النص المفهرس
صفحات 181-200
.١٨١ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم)) الآية سورة النّساء يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانِفِرُ واْ نُّبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ بَيْعًا ( وهي موجبة للطاعة والشكر ، وإذا كانت الطاعات تقع في مقابلة النعم السالفة امتنع كونها موجبة للثواب في المستقبل . الثالث : أن الوجوب يستلزم استحقاق الذنب عند الترك ، وهذا الاستحقاق ينافي الالهية ، فيمتنع حصوله في حق الاله تعالى ، فثبت أن ظاهر الآية كما دل على أن الثواب كله فضل من الله تعالى ، فالبراهين العقلية القاطعة دالة على ذلك أيضاً ، وقالت المعتزلة : الثواب وإن كان واجباً لكن لا يمتنع إطلاق اسم الفضل عليه ، وذلك أن العبد إنما استحق ذلك الثواب لأن الله تعالى كلفه والتكليف تفضل ، ولأنه تعالى هو الذي أعطى العقل والقدرة وأزاحِ الأعذار والموانع حتى تمكن المكلف من فعل الطاعة ، فصار ذلك بمنزلة من وهب لغيره ثوباً كي ينتفع به ، فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب فكذا ههنا : ﴿ المسألة الثانية) قوله ( ذلك الفضل من الله) فيه احتمالان: أحدهما : أن يكون التقدير : ذلك هو الفضل من الله ، ويكون المعنى أن ذلك الثواب لكمال درجته ، كأنه هو الفضل من الله وأن ما سواه فليس بشيء ، والثاني : أن يكون التقدير : ذلك الفضل هو من الله ، أي ذلك الفضل المذكور ، والثواب المذكور هو من الله لا من غيره ، ولا شك أن الاحتمال الأول أبلغ . ثم قال تعالى ﴿وكفى بالله علياً﴾ وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفية الجزاء والتفضل ، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً ﴾ . واعلم أنه تعالى عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد الذي تقدم ، لأنه أشق الطاعات ، ولأنه أعظم الأمور التي بها يحصل تقوية الدين فقال ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) وفي الآية مسائل . المسألة الأولى﴾ الحذر والحذر بمعنى واحد، كالأثر والأثر، والمثل والمثل ، يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف ، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه ، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم . هذا ما ذكره صاحب ١٨٢ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم)) الآية سورة النِّساء الكشاف . وقال الواحدى رحمه الله فيه قولان : أحدهما : المراد بالحذر ههنا السلاح ، والمعنى خذوا سلاحكم ، والسلاح يسمى حذراً ، أي خذوا سلاحكم وتحذروا ، والثاني : أن يكون ( خذوا حذركم) بمعنى احذروا عدوكم لأن هذا الأمر بالحذر يتضمن الأمر بأخذ السلاح ، لأن أخذ السلاح هو الحذر من العدو ، فالتأويل أيضاً يعود إلى الأول ، فعلى القول الأول الأمر مصرح بأخذ السلاح ، وعلى القول الثاني أخذ السلاح مدلول عليه بفحوى الكلام . المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول: ذلك الذي أمر الله تعالى بالحذر عنه إن كان مقتضى الوجود لم ينفع الحذر ، وإن كان مقتضى العدم لا حاجة إلى الحذر ، فعلى التقديرين الأمر بالحذر عبث وعنه عليه الصلاة والسلام قال ((المقدور كائن والهم فضل )) وقيل أيضاً : الحذر لا يغني من القدر فنقول : إن صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع ، فإنه يقال : إن كان الانسان من أهل السعادة في قضاء الله وقدره فلا حاجة إلى الإيمان ، وإن كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الإيمان والطاعة ، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية ، والتحقيق في الجواب أنه لما كان الكل بقدر كان الأمر بالحذر أيضاً داخلاً في القدر ، فكان قول القائل : أي فائدة في الحذر كلاماً متناقضاً ، لأنه لما كان هذا الحذر مقدراً بأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر . المسألة الثالثة ﴾ قوله ( فانفروا) يقال : نفر القوم ينفرون نفراً ونفيراً إذا نهضوا لقتال عدو وخرجوا للحرب ، واستنفر الامام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون إذا حثهم على النفير ودعاهم إليه، ومثله قول النبي وَّة ((وإذا استنفرتم فانفروا)) والنفير اسم للقوم الذين ينفرون ، ومنه يقال : فلان لا في العير ولا في النفير، وقال أصحاب العربية : أصل هذا الحرف من النفور والنفار وهو الفزع ، يقال نفر إليه إذا فزع إليه ، ونفر منه إذا فزع منه وكرهه ، ومعنى الآية فانفروا إلى قتال عدوكم . ﴿ المسألة الرابعة﴾ قال جميع أهل اللغة: الثبات جماعات متفرقة واحدها ثبة ، وأصلها من : ثبيت الشيء ، أي جمعته ، ويقال أيضاً : ثبت على الرجل إذا أثنيت عليه ، وتأويله جمع محاسنه ، فقوله ( فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً) معناه : انفروا إلى العدو إما ثبات ، أي جماعات متفرقة ، سرية بعد سرية ، وإما جميعاً ؛ أي مجتمعين كوكبة واحدة ، وهذا المعنى أراد الشاعر في قوله : طار وا إليه زرافات و وحدانا ومثله قوله تعالى ﴿ فإن خفتم فرحالاً أو ركباناً ﴾ أي على أي الحالتين كنتم فصلوا. ١٨٣ قوله تعالى «وإن منکم من لیبطئن) الآية سورة النساء وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَُّبِطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَّ إِذْلَمْ أَكُن ١٠٠٠٠٠٠ مَعَهُمْ شَهِيدًا ٧٢ وَلَنْ أَصَبَكُمْ فَضْلُ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن ◌َّرْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ , مَوَدَّةٌ يَلَيْنَنِى كُنتَ مَعَهُمْ فَأْفُوِزَ فَوْزًا عَظِيمًا قوله تعالى ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ﴾ . وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى) اعلم أن قوله (وإن منكم) يجب أن يكون راجعاً إلى المؤمنين الذين ذكرهم الله بقوله ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) واختلفوا على قولين : الأول : المراد منه المنافقون كانوا يثبطون الناس عن رسول الله وله . فإن قيل : قوله ( وإن منكم لمن ليبطئن) تقديره: يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن ، فإذا كان هذا المبطىء منافقاً فكيف جعل المنافق قسماً من المؤمن في قوله ( وإن منكم ) . والجواب من وجوه : الأول : أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنسب والاختلاط. الثاني : أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الإيمان . الثالث : كأنه قيل : يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم كقوله ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر ) . القول الثاني ﴾ أن هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المؤمنين وهو اختيار جماعة من المفسرين قالوا : والتبطئة بمعنى الابطاء أيضاً ، فائدة هذا التشديد تكرر الفعل منه . وحكى. أهل اللغة أن العرب تقول : ما أبطأ بك يا فلان عنا ، وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد ، فعلى هذا معنى الآية أن فيهم من يبطىء عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد ، فاذا ظفر المسلمون تمنوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة ، وإن أصابتهم مصيبة سرهم أن كانوا متخلفين . قال : وهؤلاء هم الذين أرادهم الله بقوله ( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) قال : والذي يدل على أن المراد ١٨٤ قوله تعالى ((فان أصابتكم مصيبة)) الآية سورة النِّساء بقوله ( ليبطئن ) الابطاء منهم لا تثبيط غيرهم ، ما حكاه تعالى من قولهم ( يا ليتني كنت معهم ) عند الغنيمة ، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى . وطعن القاضي في هذا القول وقال : انه تعالى حكى عن هؤلاء المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين ( قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً) فيعد قعوده عن القتال نعمة من الله تعالى، ومثل هذا الكلام إنما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين ، وأيضاً لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم ( كأن لم يكن بينكم وبينه) يعني الرسول ( مودة) فثبت أنه لا يمكن حمله على المؤمنين ، وإنما يمكن حمله على المنافقين ، ثم قال : فإن حمل على أنه من الابطاء والتثاقل صح في المنافقين ، لأنهم كانوا يتأخرون عن الجهاد ويتناقلون ولا يسرعون إليه ، وإن حمل على تثبيط الغير صح أيضاً فيهم ، فقد كانوا يثبطون كثيراً من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التلبيس ، فكلا الوصفين موجود في المنافقين ، وأكثر المفسرين حمله على تثبيط الغير ، فكأنهم فصلوا بين أبطأ وبطأ ، فجعلوا الأول لازماً، والثاني متعدياً ، كما يقال في أحب وحب ، فإن الأول لازم والثاني متعد . ﴿ المسألة الثانية﴾ قال الزجاج ((من)) في قوله (لمن ليبطئن) موصولة بالحال للقسم كأن هذا لو كان كلاماً لقلت إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن . ثم قال تعالى ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ يعني من القتل والأنهزام وجهد من العيش . يعني لم أكن معهم شهيداً حاضراً حتى يصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة ( ولئن أصابكم فضل من الله) من ظفر وغنيمة ليقولن ( كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ( كأن لم تكن ) بالتاء المنقطة من فوق يعني المودة ، والباقون بالياء لتقدم الفعل . قال الواحدي : وكلا القراءتين قد جاء به التنزيل . قال ( قد جاءتكم موعظة من ربكم ) وقال في آية أخرى ( فمن جاءه موعظة من ربه) فالتأنيث هو الأصل والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي ، سيما إذا وقع فاصل بين الفعل والفاعل . المسألة الثانية﴾ قرأ الحسن (ليقولن) بضم اللام أعاد الضمير إلى معنى ((من)) لأن قوله ( لمن ليبطئن) في معنى الجماعة، إلا أن هذه القراءة ضعيفة لأن ((من)) وإن كان جماعة في المعنى لكنه مفرد في اللفظ ، وجانب الأفراد قد ترجح في قوله ( قال قد انعم الله على ) وفي قوله ( يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) . ١٨٥ قوله تعالى ((فيقاتل في سبيل الله)) الآية سورة النِّساء فَلْيُقَتِلْ فِى سَبِ اللِّالَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَابِلَِّرَةِ وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نَؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ٧٤ المسألة الثالثة ﴾ لقائل أن يقول : لو كان التنزيل هكذا : ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كان النظم مستقيما حسنا ، فكيف وقع قوله ( کان لم تکن بینکم وبينه مودة ) في البین ؟ وجوابه : أنه اعتراض وقع في البين وهو في غاية الحسن ، بيانه أنه تعالى حكى عن هذا المنافق أنه إذا وقعت للمسلمين نكبة أظهر السرور الشديد بسبب أنه كان متخلفا عنهم ، ولو فازوا بغنيمة ودولة أظهر الغم الشديد بسبب فوات تلك الغنيمة ، ومثل هذه المعاملة لا يقدم عليها الانسان إلا في حق الأجنبي العدو ، لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه ، فأما إذا قلبت هذه القضية فذاك إظهار للعداوة . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين ، ثم أراد أن يحكى حزنه عند دولة المسملين بسبب أنه فاته الغنيمة ، فقبل أن يذكر هذا الكلام بتمامه ألقى في البين قوله ( كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ) والمراد التعجب كأنه تعالى يقول : انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبينه مودة ولا مخالطة أصلا ، فهذا هو المراد من الكلام ، وهو وإن كان كلا ما واقعا في البين على سبيل الاعتراض إلا أنه في غاية الحسن . قوله تعالى ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل :الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ . اعلم أنه تعالى لما ذم المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال ( فليقاتل في سبيل الله) وللمفسرين في قوله ( يشرون الحياة الدنيا ) وجهان : الأول : ان ( يشرون ) معناه يبيعون قال ابن مفرغ وشریت بردا ليتني من بعد برد كنت هامه قال : وبرد هو غلامه ، وشريته بمعنى بعته ، وتمنى الموت بعد بيعه ، فكان معنى الآية : فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ، وهو كقوله ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) إلى قوله ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) . ١٨٦ قوله تعالى ((وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله)) الآية سورة النِّساء وَمَا لَكُرْ لَا تُقَدْتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْتِسَاءِ وَالْوِلَّنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبََّ أَنِْجْنَا مِنْ هَذِ اَلْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴿ والقول الثاني ) معنى قوله (يشرون) أي يشترون قالوا: والمخاطبون بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد ، وتقرير الكلام : فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة ، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف تقديره : آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الاسلام قبل حصول الاسلام . وعندي في الآية احتمالات أخرى : أحدها : أن الانسان لما أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها ، فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس . وثانيها : أنه تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الانسان القتال ، فان من ترك القتال فانما يتركه رغبة في الحياة الدنيا ، وذلك يوجب فوات سعادة الآخرة ، فكأنه قيل له : اشتغل بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي . وثالثها : كأنه قيل : الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إنما رجحوا الحياة الدنيا على الآخرة اذا كانت مقرونة بالسعادة والغبطة والكرامة واذا كان كذلك فليقاتلوا ، فانهم بالمقاتلة يفوزون بالغبطة والكرامة في الدنيا ، لأنهم بالمقاتلة يستولون على الأعداء ويفوزون بالأموال ، فهذه وجوه خطرت بالبال والله أعلم بمراده . ثم قال تعالى ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ والمعنى من يقاتل في سبيل الله فسواء صار مقتولا للكفار أو صار غالبا للكفار فسوف نؤتيه أجرا عظيما ، وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم ، ومعلوم أنه لا واسطة بين هاتين الحالتين ، فاذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد . وهذا يدل على أن المجاهد لا بد وأن يوطن نفسه على أنه لا بد من أحد أمرين ، إما أن يقتله العدو ، وإما أن يغلب العدو ويقهره ، فانه اذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ولم يحجم عن المحاربة ، فاما اذا دخل لا على هذا العزم فما اسرع ما يقع في الفرار ، فهذا معنى ما ذكره اللّه تعالى من التقسيم في قوله ( فيقتل أو يغلب ) . قوله تعالى ﴿ ومالكم لا تقاتلون في سبيل اللّه والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا اخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾ : قوله تعالى ((وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله)) الآية . ١٨٧ سورة النِّساء اعلم أن المراد منه إنكاره تعالى لتركهم القتال ، فصار ذلك توكيدا لما تقدم من الأمر بالجهاد وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قوله ( ومالكم لا تقاتلون ) يدل على أن الجهاد واجب ، ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ حال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف ، فهذا حث شديد على القتال ، وبيان العلة التي لها صار القتال واجبا ، وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة ، لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير . ﴿ المسألة الثانية ) قالت المعتزلة قوله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ) انكار عليهم فى ترك القتال وبيان أنه لا عذر لهم البتة في تركه ، ولو كان فعل العبد بخلق الله لبطل هذا الكلام لأن من اعظم العذر أن الله ما خلقه وما أراده وما قضى به ، وجوابه مذكور . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ اتفقوا على أن قوله (والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان) متصل بما قبله ، وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون عطفا على السبيل ، والمعنى : ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين . والثاني : أن يكون معطوفا على اسم الله عز وجل ، أي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين . المسألة الرابعة ﴾ المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قوم من المسلمين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة ، وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا . قال ابن عباس : كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان . المسألة الخامسة ﴾ الولدان : جمع الولد، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان ، نحو حزب وحزبان ، وورك ووركان ، كذلك ولد وولدان . قال صاحب الكشاف: ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الأحرار والحرائر ، وبالولدان العبيد والاماء ، لأن العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة ، وجمعهما الولدان والولائد ، إلا أنه جعل ههنا الولدان جمعا للذكور والاناث تغليبا للذكور على الاناث ، كما يقال آباء وإخوة والله أعلم . المسألة السادسة﴾ انما ذكر الله الولدان مبالغة في شرح ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ، ومبغضة لهم بمكانهم ، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا ، كما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء ، ثم حكى تعالى عن هؤلاء المستضعفين أنهم كانوا يقولون ١٨٨ قوله تعالى ((الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله)) الآية. سورة النِّساء الَّذِينَ ءَامَنُوْ يُقَدِلُونَ فِ سَبِيلِ الَِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّغُوتِ فَضْلُواْ أُوْلِيَةَ الشَّيْطَرِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ( ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ أجمعوا على أن المراد من هذه القرية الظالم أهلها مكة ، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم ) وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره . المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول: القرية مؤنثة، وقوله (الظالم أهلها) صفة للقرية ولذلك خفض ، فكان ينبغي أن يقال : الظالمة أهلها ، وجوابه أن النحويين يسمون مثل هذه الصفة الصفة المشبهة باسم الفاعل ، والأصل في هذا الباب : أنك إذا أدخلت الألف واللام في الأخير اجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه ، نحوقولك : مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب ، ومررت برجل جميل الجارية ، واذا لم تدخل الألف واللام في الأخير حملته على الثاني في تذكيره وتأنيثه كقولك : مررت بامرأة كريم أبوها ، ومن هذا قوله تعالى ( اخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت من هذه القرية الظالمة الأهل ، وإنما جاز أن يكون الظالم نعتا للقرية لأنه صفة للأهل ، والأهل منتسبون إلى القرية ، وهذا القدر كاف في صحة الوصف كقولك مررت برجل قائم أبوه ، فالقيام للأب وقد جعلته وصفا للرجل ، وإنما كان هذا القدر كافيا في صحة الوصف لأن المقصود من الوصف التخصيص والتمييز ، وهذا المقصود حاصل من مثل هذا الوصف والله أعلم . المسألة الثانية ﴾ في قوله ( واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) قولان : فالأول : قال ابن عباس : يريدون اجعل علينا رجلا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا ، فأجاب الله تعالى دعاءهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم ، فكان الولي هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان النصير عتاب بن أسيد ، وكان عتاب ينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز . الثاني : المراد : واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة ، والحاصل كن أنت لنا وليا وناصرا . قوله تعالى ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ﴾ قوله تعالى ((الم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم)) الآية سورة النّاء ١٨٩ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَّا كُتِبَ أَلّْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّواْ أَيْدِيكُمْ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فُرِيْقٌ مِنْهُمْ بِْتَوْنَ النَّاسَ تَكْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ مَخَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لَمْ كُتَبْتَ عَيْنَا الْقِتَ لَوْلَا أَّْتَنَا إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ قُلْ مَتَعُ الدُّنْيَا قَلِلُ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَثََّ وَلَا تُظْلُونَ فَتِلًا واعلم أنه تعالى لما بين وجوب الجهاد بين أنه لا عبرة بصورة الجهاد . بل العبرة بالقصد والداعي ، فالمؤمنون يقاتلون لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته ، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت ، وهذه الآية كالدلالة على أن كل من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت ، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله : أو في سبيل الطاغوت وجب أن يكون ماسوي الله طاغوتا ، ثم إنه تعالى أمر المقاتلين في سبيل الله بأن يقاتلوا أولياء الشيطان ، وبين أن كيد الشيطان كان ضعيفا ، لأن الله ينصر أولياءه ، والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه ، الا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وان كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة ، وأما الملوك والجبابرة فاذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم ، والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه يقال : كاده يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة علیه وفائدة إدخال ( كان ) في قوله ( كان ضعيفا ) للتأكيد لضعف كيده ، يعني أنه منذ كان كان موصوفا بالضعف والذلة . قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتیلا ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين؟ فيه قولان: الأول : أن الآية نزلت في المؤمنين ، قال الكلبى : نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص ، كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى ١٩٠ قوله تعالى ((الم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم)) الآية سورة النساء المدينة ، ويلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ک را أيديكم فاني لم أو مر بقتالهم ، واشتغلوا باقامة دينكم من الصلاة والزكاة ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم ، فأنزل الله هذه الآية . واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم : كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال ، والراغبون في القتال هم المؤمنون ، فدل هذا على أن الآية نازلة في حق المؤمنين . ويمكن الجواب عنه بأن المنافقين كانوا يظهرون من أنفسهم انا مؤمنون وانا نريد قتال الكفار ومحاربتهم ، فلما أمر الله بقتالهم الكفار أحجم المنافقون عنه وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه . ﴿ القول الثاني﴾ أن الآية نازلة في حق المنافقين، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن. الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين . فالأول : أنه تعالى قال في وصفهم ( يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ) ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق ، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى . والثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين . الثالث : أنه تعالى قال للرسول ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة ، وذلك من صفات المنافقين . وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذه الوجوه بحرف واحد ، وهو أن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع ، فالخشية المذكورة في هذه الآية محمولة على هذا المعنى ، وقولهم ( لم كتبت علينا القتال ) محمول على التمني لتخفيف التكليف لا على وجه الانكار لا يجاب الله تعالى ، وقوله تعالى ( قل متاع الدنيا قليل ) مذكور لا لأن القوم كانوا منكرين لذلك ، بل لأجل إسماع الله لهم هذا الكلام مما يهون على القلب أمر هذه الحياة ، فحينئذیزول من قلبهم نفرة القتال وحب الحياة ويقدمون على الجهاد بقلب قوي ، فهذا ما في تقریر هذين القولين والله أعلم ، والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) ولا شك أن هذا من كلام المنافقين ، فاذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا . والمسألة الثانية﴾ دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد ، ١٩١ سورة النِّساء قوله تعالى (الم تری الی الذین قیل لهم كفوا ایدیکم )) الآية وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله ، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله ، ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد . ﴿ المسألة الثالثة) قوله ( كخشية الله) مصدر مضاف إلى المفعول. ﴿ المسألة الرابعة ﴾ ظاهر قوله ( أو أشد خشية) يوهم الشك، وذلك على علام الغيوب محال . وفيه وجوه من التأويل : الأول : المراد منه الابهام على المخاطب ، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة ، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون انقص أومساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله ، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد ، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه ، بل يوجب إبقاء الابهام في هذين القسمين على المخاطب. الثاني: أن يكون ((أو)) بمعنى الواو ، والتقدير : يخشونهم كخشية الله وأشد خشية ، وليس بين هذين القسمين منافاة ، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله وزيادة . الثالث : أن هذا نظير قوله (وأرسلناه إلى مائة الف أو يزيدون ) يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام ، فكذا ههنا والله أعلم ثم قال تعالى ﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ﴾ . واعلم أن هؤلاء القائلين إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله ، لكن جزءا من الموت وحبا للحياة ، وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم ، فقالوا ذلك على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول عليه الصلاة والسلام وفي دعواه ثم قالوا ( لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) وهذا كالعلة لكراهتهم لا يجاب القتال عليهم ، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا ، ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم فقال ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) وإنما قلنا : إن الآخرة خير لوجود : الأول : ان نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة . والثاني: ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخْرة مؤبدة . والثالث : أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره ، ونعم الآخرة صافية عن الكدورات . والرابع : أن نعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني ، ونعم الآخرة يقينية ، وكل هذه الوجوه توجب رجحان الآخرة على الدنيا ، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين ، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله ( لمن اتقى) وهذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام (( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) . ١٩٢ قوله تعالى ((اینما تكونوا يدرككم الموت)) الآية سورة النِّساء أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكْرُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِ بُرُوجٍ مُشَيِّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَاذِهِ، مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبِهُمْ سَفِئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِء مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلّ مِنْ عِندِ اللهِ تَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٣٨) ثم قال تعالى ﴿ ولا تظلمون فتيلا ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (يظلمون) بالياء على أنه راجع إلى المذكورين في قوله ( ألم تر إلى الذين قيل ) والباقون بالتاء على سبيل الخطاب ، ويؤيد التاء قوله ( قل متاع الدنيا قليل ) فان قوله ( قل ) يفيد الخطاب . المسألة الثانية﴾ قالت المعتزلة: الآية تدل على أنهم يستحقون على طاعتهم الثواب ، وإلا لما تحقق نفي الظلم ، وتدل على أنه تعالى يصح منه الظلم وإن كنا نقطع بأنه لا يفعل ، وإلا لما صح التمدح به . المسألة الثالثة ﴾ قوله (ولا يظلمون فتيلا) أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة وهو ما تفتله بيدك ثم تلقيه احتقاراً . وقد مضى الكلام فيه . قوله تعالى ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾. والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، فقال تعالى ( أينما تكونوا يدرككم . الموت ) فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت ، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة ، فاذا كان لا بد من الموت ، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك ، ونظير هذه الآية قوله ( قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتعون إلا قليلا ) والبروج في كلام العرب هي القصور والحصون ، وأصلها في اللغة من الظهور ، يقال : تبرجت المرأة ، إذا أظهرت محاسنها ، والمشيدة المرتفعة ، وقرىء ( مشيدة ) قال صاحب الكشاف: من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص ، وقرأ ١٩٣ قوله تعالى ((اينما تكونوا يدرككم الموت)) الآية) سورة النساء نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفاً لها بفعل فاعلها مجازا ، كما قالوا : قصيدة شاعرة ، وإنما الشاعر قائلها . قوله تعالى ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً﴾. اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى ، وفي النظم وجه آخر ، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فان أصابوا واحة وغنيمة قالوا: هذه من عند الله ، وإن أصابهم مكروه قالوا : هذا من شؤم مصاحبة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم ، وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها: الأول: قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الامساك كما جرت عادته في جميع الأمم ، قال تعالى ( وما . أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء) فعند هذا قال اليهود والمنافقون : ما رأينا أعظم شؤماً من هذا الرجل ، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم ، فقوله تعالى ( وإن تصبهم حسنة) يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا : هذا من عند الله ( وإن تصبهم سيئة ) جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد ، وهذا كقوله تعالى ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وأن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) وعن قوم صالح ( قالوا أطيرنا بك وبمن معك ) . القول الثاني ﴾ المراد من الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي : والقول الأول هو المعتبر لأن اضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة ، أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة ، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله ، وأقول : القول كما قال على مذهبه ، أما على مذهبنا فالكل داخل فى قضاء الله وقدره . ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) وقال ( ان الحسنات يذهبن السيئات ) . فخر الرازي ج.١ م ١٣ ١٩٤ قوله تعالى ((اینما تكونوا يدرككم الموت)) الآية سورة النّساء إذا عرفت هذا فنقول : قوله ( وان تصبهم حسنة ) يفيد العموم في كل الحسنات ، وكذلك قوله ( وان تصبهم سیئة ) يفيد العموم فی کل السيئات ، ثم قال بعد ذلك ( قل كل من عند الله ) فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله ، ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله وهو المطلوب . فان قيل : المراد ههنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية ، ويدل عليه وجوه : الأول : اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصة بهما . الثاني : أن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها أصابتني ، إنما يقال اصبتها ، وليس في كلام العرب أصابت فلانا حسنة بمعنى محمل خيرا ، أو أصابته سيئة بمعنى عمل معصية ، فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال ان أصبتم حسنة . الثالث : لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعة وعلى المنفعة ، وههنا أجمع المفسرون على أن المنـة مرادة ، فيمتنع كون الطاعة مرادة ، ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا . فالجواب عن الأول : أنكم تسلمون أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ . والجواب عن الثاني : أنه يصح أن يقال : أصابني توفيق من الله وعون من الله ، وأصابه خذلان من الله ، ويكون مراده من ذلك التوفيق والعون تلك الطاعة ، ومن الخذلان تلك المعصية . والجواب عن الثالث : أن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة ، فان كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة ، وإن كان منتفعا به في الدنيا فهو السعادة الحاضرة ، فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين القسمين متواطىء الاشتراك ، فزال السؤال . فثبت أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه ، ومما يدل على أن المراد ليس إلا ذاك ما ثبت في بدائه العقول أن كل موجود فهو إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، والممكن لذاته كل ما سواه ، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصانع ، وحينئذ يلزم نفي الصانع ، وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثر ، فاذا كان كل ما سوى الله ممكنا كان كل ما سوى الله مستنداً إلى الله ، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنبات ، فإن الحكم الاستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بينا من كونه ممكنا كان الكل فيه على السوية ، وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشمس على أن الحق ما ذكره تعالى ، وهو قوله ( قل كل من عند الله ) . ١٩٥ سورة النساءِ قوله تعالى ((ما أصابك من حسنة فمن الله)) الآية مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ الَهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَ بِاللهِ شَهِدًا ﴾ ثم قال تعالى ﴿ فمال هؤلاء القوم لا یکادون يفقهون حديثا ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ انه لما كان البرهان الدال على أن كل ما سوى الله مستنداً إلى الله على الوجه الذي لخصناه في غاية الظهور والجلاء ، قال تعالى ( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) وهذا يجري مجرى التعجب من عدم وقوفهم على صحة هذا الكلام مع ظهوره . قالت المعتزلة : بل هذه الآية دالة على صحة قولنا ، لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى البتة ، لأن السبب في عدم حصول هذه المعرفة هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها ، وذلك يبطل هذا التعجب ، فحصول هذا التعجب يدل على أنه إنما تحصل بايجاد العبد لا بايجاد الله تعالى . واعلم أن هذا الكلام ليس إلا التمسك بطريقة المدح والذم ، وقد ذكرنا أنها معارضة بالعلم . ﴿ المسألة الثانية﴾ قالت المعتزلة: أجمع المفسرون على أن المراد من قوله ( لا يكادون يفقهون حديثا ) أنهم لا يفقهون هذه الآية المذكورة في هذا الموضع ، وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث ، والحديث فعيل بمعنى مفعول ، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا . والجواب : مرادكم بالقرآن ليس إلا هذه العبارات ، ونحن لا ننازع في كونها محدثة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الفقه: الفهم، يقال أوتى فلان فقها، ومنه قوله مّ﴾ وسلم لابن عباس ( فقهه في التأويل ) أي فهمه . ثم قال تعالى ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيداً ﴾ . قال أبو علي الجبائي : قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة ، وتارة يقع على الذنب والمعصية ، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله ( قل كل من عند الله ) وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله (وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما ، ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة ١٩٦ قوله تعالى ((ما أصابك من حسنة فمن الله)) الآية سورة النِّساء إلى الله وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين ، قال: وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرؤا (فمن تعسك ) فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن . فان قيل : فلماذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فاضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم ؟ قلنا : لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فانما وصل اليها بتسهيله تعالى وألطافه فصحت الاضافة إليه ، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى الله تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها ، ولا بأنه أمر بها ، ولا بأنه رغب فيها ، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه إلى الله تعالى . هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع . ونحن نقول : هذه الآية دالة على أن الايمان حصل بتخليق الله تعالى ، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية . إنما قلنا : إن الآية دالة على ذلك لأن الايمان حسنة ، وكل حسنة فمن الله . إنما قلنا : إن الايمان حسنة ، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح ، ولا شك أن الايمان كذلك ، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله) المراد به كلمة الشهادة ، وقيل في قوله ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) قيل : هو لا إله إلا الله ، فثبت أن الايمان حسنة ، وإنما قلنا إن كل حسنة من اللّه لقوله تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله) وقوله ( ما أصابك من حسنة ) يفيد العموم في جميع الحسنات ، ثم حكم على كلها بأنها من الله ، فيلزم من هاتين المقدمتين ، أعني أن الايمان حسنة ، وكل حسنة من الله ، القطع بأن الايمان من الله . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الايمان من الله هو أن الله أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنه ، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر ؟ قلنا : جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الإيمان والكفر عندكم ، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الايمان ، ولا مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس الايمان ، فكان الايمان منقطعا عن الله في كل الوجوه ، فكان هذا مناقضا لقوله ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) فثبت بدلالة هذه الآية أن الايمان من الله ، والخصوم لا يقولون به ، فصاروا محجوجين في هذه المسألة ، ثم اذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من الله . ١٩٧ سورة النّساء قوله تعالى ((ما أصابك من حسنة فمن الله)) الآية قلنا فيه وجوه : الأول : أن كل من قال : الايمان من الله قال : الكفر من الله ، فالقول بأن أحدهما من الله دون الآخر مخالف لاجماع الأمة . الثاني : أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر فالقدرة الصالحة لايجاد الكفر إما أن تكون صالحة لا يجاد الايمان أو لا تكون ، فان كانت صالحة لا يجاد الايمان فحينئذ يعود القول في أن ايمان العبد منه ، وإن لم تكن صالحة لايجاد. الايمان فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده ، وذلك عندهم محال ، ولأن على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور ، وذلك يمنع من كونه قادرا عليه ، فثبت أنه لما لم يكن الايمان منه وجب أن لا يكون الكفر منه . الثالث : أنه لما لم يكن العبد موجدا للايمان فيأن لا يكون موجد للكفر أولى ، وذلك لأن المستقل بايجاد الشيء هو الذي يمكنه تحصيل مراده ، ولا نرى في الدنيا عاقلا إلا ويريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الايمان والمعرفة والحق ، وإن أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الجهل والضلال والاعتقاد الخطأ ، فاذا كان العبد موجداً لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم الحق المطابق ، وجب أن لا يحصل في قلبه إلا الحق ، فاذا كان الايمان الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقطع بايجاده ، فبأن يكون الجهل الذي ما أراده وما قصد تحصيله وكان في غاية النفرة عنه والفرار منه غير واقع بايجاده وتكوينه كان ذلك أولى . والحاصل أن الشبهة في أن الايمان واقع بقدرة العبد أشد من الشبهة في وقوع الكفر بقدرته ، فلما بين تعالى في الايمان أنه من الله ترك ذكر الكفر للوجه الذي ذكرناه ، فهذا جملة الكلام في بيان دلالة هذه الآية على مذهب إمامنا . أما ما احتج الجبائي به على مذهبه من قوله ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) . فالجواب عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى قال حكاية عن ابراهيم عليه السلام ( وإذا مرضت فهو يشفين ) أضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله ، فلم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للمرض والشفاء ، بل إنما فصل بينهما رعاية الأدب ، فكذا ههنا ، فانه يقال : يا مدبر السموات والأرض ، ولا يقال يا مدبر القمل والصيبان والخنافس ، فكذا ههنا . الثاني : أكثر المفسرين قالوا في تفسير قول ابراهيم ( هذا ربي ) أنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الانكار ، كأنه قال : أهذا ربي ، فكذا ههنا ، كأنه قيل : الايمان الذي وقع على وفق قصده قد بينا أنه ليس واقعا منه ، بل من الله ، فهذا الكفر ما قصده وما أراده وما رضي به البتة ، أفيدخل في العقل أن يقال : إنه وقع به ؟ فانا بينا أن الحسنة في هذه الآية يدخل فيها الايمان ، والسيئة يدخل فيها الكفر ، أما قراءة من قرأ ( فمن تعسك ) فنقول : إن صح أنه قرأ بهذه الآية واحد من الصحابة والتابعين فلا طعن فيه ، وإن لم يصح ذلك فالمراد أن من حمل الآية على أنها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الانكار ذكر في تفسير الاستفهام على سبيل الانكار هذا ١٩٨ قوله تعالى ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)) الآية سورة النّساء مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَّى ◌َمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفيظًا (چ﴾ لكلام ، لأنه لما أضاف السيئة اليهم في معرض الاستفهام على سبيل الانكار كان المراد أنها غير مضافة اليهم ، فذكر هذا القائل قوله ( فمن تعسك ) لا على اعتقاد أنه من القرآن ، بل لأجل نه يجري مجرى التفسير لقولنا : إنه استفهام على سبيل الانكار ، ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله تعالى ، قوله تعالى بعد هذه الآية (وأرسلناك للناس رسولا ) يعني ليس لك إلا الرسالة والتبليغ ، وقد فعلت ذلك وما قصرت ( وكفى بالله شهيداً) على جدك وعدم تقصيرك في اداء الرسالة وتبليغ الوحي ، فأما حصول الهداية .ليس إليك بل إلى الله، ونظيره قوله تعالى ( ليس لك من الأمر شيء ) وقوله (إنك لا تهدی من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء) فهذا جملة ما خطر بالبال في هذه الآية ، والله أعلم أسرار كلامه . ثم إنه تعالى أكد هذا الذي قلناه . فقال تعالى ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾. والمعنى أن من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله فهو في الحقيقة ما أطاع إلا الله ، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ، فان من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق ، فان أحداً من الخلق لا يقدر على إرشاده . واعلم أن من أنار الله قلبه بنور الهداية قطع بأن الأمر كما ذكرنا ، فانك ترى الدليل الواحد تعرضه على شخصين في مجلس واحد ، ثم إن أحدهما يزداد إيماناً على إيمان عند سماعه ، والآخر يزداد كفراً على كفر عند سماعه ، ولو أن المحب لذلك الكلام أراد أن يخرج عن قلبه حب ذلك الكلام واعتقاد صحته لم يقدر عليه ، ولو أن المبغض له أراد أن يخرج عن قلبه بغض ذلك الكلام واعتقاد فساده لم يقدر ، ثم بعد أيام ربما انقلب المحب مبغضا والمبغض محباً ، فمن تأمل للبرهان القاطع الذي ذكرناه في أنه لا بد من إسناد جميع الممكنات إلى واجب الوجود ، ثم اعتبر من نفسه الاستقراء الذي ذكرناه ، ثم لم يقطع بأن الكل بقضاء الله وقدره ، فليجعل واقعته من أدل الدلائل على أنه لا تحصل الهداية إلا بخلق الله من جهة أن مع العلم بمثل هذا الدليل ، ومع العلم بمثل هذا الاستقراء لما لم يحصل في قلبه هذا الاعتقاد ، عرف أنه ١٩٩ سورة النِّساء قوله تعالى ((من يطع الرسول فقد أطاع الله)) الآية ليس ذلك إلا بأن الله صده عنه ومنعه منه . بقي في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله ( من يطع الرسول فقد أطاع الله) من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن الله ، لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة الله وأيضا وجب أن يكون معصوما في جميع افعاله ، لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله ( فاتبعوه ) والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير، فكان الآتي بمثل ذلك الفعل مطيعاً لله في قوله ( فاتبعوه ) فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وفي جميع أفعاله ، إلا ما خصه الدليل ، طاعة لله وانقياد لحكم الله . ﴿ المسألة الثانية ﴾ قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة في باب فرض الطاعة للرسول : ان قوله تعالى ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) يدل على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن ، ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن ، فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول ، وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله ، هذا معنى كلام الشافعي . ﴿ المسألة الثالثة) قوله ( من يطع الرسول فقد أطاع الله) يدل على أنه لا طاعة إلا لله البتة ، وذلك لأن طاعة الرسول لكونه رسولا فيما هو فيه رسول لا تكون إلا طاعة لله ، فكانت الآية دالة على أنه لا طاعة لأحد إلا الله. قال مقاتل في هذه الآية: ان النبي ◌ّ ر كان يقول ((من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله)) فقال المنافقون : لقد قارب هذا الرجل الشرك وهو أن ينهي أن نعبد غير الله ، ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى ، فأنزل الله هذه الآية . واعلم أنا بينا كيفية دلالة الآية على أنه لا طاعة ألبتة للرسول ، وإنما الطاعة لله . أما قوله ( ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) ففيه قولان : أحدهما : أن المراد من التولي هو التولي بالقلب ، يعني يا محمد حكمك على الظواهر ، أما البواطن فلا تتعرض لها . والثاني : أن المراد به التولي بالظاهر ، ثم ههنا ففي قوله ( فما أرسلناك عليهم حفيظا ) قولان : الأول : معناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولي وأن تحزن ، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي ، والسبب في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم ، فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له عليه الصلاة والسلام عن ذلك الحزن . الثاني : أن المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك التولي وهو كقوله ( لا إكراه في الدين ) ثم نسخ هذا بعده بآية الجهاد . ٢٠٠ قوله تعالى ((ويقولون طاعه فإذا برزوا من عندك)) الآية سورة النِّساء وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَبِقَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَايَعْتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَلّ عَلَى اللهِ وَكَفَ بِللهِ وَكِيلًّ ◌َّه قال الله تعالى ﴿ويقولون طاعة فاذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾. أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء ( طاعة ) بالرفع ، أي أمرنا وشأننا طاعة ، ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة ، وهذا كما إذا قال الرجل المطيع المنقاد: سمعا وطاعة ، وسمع وطاعة . قال سيبويه سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال لهم كيف اصبحت ؟ فيقول : حمد الله وثناء عليه ، كأنه قال أمري وشأني حمد الله . واعلم أن النصب يدل على مجرد الفعل . وأما الرفع فانه يدل على ثبات الطاعة واستقرارها ( فاذا برزوا من عندك ) أي خرجوا من عندك ( بيت طائفة منهم غير الذي تقول ) وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال الزجاج : كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت ، قال تعالى ( إذا يبيتون ما لا يرضى من القول ) وفي اشتقاقه وجهان : الأول : اشتقاقه من البيتوتة ، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الانسان في بيته بالليل ، فهناك تكون الخواطر أخلى والشواغل أقل ، فلما كان الغالب أن الانسان وقت الليل يكون في البيت ، والغالب له أنه إنما يستقصي في الأفكار في الليل ، لاجرم سمى الفكر المستقصي مبيتا . الثاني : اشتقاقه من بيت الشعر . قال الأخفش : العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه فسموا المتفكر فيه المستقصي مبيتا ، تشبيها له ببيت الشعر من حيث أنه يسوى ويدبر . المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى خص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت ، وفي هذا التخصيص وجهان : أحدهما : أنه تعالى ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه ، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فانه لم يذكرهم . والثاني : أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت ، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبييتوا ، فلا جرم لم يذكروا . المسألة الثالثة﴾ قرأ أبو عمرو وحمزة ( بيت طائفة ) بادغام التاء في الطاء ، والباقون