النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ قوله تعالى: ((لا خير في كثير من نجواهم)) الآية سورة النِّساء لََّخَيْرَ فِى كَثِرٍ مِنِ تَجَوَثُهُمْ إِلَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاجِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَثْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَبْرًا عَظِيماً (0) قوله تعالى ﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ واعلم أن هذه إشارة إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضى من القول وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال الواحدي رحمه الله: النجوى في اللغة سر بين اثنين ، يقال ناجيت الرجل مناجاة ونجاء ، ويقال : نجوت الرجل أنجو نجوى بمعنى ناجيته ، والنجوى قد تكون مصدراً بمنزلة المناجاة ، قال تعالى ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) وقد تكون بمعنى القوم الذين يتناجون ، قال تعالى ( وإذ هم نجوى ). ﴿ المسألة الثانية﴾ قوله (إلا من أمر بصدقة) ذكر النحويون في محل ((من)) وجوهاً، وتلك الوجوه مبنية على معنى النجوى في هذه الآية ، فان جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب ؛ لأنه استثناء الشيء عن خلاف جنسه فيكون نصباً كقوله ( إلا أذى ) ويجوز أن يكون رفعاً في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله : إلا اليعافير وإلا العيس وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال : التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف، وعلى هذا التقدير يكون ((من)) في محل النجوى لأنه أقيم مقامه ، ويجوز فيه وجهان : أحدهما : الخفض بدل من نجواهم ، كما تقول : ما مررت بأحد إلا زيد . والثاني : النصب على الإستثناء فكما تقول ما جاءني أحد إلا زيداً، وهذا استثناء الجنس من الجنس ، وأما إن جعلنا النجوى اسماً للقوم المتناجين كان منصوباً على الإستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس؛ ويجوز أن يكون ((من)) في محل الخفض من وجهين : أحدهما : أن تجعله تبعاً لكثير ، على معنى : لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة ، كقولك : لا خير ٤٢ قوله تعالى: ((ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله)) الآية سورة النّساء في القوم إلا نفر منهم . والثاني : أن تجعله تبعاً للنجوى ، كما تقول : لا خير في جماعة من القوم إلا زيد ، إن شئت أتبعت زيداً الجماعة ، وإن شئت أتبعته القوم ، والله أعلم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة ، والمراد : لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع : الأمر بالصدقة ، والأمر بالمعروف ، والإصلاح بين الناس ، وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة ، وذلك لأن عمل الخير إما أن يكون بايصال المنفعة أو بدفع المضرة ، أما إيصال الخير فاما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال، وإليه الإِشارة بقوله ( إلا من أمر بصدقة ) وإما أن يكون من الخيرات الروحانية ، وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم ، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة ، ومجموعهما عبارة عن الأمر بالمعروف، وإليه الإِشارة بقوله ( أو معروف) وأما إزالة الضرر فاليها الإِشارة بقوله ( أو إصلاح بين الناس ) فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية ، ومما يدل على صحة ما ذكرنا قوله عليه الصلاة والسلام (( كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله)) وقيل لسفيان الثورى : ما أشد هذا الحديث ! فقال سفيان : ألم تسمع الله يقول ( لا خير في كثير من نجواهم ) فهو هذا بعينه ، أما سمعت الله يقول ( والعصر إن الإنسان لفي خسر) فهو هذا بعينه . ثم قال تعالى ﴿ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإِنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطلب مرضاته ، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد ؛ وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النية ، وتصفية الداعية عن الإلتفات إلى غرض سوى طلب رضوان اللّه تعالى ونظيره قوله تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) وقوله ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وقوله عليه الصلاة والسلام ((إنما الأعمال بالنيات)) وههنا سؤالان: ﴿ والسؤال الأول﴾ لم انتصب ابتغاء مرضاة الله ؟ والجواب : لأنه مفعول له ، والمعنى لأنه لابتغاء مرضاة الله . السؤال الثاني ﴾ كيف قال ( إلا من أمر) ثم قال ( ومن يفعل ذلك ). والجواب : أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن الأمر بالخير لما دخل في زمرة ٤٣ قوله تعالى: (( ومن يشاقق الرسول)) الآية. سورة النّساء وَمَن يُشَاقِقِ الَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَتَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىُ وَيَبِعْ غَرَ سَمِلِ الْمُؤْمِنَ نُوْلِهِ، مَاتَوَّ وَنَصْلِهِءَ جَهَنْمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴾ الخيرين فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى ، ويجوز أن يراد : ومن يأمر بذلك ، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر أيضاً فعل من الأفعال . قوله تعالى ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ﴾ اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو ما روى أن طعمة بن أبيرق لما رأى أن الله تعالى هتك ستره وبرأ اليهودي عن تهمة السرقة ارتد وذهب إلى مكة ونقب جدار إنسان لأجل السرقة فتهدم الجدار عليه ومات فنزلت هذه الآية . أما الشقاق والمشاققة فقد ذكرنا في سورة البقرة أنه عبارة عن كون كل واحد منهما في شق آخر من الأمر ، أو عن كون كل واحد منهما فاعلاً فعلاً يقتضي لحوق مشقة بصاحبه ، وقوله ( من بعد ما تبین له الهدی ) أي من بعد ما ظهر له بالدليل صحة دين الإِسلام . قال الزجاج : لأن طعمة هذا كان قد تبين له بما أوحى الله تعالى من أمره وأظهر من سرقته ما دله ذلك على صحة نبوة محمد ◌ّة ، فعادى الرسول وأظهر الشقاق وارتد عن دين الإِسلام ، فكان ذلك إظهار الشقاق بعدما تبين له الهدى ، قوله ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) يعني غير دين الموحدين ، وذلك لأن طعمة ترك دين الإِسلام واتبع دين عبادة الأوثان . ثم قال ﴿ نوله ما تولى﴾ أي نتركه وما اختار لنفسه، ونكله إلى ما توكل عليه . قال بعضهم : هذا منسرخ بآية السيف لا سيما في حق المرتد . ثم قال ﴿ ونصله جهنم ﴾ يعني نلزمه جهنم، وأصله الصلاء وهو لزوم النار وقت الإِستدفاء ( وساءت مصيراً) انتصب (مصيراً) على التمييز كقولك : فلان طاب نفساً ، وتصبب عرقاً ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ روى أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن آية في كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة ، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وجد هذه الآية ، وتقرير الإستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجباً ، بيان المقدمة الأولى أنه تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين ، ومشاقة الرسول ٤٤ قوله تعالى: (( ونصله جهنم وساءت مصیرا )) الآية سورة النِّساء وحدها موجبة لهذا الوعيد ، فلولم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجباً له لكان ذلك ضماً لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد وإنه غير جائز ، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجباً ، وذلك لأن عدم إتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين ، فاذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراماً لزم أن يكون عدم إتباع سبيل المؤمنين حراماً ، وإذا كان عدم إتباعهم حراماً كان إتباعهم واجباً ، لأنه لا خروج عن طر في النقيض . فان قيل : لا نسلم أن عدم إتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه إتباع لغير سبيل المؤمنين ، فانه لا يمتنع أن لا يتبع لا سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين . وأجيب عن هذا السؤال بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل ما فعل الغير ، فاذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يتبعوا سبيل المؤمنين فكل من لم يتبع سبيل المؤمنين فقد أتى بمثل فعل غير المؤمنين فوجب كونه متبعاً لهم ، ولقائل أن يقول : الإتباع ليس عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير وإلا لزم أن يقال : الأنبياء والملائكة متبعون لآحاد الخلق من حيث أنهم يوحدون الله كما أن كل واحد من آحاد الأمة يوحد الله، ومعلوم أن ذلك لا يقال ، بل الاتباع عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير ، وإذا كان كذلك فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين لأجل أنه ما وجد على وجوب متابعتهم دليلاً ، فلا جرم لم يتبعهم ، فهذا الشخص لا يكون متبعاً لغير سبيل المؤمنين ، فهذا سؤال قوي على هذا الدليل ، وفيه أبحاث أخر دقيقة ذكرناها في كتاب المحصول في علم الأصول والله أعلم . المسألة الثانية ﴾ دلت هذه الآية على وجوب عصمة محمد ري عن جميع الذنوب ، والدليل عليه أنه لو صدر عنه ذنب لجاز منعه ، وكل من منع غيره عن فعل يفعله كان مشاققاً له ، لأن كل واحد منهما يكون في شق غير الشق الذي يكون الآخر فيه ، فثبت أنه لو صدر الذنب عن الرسول لوجبت مشاقته ، لكن مشاقته محرمة بهذه الآية فوجب أن لا يصدر الذنب عنه . المسألة الثالثة ﴾ دلت هذه الآية على أنه يجب الإقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام في أفعاله إذ لو كان فعل الأمة غير فعل الرسول لزم كون كل واحد منهما في شق آخر من العمل فتحصل المشاقة ، لكن المشاقة محرمة ، فيلزم وجوب الإقتداء به في أفعاله . المسألة الرابعة ﴾ قال بعض المتقدمين : كل مجتهد مصيب في الأصول لا بمعنى أن اعتقاد كل واحد منهم مطابق للمعتقد ، بل بمعنى سقوط الإِثْم عن المخطىء ، واحتجوا على ٤٥ قوله تعالى: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به)) الآية سورة النساء إِنَّ اللَّ لَيَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلا بَعِيدًا (٦) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنًَّا وَ إِن يَدْعُونَ إِلَّ شَيْطَّا مَّرِدًا وَلَأَضِلَنَهُمْ وَأَمِنِّيَنْهُمْ و ◌َّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّمِنْ عِبَادَِ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا هذا ١١٧ وَلَ هَُهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّءَاذَانَ آلْأَنْعَِمِ وَلَ مُرَهُمْ فَلَيُغَيِرُنَّ خَلْقَ اللَهِ وَمَن يَجِدِ الشَّيْطَنَ وَلِيَُّ مِّن دُونِ اللّهِفَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴿ي ◌َعِدُهُمْ وَيُمَنِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٣) أُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَُّ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَحِصًا (﴾ وَالَّذِينَ قولهم بهذه الآية قالوا : لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط ، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل تبين الهدى أن لا يكون الوعيد حاصلاً . وجوابه : أنه تمسك بالمفهوم ، وهو دلالة ظنية عند من يقول به ، والدليل الدال على أن وعيد الكفار قطعي أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) والقاطع لا يعارضه المظنون . المسألة الخامسة﴾ الآية دالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلا بالدليل والنظر والإستدلال ، وذلك لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى ، ولو لم يكن تبين الهدى معتبراً في صحة الدين وإلا لم يكن لهذا الشرط معنى . المسألة السادسة﴾ الآية دالة على أن الهدى اسم للدليل لا للعلم ، إذ لو كان الهدى إسماً للعلم لكان تبين الهدى إضافة الشيء إلى نفسه وانه فاسد . قوله تعالى ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ولأضلنهم ولأمنينهم ولامرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان ٤٦ قوله تعالى: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به )) الآية سورة النّساء ءَامَنُواْ وَعَمِلُوْالصَِّحَتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّتِ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَارُ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَِّ قِلًا ! ١٢٢ إلا غروراً أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً وعد الله حقاً ومن أصدق من الله قيلاً﴾ اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة ، وفي تكرارها فائدتان : الأولى : أن عمومات الوعيد وعمومات الوعد متعارضة في القرآن ، وأنه تعالى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين ، وقد أعاد هذه الآية دالة على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة ، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد ، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة بمزيد التأكيد ، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد . والفائدة الثانية ﴾ أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع، وقوله (ومن يشاقق الرسول ) إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده ، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروماً عن رحمتي ، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله صار محروماً قطعاً عن رحمة الله ، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند الله فقال ( ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً) يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيداً ، فلا جرم لا يصير محروماً عن رحمتي ، وهذه المناسبات دالة قطعاً على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعاً سواء حصلت التوبة أو لم تحصل ، ثم إنه تعالى بين كون الشرك ضلالاً بعيداً فقال (إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً لعنه الله) ((إن)) ههنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ) و( يدعون ) بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئاً فانه يدعوه عند احتياجه اليه ، وقوله ( إلا إناثاً ) فيه أقوال : الأول : أن المراد هو الأوثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم : اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، واللات تأنيث الله ، والعزى تأنيث العزيز . قال الحسن : لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها: إلا أوثاناً، وقراءة ابن عباس : إلا أثنا ، جمع وثن مثل أسد وأسد ، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحوقوله ( وإذا الرسل أقتت ) قال الزجاج : وجائز أن يكون أثن أصلها أثن ، فأتبعت الضمة الضمة . القول الثاني﴾ قوله (إلا إناثاً) أي إلا أمواتاً، وفي تسمية الأموات إناثاً وجهان : ٤٧ قوله تعالى: ((لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً)) الآية سورة المائدة الأول : أن الاخبار عن الموات يكون على صيغة الاخبار عن الأنثى ، تقول : هذه الأحجار تعجبني : كما تقول : هذه المرأة تعجبني . الثاني : أن الأنثى أخس من الذكر ، والميت أخس من الحي ، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات . القول الثالث ﴾ ان بعضهم كان يعبد الملائكة، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله قال تعالى ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ) والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السموات والأرض وما بينهما جماداً يسميه بالأنثى . ثم قال ﴿وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً﴾ قال المفسرون: كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم ، وقال الزجاج : المراد بالشيطان ههنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً) ولا شك أن قائل هذا القول هو إبليس ، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس ، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له : ما رد ومريد ، قال الزجاج : يقال : حائط ممرد أي مملس ، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها ، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس ، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء . ثم قال تعالى ﴿ لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً﴾ وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف: قوله ( لعنه الله وقال لأتخذن ) صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع . واعلم أن الشيطان ههنا قد أدعى أشياء : أولها : قوله ( لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً) الفرض في اللغة القطع ، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر ، والفرض الحز الذي في الوتر ، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر ، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتماً عليهم قطعاً لعذرهم ، وكذا قوله ( وقد فرضتم لهن فريضة ) أي جعلتم لهن قطعة من المال . إذا عرفت هذا فنقول : معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك : لأتخذن من عبادك حظاً مقدراً معيناً ، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه ، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (( من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولا بليس)). فان قيل : النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عدداً من حزب الله . أما النقل : فقوله تعالى في صفة البشر (فاتبعوه إلا قليلاً منهم ) وقال حاكياً عن الشيطان ٤٨ قوله تعالى: ((لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً)) الآية سورة النِّساء ( لأحتنكن ذريته إلا قليلاً). وحكى عنه أيضاً أنه قال ( لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) ولا شك أن المخلصين قليلون . وأما العقل : فهو أن الفساق والكفار أكثر عدداً من المؤمنين المخلصين ، ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس . إذا ثبت هذا فنقول : لم قال ( لأتخذن من عبادك نصيباً) مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر ، وإنما يتناول الأقل ؟ والجواب : أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع البشر، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين ، وأيضاً فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله ، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم ، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس . وثانيها : قوله ( ولأضلنهم ) يعني عن الحق ، قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا . فالأصل الأول : المضل هو الشيطان ، ؛ وليس المضل هو الله تعالى قالوا : وإنما قلنا : ان الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان أدعى ذلك والله تعالى ما كذبه فيه ، ونظيره قوله ( لأغوينهم أجمعين) وقوله ( لأحتنكن ذريته إلا قليلاً) وقوله ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) وأيضاً إنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلاً للناس في معرض الذم له ، وذلك يمنع من كون الإِله موصوفاً بذلك . والأصل الثاني : وهو أن أهل السنة يقولون : الإِضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا : ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال . والجواب : أن هذا كلام ابليس فلا يكون حجة ، وأيضا ان كلام ابليس في هذه المسألة مضطرب جدا ، فتارة يميل إلى القدر المحض ، وهو قوله ( لأغوينهم أجمعين ) وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله ( رب بما أغويتني ) وتارة يظهر التردد فيه حيث قال ( ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ) يعني أن قول هؤلاء الكفار : نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين ؟ ولا بد من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله . وثالثها : قوله ( ولأمنينهم ) واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال ( ولأمنينهم ) وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من القاء الاماني في قلوب الخلق ، وطلب الاماني يورث شيئين : الحرص والأمل ، والحرص والأمل ٤٩ قوله تعالى: ((لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً)) الآية سورة النِّساء يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الانسان قال معدل﴾ ((يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص والأمل )) والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فانه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وايذاء الخلق ، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقا في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة ، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة . ورابعها : قوله ( ولا مرنهم فليبتكن آذان الانعام ) البتك القطع، وسيف باتك أي قاطع ، والتبتيك التقطيع . قال الواحدي رحمه الله : التبتيك ههنا هو قطع آذان البحيرة باجماع المفسرين ، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا ، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها . وقال آخرون : المراد أنهم يقطعون آذان الأنعام نسكا في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق . وخامسها : قوله ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) وللمفسرين ههنا قولان : الأول : أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدى والنخعي وقتادة ، وفي تقرير هذا القول وجهان : الأول : أن الله تعالی فطر الخلق على الاسلام یوم أخرجهم من ظهر آدم کالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به ، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قوله وم﴾ ((كل مولود يولد على الفطرة )) ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه . والوجه الثاني ﴾ في تقرير هذا القول: أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراما أو الحرام حلالا . القول الثاني ﴾ حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر ، وذكروا فيه وجوها الأول: قال الحسن: المراد ما روى عبد الله بن مسعود عن النبي ◌ُّ ((لعن الله الواصلات والواشهات)) قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا . الثاني : روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله ههنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء العيون ، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم ، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً عوروا عين فحلها . الثالث : قال ابن زيد هو التخنث ، وأقول : يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول ، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى ، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع : حكي الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل ، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون ، فغيروا خلق الله ، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي ههنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى ، الفخر الرازي ج١١ م٤ ٥٠ قوله تعالى ((لعنه الله وقال لا تخذن من عبادك نصيباً)) الآية سورة النساء وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه : التشوش ، والنقصان ، والبطلان . فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين ، وضرر الدين هو قوله ( ولأمنينهم) ثم إن هذا المرض لا بد وأن يكون على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرناها ، وهي التشوش والنقصان والبطلان ، فأما التشوش فالاشارة اليه بقوله ( ولأمنينهم ) وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية ، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش ، وأما النقصان فالاشارة اليه بقوله ( ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ) وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان ، وهذا لأن الانسان اذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة ، وأما البطلان فالاشارة اليه بقوله ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى . ومن المعلوم أن من بقي مواظبا على طلب اللذات العاجلة معرضا عن السعادات الروحانية فلا يزال يَزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة ، ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة البتة ، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة ، فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا ، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر ، وهي متوجهة إلى عالم القيامة ، فاذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لا بد من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييرا للخلقة ، وهو كما قال تعالى ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) وقال ( فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ). واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الأغواء والضلال حذر الناس عن متابعته فقال ( ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ) واعلم أن أحدا لا يختار أن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ، ولكن المعنى أنه اذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان وليا لنفسه وترك ولاية الله تعالى ، وانما قال ( خسر خسرانا مبينا ) لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر ، وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة ، والجمع بينهما محال عقلا ، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها ، ولا شك أن هذا هو الخسار المطلق . ثم قال تعالى ﴿ يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا﴾ واعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان انما هو بالقاء الأماني في القلب ، وأما تبتيك الآذان وتغيير ٥١ قوله تعالى ((أولئك مأواهم جهنم)) الآية سورة النِّساء الخلقة فذاك من نتائج القاء الأماني في القلب ومن آثاره ، فلا جرم نبه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني وهو أن تلك الأماني لا تفيد الا الغرور ، والغرور هو أن يظن الانسان بالشيء أنه نافع ولذيذ ، ثم يتبين اشتماله على اعظم الآلام والمضار، وجميع أحوال الدنيا كذلك ، والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها ، ومثال هذا أن الشيطان يلقى في قلب الانسان أنه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده ، ويستولي على أعدائه ، ويقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره ، الا أن كل ذلك غرور فانه ربما لم يطل عمره ، وان طال فربما لم يجد مطلوبه ، وان طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فانه لا بد وأن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم والحسرة فان المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الألف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلاما وأعظم تأثيرا في حصول الغم والحسرة ، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة والقاعدة في هذا الباب . وفي الآية وجه آخر : وهو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية . ثم قال تعالى ﴿ أولئك مأواهم جهنم ﴾ واعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة عن الحالة التي تحصل للانسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره الا أنه يعظم تأذيه عند انكشاف الحال فيه ، والاستغراق في طيبات الدنيا والانهماك في معاصي الله سبحانه وان كان في الحال لذيذا الا أن عاقبته عذاب جهنم وسخط الله والبعد عن رحمته ، فكان هذا المعنى مما يقوى ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا الغرور . ثم قال تعالى ﴿ ولا يجدون عنها محيصا﴾ المحيص المعدل والمفر. قال الواحدي رحمه الله : هذه الآية تحتمل وجهين : أحدهما : أنه لا بد لهم من ورودها . والثاني : التخليد الذي هو نصيب الكفار ، وهذا غير بعيد لأن الضمير في قوله ( ولا يجدون ) عائد إلى الذين تقدم ذكرهم ، وهم الذين قال الشيطان : لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا . والأظهر أن الذي يكون نصيباً للشيطان هم الكفار . ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ﴾ . واعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر ( خالدين فيها أبدا) ولو كان الخلود يفيد التأييد والدوام للزم التكرار وهو خلاف الأصل ، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام ، وأما في آيات الوعيد فانه يذكر الخلود ولم يذكر التأييد إلا في حق الكفار ، وذلك ٥٢ ، قوله تعالى: (( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب )) الآية سورة النِّساء لَيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلَ أَمَانِ أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوَءَ ا يُجْزَبِهِ يدل على أن عقاب الفساق منقطع . ثم قال ﴿ وعد الله حقا﴾ قال صاحب الكشاف: هما مصدران : الأول : مؤكد لنفسه ، كأنه قال : وعد وعدا ، وحقا مصدر مؤكد لغيره أي حق ذلك حقا . ثم قال ﴿ ومن أصدق من الله قيلا ) وهو توكيد ثالث بليغ . وفائدة هذه التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لاتباعه من المواعيد الكاذبة والأماني الباطلة . والتنبيه على أن وعد الله أولى بالقبول وأحق بالتصديق من قول الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه ، وقرأ حمزة والكسائي ( أصدق من الله قيلا ) باشمام الصاد الزاي ، وكذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن . نحو ( قصد السبيل : فاصدع بما تؤمر) والقيل : مصدر قال قولا وقيلا ، وقال ابنٍ السكيت ، القيل والقال اسمان لا مصدران . ثم قال تعالى ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ الأمنية أفعولة من المنية ، وتمام الكلام في هذا اللفظ مذكور في قوله تعالى ( إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) . المسألة الثانية ﴾ ليس : فعل ، فلا بد من اسم يكون هو مسنداً اليه ، وفيه وجوه : الأول : ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله ( سندخلهم جنات تجري ) الآية ، بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، أي ليس يستحق بالأماني إنما يستحق بالايمان والعمل الصالح . الثاني : ليس وضع الدين على أمانيكم . الثالث : ليس الثواب والعقاب بأمانيكم ، والوجه الأول أولى لأن إسناد ((ليس)) إلى ما هو مذكور فيما قبل أولى من إسناده إلى ما هو غير مذكور . المسألة الثالثة ﴾ الخطاب في قوله ( ليس بأمانيكم ) خطاب مع من ؟ فيه قولان: الأول : أنه خطاب مع عبدة الأوثان ، وأمانيهم أن لا يكون هناك حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب ، وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله ، وأما أماني أهل الكتاب فهو قولهم ( لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى) وقولهم ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) فلا يعذبنا ، وقولهم ( لن تمسنا النار الا أياما معدودة ) . القول الثاني ﴾ أنه خطاب مع المسلمين، وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبو ٥٣ سورة النِّساء قوله تعالى : (( من يعمل سوءاً مجز به )) الآية الكبائر ، وليس الأمر كذلك ، فانه تعالى يخص بالعفو والرحمة من يشاء كما قال ( ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) وروي أنه تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : نبينا خاتم النبيين ، وكتابنا ناسخ الكتب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ثم قال تعالى ﴿ من يعمل سوءا يجز به ﴾ وفيه مسائل . ﴿ المسألة الأولى﴾ قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أنه تعالى لا يعفو عن شيء من السيئات ، وليس لقائل أن يقول : هذا يشكل بالصغائر فانها مغفورة قالوا : الجواب عنه من وجهين . الأول : أن العام بعد التخصيص حجة ، والثاني : أن صاحب الصغيرة قد انحبط من ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية ، فههنا قد وصل جزاء تلك المعصية اليه . أجاب أصحابنا عنه بأن الكلام على عموماته قد تقدم في تفسير قوله تعالى ( بلی من کسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) والذي نريده في هذه الآية وجوه الأول : لم لا يجوز أن يكون المراد من هذا الجزاء ما يصل الى الانسان في الدنيا من الغموم والهموم والأحزان والآلام والاسقام ، والذي يدل على صحة ما ذكرنا القرآن والخبر ، أما القرآن فهو قوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا) سمى ذلك القطع بالجزاء وأما الخبر فما روى أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : كيف الصلاح بعد هذه الآية ؟ فقال غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ، أليس يصيبك الأذى فهو ما تجزون . وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قرأ هذه الآية فقال : أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا ، فبلغ النبي شهير كلامه فقال : يجزى المؤمن في الدنيا بمصيبته في جسده وما يؤذيه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه : لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا : يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئا، فقال عليه الصلاة والسلام ((أبشروا فانه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلا جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه )). الوجه الثاني في الجواب ﴾ هب أن ذلك الجزاء إنما يصل اليهم يوم القيامة ، لكن لم. لا يجوز أن يحصل الجزاء بنقص ثواب إيمانه وسائر طاعاته ، ويدل عليه القرآن والخبر والمعقول اما القرآن فقوله تعالى ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات وأما الخبر : فما روى الكلبى عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه ٠ ٥٤ قوله تعالى: (( من يعمل سوءاً يجز به )) الآية سورة النِّساء الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة ، وقالوا يا رسول الله وأينا لم يعمل سوأ فكيف الجزاء ، فقال عليه الصلاة والسلام ((إنه تعالى وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزى بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره )) وأما المعقول : فهو أن ثواب الايمان وجميع الطاعات أعظم لا محالة من عقاب الكبيرة الواحدة . والعدل يقتضي أن يحط من الأكثر مثل الأقل ، فيبقى حينئذ من الأكثر شيء زائد فيدخل الجنة بسبب تلك الزيادة . الوجه الثالث في الجواب ﴾ أن هذه الآية إنما نزلت في الكفار ، والذي يدل على ما ذكرناه أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة) فالمؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات ، فوجب القطع بأنه يدخل الجنة بحكم هذه الآية، وقولهم: خرج عن كونه مؤمناً فهو باطل للدلائل الدالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن ، مثل قوله ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) إلى قوله ( فان بغت إحداهما على الأخرى ) سمى الباغي حال كونه باغياً مؤمنا ، وقال ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) سمى صاحب القتل العمد العدوان مؤمنا ، وقال ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ) سماه مؤمناً حال ما أمره بالتوبة ، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإذا كان مؤمناً كان قوله تعالى ( ومن يعمل من الصالحات ) حجة في أن المؤمن الذي يكون صاحب الكبيرة من أهل الجنة ، فوجب أن يكون قوله ( من يعمل سوءاً يجز به ) مخصوصاً بأهل الكفر . الوجه الرابع في الجواب ﴾ هب أن النص يعم المؤمن والكافر ، ولكن قوله ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) أخص منه والخاص مقدم على العام ، ولأن إلحاق التأويل بعمومات الوعيد أولى من إلحاقه بعمومات الوعد لأن الوفاء بالوعد كرم ، وإهمال الوعيد وحمله على التأويل بالتعريض جود وإحسان . المسألة الثانية ﴾ دلت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن قوله ( من يعمل سوءاً) يتناول جميع المحرمات ، فدخل فيه ما صدر عن الكفار مما هو محرم في دين الاسلام ثم قوله ( يجز به ) يدل على وصول جزاء كل ذلك اليهم . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عما يصل اليهم من الهموم والغموم في الدنيا . قلنا : انه لا بد وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة اليهم في الدنيا إذ لا سبيل الى ايصال ٥٥ سورة النّساء قوله تعالى: ((ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيراً)) الآية مِنَ الصََّلِحَتِ مِن وَمَن يَعْمَلْ وَلَا يَجِدْلَهُ، مِن دُونِ الَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًاً (#) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلُونَ نَقِيرًا () ذلك الجزاء اليهم في الآخرة ، وإذا كان كذلك فهذا يقتضي أن يكون تنعمهم في الدنيا أكثر ولذاتهم ههنا أكمل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : ان جزاء افعالهم المحظورة تصل اليهم في الدنيا ، فوجب القول بوصول ذلك الجزاء اليهم في الآخرة . المسألة الثالثة ﴾ قالت المعتزلة: دلت الآية على أن العبد فاعل، ودلت أيضا على أنه بعمل السوء يستحق الجزاء ، وإذا دلت الآية على مجموع هذين الأمرين فقد دلت على أن الله غير خالق لافعال العباد ، وذلك من وجهين : أحدهما : أنه لما كان عملا للعبد امتنع كونه عملا لله تعالى لاستحالة حصول مقدور واحد بقادرين ، والثاني : أنه لو حصل بخلق الله تعالى لما استحق العبد عليه جزاء البتة وذلك باطل ، لأن الآية دالة على ان العبد يستحق الجزاء على عمله ، واعلم ان الكلام على هذا النوع من الاستدلال مكرر في هذا الكتاب . ثم قال تعالى ﴿ ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾ قال المعتزلة : دلت الآية على نفي الشفاعة ، والجواب من وجهين : الأول : انا قلنا ان هذه الآية في حق الكفار . والثاني : أن شفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة إنما تكون باذن الله تعالى ، وإذا كان كذلك فلاولي لأحد ولا نصير لأحد إلا الله سبحانه وتعالى . ثم قال تعالى ﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون تقيراً ﴾ قال مسروق : لما نزل قوله ( من يعمل سوأ يجزبه ) قال أهل الكتاب للمسلمين : نحن وأنتم سواء ، فنزلت هذه الآية إلى قوله ( ومن أحسن دينا ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم (يدخلون الجنة ) بضم الياء وفتح ٥٦ قوله تعالى: ((ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى)) الآية سورة النّساء وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا عِمِّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنُ وَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيَمَ حَيْفًا وَذَ اللهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًاه ١٢٥ الخاء على ما لم يسم فاعله ، وكذلك في سورة مريم وفي حم المؤمن ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء في هذه السور جميعاً على أن الدخول مضاف اليهم، وكلاهما حسن ، والأول أحسن لأنه أفخم ، ويدل على مثيب أدخلهم الجنة ويوافق ( ولا يظلمون ) وأما القراءة الثانية فهي مطابقة لقوله تعالى ( ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ) ولقوله ( ادخلوها بسلام ) والله أعلم . المسألة الثانية﴾ قالوا: الفرق بين ((من)) الأولى والثانية أن الأولى للتبعيض، والمراد من يعمل بعض الصالحات لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل جميع الصالحات ، بل المراد أنه إذا عمل بعضها حال كونه مؤمناً استحق الثواب . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن صاحب الكبيرة لا يبقى مخلداً في النار ، بل ينقل إلى الجنة ، وذلك لأنا بينا أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإذا ثبت هذا فنقول : إن صاحب الكبيرة إذا كان قد صلى وصام وحج وزكى وجب بحكم هذه الآية أن يدخل الجنة ، ولزم بحكم الآيات الدالة على وعيد الفساق أن يدخل النار ، فأما أن يدخل الجنة ثم ينقل الى النار فذلك باطل بالإجماع ، أو يدخل النار ثم ينقل إلى الجنة فذلك هو الحق الذي لا محيد عنه والله أعلم . المسألة الثالثة ﴾ النقير: نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة ، والمعنى أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة . فان قيل : كيف خص الله الصالحين بأنهم لا يظلمون مع أن غيرهم كذلك كما قال ( وما ربك بظلام للعبيد ) وقال ( وما الله يريد ظلماً للعالمين ) والجواب من وجهين: الأول: أن يكون الراجع في قوله (ولا يظلمون ) عائداً إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً ، والثاني : أن كل ما لا ينقص عن الثواب كان بأن لا يزيد في العقاب أولى هذا هو الحكم فيما بين الخلق ، فذكر الله تعالى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق . قوله تعالى ﴿ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله ٥٧ قوله تعالى: (( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله)) الآية سورة النِّساء وَلَّهِ مَا فِ السَّمَنَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلٍ شَىْءٍ مُحِطًا إبراهيم خليلاً ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ اعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإِنسان مؤمناً شرح الإيمان وبين فضله من وجهين : أحدهما : أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والخضوع والإنقياد لله تعالى ، والثاني : وهو أنه الدين الذي كان عليه ابراهيم عليه الصلاة والسلام ، وكل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل بالترغيب في دين الإِسلام . أما الوجه الأول﴾ فاعلم أن دين الإِسلام مبني على أمرين : الإعتقاد والعمل : أما الإِعتقاد فاليه الإِشارة بقوله ( أسلم وجهه ) وذلك لأن الإِسلام هو الإنقياد والخضوع . والوجه أحسن أعضاء الإِنسان ، فالإنسان إذا عرف بقلبه ربه وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه فقد أسلم وجهه لله، وأما العمل فاليه الإِشارة بقوله ( وهو محسن ) ويدخل فيه فعل الحسنات وترك . السيئات ، فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض ، وأيضاً فقوله ( أسلم وجهه لله ) يفيد الحصر، معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله ، وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق وإظهار التبري من الحول والقوة ، وأيضاً ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير الله ، فان المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها ، واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم : انهم من أولاد الأنبياء ، والنصارى كانوا يقولون : ثالث ثلاثة ، فجميع الفرق قد استعانوا بغير الله . وأما المعتزلة فهم في الحقيقة ما أسلمت وجوههم لله لأنهم يرون الطاعة الموجبة لثوابهم من أنفسهم ، والمعصية الموجبة لعقابهم من أنفسهم ، فهم في الحقيقة لا يرجون إلا أنفسهم ولا يخافون إلا أنفسهم ، وأما أهل السنة الذين فوضوا التدبير والتكوين والإبداع والخلق إلى الحق سبحانه وتعالى ، واعتقدوا أنه لا موجد ولا مؤثر إلا الله فهم الذين أسلموا وجوههم الله وعولوا بالكلية على فضل الله ، وانقطع نظرهم عن كل شيء ما سوى الله . وأما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإِسلام﴾ وهو أن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما دعا الخلق إلى دين ابراهيم عليه السلام ، فلقد اشتهر عند كل الخلق أن ابراهيم عليه السلام ما كان يدعو إلا الى الله تعالى كما قال ( إني بريء مما تشركون ) وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة ، بل كان دينه الدعوة إلى الله والأعراض عن ٥٨ قوله تعالى: ((واتخذ الله ابراهيم خليلا )) الآية سورة النِّساء كل ما سوى الله ودعوة محمد عليه الصلاة والسلام قد كان قريباً من شرع ابراهيم عليه السلام في الختان وفي الأعمال المتعلقة بالكعبة : مثل الصلاة إليها والطواف بها والسعي والرمي والوقوف والحلق والكلمات العشر المذكورة في قوله ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه ) ولما ثبت أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام كان قريباً من شرع إبراهيم . ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل ، وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالإنتساب إلى إبراهيم ، وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولاً عند الكل . وأما قوله ﴿ حنيفا ﴾ ففيه بحثان: الأول: يجوز أن يكون حالاً للمتبوع ، وأن يكون حالاً للتابع ، كما إذا قلت : رأيت راكباً ، فانه يجوز أن يكون الراكب حالاً للمرئي والرائي . البحث الثاني ﴾ الحنيف المائل ، ومعناه أنه مائل عن الأديان كلها، لأن ما سواه باطل ، والحق أنه مائل عن كل ظاهر وباطن ، وتحقيق الكلام فيه أن الباطل وإن كان بعيداً من الباطل الذي يضاده فقد يكون قريباً من الباطل الذي يجانسه ، وأما الحق فانه واحد فيكون مائلاً عن كل ما عداه كالمركز الذي يكون في غاية البعد عن جميع أجزاء الدائرة . فان قيل : ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام نفس شرع إبراهيم ، وعلى هذا التقدير لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مستقلة ، وأنتم لا تقولون بذلك . قلنا : يجوز أن تكون ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد عليه الصلاة والسلام مع اشتمال هذه الملة على زوائد حسنة وفوائد جليلة ، ثم قال تعالى ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجهان: الأول: أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في علو الدرجة في الدين أن اتخذه الله خليلاً كان جديراً بأن يتبع خلقه وطريقته . والثاني : أنه لما ذكر ملة إبراهيم ووصفه بكونه حنيفاً ثم قال عقيبه ( واتخذ الله إبراهيم خليلاً) أشعر هذا بأنه سبحانه إنما اتخذه خليلا لأنه كان عالماً بذلك الشرع آتياً بتلك التكاليف ، ومما يؤكد هذا قوله ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً ) وهذا يدل على أنه سبحانه إنما جعله إماماً للخلق لأنه أتم تلك الكلمات . وإذا ثبت هذا فنقول : لما دلت الآية على أن إبراهيم عليه السلام إنما كان بهذا المنصب ٥٩ قوله تعالى: ((واتخذ الله إبراهيم خليلاً)) الآية سورة النساء العالي وهوكونه خليلاً لله تعالى بسبب أنه كان عاملاً بتلك الشريعة كان هذا تنبيهاً على أن من عمل بهذا الشرع لا بد وأن يفوز بأعظم المناصب في الدين ، وذلك يفيد الترغيب العظيم في هذا الدين : فان قيل : ما موقع قوله ( واتخذ الله إبراهيم خليلاً ) قلنا : هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب ، ونظيره ما جاء في الشعر من قوله : والحوادث جمة والجملة الإعتراضية من شأنها تأكيد ذلك الكلام ، والأمر ههنا كذلك على ما بيناه . ﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا في اشتقاق الخليل وجوهاً: الأول: أن خليل الانسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره ، والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه ، ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة . قيل : لما أطلع الله إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل . ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله ، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس ، ومنعهم عن عبادة الأوثان ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان جعله الله إماماً للخلق ورسولا إليهم ، وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته ، فلهذه الإختصاصات سماه خليلاً ، لأن محبة الله لعبده عبارة عن إرادته لايصال الخيرات والمنافع إليه. الوجه الثاني في اشتقاق اسم الخليل ﴾ أنه الذي يوافقك في خلالك . أقول: روى عن النبي ◌َّله أنه قال ((تخلقوا بأخلاق الله)) فيشبه أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في هذا الباب مبلغاً لم يبلغه أحد ممن تقدم لا جرم خصه الله بهذا التشريف . الوجه الثالث ﴾ قال صاحب الكشاف: إن الخليل هو الذي يسايرك في طريقك ، من الخل وهو الطريق في الرمل ، وهذا الوجه قريب من الوجه الثاني ، أو يحمل ذلك على شدة طاعته لله وعدم تمرده في ظاهره وباطنه عن حكم الله . كما أخبر الله عنه بقوله ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) ﴿ الوجه الرابع ﴾ الخليل هو الذي يسد خللك كما تسد خلله، وهذا القول ضعيف لأن إبراهيم عليه السلام لما كان خليلا مع الله امتنع أن يقال : إنه يسد الخلل ، ومن ههنا علمنا أنه لا يمكن تفسير الخليل بذلك ، أما المفسرون فقد ذكروا في سبب نزول هذا اللقب وجوهاً: الأول : أنه لما صار الرمل الذي أتى به غلمانه دقيقاً قالت امرأته : هذا من عند خليلك ٦٠ قوله تعالى: (( واتخذ الله ابراهيم خليلاً)) الآية سورة النِّساء المصري ، فقال إبراهيم ، بل هو من خليلي الله ، والثاني : قال شهر بن حوشب : هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي فقال إبراهيم عليه السلام: اذكره مرة أخرى ، فقال لا أذكره مجاناً ، فقال لك مالي كله ، فذكره الملك بصوت أشجى من الأول ، فقال : اذكره مرة ثالثة ولك أولادي ، فقال الملك : أبشر فاني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك ، وإنما كان المقصود امتحانك ، فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله لا جرم اتخذه الله خليلا، الثالث : روى طاوس عن ابن عباس ان جبريل والملائكة لما دخلوا على ابراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه. وظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلا سميناً وقربه اليهم وقال كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره ، فقال جبريل أنت خليل الله ، فنزل هذا الوصف . وأقول : فيه عندي وجه آخر ، وهو أن جوهر الروح إذا كان مضيئاً مشرقاً علوياً قليل التعلق باللذات الجسمانية والأحوال الجسدانية ، ثم انضاف الى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسمانية وأفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلهية ، صار مثل هذا الإنسان متوغلا في عالم القدس والطهارة متبرئاً عن علائق الجسم والحس ، ثم لا يزال هذا الانسان يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا بالله ، ولا يسكن إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ، فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلل فيها وغاص في جواهرها ، وتوغل في ماهياتها، فمثل هذا الإنسان هو الموصوف حقاً بأنه خليل لما أنه تخللت محبة الله في جميع قواه، وإليه الإِشارة بقول النبي وَ اله في دعائه ((اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً وفي عصبي نوراً)) ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال بعض النصارى: لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان معين على سبيل الإعزاز والتشريف، فلم لا يجوز إطلاق اسم الابن في حق عيسى عليه السلام على سبيل الاعزاز والتشريف . وجوابه : أن الفرق أن كونه خليلاً عبارة عن المحبة المفرطة ، وذلك لا يقتضي الجنسية ، أما الابن فانه مشعر بالجنسية ، وجل الإِله عن مجانسة الممكنات ومشابهة المحدثات . ثم قال تعالى ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجوه: الأول: أن يكون المعنى