوم أكملت لكم دينكم) يقتضي أن
الدين كان ناقصاً قبل ذلك ، وذلك يوجب أن الدين الذي كان م# مواظباً عليه أكثر عمره كان
ناقصاً ، وانه إنما وجد الدين الكامل في آخر عمره مدة قليلة .
واعلم أن المفسرين لأجل الإِحتراز عن هذا الإشكال ذكروا وجوهاً : الأول : أن المراد
من قوله ( أكملت لكم دينكم ) هو إزالة الخوف عنهم وإظهار القدرة لهم على أعدائهم ، وهذا
كما يقول الملك عندما يستولي على عدوه ويقهره قهراً كلياً : اليوم كمل ملكنا ، وهذا الجواب
ضعيف لأن ملك ذلك الملك كان قبل قهر العدو ناقصاً . الثاني : أن المراد : إني أكملت لكم
ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعلم الحلال والحرام ، وهذا أيضاً ضعيف لأنه لولم يكمل لهم
قبل هذا اليوم ما كانوا محتاجين اليه من الشرائع كان ذلك تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة ، وانه
لا يجوز . الثالث : وهو الذي ذكره القفال وهو المختار : أن الدين ما كان ناقصاً البتة ، بل
كان أبداً كاملاً، يعني كانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت ، إلا
أنه تعالى كان عالماً في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا
صلاح فيه، فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت وكان يزيد بعد العدم ، وأما في آخر زمان المبعث