النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ قوله تعالى: ((ولله ما في السموات وما في الأرض )) الآية سورة النِّساء أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلا لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين ، وكيف يعقل ذلك وله ملك السموات والأرض ، ومن كان كذلك ، فكيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى البشر الضعيف، وإنما اتخذه خليلاً بمحض الفضل والإحسان والكرم ، ولأنه لما كان مخلصاً في العبودية لا جرم خصه الله بهذا التشريف، والحاصل أن كونه خليلا يوهم الجنسية فهو سبحانه أزال وهم المجانسة والمشاكلة بهذا الكلام . والثاني : أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعاً كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد ، فبين ههنا أنه إله المحدثات وموجد الكائنات والممكنات ، ومن كان كذلك كان ملكاً مطاعاً ، فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه . الثالث : أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد ولا يمكن الوفاء بهما إلا عند حصول أمرين : أحدهما : القدرة التامة المتعلقة بجميع الكائنات والممكنات . والثاني : العلم التام المتعلق بجميع الجزئيات والكليات حتى لا يشتبه عليه المطيع والعاصي والمحسن والمسيء ، فدل على كمال قدرته بقوله ( ولله ما في السموات وما في الأرض ) وعلى كمال علمه بقوله ( وكان الله بكل شيء محيطاً) الرابع . أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خلیله بين أنه مع هذه الخلة عبدله ، وذلك لأنه له ما في السموات وما في الأرض ، ويجري هذا مجرى قوله ( إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً) ومجرى قوله ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ) يعني أن الملائكة مع كمالهم في صفة القدرة والقوة في صفة العلم والحكمة لما لم يستنكفوا عن عبودية الله فكيف يمكن أن يستنكف المسيح مع ضعف بشريته عن عبودية الله ! كذا ههنا ، يعني إذا كان كل من في السموات والأرض ملكه في تسخيره ونفاذ إلهيته فكيف يعقل أن يقال : إن اتخاذ الله إبراهيم عليه السلام خليلاً يخرجه عن عبودية الله ، وهذه الوجوه كلها حسنة متناسبة . المسألة الثانية﴾ إنما قال (ما في السموات وما في الأرض) ولم يقل ((من)) لأنه ذهب مذهب الجنس ، والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنس ذكر بما . المسألة الثالثة﴾ قوله (وكان الله بكل شيء محيطاً) فيه وجهان : أحدهما : المراد منه الإحاطة في العلم . والثاني: المراد منه الإحاطة بالقدرة ، كما في قوله تعالى ( وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ) قال القائلون بهذا القول : وليس لقائل أن يقول لما دل قوله ( ولله ما في السموات وما في الأرض ) على كمال القدرة ، فلو حملنا قوله ( وكان الله بكل شيء محيطاً) على كمال القدرة لزم التكرار ، وذلك لأنا نقول : إن قوله ( لله ما في السموات وما في الأرض ) لا يفيد ظاهره إلا كونه تعالى قادراً مالكاً لكل ما في السموات وما في الأرض ، ولا يفيد كونه قادراً على ما يكون خارجاً عنهما ومغايراً لهما ، فلما قال ( وكان الله بكل شيء محيطاً ) ٦٢ قوله تعالى: ((ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن)) الآية سورة النِّساء وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَآءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِنَّ وَمَا يُئِلَى عَلَيْكُمْ فِ اَلْكِتَبِ فِ يَتَمَى الْتِسَآءِ الَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَغَبُونَ أَن تَكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ألِّدَنِ وَأَنْ تَقُومُوْلِيَعمَىِ بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ تَخْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِءَ عَلِيماً ◌َ﴾ ٨٨ دل على كونه قادراً على ما لا نهاية له من المقدورات خارجاً عن هذه السموات والأرض ، على أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الكائنات والممكنات إنما تنقطع بايجاده وتكوينه وإبداعه ، فهذا تقرير هذا القول ، إلا أن القول الأول أحسن لما بينا أن الإلهية والوفاء بالوعد والوعيد إنما يحصل ويكمل بمجموع القدرة والعلم ، فلا بد من ذكرهما معاً، وإنما قدم ذكر القدرة على ذكر العلم لما ثبت في علم الأصول أن العلم بالله هو العلم بكونه قادراً ، ثم بعد العلم بكونه قادراً يعلم كونه عالماً لما أن الفعل بحدوثه يدل على القدرة ، وبما فيه من الأحكام والإتقان يدل على العلم ، ولا شك أن الأول مقدم على الثاني . قوله تعالى ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فان الله كان به علياً ﴾ اعلم أن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه وهو أنه یذکر شيئاً من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إلهيته ، ثم يعود مرة أخرى الى بيان الأحكام ، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها الى التأثير في القلوب ، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالوعد والوعيد ، والوعد والوعيد لا يؤثر في القلب إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد ، فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة الى الدين الحق . إذا عرفت هذا فنقول : إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعاً كثيرة من الشرائع والتكاليف، ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى في ذلك ، ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه ، ثم عاد بعد ذلك الى بيان الأحكام فقال ٦٣ سورة النِّساء قوله تعالى: (( وما یتلی علیکم في الكتاب )) الآية ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ) وفي الآية مسائل . المسألة الأولى﴾ قال الواحدي رحمه الله : الاستفتاء طلب الفتوى يقال: استفتيت الرجل في المسألة فأفتاني افتاء وفتيا وفتوى ، وهما إسمان موضوعان موضع الإفتاء ، ويقال : أفتيت فلاناً في رؤيا رآها إذا عبرها قال تعالى ( يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان ) ومعنى الافتاء إظهار المشكل ، وأصله من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل ، فالمعنى كأنه يقوي ببيانه ما أشكل ويصير قوياً فتياً. ﴿ المسألة الثانية ﴾ ذكروا في سبب نزول هذه الآية قولين: الأول: أن العرب كانت لا تورث النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما ذكرنا في أول هذه السورة ، فهذه الآية نزلت في توريثهم. والثاني : أن الآية نزلت في توفية الصداق لهن ، وكانت اليتيمة تكون عند الرجل فاذا كانت جميلة ولها مال تزوج بها وأكل مالها ، واذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها ، فأنزل الله هذه الآية . المسألة الثالثة ﴾ اعلم أن الاستفتاء لا يقع عن ذوات النساء وإنما يقع عن حالة من أحوالهن وصفة من صفاتهن ، وتلك الحالة غير مذكورة في الآية فكانت مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع عنه الاستفتاء . أما قوله تعالى ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ ففيه أقوال: الأول: أنه رفع بالابتداء والتقدير : قل الله يفتيكم في النساء ، والمتلو في الكتاب يفتيكم فيهن أيضاً ، وذلك المتلو في الكتاب هو قوله ( وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ) وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال النساء ، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها ، وما كان منها مبين الحكم في الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها . وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب ، ألا ترى أنه يقال في المجاز المشهور : إن كتاب الله بين لنا هذا الحكم ، وكما جاز هذا جاز أيضاً أن يقال : إن كتاب الله أفتى بكذا . القول الثاني﴾ أن قوله (وما يتلى عليكم) مبتدأ و(في الكتاب) خبره، وهي جملة معترضة ، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليهم وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من عظائم الأمور عند الله تعالى التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها ، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله . ونظيره في تعظيم القرآن ١ ٦٤ قوله تعالى: (( اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن)) الآية سورة النِّساء قوله ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) ﴿ القول الثالث﴾ أنه مجرور على القسم، كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب ، والقسم أيضاً بمعنى التعظيم . والقول الرابع ﴾ انه عطف على المجرور في قوله ( فيهن ) والمعنى : قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ، قال الزجاج : وهذا الوجه بعيد جداً نظراً الى اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأنه يقتضي عطف المظهر على المضمر ، وذلك غير جائز كما شرحناه في قوله ( تساءلون به والأرحام ) وأما المعنى فلأن هذا القول يقتضي أنه تعالى في تلك المسائل أفتى ، ويفتي أيضاً فيما يتلى من الكتاب ، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك ، وإنما المراد أنه تعالى يفتي فيما سألوا من المسائل . بقي ههنا سؤالان : السؤال الأول﴾ بم تعلق قوله ( في يتامى النساء ) . قلنا: هو في الوجه الأول صلة ((يتلى)) أي يتلى عليكم في معناهن، وأما في سائر الوجوه فبدل من ( فیهن )). السؤال الثاني ﴾ الاضافة في ( يتامى النساء ) ما هي ؟ الجواب : قال الكوفيون : معناه في النساء اليتامى ، فأضيفت الصفة الى الإِسم ، كما تقول : يوم الجمعة ، وحق اليقين ، وقال البصريون : إضافة الصفة الى الاسم غير جائز فلا يقال مررت بطالعة الشمس ، وذلك لأن الصفة والموصوف شيء واحد ، وإضافة الشيء الى نفسه محال ، وهذا التعليل ضعيف لأن الموصوف قد يبقى بدون الوصف، وذلك يدل على أن الموصوف غير الصفة ، ثم ان البصريين فرعوا على هذا القول وقالوا : النساء في الآية غير اليتامى ، والمراد بالنساء أمهات اليتامى أضيفت اليهن أولادهن اليتامى ، ويدل عليه أن الآية نزلت في قصة أم كحة ، وكانت لها يتامى . ثم قال ﴿ اللاتي لا تؤتونهن ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث، وهذا على قول من يقول : نزلت الآية في ميراث اليتامى والصغار ، وعلى قول الباقين المراد بقوله ( ما كتب لهن ) الصداق . ثم قال تعالى ( وترغبون أن تنكحوهن ) قال أبو عبيدة : هذا يحتمل الرغبة والنفرة ، فان حملته على الرغبة كان المعنى : وترغبون في أن تنكحوهن ، وإن حملته على النفرة كان المعنى : وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن ، واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه ٦٥ قوله تعالى: ((وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً، سورة النساء وَإِنِ آمْرَأَةُ خَاقَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَيِهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا مُلْعًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَنَتَّقُواْ فَإِنَّ الَّهَ كَانَ بِا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٣٨) الآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة ، ولا حجة لهم فيها لاحتمال أن يكون المراد : وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن ، والدليل على صحة قولنا : أن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر ، فخطبها المغيرة بن شعبة ورغب أمها في المال، فجاؤا الى رسول الله وَله، فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها، فقال النبي صل: انها صغيرة وانها لا تزوج إلا بأذنها ، وفرق بينها وبين ابن عمر ، ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة ، وذلك لا يدل على الجواز . ثم قال تعالى ﴿ والمستضعفين من الولدان﴾ وهو مجرور معطوف على يتامى النساء. كانوا في الجاهلية لا يورثون الأطفال ولا النساء ، وإنما يورثون الرجال الذين بلغوا إلى القيام بالأمور العظيمة دون الأطفال والنساء . ثم قال تعالى ﴿وأن تقوموا لليتامى بالقسط﴾ وهو مجرور معطوف على المستضعفين، وتقدير الآية : وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط (وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليماً) يجازيكم عليه ولا يضيع عند الله منه شيء . قوله تعالى ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فان الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ اعلم أن هذا من جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء مما لم يتقدم ذكره في هذه السورة وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال بعضهم: هذه الآية شبيهة بقوله (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ) وقوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) وههنا ارتفع ( امرأة ) بفعل يفسره ( خافت ) وكذا القول في جميع الآيات التي تلوناها والله أعلم . المسألة الثانية﴾ قال بعضهم: خافت أي علمت، وقال آخرون: ظنت ، وكل الفخر الرازي ج١١ م٥ ٦٦ قوله تعالى: ((فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا)) الآية سورة النِّساء ذلك ترك للظاهر من غير حاجة ، بل المراد نفس الخوف إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور الأمارات الدالة على وقوع الخوف، وتلك الأمارات ههنا أن يقول الرجل لامرأته : إنك دميمة أو شيخة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة ، والبعل هو الزوج ، والأصل في البعل هو السيد ، ثم سمى الزوج به لكونه كالسيد للزوجة ؛ ويجمع البعل على بعولة ، وقد سبق هذا في سورة البقرة في قوله تعالى ( وبعولتهن أحق بردهن ) والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه ، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض ، ونشوز الرجل في حق المرأة أن يعرض عنها ويعبس وجهه في وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها . المسألة الثالثة﴾ ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوهاً: الأول : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الآية نزلت في ابن أبي السائب كانت له زوجة وله منها أولاد وكانت شيخة فهم بطلاقها ، فقالت لا تطلقني ودعني أشتغل بمصالح أولادي واقسم في كل شهر ليالي قليلة ، فقال الزوج : ان كان الأمر كذلك فهو أصلح لي . والثاني : أنها نزلت في قصة سودة بنت زمعة أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يطلقها ، فالتمست أن يمسكها ويجعل نوبتها لعائشة ، فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ولم يطلقها. والثالث : روى عن عائشة أنها قالت : نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها ، فتقول : أمسكني وتزوج بغيري ، وأنت في حل من النفقة والقسم. ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قوله (نشوزاً أو إعراضاً) المراد بالنشوز إظهار الخشونة في القول أو الفعل أوفيهما ، والمراد من الأعراض السكوت عن الخير والشر والمداعاة والإيذاء ، وذلك لأن مثل هذا الإِعراض يدل دلالة قوية على النفرة والكراهة . ثم قال تعالى ﴿ فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحاً ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( يصلحا) بضم الياء وكسر اللام وحذف الألف من الإصلاح ، والباقون ( يصالحا) بفتح الياء والصاد، والألف بين الصاد واللام وتشديد الصاد من التصالح ، ويصالحا في الأصل هو يتصالحا ، فسكنت التاء وأدغمت في الصاد ، ونظيره قوله ( اداركوا فيها ) أصله تداركوا سكنت التاء وأبدلت بالدال لقرب المخرج وأدغمت في الدال ، ثم اجتلبت الهمزة للابتداء بها فصار أداركوا . إذا عرفت هذا فنقول : من قرأ ( يصلحا ) فوجهه أن الإصلاح عند التنازع والتشاجر مستعمل قال تعالى ( فمن خاف من موص جنفا أو اثها فأصلح بينهم ) وقال ( أو إصلاح بين الناس ) ومن قرأ يصالحا وهو الإختيار عند الأكثرين قال : أن يصالحا معناه يتوافقا ، وهو ٦٧ سورة النِّساء قوله تعالى: (( والصلح خير)) الآية أليق بهذا الموضع وفي حرف عبد الله : فلا جناح عليهما إن صالحا ، وانتصب صلحاً في هذه القراءة على المصدر وكان الأصل أن يقال : تصالحا ، ولكنه ورد كما في قوله ( والله أنبتكم من الأرض نباتاً) وقوله ( وتبتل اليه تبتيلاً) وقول الشاعر : وبعد عطائك المائة الرتاعا ﴿ المسألة الثانية﴾ الصلح إنما يحصل في شيء يكون حقاً له، وحق المرأة على الزوج أما المهر أو النفقة أو القسم ، فهذه الثلاثة هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى ، أما الوطء فليس كذلك ، لأن الزوج لا يجبر على الوطء. إذا عرفت هذا فنقول: هذا الصلح عبارة عما إذا بذلت المرأة كل الصداق أو بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة ، أو أسقطت عنه القسم ، وكان غرضها من ذلك أن لا يطلقها زوجها ، فاذا وقعت المصالحة على ذلك كان جائزاً. ثم قال تعالى ﴿ والصلح خير ﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف، والمفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا ؟ والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده ، وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه . وأما إذا قلنا : إنه يفيد العموم فههنا بحث ، وهو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق ؟ الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى ، وذلك لأنا إنما حملناه على الإستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملا ويخرج عن الإفادة ، فاذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : من الناس من حمل قوله (والصلح خير ) على الإستغراق ، ومنهم من حمله على المعهود السابق، يعني الصلح بين الزوجين خير من الفرقة ، والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة ، وأما نحن فقد بينًا أن حمل هذا اللفظ على المعهود السابق أولى ، فاندفع استدلالهم والله أعلم . المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف: هذه الجملة اعتراض ، وكذلك قوله ( وأحضرت الأنفس الشح ) إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب فحصل المقصود . المسألة الثالثة﴾ انه تعالى ذكر أولا قوله ( فلا جناح عليهما أن يصالحا) فقوله ( لا ١ ٦٨ قوله تعالى: (( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء )) الآية سورة النِّساء وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ الْتِسَاءِ وَلَوْ خَصْتٌ تَعْدِ لُواْكُلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا جناح ) يوهم أنه رخصة ، والغاية فيه ارتفاع الأثم ، فبين تعالى أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه ولا إثم فكذلك فيه خير عظيم ومنفعة كثيرة ، فانهما إذا تصالحا على شيء فذاك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والاعراض ، أما قوله تعالى ( وأحضرت الأنفس الشح ) . فاعلم أن الشح هو البخل ، والمراد ان الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس اللازم لها ، يعني أن النفوس مطبوعة على الشح ، ثم يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها ، ويحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها وكبر سنها وعدم حصول اللذة بمجانستها . ثم قال تعالى ﴿وان تحسنوا وتتقوا فان الله كان بما تعملون خبيرا﴾ وفيه وجوه : الأول: أنه خطاب مع الأزواج ، يعني وان تحسنوا بالاقامة على نسائكم وان كرهتموهن وتيقنتم النشوز والاعراض وما يؤدي الى الاذى والخصومة فان الله كان بما تعملون من الاحسان والتقوى خبيرا ، وهو يثيبكم عليه ، الثاني : أنه خطاب للزوج والمرأة ، يعني وان يحسن كل واحد منكما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم . الثالث : أنه خطاب لغيرهما : يعني ان تحسنوا في المصالحة بينهما وتتقوا الميل إلى واحد منهما . وحكى صاحب الكشاف : أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بني آدم ، وامرأته من أجملهم ، فنظرت اليه يوما ثم قالت : الحمد لله ، فقال مالك ؟ فقالت حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة لأنك رزقت مثلي فشكرت ، ورزقت مثلك فصبرت ، وقد وعد الله بالجنة عباده الشاكرين والصابرين . ثم قال تعالى ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ﴾ وفيه قولان : . الأول : لن تقدروا على التسوية بينهن في ميل الطباع . وإذا لم تقدروا عليه لم تكونوا مكلفين به. قالت المعتزلة: فهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز الوقوع ، وقد ذكرنا أن الاشكال لازم عليهم في العلم وفي الدواعي . الثاني : لا تستطيعون التسوية بينهن في الأقوال والأفعال لأن التفاوت في الحب يوجب التفاوت في نتائج الحب . لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال .. ثم قال ﴿ فلا تميلوا كل الميل﴾ والمعنى انكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم ، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل. روى الشافعي رحمة الله عليه عن رسول الله به لل أنه كان يقسم ويقول ((هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك)). ٦٩ سورة النِّساء قوله تعالى : (( وكان الله واسعاً حکیاً )) الآية كَالْمُعَلَّقَةٍ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَّقُواْ فَإِنَّ الَّ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا () وَ إِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلُّ مِنِ سَعَتِهِ، وَكَانَ الله وَسِعًا حَكِيمًا (٣) ثم قال تعالى ( فتذروها كالمعلقة ) يعني تبقى لا أيما ولا ذات بعل ، كما أن الشيء المعلق لا يكون على الأرض ولا على السماء ، وفي قراءة أبي : فتذروها كالمسجونة ، وفي الحديث (( من كانت له امرأتان يميل مع احداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل )) وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى أزواج رسول الله ولو بمال فقالت عائشة: إلى كل أزواج رسول الله ◌َّل بعث عمر بمثل هذا؟ فقالوا: لا ، بعث إلى القرشيات بمثل هذا، والى غيرهن بغيره ، فقالت للرسول ارفع رأسك وقل لعمر: إن رسول الله ولو كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه ، فرجع الرسول فأخبره فأتم لهن جميعاً . ثم قال تعالى ﴿وإن تصلحوا﴾ بالعدل في القسم (وتتقوا) الجور ( فان الله كان غفوراً رحيما ) ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض . وقيل : المعنى : وإن تصلحوا ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ، وتتقوا في المستقبل عن مثله غفر الله لكم ذلك ، وهذا الوجه أولى لأن التفاوت في الميل القلبي لما كان خارجا عن الوسع لم يكن فيه حاجة إلى المغفرة . ثم قال تعالى ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ﴾ واعلم أنه تعالى ذكر جواز الصلح إن أراد ذلك ، فان رغبا في المفارقة فالله سبحانه بين جوازه بهذه الآية أيضاً ، ووعد لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه بعد الطلاق ، أو يكون المعنى أنه يغني كل واحد منهما بزوج خير من زوجه الأول ، وبعيش أهنا من عيشه الأول . ثم قال ﴿ وکان الله واسعا حکیما ﴾ والمعنى أنه تعالى لما وعد كل واحد منهما بأنه يغنيه من سعته وصف نفسه بكونه واسعاً، وإنما جازوصف الله تعالى بذلك لأنه تعالى واسع الرزق ، واسع الفضل، واسع الرحمة، واسع القدرة واسع العلم، فلو ذكر تعالى أنه واسع في كذا لاختص ذلك بذلك المذكور ، ولكنه لما ذكر الواسع وما أضافه إلى شيء معين دل على أنه واسع في جميع الكمالات ، وتحقيقه في العقل أن الموجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، وما سواه ممكن لذاته لا يوجد إلا بايجاد الله الواجب لذاته ، وإذ ٧٠ قوله تعالى: ((ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا)) الآية سورة النِّساء وَلِلَّهِ مَافِ السَّمَنَتِ وَمَا فِ اْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَ إِنّ كُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنََِِّّ مَا فِ السَّمَنَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حِيدًا ﴿ وَلِلِّ مَا فِ السَّمَنَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (﴾ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِعَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (﴿ مَن كَانَ يُرِدُ قَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ الَه ◌َوَابُ الْنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللهُ سَمِيعً بَصِيرًاً ( كان كذلك كان كل ما سواه من الموجودات فانما يوجد بايجاده وتكوينه ، فلزم من هذا كونه واسع العلم والقدرة والحكمة والرحمة والفضل والجود والكرم . وقوله (حكيما) قال ابن عباس : يريد فيما حكم ووعظ وقال الكلى : يريد فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريح باحسان . 1 قوله تعالى ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فان لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنياً حميداً ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعاً بصيراً ﴾ وفي تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه يغني كلا من سعته ، وأنه واسع أشار إلى ما هو كالتفسير لكونه واسعاً فقال ( ولله ما في السموات وما في الأرض ) يعني من كان كذلك فانه لا بد وأن يكون واسع القدرة والعلم والجود والفضل والرحمة . الثاني : أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بين أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى اعمال العباد ، لأن مالك السموات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجا إلى عمل الانسان مع ما هو عليه من الضعف والقصور ، بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم . ٧١ قوله تعالى: ((ولله ما في السموات وما في الأرض كفى)) الآية سورة النّساء ثم قال تعالى ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾ وفيه مسائل المسألة الأولى﴾ المراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل ، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين . المسألة الثانية ﴾ قوله ( من قبلكم ) فيه وجهان : الأول : انه متعلق بوصينا ، يعني ولقد وصينا من قبلكم الذين أوتوا الكتاب . والثاني : أنه متعلق بأوتوا ، يعني الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وصيناهم بذلك ، وقوله ( وإياكم ) بالعطف على (الذين (أوتوا الكتاب) والكتاب اسم للجنس يتناول الكتب السماوية ، والمراد اليهود والنصارى . ﴿ المسألة الثالثة) قوله (أن اتقوا الله) كقولك : أمرتك الخير، قال الكسائي: يقال أوصيتك أن افعل كذا ، وأن تفعل كذا ، ويقال : ألم آمرك أن انت زيدا ، وأن تأتي زيدا، قال تعالى ( أمرت أن أكون أول من أسلم) وقال ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة ) . ثم قال تعالى ﴿ وإن تكفروا فان لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنياً حميدا ﴾ قوله(وإن تكفروا) عطف على قوله ( اتقوا الله) والمعنى : أمرناهم وأمرناكم بالتقوى ، وقلنا لهم ولكم : إن تكفروا فان لله ما في السموات وما في الأرض . وفيه وجهان : الأول : أنه تعالى خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها ، فحق كل عاقل أن يكون منقاداً لأوامره ونواهيه يرجو ثوابه ويخاف عقابه ، والثاني : أنكم إن تكفروا فان لله ما في سمواته وما في أرضه من أصناف المخلوقات من يعبده ويتقيه ، وكان مع ذلك غنياً عن خلقهم وعن عبادتهم ، ومستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه ، وإن لم يحمده أحد منهم فهو في ذاته محمود سواء حمدوه أولم يحمدوه . ثم قال تعالى ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ﴾ فان قيل : ما الفائدة في تكرير قوله ( ولله ما في السموات وما في الأرض ) قلنا : إنه تعالى ذكر هذه الكلمات في هذه الآية ثلاث مرات لتقرير ثلاثة أمور : فأولها : أنه تعالى قال ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ) والمراد منه كونه تعالى جوادا متفضلا ، فذكر عقيبه قوله ( ولله ما في السموات وما في الأرض ) والغرض تقرير كونه واسع الجود والكرم ، وثانيها : قال ( وان تكفروا فان لله ما في السموات وما في الأرض ) والمراد منه أنه تعالى منزه عن ٧٢ قوله تعالى: (( من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله )) الآية سورة النِّساء طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين ، فلا يزداد جلاله بالطاعات ، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات ، فذكر عقيبه قوله ( فان لله ما في السموات وما في الأرض ) والغرض منه تقرير كونه غنياً لذاته عن الكل ، وثالثها : قال ( ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ان يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا ) والمراد منه أنه تعالى قادر على الافناء والايجاد ، فان عصيتموه فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية ، وعلى أن يوجد قوماً آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه ، فالغرض ههنا تقدير كونه سبحانه وتعالى قادراً على جميع المقدورات ، وإذا كان الدليل الواحد دليلا على مدلولات كثيرة فانه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات ، ثم يذكره مرة أخرى ليستدل به على الثاني ، ثم يذكره ثالثاً ليستدل به على المدلول الثالث ، وهذه الاعادة احسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة ، لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول ، فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى ، فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال . وأيضا فاذا أعدته ثلاث مرات وفرعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال الله تنبه الذهن حينئذ لكون تخليق السموات والأرض دالا على أسرار شريفة ومطالب جليلة ، فعند ذلك يجتهد الانسان في التفكر فيها والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى ، ولما كان الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفة الله ، وكان هذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده ، لا جرم كان في غاية الحسن والكمال . وقوله (وكان الله على ذلك قديرا) معناه أنه تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بالقدرة على جميع المقدورات ، فان قدرته على الأشياء لو كانت حادثة لافتقر حدوث تلك القدرة الى قدرة أخرى ولزم التسلسل . ثم قال تعالى ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ والمعنى أن هؤلاء الذين يريدون بجهادهم الغنيمة فقط مخطئون ، وذلك لأن عند الله ثواب الدنيا والآخرة ، فلم اكتفى بطلب ثواب الدنيا مع أنه كان كالعدم بالنسبة الى ثواب الآخرة ، ولو كان عاقلا لطلب ثواب الآخرة حتى يحصل له ذلك ويحصل له ثواب الدنيا على سبيل التبع . فان قيل : كيف دخل الفاء في جواب الشرط وعنده تعالى ثواب الدنيا والآخرة سواء حصلت هذه الإرادة أو لم تحصل ؟ قلنا : تقرير الكلام : فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له ان أراده الله تعالى ، وعلى هذا التقدير يتعلق الجزاء بالشرط . ٧٣ سورة النِّساء قوله تعالى : ((يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط)) الآية يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَلِلّهِ وَلَوْ عَلَىْ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ ج وَالْأَقْرَ بِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا ◌َّبِعُواْ الْهَوَىّ أَنْ تَعْدِلُواْ وَ إِن تَلُوُرَأْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( ١٣٥ ثم قال ﴿ وكان الله سميعا بصيرا ﴾ يعني يسمع كلامهم أنهم لا يطلبون من الجهاد سوى الغنيمة ويرى أنهم لا يسعون في الجهاد ولا يجتهدون فيه الا عند توقع الفوز بالغنيمة ، وهذا كالزجر منه تعالى لهم عن هذه الأعمال . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ان يكن غنياً أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ وفي الآية مسائل . المسألة الأولى﴾ في اتصال الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه لما تقدم ذكر النساء والنشوز والمصالحة بينهن وبين الأزواج عقبه بالأمر بالقيام بأداء حقوق الله تعالى وبالشهادة لاحياء حقوق الله ، وبالجملة فكأنه قيل : ان اشتغلت بتحصيل مشتهياتك كنت لنفسك لا لله ، وان اشتغلت بتحصيل مأمورات الله كنت لله لا لنفسك ، ولا شك أن هذا المقام أعلى وأشرف ، فكانت هذه الآية تأكيدا لما تقدم من التكاليف. الثاني : ان الله تعالى لما منع الناس عن أن يقصروا عن طلب ثواب الدنيا وأمرهم بأن يكونوا طالبين لثواب الآخرة ذكر عقيبه هذه الآية ، وبین أن کما ل سعادة الانسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله حتی يصير من الذين يكونون في آخر مراتب الانسانية وأول مراتب الملائكة ، فأما اذا عكس هذه القضية كان مثل البهيمة التي منتهى أمرها وجدان علف، أو السبع الذي غاية أمره ايذاء حيوان . الثالث : أنه تقدم في هذه السورة أمر الناس بالقسط كما قال ( وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ) وأمرهم بالاشهاد عند دفع أموال اليتامى اليهم ، وأمرهم بعد ذلك ببذل النفس والمال في سبيل الله ، وأجرى في هذه السورة قصة طعمة بن أبيرق واجتماع قومه على الذب عنه بالكذب والشهادة على اليهودي بالباطل . ثم إنه تعالى أمر في هذه الآيات بالمصالحة مع الزوجة ، ومعلوم أن ذلك أمر من الله لعباده بأن يكونوا قائمين بالقسط ، شاهدين لله على ٧٤ قوله تعالى: (( يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط» الآية سورة النِّساء كل أحد ، بل وعلى أنفسهم ، فكانت هذه الآية كالمؤكد لكل ما جرى ذكره في هذه السورة من أنواع التكاليف . المسألة الثانية ﴾ القوام مبالغة من قائم ، والقسط العدل ، فهذا أمر منه تعالى لجميع المكلفين بأن يكونوا مبالغين في اختيار العدل والاحتراز عن الجور والميل ، وقوله ( شهداء لله ) أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم باقامتها ، ولو كانت الشهادة على انفسكم أو آبائكم أو أقاربكم ، وشهادة الانسان على نفسه لها تفسيران : الأول : أن يقر على نفسه لأن الاقرار كالشهادة في كونه موجباً إلزام الحق . والثاني : أن يكون المراد وإن كانت الشهادة وبالاعلى أنفسكم وأقاربكم ، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره . المسألة الثالثة﴾ في نصب ((شهداء)) ثلاثة أوجه: الأول: على الحال من ( قوامين ) . والثاني : أنه خبر على أن ( كونوا) لها خبران ، والثالث : أن تكون صفة القوامين . المسألة الرابعة﴾ إنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه : الأول : أن أكثر الناس عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف ، فاذا آل الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى أن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان في محل المسامحة وأحسن الحسن ، وإذا صدر عن غيرهم كان في محل المنازعة فالله سبحانه نبه في هذه الآية على سوء هذه الطريقة ، وذلك أنه تعالى أمرهم بالقيام بالقسط أولا ، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانيا ، تنبيهاً على أن الطريقة الحسنة أن تكون مضايقة الانسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير . الثاني : أن القيام بالقسط عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير ، وهو الذي عليه الحق ، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير، الثالث : أن القيام بالقسط فعل ، والشهادة قول ، والفعل أقوى من القول . فان قيل : إنه تعالى قال ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) فقدم الشهادة على القيام بالقسط ، وههنا قدم القيام بالقسط ، فما الفرق ؟ قلنا : شهادة الله تعالى عبارة عن كونه تعالى خالقا للمخلوقات ، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية القوامين بالعدل في تلك المخلوقات ، فيلزم هناك أن تكون الشهادة مقدمة على القيام بالقسط ، أما في حق العباد فالقيام بالقسط عبارة عن كونه مراعيا للعدل ومباينا للجور ، ومعلوم أنه ما لم يكن الانسان كذلك لم تكن شهادته على الغير مقبولة ، فثبت أن الواجب في قوله (شهد الله) أن تكون تلك الشهادة مقدمة على القيام بالقسط . والواجب ههنا أن تكون ٧٥ قوله تعالى: (( يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله)) الآية سورة النِّساء يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىِ نَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الشهادة متأخرة عن القيام بالقسط ، ومن تأمل علم أن هذه الأسرار مما لا يمكن الوصول اليها إلا بالتأييد الالهي والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ﴾ أي إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير ، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما ، وكان من حق الكلام أن يقال : فالله أولى به ، لأن قوله ( إن يكن غنيا أو فقيرا ) في معنى إن يكن أحد هذين إلا أنه بنى الضمير على الرجوع إلى المعنى دون اللفظ ، أي الله أولى بالفقير والغني ، وفي قراءة أبي فالله أولى بهم ، وهو راجع إلى قوله ( أو الوالدين والأقربين) وقرأ عبدالله: إن يكن غنى أو فقير، على ((كان)) التامة. ثم قال تعالى ﴿ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ والمعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل، وتحقيق الكلام أن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى ، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ، فتقدير الآية : فلا تتبعوا الهوى لأجل أن تعدلوا يعني اتركوا متابعة الهوى لأجل أن تعدلوا . ثم قال تعالى ﴿وإن تلووا أو تعرضو فان الله كان بما تعملون خبيرا﴾ وفي الآية قراءتان قرأ الجمهور ( وإن تلووا ) بواوين ، وقرأ ابن عامر وحمزة ( تلوا ) وأما قراء تلووا ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون بمعنى الدفع والاعراض من قولهم : لواه حقه اذا مطله ودفعه . الثاني : أن يكون بمعنى التحريف والتبديل من قولهم : لوى الشيء اذا فتله ، ومنه يقال : التوى هذا الأمر اذا تعقد وتعسر تشبيها بالشيء المنفتل ، وأما ( تلوا ) ففيه وجهان : الأول : أن ولاية الشيء إقبال عليه واشتغال به ، والمعنى ان تقبلوا عليه فتتموه أو تعرضوا عنه فان الله كان بما تعملون خبيرا فيجازي المحسن المقبل باحسانه والمسيء المعرض باساءته ، والحاصل : إن تلووا عن إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها ، والثاني : قال الفراء والزجاج : يجوز ان يقال : ( تلوا ) أصله تلووا ثم قلبت الواو همزة ، ثم حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها فصار ( تلووا ) وهذا أضعف الوجهين ، وأما قوله ( فان الله كان بما تعملون خبيرا ) فهو تهديد ووعيد للمذنبين ووعد بالاحسان للمطيعين . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل . ٧٦ قوله تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله)) الآية سورة النِّساء الَّذِىّ أَنْزَّلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِلِّ وَمَكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ ٠٣٠ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنها متصلة بقوله ( كونوا قوامين بالقسط) وذلك لأن الانسان لا يكون قائما بالقسط إلا اذا كان راسخ القدم في الايمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية ، وثانيهما : أنه تعالى لما بين الأحكام الكثيرة في هذه السورة ذكر عقيبها آية الأمر بالايمان . المسألة الثانية ﴾ اعلم أن ظاهر قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) مشعر بأنه أمر بتحصيل الحاصل ، ولا شك أنه محال ، فلهذا السبب ذكر المفسرون فيه وجوها وهي منحصرة في قولين : الأول : أن المراد بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ) المسلمون ، ثم في تفسير الآية تفريعا على هذا القول وجوه : الأول : أن المراد منه يا أيها الذين آمنوا آمنوا دوموا على الايمان واثبتوا عليه ، وحاصله يرجع إلى هذا المعنى : يا أيها الذين آمنوا في الماضي والحاضر آمنوا في المستقبل ، ونظيره قوله ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) مع أنه كان عالما بذلك . وثانيها : يا أيها الذين آمنوا على سبيل التقليد آمنوا على سبيل الاستدلال . وثالثها : يا أيها الذين آمنوا بحسب الاستدلالات الجملية آمنوا بحسب الدلائل التفصيلية . ورابعها : يا أيها الذين آمنوا بالدلائل التفصيلية بالله وملائكته وكتبه ورسله آمنوا بأن كنه عظمة الله لا تنتهي اليه عقولكم ، وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا تنتهي اليها على سبيل التفصيل عقولنا. وخامسها: روى أن جماعة من أحبار اليهود جاؤا إلى النبي ◌َّه وقالوا : يا رسول الله انا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل ، فقال وَلو : بل آمنوا بالله وبرسله وبمحمد وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله ، فقالوا : لا نفعل ، فنزلت هذه الآية فكلهم آمنوا . القول الثاني ﴾ أن المخاطبين بقوله ( آمنوا) ليس هم المسلمون ، وفي تفسير الآية تفريعا على هذا القول وجوه : الأول : أن الخطاب مع اليهود والنصارى ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وعيسى والانجيل آمنوا بمحمد والقرآن . وثانيها : أن الخطاب مع ٧٧ قوله تعالى: ((فقد ضل ضلالاً بعيداً) الآية سورة النّساء المنافقين ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب ، ويتأكد هذا بقوله تعالى ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) وثالثها : أنه خطاب مع الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا وجه النهار آمنوا أيضا آخره . ورابعها : أنه خطاب للمشركين تقديره : يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى آمنوا بالله ، وأكثر العلماء رجحوا القول الأول لأن لفظ المؤمن لا يتناول عند الاطلاق إلا المسلمين. المسألة الثالثة﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ( والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل ) على ما لم يسم فاعله ، والباقون ( نزل وأنزل ) بالفتح ، فمن ضم فحجته قوله تعالى ( لتبين للناس ما نزل اليهم ) وقال في آية أخرى ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ) ومن فتح فحجته قوله ( انا نحن نزلنا الذكر ) وقوله ( وأنزلنا الذكر ) وقال بعض العلماء : كلاهما حسن إلا أن الضم افخم كما في قوله ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ) ﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم أنه امر في هذه الآية بالايمان بأربعة أشياء : أولها بالله، وثانيها برسوله ، وثالثها : بالكتاب الذي نزل على رسوله ، ورابعها بالكتاب الذي انزل من قبل ، وذكر في الكفر أموراً خمسة : فأولها الكفر بالله ، وثانيها الكفر بملائكته ، وثالثها الكفر: بكتبه ، ورابعها الكفر برسله ، وخامسها الكفر باليوم الآخر . ثم قال تعالى ﴿ فقد ضل ضلالا بعيداً ﴾ وفي الآية سؤالات : ﴿ السؤال الأول﴾ لم قدم في مراتب الايمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب ، وفي مراتب الكفر قلب القضية ؟ الجواب : لأن في مرتبة النزول من معرفة الخالق إلى الخلق كان الكتاب مقدما على الرسول وفي مرتبة العروج من الخلق إلى الخالق يكون الرسول مقدما على الكتاب . السؤال الثاني ﴾ لم ذكر في مراتب الايمان أمورا ثلاثة: الايمان بالله وبالرسول وبالكتب ، وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة : الكفر بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر . والجواب : أن الايمان بالله وبالرسل وبالكتب متى حصل فقد حصل الايمان بالملائكة واليوم الآخر لا محالة ، اذ ربما ادعى الانسان انه يؤمن بالله وبالرسل وبالكتب ، ثم انه ينكر الملائكة وينكر اليوم الآخر ، ويزعم أنه يجعل الآيات الواردة في الملائكة وفي اليوم الآخر محمولة ٧٨ قوله تعالى: ((إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا)) الآية سورة النساء إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوْ ثُمَّ كَفَرُوْثُمَّءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُلِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴿ بَشِّرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣) على التأويل ، فلما كان هذا الاحتمال قائما لا جرم نص ان منكر الملائكة ومنكر القيامة كافر بالله . ﴿ السؤال الثالث ﴾ كيف قيل لأهل الكتب ( والكتاب الذي أنزل من قبل ) مع أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة والانجيل بل مؤمنين بهما ؟ والجواب عنه من وجهين : الأول : أنهم كانوا مؤمنين بهما فقط وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب ، فأمروا أن يؤمنوا بكل الكتب المنزلة : الثاني : أن ايمانهم ببعض الكتب دون البعض لا يصح لأن طريق الايمان هو المعجزة ، فاذا كانت المعجزة حاصلة في الكل كان ترك الايمان بالبعض طعنا في المعجزة ، وإذا حصل الطعن في المعجزة امتنع التصديق بشيء منها ، وهذا هو المراد بقوله تعالى ( ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا ) . ﴿ السؤال الرابع ﴾ لم قال (نزل على رسوله وأنزل من قبل ) والجواب : قال صاحب الكشاف: لأن القرآن نزل مفرقا منجما في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله . وأقول : الكلام في هذا سبق في تفسير قوله تعالى ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل من قبل ) · السؤال الخامس ﴾ قوله (والكتاب الذي أنزل من قبل ) لفظ مفرد ، وأي الكتب هو المراد منه ؟ الجواب : انه اسم جنس فيصلح للعموم . قوله تعالى ﴿ ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ﴾ ٧٩ سورة النِّساء قوله تعالى: ((إن الذين آمنوا ثم كفروا)) الآية وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما أمر بالايمان ورغب فيه بين فساد طريقة من يكفر بعد الايمان فذكر هذه الآية . واعلم أن فيها أقوالا كثيرة : الأول : أن المراد منه الذين يتكرر منهم الكفر بعد الايمان مرات وكرات ، فان ذلك يدل على أنه لا وقع للايمان في قلوبهم ، إذ لو كان للايمان وقع ورتبة في قلوبهم لما تركوه بأدنى سبب ، ومن لا يكون للايمان في قلبه وقع فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا معتبرا فهذا هو المراد بقوله ﴿لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ وليس المراد أنه لو أتى بالايمان الصحيح لم يكن معتبرا ، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذي ذكرناه ، وكذلك نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فانه لا يكاد يرجى منه الثبات ، والغالب أنه يموت على الفسق ، فكذا ههنا . الثاني : قال بعضهم : اليهود آمنوا بالتوراة وموسى ، ثم كفروا بعزير ، ثم آمنوا بداود ، ثم كفروا بعيسى ، ثم ازدادوا كفرا عند مقدم محمد عليه الصلاة والسلام . الثالث : قال آخرون : المراد المنافقون ، فالايمان الأول إظهارهم الاسلام ، وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم ، والايمان الثاني هو أنهم كلما لقوا جمعاً من المسلمين قالوا إنا مؤمنون والكفر الثاني هو أنهم إذا دخلوا على شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن ، وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حق المسلمين ، واظهار الايمان قد یسمی إيمانا قال تعالى ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) قال القفال رحمة الله عليه : وليس المراد ببيان هذا العدد ، بل المراد ترددهم كما قال ( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) قال والذي يدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية ( بشر المنافقين بأن لهم عذاباً اليما) . الرابع : قال قوم : المراد طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الايمان تارة ، والكفر أخرى على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا ( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) وقوله ( ثم ازدادوا كفرا ) معناه أنهم بلغوا في ذلك الى حد الاستهزاء والسخرية بالاسلام . ﴿ المسألة الثانية﴾ دلت الآية على أنه قد يحصل الكفر بعد الايمان وهذا يبطل مذهب القائلين بالموافاة ، وهي أن شرط صحة الاسلام أن يموت على الاسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الايمان على إظهار الايمان . المسألة الثالثة ﴾ دلت الآية على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان ، فوجب أن يكون ٨٠ قوله تعالى: ((بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً)) الآية سورة النِّساء الايمان أيضاً كذلك لأنهما ضدان متنافيان ، فاذا قبل أحدهما التفاوت فكذلك الآخر ، وذكروا في تفسير هذه الزيادة وجوها : الأول : أنهم ماتوا على كفرهم . الثاني : أنهم ازدادوا كفرا بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم ، وعلى هذا التقدير لما كانت إصابة الذنوب وقت الكفر زيادة في الكفر فكذلك إصابة الطاعات وقت الايمان يجب أن تكون زيادة في الايمان . الثالث : أن الزيادة في الكفر إنما حصلت بقولهم ( إنما نحن مستهزؤن ) وذلك يدل على أن الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه . ثم قال تعالى ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم﴾ وفيه سؤالان: الأول : أن الحكم المذكور في هذه الآية إما أن يكون مشروطاً بما قبل التوبة أو بما بعدها ، والأول باطل لأن الكفر قبل التوبة غير مذكور على الإطلاق ، وحينئذ تضيع هذه الشرائط المذكورة في هذه الآية . والثاني أيضاً باطل لأن الكفر بعد التوبة مغفور ، ولو كان ذلك بعد ألف مرة ، فعلى كلا التقديرين فالسؤال لازم . والجواب عنه من وجوه : الأول : أنا لا نحمل قوله ( إن الذين ) على الإستغراق ، بل نحمله على المعهود السابق ، والمراد به أقوام معينون علم الله تعالى منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه قط فقوله ( لم يكن الله ليغفر لهم ) إخبار عن موتهم على الكفر ، وعلى هذا التقدير زال السؤال . الثاني : أن الكلام خرج على الغالب المعتاد ، وهو أن کل من کان کثیر الإنتقال من الإِسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه وقع ولا عظم ، والظاهر من حال مثل هذا الإِنسان أنه يموت على الكفر على ما قررناه . الثالث : أن الحكم المذكور في الآية مشروط بعدم التوبة عن الكفر ، وقول السائل : إن على هذا التقدير تضيع الصفات المذكورة . قلنا : إن إفرادهم بالذكر يدل على أن كفرهم أفحش وخيانتهم أعظم وعقوبتهم في القيامة أقوى فجرى هذا مجرى قوله ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) خصهما بالذكر لأجل التشريف، وكذلك قوله ( وملائكته وجبريل وميكال ) السؤال الثاني ﴾ في قوله ( ليغفر لهم) اللام للتأكيد فقوله ( لم يكن الله ليغفر لهم). يفيد نفي التأكيد ، وهذا غير لائق بهذا الموضع إنما اللائق به تأكيد النفي ، فما الوجه فيه ؟ والجواب : أن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم كان المراد منه المبالغة في تأكيد النفي . ثم قال تعالى ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً﴾ قال أصحابنا: هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى لم