النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
قوله تعالى: ((وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى)) الآية سورة النساء
فان قيل : اليهود كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن
الساحرة والفاعل ابن الفاعلة ، فكيف قالوا : انا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله؟
والجواب عنه من وجهين : الأول : انهم قالوه على وجه الإستهزاء كقول فرعون ( ان
رسولكم الذي أرسل اليكم لمجنون) وكقول كفار قريش لمحمد ◌َ ل# ( يا أيها الذي نزل عليه
الذكر إنك لمجنون) والثاني : إنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في
الحكاية عنهم رفعا لعيسى عليه السلام عما كانوا يذكرونه به .
ثم قال تعالى ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾
واعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود أنهم زعموا انهم قتلوا عيسى عليه السلام فالله تعالى
كذبهم في هذه الدعوى وقال ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وفي الآية سؤالان :
﴿ السؤال الأول﴾ قوله (شبه) مسند إلى ماذا؟ إن جعلته مسنداً إلى المسيح فهو مشبه
به وليس بمشبه ، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر .
والجواب من وجهين : الأول : أنه مسند إلى الجار والمجرور ، وهو كقولك : خيل إليه
كأنه قيل : ولكن وقع لهم الشبه . الثاني : أن يسند إلى ضمير المقتول لأن قوله ( وما قتلوه )
يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكوراً بهذا الطريق ، فحسن إسناد ( شبه )
إليه .
﴿ السؤال الثاني ﴾ أنه إن جاز أن يقال: إن الله تعالى يلقي شبه انسان على انسان آخر
فهذا يفتح باب السفسطة، فأنا إذا رأينا زيداً فلعله ليس بزيد ، ولكنه ألقى شبه زيد عليه ،
وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك ، وثوقاً به ، وأيضاً يفضي إلى القدح في التواتر لأن
خبر التواتر إنما يفيد العلم بشرط انتهائه في الآخرة إلى المحسوس ، فاذا جوزنا حصول مثل هذه
الشبهة في المحسوسات توجه الطعن في التواتر ، وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع ، وليس
المجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لأنا نقول : لو
صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان ، فمن لم يعلم ذلك الدليل وذلك البرهان
وجب أن لا يقطع بشيء من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة ،
وأيضاً ففي زماننا إن انسدت المعجزات فطريق الكرامات مفتوح ، وحينئذ يعود الإحتمال
المذكور في جميع الأزمنة : وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر ، والطعن فيه
يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فهذا فرع يوجب الطعن في

١٠٢
قوله تعالى: ((وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه)) الآية سورة النساء
وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِهِ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مَالَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمِ إِلَّ أْتِبَاعَ الظَّنِّ
الأصول فكان مردوداً .
والجواب: اختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوهاً :
الأول : قال كثير من المتكلمين : إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله تعالى الى السماء
فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم ، فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبسوا على
الناس أنه المسيح ، والناس ما كانوا يعرفون المسيح إلا بالإِسم لأنه كان قليل المخالطة للناس ،
وبهذا الطريق زال السؤال . لا يقال : إن النصارى ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه
مقتولا ، لأنا نقول : إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب .
والطريق الثاني ﴾ أنه تعالى ألقى شبهه على إنسان آخر ثم فيه وجوه : الأول: أن
اليهود لما علموا أنه حاضر في البيت الفلاني مع أصحابه أمر يهوذا رأس اليهود رجلا من
أصحابه يقال له طيطايوس أن يدخل على عيسى عليه والسلام ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه
أخرج الله عيسى عليه السلام من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فظنوه هو
فصلبوه وقتلوه . الثاني : وكلوا بعيسى رجلا يحرسه وصعد عيسى عليه السلام في الجبل ورفع
الى السماء ، وألقى الله شبهه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست بعيسى . الثالث : أن
اليهود لما همّوا بأخذه وكان مع عيسى عشرة من أصحابه فقال لهم : من يشتري الجنة بأن يلقي
عليه شبهي ؟ فقال واحد منهم أنا ، فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ، ورفع الله عيسىٍ
عليه السلام . الرابع : كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى عليه السلام ، وكان منافقاً
فذهب إلى اليهود ودلهم عليه ، فلما دخل مع اليهود لأخذه ألقى الله تعالى شبهه عليه فقتل
وصلب . وهذه الوجوه متعارضة متدافعة والله أعلم بحقائق الأمور .
ثم قال تعالى ﴿وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا إتباع الظن
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ اعلم أن في قوله ( وان الذين اختلفوا فيه) قولين: الأول : أنهم
هم النصارى وذلك لأنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه ، إلا أن كبار فرق النصارى
ثلاثة : النسطورية ، والملكانية ، واليعقوبية .

قوله تعالى: ((وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه)) الآية سورة النساء ١٠٣
أما النسطورية فقد زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته ، وأكثر
الحكماء يرون ما يقرب من هذا القول ، قالوا : لأنه ثبت أن الإنسان ليس عبارة عن هذا
الهيكل بل هو إما جسم شريف منساب في هذا البدن ، وإما جوهر روحاني مجرد في ذاته وهو
مدبر في هذا البدن ، فالقتل إنما ورد على هذا الهيكل ، وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى
عليه السلام فالقتل ما ورد عليه ، لا يقال : فكل انسان كذلك فما الوجه لهذا التخصيص ؟
لأنا تقول: أن نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الإشراق بالأنوار الإلهية عظيمة القرب
من أرواح الملائكة ، والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن ،
ثم انها بعد الإنفصال عن ظلمة البدن تتخلص الى فسحة السموات وأنوار عالم الجلال فيعظم
بهجتها وسعادتها هناك ، ومعلوم أن هذه الأحوال غير حاصلة لكل الناس بل هي غير حاصلة
من مبدأ خلقة آدم عليه السلام إلى قيام القيامة إلا لأشخاص قليلين ، فهذا هو الفائدة في
تخصيص عيسى عليه السلام بهذه الحالة .
وأما الملكانية فقالوا : القتل والصلب وصلا إلى اللاهوت بالإِحساس والشعور لا
بالمباشرة .
وقالت اليعقوبية : القتل والصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين ،
فهذا هو شرح مذاهب النصارى في هذا الباب ، وهو المراد من قوله ( وان الذين اختلفوا فيه
لفي شك منه ) .
والقول الثاني ﴾ ان المراد بالذين اختلفوا هم اليهود ، وفيه وجهان : الأول : أنهم
لما قتلوا الشخص المشبه به كان الشبه قد ألقى على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى عليه
السلام ، فلما قتلوه ونظروا إلى بدنه قالوا : الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره . الثاني : قال
السدى : إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت ، فدخل عليه رجل من اليهود
ليخرجه ويقتله ، فألقى الله شبه عيسى عليه ورفع الى السماء ، فأخذوا ذلك الرجل وقتلوه على
أنه عيسى عليه السلام ، ثم قالوا : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ، وإن كان صاحبنا فأين
عيسى ؟ فذلك اختلافهم فيه .
المسألة الثانية ﴾ احتج نفاة القياس بهذه الآية وقالوا : العمل بالقياس اتباع للظن ،
واتباع الظن مذموم في كتاب اللّه بدليل أنه إنما ذكره في معرض الذم ، ألا ترى أنه تعالى وصف
اليهود والنصارى ههنا في معرض الذم بهذا فقال ( ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ) وقال في
سورة الأنعام في مذمة الكفار ( إن يتبعون إلا الظن وإن هم لا يخرصون ) وقال في آية أخرى

١٠٤
قوله تعالى: ((وما قتلوه يقينا بل رفعه الله اليه)) الآية
سورة النّساء
وَمَا قَتَلُوهُ يَقْينا
١٥٧
بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
( وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً) وكل ذلك يدل على أن اتباع الظن مذموم .
والجواب : لا نسلم أن العمل بالقياس اتباع الظن ، فإن الدليل القاطع لما دل على
العمل بالقياس كان الحكم المستفاد من القياس معلوماً لا مظنوناً ، وهذا الكلام له غور وفيه
بحث .
ثم قال تعالى ﴿ وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله اليه ﴾
واعلم أن هذا اللفظ يحتمل وجهين : أحدهما : يقين عدم القتل ، والآخر يقين عدم
الفعل ، فعلى التقدير الأول يكون المعنى : أنه تعالى أخبر أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم
لا ، ثم أخبر محمداً بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه ، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم
شاكون في أنه هل قتلوه ؟ ثم أكد ذلك بأنهم قتلوا ذلك الشخص الذي قتلوه لا على يقين أنه
عيسى عليه السلام ، بل حين ما قتلوه كانوا شاكين في أنه هل هو عيسى أم لا ، والإِحتمال الأول
أولى لأنه تعالى قال بعده ( بل رفعه الله اليه) وهذا الكلام إنما يصح إذا تقدم القطع واليقين
بعدم القتل .
أما قوله ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ ففيه مسائل .
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو والكسائي ( بل رفعه الله اليه) بادغام اللام في الراء
والباقون بترك الادغام ، حجتهما قرب مخرج اللام من الراء والراء أقوى من اللام بحصول
التكرير فيها ، ولهذا لم يجز إدغام الراء في اللام لأن الأنقص يدغم في الأفضل ، وحجة الباقين
أن الراء واللام حرفان من كلمتين فالأولى ترك الادغام .
المسألة الثانية ﴾ المشبهة احتجوا بقوله تعالى (بل رفعه الله اليه) في إثبات الجهة .
والجواب : المراد الرفع الى موضع لا يجري فيه حكم غير الله تعالى كقوله ( والى الله
ترجع الأمور ) وقال تعالى (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ) وكانت الهجرة في ذلك
الوقت الى المدينة ، وقال إبراهيم ( إني ذاهب إلى ربي ) .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية، ونظير هذه الآية
قوله في آل عمران ( إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ) واعلم أنه تعالى لما
ذكر عقيب ما شرح أنه وصل الى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة أنه رفعه إلیه دل ذلك على

١٠٥
سورة النساء
قوله تعالى: ((وکان الله عز یزاً حکیاً)) الآية
وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيماً (﴾ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ، وَ
يَوْمَ الْفِيَّمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
١٥٩
أن رفعه اليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كل فيها من اللذات الجسمانية ، وهذه الآية
تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية .
ثم قال تعالى ﴿وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾
والمراد من العزة كمال القدرة ، ومن الحكمة كمال العلم ، فنبه بهذا على أن رفع عيسى
من الدنيا إلى السموات وإن كان كالمتعذر على البشرلكنه لا تعذر فيه بالنسبة الى قدرتي والى
حكمتي ، وهو نظير قوله تعالى ( سبحانه الذي أسرى بعبده ليلاً) فان الاسراء وان كان متعذراً
بالنسبة الى قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة الى قدرة الحق سبحانه .
ثم قال تعالى ﴿ وان من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم
شهيداً ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائح اليهود وقبائح أفعالهم وشرح أنهم قصدوا قتل عيسى عليه
السلام وبين أنه ما حصل لهم ذلك المقصود ، وأنه حصل لعيسى أعظم المناصب وأجل
المراتب بين تعالى أن هؤلاء اليهود الذين كانوا مبالغين في عداوته لا يخرج أحد منهم من الدنيا
إلا بعد أن يؤمن به فقال ( وان من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ) .
واعلم أن كلمة ((ان)) بمعنى (( ما)) النافية كقوله (وان منكم إلا واردها) فصار
التقدير : وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به ، ثم إنا نرى أكثر اليهود يموتون ولا يؤمنون
بعيسى عليه السلام .
والجواب من وجهين . الأول : ما روى عن شهر بن حوشب قال : قال الحجاج أني ما
قرأتها إلا وفي نفسي منها شيء ، يعني هذه الآية فاني أضرب عنق اليهودي ولا أسمع منه
ذلك ، فقلت : : إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره ، وقالوا يا عدو الله
أتاك عيسى نبياً فكذبت به ، فيقول آمنت أنه عبد الله ، وتقول للنصراني : أتاك عيسى نبياً
فزعمت أنه هو الله وابن الله ، فيقول : آمنت أنه عبد الله فأهل الكتاب يؤمنون به ، ولكن
حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان ، فاستوى الحجاج جالساً وقال : عمن نقلت هذا ؟ فقلت :

١٠٦
قوله تعالى: ((فبظلم من الذين هادوا)) الآية
سورة النّساء
فَبِظْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ ◌َّمْنَا عَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ
كَثِيراً (﴿هَ وَأَخْذِهِمُ الْرِيَزْ وَقَدْ نُهُوْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيماً
حدثني به محمد بن علي بن الحنفية فأخذ ينكت في الأرض بقضيب ثم قال : لقد أخذتها من
عين صافية . وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة : فان خر من سقف بيت أو
احترق أو أكله سبع قال : يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به ، ويدل عليه قراءة
أبي ( إلا ليؤمنن به قبل موته ) بضم النون على معنى وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم
لأن أحداً يصلح للجمع ، قال صاحب الكشاف : والفائدة في اخبار الله تعالى بايمانهم بعيسى
قبل موتهم أنهم متى علموا أنه لا بد من الإيمان به لا محالة فلأن يؤمنوا به حال ما ينفعهم ذلك
الإيمان أولى من أن يؤمنوا به حال ما لا ينفعهم ذلك الإيمان .
﴿والوجه الثاني﴾ في الجواب عن أصل السؤال: أن قوله ( قبل موته ) أي قبل موت
عيسى ، والمراد أن أهل الكتاب الذين يكونون موجودين في زمان نزوله لا بد وأن يؤمنوا به :
قال بعض المتكلمين : إنه لا يمنع نزوله من السماء إلى الدنيا إلا أنه إنما ينزل عند ارتفاع
التكاليف أو بحيث لا يعرف، إذ لو نزل مع بقاء التكاليف على وجه يعرف أنه عيسى عليه
السلام لكان إما أن يكون نبياً ولا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام ، أو غير نبي وذلك غير
جائز على الأنبياء، وهذا الاشكال عندي ضعيف لأن انتهاء الأنبياء إلى مبعث محمد بَّةٍ ، فعند
مبعثه انتهت تلك المدة ، فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد عليه الصلاة والسلام .
ثم قال تعالى ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ قيل: يشهد على اليهود أنهم كذبوه
وطعنوا فيه ، وعلى النصارى أنهم أشركوا به ، وكذلك كل نبي شاهد على أمته .
ثم قال تعالى ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبضدهم عن سبيل
الله كثيراً وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً
ألياً ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما شرح فضائح أعمال اليهود وقبائح الكافرين وأفعالهم ذكر عقيبه
تشديده تعالى عليهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما تشديده عليهم في الدنيا فهو أنه تعالى حرم

١٠٧
قوله تعالى: ((لكن الراسخون في العلم منهم)) الآية سورة النِّاء
لَّكِ الرَّسُونَ فِ الْعِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ
وَالْمُقِمِينَ الصَّلَةَ وَالْمُؤْتُونَ الَّكَوَةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ آلْآَخِ أَوْلَئِكَ سَنُؤِْهِمْ
أَْرًا عَظِيمًا
عليهم طيبات كانت محللة لهم قبل ذلك ، كما قال تعالى في موضع آخر ( وعلى الذين هادوا
حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا
أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) ثم إنه تعالى بين ما هو كالعلة الموجبة
لهذه التشديدات .
واعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين : الظلم للخلق ، والأعراض عن الدين
الحق ، أما ظلم الخلق فاليه الإشارة بقوله ( وبصدهم عن سبيل الله ) ثم إنهم مع ذلك في غاية
الحرص في طلب المال ، فتارة يحصلونه بالربا مع أنهم نهوا عنه ، وتارة بطريق الرشوة وهو المراد
بقوله ( وأكلهم أموال الناس بالباطل ) ونظيره قوله تعالى ( سماعون للكذب أكالون
للسحت ) فهذه الأربعة هي الذنوب الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما التشديد
في الدنيا فهو الذي تقدم ذكره من تحريم الطيبات عليهم ، وأما التشديد في الآخرة فهو المراد من
قوله ( وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ) .
واعلم أنه تعالى لما وصف طريقة الكفار والجهال من اليهود وصف طريقة المؤمنين منهم
فقال ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك والمقيمين
الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً ﴾
وفى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن المراد من ذلك عبد الله بن سلام وأصحابه الراسخون في
العلم الثابتون فيه ، وهم في الحقيقة المستدلون بأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشك ، وأما
المستدل فانه لا يتشكك البتة ، فالراسخون هم المستدلون والمؤمنون ، يعني المؤمنين منهم أو
المؤمنين من المهاجرين والأنصار وارتفع الراسخون على الإبتداء و( يؤمنون ) خبره ، وأما قوله
( والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ) ففيه أقوال : الأول : روى عن عثمان وعائشة أنهما
قالا : ان في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها .

١٠٨
قوله تعالى: ((لكن الراسخون في العلم منهم)) الآية
سورة النِّشاء
واعلم أن هذا بعيد لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله ب ثر فكيف
يمكن ثبوت اللحن فيه ، الثاني وهو قول البصريين : أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة ،
قالوا إذا قلت : مررت بزيد الكريم فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد ، ولك أن تنصبه
على تقدير أعني ، وإن شئت رفعت على تقدير هو الكريم ، وعلى هذا يقال : جاءني قومك
المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد ، والتقدير جاءني قومك أعني المطعمين في المحل وهم
المغيثون في الشدائد فكذا ههنا تقدير الآية : أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ، طعن
الكسائي في هذا القول وقال : النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام ، وههنا لم يتم
الكلام ، لأن قوله ( لكن الراسخون في العلم ) منتظر للخبر ، والخبر هو قوله ( أولئك
سنؤتيهم أجراً عظيماً )
والجواب : لا نسلم أن الكلام لم يتم إلا عند قوله ( أولئك ) لأنا بينا أن الخبر هو قوله
( يؤمنون ) وأيضاً لم لا يجوز الإعتراض بالمدح بين الإِسم والخبر ؛ وما الدليل على امتناعه ؟
فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية .
والقول الثالث﴾ وهو اختيار الكسائي، وهو أن المقيمين خفض بالعطف على ((ما))
في قوله ( بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) والمعنى : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما
أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة ، ثم عطف على قوله ( والمؤمنون ) قوله ( والمؤتون الزكاة )
والمراد بالمقيمين الصلاة الأنبياء ، وذلك لأنه لم يخل شرع أحد منهم من الصلاة . قال تعالى في
سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد أن ذكر أعداداً منهم ( وأوحينا إليهم فعل الخيرات
وإقام الصلاة ) وقيل : المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم الصافون وهم
المسبحون وأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فقوله ( يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل
من قبلك ) يعني يؤمنون بالكتب ، وقوله ( والمقيمين الصلاة ) يعني يؤمنون بالرسل .
الرابع : جاء في مصحف عبد الله بن مسعود ( والمقيمون الصلاة ) بالواو ، وهي قراءة مالك بن
دينار والجحدري وعيسى الثقفي .
﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن العلماء على ثلاثة أقسام: الأول : العلماء بأحكام الله
تعالى فقط. والثاني : العلماء بذات الله وصفات الله فقط. والثالث : العلماء بأحكام الله
وبذات الله ، أما الفريق الأول فهم العالمون بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه ، وأما الثاني فهم
العالمون بذات الله وبصفاته الواجبة والجائزة والممتنعة ، وأما الثالث فهم الموصوفون بالعاملين
وهم أكابر العلماء، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار النبي ◌َّر بقوله ((جالس العلماء وخالط
الحكماء ورافق الكبراء ))

قوله تعالى: ((إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح)) الآية سورة النساءِ ١٠٩
إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَّا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ
وَإِسْمَعِيلَ وَإِنْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُوبَ وَيُونُسَ وَهَدُرُونَ وَسُلَيْمَانَ
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ
وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا
نَقْصُصُهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا () وَسُلًا مُّبَشِينَ وَمُنْذِرِينَ لِعَلَّا
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ مُجَّةٌ بَعْدَ الْمُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمً ◌َ﴾
وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى وصفهم بكونهم راسخين في العلم ، ثَم شرح ذلك
فبين أولا كونهم عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بتلك الأحكام ، فأما علمهم بأحكام الله فهو
المراد من قوله والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) وأما عملهم بتلك الأحكام
فهو المراد بقوله ( والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ) وخصهما بالذكر لكونهما أشرف الطاعات
لأن الصلاة أشرف الطاعات البدنية ، والزكاة أشرف الطاعات المالية ، ولما شرح كونهم عالمين
بأحكام الله وعاملين بها شرح بعد ذلك كونهم عالمين بالله ، وأشرف المعارف العلم بالمبدأ
والمعاد ، فالعلم بالمبدأ هو المراد بقوله ( والمؤمنون بالله ) والعلم بالمعاد هو المراد من قوله ( واليوم
الآخر ) ولما شرح هذه الأقسام ظهر كون هؤلاء المذكورين عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بها
وظهر كونهم عالمين بالله وبأحوال المعاد ، وإذا حصلت هذه العلوم والمعارف ظهر كونهم
راسخين في العلم لأن الإنسان لا يمكنه أن يتجاوز هذا المقام في الكمال وعلو الدرجة ، ثم أخبر
عنهم بقوله ( أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً) .
قوله تعالى ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم
وإسمعیل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا داود زبورا
ورسلاقد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكلياً رسلا مبشرين
ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾
وفي الآية مسائل :

١١٠
قوله تعالى: ((إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح)) الآية
سورة النِّساء
المسألة الأولى ﴾ اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا الرسول وَّل أن ينزل عليهم
كتاباً من السماء ، وذكر تعالى بعده أنهم لا يطلبون ذلك لأجل الإسترشاد ولكن لأجل العناد
واللجاج ، وحكى أنواعاً كثيرة من فضائحهم وقبائحهم ، وامتد الكلام إلى هذا المقام ، شرع
الآن في الجواب عن تلك الشبهة فقال ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده )
والمعنى : أنا توافقنا على نبوة نوح وإبراهيم واسمعيل وجميع المذكورين في هذه الآية ، وعلى
أن الله تعالى أوحى إليهم ، ولا طريق إلى العلم بكونهم أنبياء الله ورسله إلا ظهور المعجزات
عليهم ولكل واحد منهم نوع آخر من المعجزات على التعيين ، وما أنزل الله على كل واحد من
هؤلاء المذكورين كتاباً بتمامه مثل ما أنزل إلى موسى ، فلما لم يكن عدم إنزال الكتاب على
هؤلاء دفعة واحدة قادحاً في نبوتهم ، بل كفى في إثبات نبوتهم ظهور نوع واحد من أنواع
المعجزات عليهم ، علمنا أن هذه الشبهة زائلة ، وأن إصرار اليهود على طلب هذه المعجزة
باطل ، وتحقيق القول فيه أن إثبات المدلول يتوقف على ثبوت الدليل ، ثم إذا حصل الدليل
وتم فالمطالبة بدليل آخر تكون طلبا للزيادة وإظهاراً للتعنت واللجاج ، والله سبحانه وتعالى
يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا اعتراض عليه لأحد بأنه لم أعطى هذا الرسول هذه
المعجزة وذلك الرسول الآخر معجزاً آخر ، وهذا الجواب المذكور ههنا هو الجواب المذكور في
قوله تعالى ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً) إلى قوله ( قل سبحان ربي
هل كنت إلا بشراً رسولاً) يعني أنك إنما ادعيت الرسالة ، والرسول لا بد له من معجزة تدل
على صدقه ، وذلك قد حصل ، وأما أن تأتي بكل ما يطلب منك فذاك ليس من شرط
الرسالة ، فهذا جواب معتمد عن الشبهة التي أوردها اليهود ، وهو المقصود الأصلي من هذه
الآية .
المسألة الثانية﴾ قال الزجاج: الإيحاء الإعلام على سبيل الخفاء ، قال تعالى ( فأوحى
اليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) أي أشار إليهم ، وقال ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا
بي ) وقال ( وأوحى ربك إلى النحل . وأوحينا إلى أم موسى ) والمراد بالوحي في هذه الآيات
الثلاثة الإلهام .
المسألة الثالثة﴾ قالوا إنما بدأ تعالى بذكر نوح لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه
الأحكام والحلال والحرام ، ثم قال تعالى ( والنبيين من بعده ) ثم خص بعض النبيين بالذكر
لكونهم أفضل من غيرهم كقوله ( وملائكته ورسله وجبريل وميكال ).
واعلم أن الأنبياء المذكورين في هذه الآية سوى موسى عليه السلام اثنا عشر ولم يذكر

١١١
سورة النِّساء
قوله تعالى: ((وکلم الله موسى تكلیما)) الآية
موسى معهم ، وذلك لأن اليهود قالوا : إن كنت يا محمد نبياً فأتنا بكتاب من السماء دفعة واحدة
كما أتى موسى عليه السلام بالتوراة دفعة واحدة ، فالله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بأن هؤلاء
الأنبياء الإثني عشركلهم كانوا أنبياء ورسلاً مع أن واحداً منهم ما أتى بكتاب مثل التوراة دفعة
واحدة ، وإذا كان المقصود من تعديد هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هذا المعنى لم يجر
ذكر موسى معهم ، ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله (وآتينا داود زبورا ) يعني أنكم اعترفتم بأن الزبور
من عند الله ، ثم إنه ما نزل على داود دفعة واحدة في ألواح مثل ما نزلت التوراة دفعة واحدة
على موسى عليه السلام في الألواح ، فدل هذا على أن نزول الكتاب لا على الوجه الذي نزلت
التوراة لا يقدح في کون الكتاب من عند الله ، وهذا إلزام حسن قوي.
المسألة الرابعة ﴾ قال أهل اللغة: الزبور الكتاب ، وكل كتاب زبور، وهو فعول
بمعنى مفعول ، كالرسول والركوب والحلوب ، وأصله من زبرت بمعنى كتبت ، وقد ذكرنا ما
فيه عند قوله ( جاؤا بالبينات والزبر ) .
المسألة الخامسة﴾ قرأ حمزة (زبورا) بضم الزاي في كل القرآن ، والباقون بفتحها ،
حجة حمزة أن الزبور مصدر في الأصل ، ثم استعمل في المفعول كقولهم : ضرب الأمير ،
ونسج فلان فصار اسماً ثم جمع على زبر كشهود وشهد ، والمصدر إذا أقيم مقام المفعول فانه
يجوز جمعه كما يجمع الكتاب على كتب ، فعلى هذا ، الزبور الكتاب ، والزبر بضم الزاي
الكتب ، أما قراءة الباقين فهي أولى لأنها أشهر ، والقراءة بها أكثر .
ثم قال تعالى ﴿ ورسلاقد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك ﴾
واعلم أنه انتصب قوله ( رسلا) بمضمر يفسره قوله ( قد قصصناهم عليك ) والمعنى أنه
تعالى إنما ذكر أحوال بعض الأنبياء في القرآن ، والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل .
ثم قال ﴿ وكلم الله موسى تكلياً﴾ والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص
موسى عليه السلام بالتكلم معه ، ولم يلزم من تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف
الطعن في نبوة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكذلك لم يلزم من تخصيص موسى بانزال
التوراة عليه دفعة واحدة طعن فيمن أنزل الله عليه الكتاب لا على هذا الوجه ، وعن ابراهيم
ويحيى بن وثاب أنهما قرآ ( وكلم الله ) بالنصب ، وقال بعضهم : وكلم الله معناه وجرح الله
موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن وهذا تفسير باطل .
ثم قال تعالى ﴿ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله
عزيزاً حكيماً ﴾ وفيه مسائل .

١١٢
قوله تعالى: ((رسلا مبشرين ومنذرين)) الآية
سورة النِّساء
المسألة الأولى ﴾ في انتصاب قوله ( رسلا) وجوه: الأول : قال صاحب الكشاف:
الأوجه أن ينتصب على المدح . والثاني : انه انتصب على البدل من قوله ( ورسلا ) الثالث :
أن يكون التقدير : أوحينا إليهم رسلا فيكون منصوباً على الحال والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ اعلم أن هذا الكلام أيضاً جواب عن شبهة اليهود ، وتقريره أن
المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية الله ،
وأن ينذروهم على الإعراض عن العبودية ، فهذا هو المقصود الأصلي من البعثة ، فاذا حصل
هذا المقصود فقد كمل الغرض وتم المطلوب ، وهذا المقصود الأصلي حاصل بانزال الكتاب
المشتمل على بيان هذا المطلوب ، ومن المعلوم أنه لا يختلف حال هذا المطلوب بأن يكون ذلك
الكتاب مكتوباً في الألواح أو لم يكنِ ، وبأن يكون نازلاً دفعة واحدة أو منجماً مفرقاً ، بل لو
قيل : إن إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب الى المصلحة لكان أولى لأن الكتاب إذا نزل دفعة
واحدة كثرت التكاليف وتوجهت بأسرها على المكلفين فيثقل عليهم قبولها ، ولهذا السبب أصر
قوم موسى عليه السلام على التمرد ولم يقبلوا تلك التكاليف ، أما إذا نزل الكتاب منجماً مفرقاً
لم يكن كذلك ، بل ينزل التكاليف شيئاً فشيئاً وجزءاً فجزءاً ، فحينئذ يحصل الإنقياد والطاعة
من القوم وحاصل هذا الجواب أن المقصود من بعثة الرسل وإنزال الكتب هو الإعذار
والإنذار ، وهذا المقصود حاصل سواء نزل الكتاب دفعة واحدة أو لم يكن كذلك ، فكان
اقتراح اليهود في إنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحاً فاسداً . وهذا أيضاً جواب عن تلك الشبهة
في غاية الحسن ، ثم ختم الآية بقوله (وكان الله عزيزاً حكيماً) يعني هذا الذي يطلبونه من
الرسول أمر هين في القدرة ، ولكنكم طلبتموه على سبيل اللجاج وهو تعالى عزيز ، وعزته
تقتضي أن لا يجاب المتعنت الى مطلوبه فكذلك حكمته تقتضي هذا الإمتناع لعلمه تعالى بأنه لو
فعل ذلك لبقوا مصرين على لجاجهم ، وذلك لأنه تعالى أعطى موسى عليه السلام هذا
التشريف ومع ذلك فقومه بقوا معه على المكابرة والإصرار والدجاج والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى لا يثبت إلا
بالسمع قالوا لأن قوله ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) يدل على أن قبل البعثة
يكون للناس حجة في ترك الطاعات والعبادات ، ونظيره قوله تعالى ( وما كنا معذبين حتى
نبعث رسولاً) وقوله ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً
فنتبع آیاتك من قبل أن نذل ونخزى .
المسألة الرابعة ﴾ قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أن العبد قد يحتج على الرب ،

١١٣
قوله تعالى: ((لكن الله يشهد بما أنزل إليك)) الآية سورة النساء
لَِّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنزَهُ بِعِلِْهِ، وَالْمَلَبِكُهُ يَشْهَدُونَ وَكَفَ بِاللَّهِ شَهِدٌ
وأن الذي يقوله أهل السنة من أنه تعالى لا اعتراض عليه في شيء ، وأن له أن يفعل ما يشاء
كما يشاء ليس بشيء قالوا : لأن قوله ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) يقتضي أن
لهم على الله حجة قبل الرسل ، وذلك يبطل قول أهل السنة .
والجواب : المراد لئلا يكون للناس على الله حجة أي ما يشبه الحجة فيما بينكم . قالت
المعتزلة : وتدل هذه الآية أيضاً على أن تكليف ما لا يطاق غير جائز لأن عدم إرسال الرسل إذا
كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم المكنة والقدرة صالحاً لأن يكون عذراً كان أولى ، وجوابه
المعارضة بالعلم والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله
شهيداً ﴾
وفي الآية مسألتان .
المسألة الأولى﴾ اعلم أن قوله ( لكن ) لا يبتدأ به لأنه استدراك على ما سبق ، وفي
ذلك المستدرك قولان : الأول : أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قوله ( يسألك أهل الكتاب
أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ) وهذا الكلام يتضمن أن هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليهم
من السماء ، فكأنه قيل : إنهم وإن شهدوا بأن القرآن لم ينزل عليه من السماء لكن الله يشهد
بأنه نازل عليه من السماء . الثاني : أنه تعالى لما قال ( إنا أوحينا إليك ) قال القوم : نحن لا
نشهد لك بذلك ، فنزل ( لكن الله يشهد ) .
المسألة الثانية ﴾ شهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل عليه. هذا القرآن البالغ في
الفصاحة في اللفظ والشرف في المعنى الى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته ، فكان
ذلك معجزاً وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي صادقاً ، ولما كانت شهادته إنما عرفت بواسطة
إنزال القرآن لا جرم قال ( لكن الله يشهد بما أنزل اليك ) أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا
القرآن الذي أنزله اليك .
ثم قال تعالى ﴿ أنزله بعلمه ﴾ وفيه مسألتان :
الفخر الرازي ج١١ م٨

١١٤
قوله تعالى: ((إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله)) الآية
سورة النِّساء
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَا بَعِيدًا (٣) إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنْمَ خَـْلِدِينَ
وَظَلَُّواْلَمْ يَكُنِ الله ◌ِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا هـ
فِهَاَ أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (
المسألة الأولى﴾ أنه تعالى لما قال: (يشهد بما أنزل اليك ) بين صفة ذلك الإنزال
وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة ، فصار قوله ( أنزله بعلمه ) جارياً مجرى قول
القائل : كتبت بالقلم وقطعت بالسكين ، والمراد من قوله ( أنزله بعلمه ) وصف القرآن بغاية
الحسن ونهاية الكمال ، وهذا مثل ما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل والعلم إذا صنف
كتاباً واستقصى في تحريره : إنه إنما صنف هذا بكمال علمه وفضله ، يعني أنه اتخذ جملة علومه
آلة ووسيلة الى تصنيف هذا الكتاب . فيدل ذلك على وصف ذلك التصنيف بغاية الجودة ونهاية
الحسن ، فكذا ههنا والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال أصحابنا : دلت الآية على أن الله تعالى علماً، وذلك لأنها تدل
على إثبات علم الله تعالى ، ولو كان علمه نفس ذاته لزم إضافة الشيء الى نفسه وهو محال.
ثم قال ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ وإنما تعرف شهادة الملائكة له بذلك لأن ظهور المعجز على
يده يدل على أنه تعالى شهد له بالنبوة ، وإذا شهد الله له بذلك فقد شهدت الملائكة لا محالة
بذلك لما ثبت في القرآن أنهم لا يسبقونه بالقول ، والمقصود كأنه قيل : يا محمد إن كذبك هؤلاء
اليهود فلا تبال بهم فان الله تعالى وهو إله العالمين يصدقك في ذلك ، وملائكة السموات السبع
يصدقونك في ذلك ، ومن صدقه رب العالمين وملائكة العرش والكرسي والسموات السبع
أجمعون لم يلتفت الى تكذيب أخس الناس ، وهم هؤلاء اليهود .
ثم قال تعالى ﴿وكفى بالله شهيداً ﴾ والمعنى وكفى الله شهيداً، وقد سبق الكلام في مثل
هذا .
قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيداً إن الذين كفروا
وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله
يسيراً ﴾
اعلم أن هذا من صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم ، والمراد أنهم كفروا بمحمد
،

١١٥
قوله تعالى: ((يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق)) الآية سورة النساء
◌َأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُ الَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَعَامِنُوْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن
تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلِّمَا فِ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣)
وبالقرآن وصدوا غيرهم عن سبيل الله ، وذلك بالقاء الشبهات في قلوبهم نحو قولهم : لو كان
رسولاً لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء كما نزلت التوراة على موسى ، وقولهم : إن الله تعالى
ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة ، وقولهم : إن الأنبياء لا
يكونون إلا من ولد هرون وداود ، وقوله ( قد ضلوا ضلالاً بعيداً) وذلك لأن أشد الناس
ضلالاً من كان ضالاً ويعتقد في نفسه أنه محق ، ثم إنه يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال
والجاه ، ثم إنه يبذل كنه جهده في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال ، فهذا الإِنسان لا شك أنه
قد بلغٍ في الضلال إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات ، فلهذا قال تعالى في حقهم ( قد ضلوا
ضلالاً بعيداً ) ولما وصف تعالى كيفية ضلالهم ذكر بعده وعيدهم فقال ( إن الذين كفروا
وظلموا ) محمداً بكتمان ذكر بعثته وظلموا عوامهم بالقاء الشبهات في قلوبهم ( لم يكن الله ليغفر
لهم ).
واعلم أنا إن حملنا قوله ( إن الذين كفروا ) على المعهود السابق لم يحتج إلى إضمار شرط
في هذا الوعيد ، لأنا نحمل الوعيد في الآية على أقوام علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر ،
وإن حملناه على الإستغراق أضمرنا فيه شرط عدم التوبة ، ثم قال ( ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق
جهنم ) .
ثم قال تعالى ﴿ خالدين فيها أبداً﴾ والمعنى أنه تعالى لا يهديهم يوم القيامة إلى الجنة بل
يهديهم إلى طريق جهنم ( وكان ذلك على الله يسيراً) انتصب خالدين على الحال ، والعامل فيه
معنى لا ليهديهم لأنه بمنزلة نعاقبهم خالدين، وانتصب ((أبداً)) على الظرف، وكان ذلك على
الله يسيراً ، والمعنى لا يتعذر عليه شيء فكان إيصال الألم إليهم شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية
يسيراً عليه وإن كان متعذراً على غيره .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا
فان لله ما في السموات والأرض وكان الله علياً حكيماً ﴾
اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة اليهود على الوجوه الكثيرة وبين فساد طريقتهم ذكر
خطاباً عاماً يعمهم ويعم غيرهم في الدعوة إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام فقال ( يا أيها

١١٦
قوله تعالى: ((يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)) الآية
سورة النساء
◌َأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الَّهِ إِلَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِبِحُ
عِسَى أَبْنُ مَرْيَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْفَنْهَا إِلَى مَرْمَ وَرُوحُ مِنْهُ فَامِنُواْبِاللهِ وَ
رُسُلِهِ، وَلَا تَقُولُوْ ثَلَاثَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهُ وَاحِدٌ سُبْحَدَنَهُ أَنْ
يَكُونَ لَهُ وَلَهُ لَهُمَا فِ السَّمَنَوَاتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ وَكَ بِاللَّهِ وَكِيلًا (﴾ ◌َّنْ
يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلِّ وَلَ الْمَلَئِكَةُ الْمُقَرَبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِّفْ
الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ) وهذا الحق فيه وجهان : الأول : انه جاء
بالقرآن ، والقرآن معجز فيلزم أنه جاء بالحق من ربه . والثاني : أنه جاء بالدعوة إلى عبادة الله
والاعراض عن غيره ، والعقل يدل على أن هذا هو الحق ، فيلزم أنه جاء بالحق من ربه .
ثم قال تعالى ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ يعني فآمنوا يكن ذلك الإيمان خيراً لكم مما أنتم فيه ،
أي أحمد عاقبة من الكبر ، وان تكفروا فان الله غني عن إيمانكم لأنه مالك السموات والأرض
وخالقهما ، ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء ، ويحتمل أن يكون المراد : فان لله ما في
السموات والأرض ، ومن كان كذلك كان قادراً على إنزال العذاب الشديد عليكم لو كفرتم ،
ويحتمل أن يكون المراد : انكم ان كفرتم فله ملك السموات والأرض وله عبيد يعبدونه
وینقادون لأمره وحكمه .
ثم قال تعالى ﴿وكان الله عليماً حكيماً ﴾ أي علياً لا يخفى عليه من أعمال عباده المؤمنين
والكافرين شيء ، و(حكيماً) لا يضيع عمل عامل منهم ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمسّء
والمحسن ، وهو كقوله ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم
نجعل المتقين كالفجار )
قوله تعالى ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح
عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة
انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض
وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن

١١٧
قوله تعالى: ((يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)) الآية سورة النّساء
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَحْتُرُ هُمْ إِلَيْهِ جَميعً ا﴾
الصَّالِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَبِيِدُهُم مِّنْ فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَسْتَنَكَفُواْ وَ
أَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَ نَصِيرًاً
١٧٣
عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم
ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون
الله ولياً ولا نصيراً ﴾
واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود تكلم بعد ذلك مع النصارى في هذه
الآية ، والتقدير : يا أهل الكتاب من النصارى لا تغلوا في دينكم أي لا تفرطوا في تعظيم
المسيح ، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في الطعن في المسيح ، وهؤلاء
النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم ، فلهذا قال للنصارى ( لا تغلوا في
دينكم ) وقوله ( ولا تقولوا على الله إلا الحق ) يعني لا تصفوا الله بالحلول والإتحاد في بدن
الإِنسان أو روحه ، ونزهوه عن هذه الأحوال . ولما منعهم عن طريق الغلو أرشدهم إلى طريق
الحق ، وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وعبده وأما قوله (وكلمته ألقاها إلى مريم
وروح منه ) .
فاعلم أنا فسرنا ((الكلمة)) في قوله تعالى (إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح )
والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال ( إن مثل عيسى عند الله
كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) وأما قوله ( وروح منه ) ففيه وجوه : الأول :
أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئاً بغاية الطهارة والنظافة قالوا : إنه روح، فلما كان
عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل عليه السلام لا جرم وصف بأنه
روح ، والمراد من قوله ( منه) التشريف والتفضيل كما يقال : هذه نعمة من الله ، والمراد كون
تلك النعمة كاملة شريفة . الثاني : أنه كان سببا لحياة الخلق في أديانهم ، ومن كان كذلك
وصف بأنه روح . قال تعالى في صفة القرآن ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) الثالث :
روح منه أي رحمة منه ، قيل في تفسير قوله تعالى ( وأيدهم بروح منه ) أي برحمة منه ، وقال
عليه الصلاة والسلام ((إنما أنا رحمة مهداة)) فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث

١١٨
قوله تعالى: ((ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم)) الآية سورة النِّساء
أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سمي روحا منه . الرابع : أن الروح
هو النفخ في كلام العرب ، فان الروح والريح متقاربان ، فالروح عبارة عن نفخة جبريل
وقوله ( منه ) يعني أن ذلك النفخ من جبريل کان بأمر الله وإذنه فهو منه ، وهذا كقوله ( فنفخنا
فيها من روحنا ) الخامس : قوله (روح ) أدخل التنكير في لفظ ( روح ) وذلك يفيد
التعظيم ، فكان المعنى : وروح من الأرواح الشريفة القدسية العالية ، وقوله ( منه ) إضافة
لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتعظيم .
ثم قال تعالى ﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ أي ان عيسى من رسل الله فآمنوا به كايمانكم بسائر
الرسل ولا تجعلوه إلها .
ثم قال ﴿ ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ المعنى: ولا تقولوا إن الله سبحانه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم.
واعلم أن مذهب النصارى مجهول جدا ، والذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتا موصوفة
بصفات ثلاثة ، إلا أنهم وان سموها صفات فهي في الحقيقة ذوات ، بدليل أنهم يجوزون
عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها ، والا لما جوزوا عليها أن تحل في الغير وأن تفارق
ذلك الغير مرة أخرى ، فهم وان كانوا يسمونها بالصفات إلا أنهم في الحقيقة يثبتون ذوات
متعددة قائمة بانفسها ، وذلك محض الكفر ، فلهذا المعنى قال تعالى ( ولا تقولوا ثلاثة انتهوا )
فأما ان حملنا الثلاثة على أنهم يثبتون صفات ثلاثة ، فهذا لا يمكن إنكاره ، وكيف لا نقول ذلك
وانا نقول : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد ، ونفهم
من كل واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من اللفظ الاخر ، ولا معنى لتعدد الصفات إلا
ذلك ، فلو كان القول بتعدد الصفات كفرا لزم رد جميع القرآن ولزم رد العقل من حيث انا نعلم
بالضرورة أن المفهوم من كونه تعالى عالما غير المفهوم من كونه تعالى قادرا أو حيا .
المسألة الثانية ﴾ قوله ( ثلاثة ) خبر مبتدأ محذوف، ثم اختلفوا في تعيين ذلك المبتدأ
على وجوه الأول : ما ذكرناه ، أي ولا تقولوا الاقانيم ثلاثة . الثاني : قال الزجاج : ولا تقولوا
آلهتنا ثلاثة ، وذلك لأن القرآن يدل على أن النصارى يقولون : ان الله والمسيح ومريم ثلاثة
آلهة ، والدليل عليه قوله تعالى ( أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله )
الثالث : قال الفراء ولا تقولوا هم ثلاثه كقوله ( سيقولون ثلاثة ) وذلك لأن ذكر عيسى ومريم
مع الله تعالى بهذه العبارة يوهم كونهما إلهين ، وبالجملة فلا نرى مذهبا في الدنيا أشد ركاكة

قوله تعالى: ((لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله)) الآية سورة النِّساء ١١٩
وبعدا عن العقل من مذهب النصارى .
ثم قال تعالى ﴿ انتهوا خيرا لكم ﴾ وقد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله ( فآمنوا خيرا لكم )
ثم أكد التوحيد بقوله ﴿ إنما الله إله واحد ﴾ ثم نزه نفسه عن الولد بقوله ( سبحانه أن
يكون له ولد ) ودلائل تنزيه الله عن الولد قد ذكرناها في سورة آل عمران وفي سورة مريم علی
الاستقصاء . وقرأ الحسن: إن يكون، بكسر الهمزة من ((ان)) ورفع النون من يكون ، أي
سبحانه ما يكون له ولد ، وعلى هذا التقدير فالكلام جملتان .
ثم قال تعالى ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾
واعلم أنه سبحانه في كل موضع نزه نفسه عن الولد ذكر كونه ملكا ومالكا لما في السموات
وما في الأرض فقال في مريم ( ان كل من في السموات والأرض الا آتى الرحمن عبدا ) والمعنى :
من كان مالكا لكل السموات والأرض ولكل ما فيها كان مالكا لعيسى ولمريم لأنهما كانا في
السموات وفي الأرض ، وما كانا أعظم من غيرهما في الذات والصفات، وإذا كان مالكا لما هو
أعظم منهما فبأن يكون مالكا لهما أولى،، وإذا كانا مملوكين له فكيف يعقل مع هذا توهم كونهما
له ولداً وزوجة .
ثم قال ﴿وكفى بالله وكيلا﴾ والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير المخلوقات وفي حفظ
المحدثات فلا حاجة معه الى القول باثبات إله آخر ، وهو إشارة إلى ما يذكره المتكلمون من أنه
سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات قادراً على كل المقدورات كان كافياً في الالهية ، ولو فرضنا
إلها آخر معه لكان معطلا لا فائدة فيه ، وذلك نقص ، والناقص لا يكون إلها .
ثم قال تعالى ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ﴾ وفيه
مسائل .
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزجاج: لن يستنكف أي لن يأنف، وأصله في اللغة من نكفت
الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خدك ، فتأويل ( لن يستنكف) أي لن يتنغص ولن يمتنع ، وقال
الأزهري : سمعت المنذري يقول : سمعت أبا العباس وقد سئل عن الاستنكاف فقال : هو
من النكف ، يقال ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا وكف، والنكف أن يقال له سوء ،
واستنكف إذا دفع ذلك السوء عنه .
المسألة الثانية﴾ روى أن وفد نجران قالوا لرسول الله مح لل : لم تعيب صاحبنا قال:

١٢٠
قوله تعالى: ((لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله)) الآية سورة النساء
ومن صاحبكم ؟ قالوا عيسى : قال : وأي شيء قلت ؟ قالوا تقول إنه عبدالله ورسوله ، قال
إنه ليسَ بعار أن يكون عبدالله ، فنزلت هذه الآية ، وأنا أقول : إنه تعالى لما أقام الحجة
القاطعة على أن عيسى عبدالله ، ولا يجوز أن يكون ابناً له أشار بعده إلى حكاية شبهتهم
وأجاب عنها ، وذلك لأن الشبهة التي عليها يعولون في إثبات أنه ابن الله هو أنه كان يخبر عن
المغيبات وكان يأتي بخوارق العادات من الاحياء والابراء ، فكأنه تعالى قال ( لن يستنكف
المسيح ) بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبادة الله تعالى فان الملائكة المقربين أعلى حالا
منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ ، وأعلى حالا منه في القدرة لأن ثمانية
منهم حملوا العرش على عظمته ، ثم ان الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لن يستنكفوا
عن عبودية الله ، فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من
العلم والقدرة ، واذا حملنا الآية على ما ذكرناه صارت هذه الآيات متناسبة متتابعة ومناظرة
شريفة كاملة ، فكان حمل الآية على هذا الوجه اولى .
المسألة الثالثة ﴾ استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر. وقد ذكرنا
استدلالهم بها في تفسير قوله ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) وأجبنا عن هذا الاستدلال
بوجوه كثيرة ، والذي نقول ههنا : انا نسلم أن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر من اطلاع
البشر عليها ونسلم أن قدرة الملائكة على التصرف في هذا العالم أشد من قدرة البشر، كيف
ويقال : ان جبريل قلع مدائن قوله لوط بريشة واحدة من جناحه انما النزاع في أن ثواب طاعات
الملائكة أكثر أم ثواب طاعات البشر، وهذه الآية لا تدل على ذلك البتة ، وذلك لأن النصارى
انما أثبتوا إلهية عيسى بسبب أنه أخبر عن الغيوب وأتى بخوارق العادات . فايراد الملائكة
لأجل إبطال هذه الشبهة انما يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالا في هذا العلم ، وفي هذه
القدرة من البشر، ونحن نقول بموجبه . فاما أن يقال : المراد من الآية تفضيل الملائكة على
المسيح في كثرة الثواب على الطاعات فذلك مما لا يناسب هذا الموضع ولا يليق به ، فظهر أن
هذا الاستدلال انما قوي في الأوهام لأن الناس ما لخصوا محل النزاع والله أعلم .
المسألة الرابعة ﴾ في الآية سؤال، وهو أن الملائكة معطوفون على المسيح فيصير
التقدير ، ولا الملائكة المقربون في أن يكونوا عبيداً لله وذلك غير جائز .
والجواب فيه وجهان : أحدهما : أن يكون المراد ولا كل واحد من المقربين . والثاني :
أن يكون المراد ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا فحذف ذلك لدلالة قوله ( عبداً لله ) عليه
على طريق الايجاز .