النص المفهرس

صفحات 161-180

قوله تعالى ((فكيف إذا اصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم)) الآية
سورة النِّساء ١٦١
فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ ثُمَّ جَاءُ وكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ
أُوْلَكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَافِ قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا (
وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِغًا (8﴾
المسألة الثانية ﴾ يصدون عنك صدوداً . أي يعرضون عنك، وذكر المصدر للتأكيد
والمبالغة كأنه قيل : صدوداً أي صدود .
قوله تعالى ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا
إلا إحساناً وتوفيقاً أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً
بليغاً ﴾ .
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين : الأول : أن قوله
( فيكف إذا أصابتهم معصيبة بما قدمت أيديهم ) كلام وقع في البين ، وما قبل هذه الآية
متصل بما بعدها هكذا : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين
يصدون عنك صدوداً ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً ) يعني أنهم في أول
الأمر يصدون عنك أشد الصدود ، ثم بعد ذلك يجيئونك ويحلفون بالله كذباً على أنهم ما
أرادوا بذلك الصد إلا الاحسان والتوفيق ، وعلى هذا التقدير يكون النظم متصلاً، وتلك
الآية وقعت في البين كالكلام الأجنبي ، وهذا يسمى اعتراضاً ، وهو كقول الشاعر :
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبلغتها
الثمانين
إن
فقوله : وبلغتها ، كلام أجنبي وقع في البين ، إلا أن هذا الكلام الأجنبي شرطه أن
يكون له من بعض الوجوه تعلق بذلك المقصود كما فى هذا البيت ، فإن قوله : بلغتها دعاء
للمخاطب وتلطف في القول معه ، والآية أيضاً كذلك، لأن أول الآية وآخرها في شرح قبائح
المنافقين وفضائحهم وأنواع كيدهم ومكرهم ، فإن الآية أخبرت بأنه تعالى حكى عنهم في أول
الآية أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت مع أنهم أمروا بالكفر به ، ويصدون عن الرسول مع
أنهم أمروا بطاعته ، فذكر بعد هذا ما يدل على شدة الأحوال عليهم بسبب هذه الأعمال السيئة
في الدنيا والآخرة فقال ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) أي فكيف حال تلك
( فخر الرازي ج.١ م ١١

١٦٢
قوله تعالى ((فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم)) الآية
سورة النّساء
الشدة وحال تلك المصيبة ، فهذا تقرير هذا القول ، وهو قول الحسن البصري ، واختيار
الواحدي من المتأخرين .
الوجه الثاني ﴾ أنه كلام متصل بما قبله، وتقريره أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية
المتقدمة أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويفرون من الرسول عليه الصلاة والسلام أشد
الفرار دل ذلك على شدة نفرتهم من الحضور عند الرسول والقرب منه ، فلما ذكر ذلك قال
( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) يعني إذا كانت نفرتهم من الحضور عند
الرسول في أوقات السلامة هكذا ، فكيف يكون حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية
خافوا بسببها منك ، ثم جاؤك شاؤًا أم أبوا ويحلفون بالله على سبيل الكذب: أنا ما أردنا بتلك
الجناية إلا الخير والمصلحة ، والغرض من هذا الكلام بيان أن ما في قلبهم من النفرة عن
الرسول لا غاية له ، سواء غابوا أم حضروا ، وسواء بعدوا أم قربوا ، ثم أنه تعالى أكد هذا
المعنى بقوله ( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) والمعنى أن من أراد المبالغة في شيء قال :
هذا شيء لا يعلمه إلا الله ، يعني إنه لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا الله تعالى ، ثم
لما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام شدة بغضهم ونهاية عداوتهم ونفرتهم أعلمه أنه کیف
يعاملهم فقال ( فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في انفسهم قولاً بليغاً) وهذا الكلام على ما
قررناه منتظم حسن الاتساق لا حاجة فيه إلى شيء من الحذف والاضمار ، ومن طالع كتب
التفسير علم ان المتقدمين والمتأخرين كيف اضطربوا فيه والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ ذكروا في تفسير قوله ( أصابتهم مصيبة) وجوهاً: الأول : أن
المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام ، فهم جاؤا
إلى النبي عليه الصلاة والسلام فطالبوا عمر بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير
الرسول إلا المصلحة ، وهذا اختيار الزجاج . الثاني : قال أبو علي الجبائي : المراد من هذه
المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ،
وإنه يخصهم بمزيد الاذلال والطرد عن حضرته وهو قوله تعالى ( لئن لم ينته المنافقون والذين
في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما
ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً) وقوله ( قل لن تخرجوا معي أبداً) وبالجملة فأمثال هذه الآيات
توجب لهم الذل العظيم ، فكانت معدودة في مصائبهم، وإنما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم ،
وعنى بقوله ( ثم جاؤك ) أي وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون أنا ما أردنا بما كان منا من
مداراة الكفار الا الصلاح ، وكانوا في ذلك كاذبين لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروه ، ولم
يريدوا بذلك الاحسان الذي هو الصلاح . الثالث : قال أبو مسلم الأصفهاني : إنه تعالى لما

١٦٣
قوله تعالى ((فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم)) الآية . سورة النّساء
أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول ، بشر الرسول لو أنه
ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه ، وإلى أن يظهروا له الإيمان به وإلى أن يحلفوا بأن مرادهم
الاحسان والتوفيق . قال : ومن عادة العرب عند التبشير والانذار أن يقولوا كيف أنت إذا كان
كذا وكذا ، ومثاله قوله تعالى ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) وقوله ( فكيف إذا جمعناهم
ليوم ولا ريب فيه ) ثم أمره تعالى إذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ويعظهم .
المسألة الثالثة﴾ في تفسير الاحسان والتوفيق وجوه : الأول : معناه ما أردنا
بالتحاكم إلى غير الرسول مح له إلا الاحسان إلى خصومنا واستدامة الاتفاق والائتلاف فيما بيننا،
وإنما كان التحاكم إلى غير الرسول إحساناً إلى الخصوم لأنهم لو كانوا عند الرسول لما قدروا على
رفع صوت عند تقرير كلامهم ، ولما قدروا على التمرد من حكمه ، فإذن كان التحاكم إلى غير
الرسول إحساناً إلى الخصوم . الثاني : أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أنه
يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه ، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما
حكم به الرسول . الثالث : أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك
لا تحكم إلا بالحق المر، وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالاحسان إلى
الآخر ، وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة .
ثم قال تعالى ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم﴾ والمعنى أنه لا يعلم ما في قلوبهم
من النفاق والغيظ والعداوة إلا الله .
ثم قال تعالى ﴿فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً﴾ واعلم أنه تعالى أمر
رسوله # أن يعاملهم بثلاثة أشياء: الأول: قوله ( فأعرض عنهم) وهذا يفيد أمرين
أحدهما : أن لا يقبل منهم ذلك العذر ولا يغتر به ، فإن من لا يقبل عذر غيره ويستمر على
سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه . والثاني : أن هذا يجري مجرى أن يقول
له : اكتف بالاعراض عنهم ولا تهتك سترهم ، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في
بواطنهم ، فإن من هتك ستر عدوه وأظهر له كونه عالماً بما في قلبه فربما يجرئه ذلك على أن لا
يبالي باظهار العداوة فيزداد الشر، ولكن إذا تركه على حاله بقي في خوف ووجل فيقل الشر.
النوع الثاني﴾ قوله تعالى (وعظهم) والمراد أنه يزجرهم عن النفاق والمكر والكيد
والحسد والكذب ويخوفهم بعقاب الآخرة ، كما قال تعالى ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة ) .
النوع الثالث﴾ قوله تعالى (وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ) وفيه مسألتان :

١٦٤
قوله تعالى ((وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله)) الآية سورة النّساء
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لُبُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ
المسألة الأولى﴾ في قوله (في أنفسهم ) وجوه: الأول : أن في الآية تقديماً وتأخيراً،
والتقدير : وقل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه
الخوف استشعاراً . الثاني : أن يكون التقدير: وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم
المطوية على النفاق قولاً بليغاً ، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه ، فطهروا
قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ .
الثالث : قل لهم في أنفسهم خالياً بهم ليس غيرهم على سبيل السر، لأن النصيحة على الملأ
تقريع وفي السر محض المنفعة .
﴿ المسألة الثانية ﴾ في الآية قولان: أحدهما : أن المراد بالوعظ التخويف بعقاب
الآخرة ، والمراد بالقول البليغ التخويف بعقاب الدنيا ، وهو أن يقول لهم : إن ما في قلوبكم
من النفاق والكيد معلوم عند الله ، ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار ، وإنما رفع الله السيف
عنكم لأنكم أظهرتهم الايمان ، فان واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر للكل بقاؤكم على
الكفر ، وحينئذ يلزمكم السيف. الثاني: أن القول البليغ صفة للوعظ ، فأمر تعالى بالوعظ ،
ثم أمر أن يكون ذلك الوعظ بالقول البليغ ، وهو أن يكون كلاماً بليغاً طويلاً حسن الألفاظ
أحسن المعاني مشتملاً على الترغيب والترهيب والاحذار والانذار والثواب والعقاب ، فإن
الكلام إذا كان هكذا عظم وقعه في القلب ، وإذا كان مختصراً ركيك اللفظ قليل المعنى لم يؤثر
البتة في القلب .
وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله
قوله تعالى
واعلم أنه تعالى أمر بطاعة الرسول في قوله ( وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ) ثم
حكى ان بعضهم تحاكم إلى الطاغوت ولم يتحاكم إلى الرسول ، وبين قبح طريقه وفساد
منهجه ، رغب في هذه الآية مرة أخرى في طاعة الرسول فقال ( وما أرسلنا من رسول إلا
ليطاع بإذن الله ) وفي الآية مسائل .
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الزجاج كلمة ((من)) ههنا صلة زائدة، والتقدير: وما أرسلنا
رسولاً ، ويمكن أن يكون التقدير : وما أرسلنا من هذا الجنس أحداً إلا كذا وكذا ، وعلى هذا
التقدير تكون المبالغة أتم .
المسألة الثانية ﴾ قال أبو علي الجبائي : معنى الآية. وما أرسلت من رسول إلا وأنا

قوله تعالى ((وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله)) الآية سورة النساء ١٦٥
مريد أن يطاع ويصدق ولم أرسله ليعصي . قال : وهذا يدل لى بطلان مذهب المجبرة لأنهم
يقولون : إنه تعالى أرسل رسلاً لتعصي ، والعاصي من المعلوم أنه يبقى على الكفر ، وقد نص
الله على كذبهم في هذه الآية ، فلولم يكن في القرآن ما يدل على بطلان قولهم إلا هذه الآية
لكفى ، وكان يجب على قولهم أن يكون قد أرسل الرسل ليطاعوا وليعصوا جميعاً ، فدل ذلك
على أن معصيتهم للرسل غير مرادة الله ، وأنه تعالى ما أراد إلا أن يطاع .
واعلم أن هذا الاستدلال في غاية الضعف وبيانه من وجوه : الأول : أن قوله ( إلا
ليطاع ) يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه مطيع واحد في وقت واحد ، وليس من شرط تحقق
مفهومه أن يطيعه جميع الناس في جميع الأوقات ، وعلى هذا التقدير فنحن نقول بموجبه ، وهو
أن كل من أرسله الله تعالى فقد أطاعه بعض الناس في بعض الأوقات ، اللهم إلا أن يقال :
تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه ، إلا أن الجبائي لا يقول بذلك ، فسقط
هذا الاشكال على جميع التقديرات . الثاني : لم لا يجوز أن يكون المراد به أن كل كافر فإنه لا
بد وأن يقر به عند موته ، كما قال تعالى ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ) أو
يحمل ذلك على إيمان الكل به يوم القيامة ، ومن المعلوم أن الوصف في جانب الثبوت يكفي في
حصول مسماه ثبوته في بعض الصور وفي بعض الأحوال . الثالث : أن العلم بعدم الطاعة
وجود الطاعة متضادان ، والضدان لا يجتمعان ، وذلك العلم ممتنع العدم ، فكانت الطاعة
ممتنعة الوجود ، والله عالم بجميع المعلومات ، فكان عالما بكون الطاعة ممتنعة الوجود ،
والعالم بكون الشيء ممتنع الوجود لا يكون مريداً له ، فثبت بهدا البرهان القاطع أن يستحيل
أن يريد الله من الكافر كونه مطيعاً ، فوجب تأويل هذه اللفظة وهو أن يكون المراد من الكلام
ليس الارادة بل الأمر ، والتقدير : وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته ، وعلى هذا
التقدير سقط الاشكال .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال أصحابنا : الآية دالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر
والكفر والإيمان والطاعة والعصيان إلا بارادة الله تعالى ، والدليل عليه قوله تعالى ( إلا ليطاع
بإذن الله) ولا يمكن أن يكون المراد من هذا الاذن الأمر والتكليف، لأنه لا معنى لكونه رسولا
إلا أن الله أمربطاعته، فلو كان المراد من الاذن هو هذا لصار تقدير الآية: وما أذنا في طاعة من
أرسلناه إلا بإذننا وهو تكرار قبيح ، فوجب حمل الاذن على التوفيق والاعانة . وعلى هذا الوجه
فيصير تقدير الآية : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بتوفيقنا وإعانتنا ، وهذا تصريح بأنه
سبحانه ما أراد من الكل طاعة الرسول ، بل لا يريد ذلك إلا من الذي وفقه الله لذلك وأعانه
عليه وهم المؤمنون . وأما المحرومون من التوفيق والإعانة فالله تعالى ما أراد ذلك منهم ،

١٦٦
قوله تعالى ((ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك)) الاية
سورة النِّساء
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُ وكَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ
تَوَّابًا رَّحِيمًا
٦٤
فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا .
المسألة الرابعة ﴾ الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعاً في تلك
الشريعة ومتبوعاً فيها ، إذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع من كان قبله لم يكن هو في الحقيقة
مطاعاً ، بل كان المطاع هو الرسول المتقدم الذي هو الواضع لتلك الشريعة ، والله تعالى حكم
على كل رسول بأنه مطاع .
المسألة الخامسة﴾ الآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي
والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقاً ، فلو أتوا بمعصية لوجب علينا الاقتداء بهم في
تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا ، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا ،
فيلزم توارد الايجاب والتحريم على الشيء الواحد وإنه محال .
فإن قيل : ألستم في الاعتراض على كلام الجبائي ذكرتم أن قوله ( إلا ليطاع ) لا يفيد
العموم ، فكيف تمسكتم به في هذه المسألة مع أن هذا الاستدلال لا يتم إلا مع القول بأنها
تفيد العموم .
قلنا : ظاهر اللفظ يوهم العموم ، وإنما تركنا العموم في تلك المسألة للدليل العقلي
القاطع الذي ذكرناه على أنه يستحيل منه تعالى أن يريد الايمان من الكافر ، فلأجل ذلك
المعارض القاطع صرفنا الظاهر عن العموم ، وليس في هذه المسألة برهان قاطع عقلي يوجب
القدح في عصمة الأنبياء فظهر الفرق .
قوله تعالى ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا
الله تواباً رحياً ﴾ .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ في سبب النزول وجهان: الأول: المراد به من تقدم ذكره من
المنافقين ، يعني لو أنهم عندما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت والفرار من التحاكم إلى
الرسول جاؤا الرسول وأظهروا الندم على ما فعلوه ، وتابوا عنه واستغفروا منه واستغفر لهم

١٦٧
سورة النِّساء
قوله تعالى «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك)» الآية
فَلَا وَبِّكَ لَ يُؤْمِنُونَ خَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَ تَ بَنْهُمْ ثُمَ لَ يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِمْ حَرَجًا
الرسول بأن يسأل الله أن يغفرها لهم عند توبتهم لوجدوا الله تواباً رحيماً . الثاني : قال أبو بكر
الأصم : إن قوماً من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق الرسول وَّر ، ثم دخلوا عليه لأجل
ذلك الغرض فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره به، فقال ◌َله: إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا
ينالونه ، فليقوموا وليستغفروا الله حتى استغفر لهم فلم يقوموا ، فقال : ألا تقومون ، فلم
يفعلوا فقال ◌َّير: قم يا فلان قم يا فلان حتى عد اثني عشر رجلاً منهم ، فقاموا وقالوا : كنا
عزمنا على ما قلت ، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا ، فقال : الآن أخرجوا
أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار: وكان الله أقرب إلى الإِجابة أخرجوا عني .
المسألة الثانية ﴾ لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح
لكانت توبتهم مقبولة ، فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى إستغفارهم ؟
قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم
الله ، وكان أيضاً إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخالاً للغم في قلبه ، ومن كان ذنبه
كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره ، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من
الرسول أن يستغفر لهم . الثاني : أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك
التمرد ، فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد ، وما ذاك إلا بأن يذهبوا
إلى الرسول ◌َّيه ويطلبوا منه الاستغفار . الثالث : لعلهم إذا تابوا بالتوبة أتوا بها على وجه
الخلل ، فإذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ إنما قال (واستغفر لهم الرسول) ولم يقل واستغفرت لهم إجلالاً
للرسول عليه الصلاة والسلام ، وأنهم إذا جاؤه فقد جاؤا من خصه الله برسالته وأكرمه بوحيه
وجعله سفيراً بينه وبين خلقه ، ومن كان كذلك فإن الله لا يرد شفاعته ، فكانت الفائدة في
العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة ما ذكرناه .
﴿ المسألة الرابعة﴾ الآية دالة على الجزم بأن الله تعالى يقبل توبة التائب، لأنه تعالى لما
ذكر عنهم الاستغفار قال بعده ( لوجدوا الله تواباً رحيماً) وهذا الجواب إنما ينطلق على ذلك
الكلام إذا كان المراد من قوله ( تواباً رحيماً) هو أن يقبل توبتهم ويرحم تضرعهم ولا يرد
استغفارهم .
قوله تعالى ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم

١٦٨
قوله تعالى ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك )) الآية
سورة النِّساء
مَّا قَضَبْتَ وَيُسَلُّواْ تَسْلِمًا
٦٥
حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ﴾ ..
فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما : وهو قول عطاء ومجاهد
والشعبي : أن هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق ، فهذه الآية متصلة بما قبلها ، وهذا
القول هو المختار عندي . والثاني : أنها مستأنفة نازلة في قصة أخرى ، وهو ما روى عن
عروة بن الزبير أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في ماء يسقي به النخل ، فقال محدثة للزبير
((اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك)) فقال الأنصاري: لأجل أنه ابن عمتك ،
فتلون وجه رسول الله له ثم قال للزبير ((اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر)).
واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء
وحقه تمام السقي ، فالرسول أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة ، فلما أساء خصمه
الأدب ولم يعرف حق ما أمر به الرسول مح ليه من المسامحة لأجله أمره النبي عليه الصلاة والسلام
باستيفاء حقه على سبيل التمام ، وحمل خصمه على مر الحق .
المسألة الثانية﴾ ((لا)) في قوله (فلا وربك) فيه قولان : الأول : معناه فوربك ،
كقوله (فوربك لنسألنهم أجمعين) و(( لا)) مزيدة لتأكيد معنى القسم ، كما زيدت في ( لئلا
يعلم ) لتأكيد وجوب العلم و( لا يؤمنون ) جواب القسم . والثاني : أنها مفيدة ، وعلى هذا
التقدير ذكر الواحدي فيه وجهين : الأول : أنه يفيد نفي أمر سبق ، والتقدير : ليس الأمر كما
يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ، ثم استأنف القسم بقوله ( فوربك لا يؤمنون حتى
يحكموك ) والثاني : أنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد ، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي
آخره كان أوكد وأحسن .
المسألة الثالثة ﴾ يقال شجر يشجر شجوراً وشجراً إذا اختلف واختلط ، وشاجره إذا
نازعه وذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض عند المنازعة ، ومنه لخشبات الهودج شجار ،
لتداخل بعضها في بعض . قال أبو مسلم الأصفهاني : وهو مأخوذ عندي من التفات الشجر ،
فإن الشجر يتداخل بعض أغصانه في بغض، وأما الحرج فهو الضيف . قال الواحدي : يقال
الشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه : حرج ، وجمعه حراج ، وأما التسليهم فهو تفعيل يقال :

١٦٩
سورة النِّساء
قوله تعالى ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك)) الآية .
سلم فلان أي عوفي ولم ينشب به نائبة ، وسلم هذا الشيء لفلان ، أي خلص له من غير
منازع ، فإذا ثقلته بالتشديد فقلت : سلم له فمعناه أنه سلمه وخلصه له ، هذا هو
الأصل في اللغة ، وجميع استعمالات التسليم راجع إلى الأصل فقولهم : سلم عليه ، أي دعا
له بأن يسلم ، وسلم إليه الوديعة ، أي دفعها إليه بلا منازعة ، وسلم إليه أي رضي بحكمه ،
وسلم إلى فلان في كذا ، أي ترك منازعته فيه ، وسلم إلى الله أمره أي فوض إليه حكم
نفسه ، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثراً ولا شركة ، وعلم أن المؤثر الصانع هو الله تعالى
وحده لا شريك له .
﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم أن قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون) قسم من الله تعالى على
انهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط: أولها : قوله تعالى ( حتى
يحكموك فيما شجر بينهم) وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمناً .
واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بارشاد النبي
المعصوم قال : لأن قوله ( لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) تصريح بأنه لا يحصل لهم
الإيمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه ، ونرى أهل
العلم مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى ، فمن معطل ومن مشبه ، ومن قدري ومن
جبري ، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الايمان إلا بحكمه وارشاده وهدايته ، وحققوا
ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بادراك هذه الحقائق ، وعقل النبي المعصوم
كامل مشرق ، فاذا اتصل اشراق نوره بعقول الأمة قويت عقولهم وانقلبت من النقص إلى
الكمال ، ومن الضعف إلى القوة ، فقدروا عند ذلك على معرفة هذه الأسرار الالهية . والذي
يؤكد ذلك أن الذين كانوا في زمان الرسول م لو كانوا جازمين متيقنين كاملي الايمان والمعرفة ،
والذين بعدوا عنه اضطربوا واختلفوا ، وهذه المذاهب ما تولدت إلا بعد زمان الصحابة
والتابعين ، فثبت أن الأمر كما ذكرنا ، والتمسك بهذه الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم
الشهرستاني ، فيقال له : فهذا الاستدلال الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك . فإذا كان
عقول الأكثرين ناقصة فلعلك ذكرت هذا الأستدلال لنقصان عقلك ، وإذا كان هذا الاحتمال
قائماً وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به ، ولأن معرفة النبوة
موقوفة على معرفة الاله ، فلو توقفت معرفة الاله على معرفة النبوة لزم الدور، وهو محال .
﴿ الشرط الثاني﴾ قوله ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ) قال الزجاج : لا
تضيق صدورهم من أفضيتك .

١٧٠
قوله تعالى ((ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت) الآية
سورة النّساء
واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضياً به في الظاهر
دون القلب فبين في هذه الآية انه لا بد من حصول الرضا به في القلب ، واعلم أن ميل القلب
ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك ، بل المراد منه أن يحصل الجزم
واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق.
الشرط الثالث﴾ قوله تعالى (ويسلموا تسليماً) واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك
الحكم حقاً وصدقاً قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول . فبين تعالى
أنه كما لا بد في الايمان من حصول ذلك اليقين في القلب. فلا بد أيضاً من التسليم معه في
الظاهر ، فقوله ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ) المراد به الانقياد في الباطن ، وقوله
(ويسلموا تسليماً) المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم .
﴿ المسألة الخامسة﴾ دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن
الخطأ في الفتوى وفي الأحكام ، لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الايجاب
وبين أنه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب ، وذلك ينفي صدور الخطأ
عنهم ، فهذا يدل على أن قوله ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) وأن فتواه في أسارى بدر ، وأن
قوله ( لم تحرم ما أحل الله لك ) وأن قوله ( عبس وتولى ) كل ذلك محمول على الوجوه التي
لخصناها في هذا الكتاب .
﴿ المسألة السادسة﴾ من الفقهاء من تمسك بقوله تعالى ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً
مما قضيت ) على أن ظاهر هذا الأمر للوجوب ، وهو ضعيف لأن القضاء هو الالزام ، ولا نزاع
فى أنه للوجوب .
المسألة السابعة ﴾ ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس ، لأنه
يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الاطلاق ، وانه لا يجوز العدول عنه إلى غيره ، ومثل
هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء في التكاليف ، وذلك يوجب تقديم عموم
القرآن والخبر على حكم القياس ، وقوله ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ) مشعر
بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في
النفس ، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ، ويسلم النص
تسليماً كلياً ، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف .
المسألة الثامنة ﴾ قالت المعتزلة : لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء الله تعالى لزم

قوله تعالى ((ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم)) الآية سورة النِّساء ١٧١
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ أَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ أَنْحُجُواْ مِن دِيَِلُ مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِلٌ مِنْهُمْ
وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَلْبِينًا (8) وَ إِذَا لَيْنَهُم مِّنْ
لَّدُنَّا أَبْرًا عَظِيمًا ﴾ وَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
١٨
+
التناقض ، وذلك لأن الرسول إذا قضى على إنسان بأنه ليس له أن يفعل الفلاني وجب على
جميع المكلفين الرضا بذلك لأنه قضاء الرسول . والرضا بقضاء الرسول واجب لدلالة هذه
الآية ، ثم لو أن ذلك الرجل فعل ذلك الفعل على خلاف فتوى الرسول ، فلو كانت المعاصي
بقضاء الله لكان ذلك الفعل بقضاء الله، والرضا بقضاء الله واجب ، فيلزم أن يجب على
المكلفين الرضا بذلك الفعل . لأنه قضاء الله، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك معاً ،
وذلك محال .
والجواب : أن المراد من قضاء الرسول الفتوى المشروعة ، والمراد من قضاء الله التكوين
والايجاد، وهما مفهومان متغايران ، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التناقض .
قوله تعالى ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل
منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً
ولهديناهم صراطاً مستقيماً﴾ .
اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الأخلاص وترك النفاق
. والمعنى انا لو شددئا التكيف عل الناس ، نحو أن نأمرهم بالتقتل والخروج عن الأوطان لصعب
. ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلوم ، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم ، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا
على عبادنا بل اكتفينا بتكليمهم في الأمور السهلة ، فليقبلوها بالأخلاص وليتركوا التمرد والعناد
حتى ينالوا خير الدارين ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي ( أن اقتلوا أنفسكم أو
اخرجوا من دياركم) بضم النون في ((أن)) وضم واو ((أو)) والسبب فيه نقل ضمة ((اقتلوا))
وضمة ((احرجوا)) إليهما ، وقرأ عاصم وحمزة بالكسر فيهما لالتقاء الساكنين ، وقرأ أبو عمرو
بكسر النون وضم الواو، وقال الزجاج : ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين
خاصية إلا أن يكون رواية . وقال غيره : أما كسر النون فلأن الكسر هو الأصل لالتقاء
الساكنين ، وأما ضم الواو فلأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير . واتفق
الجمهور على الضم في واو الضمير نحو ( اشتروا الضلالة ) ( ولا تنسوا الفضل ).

١٧٢
قوله تعالى ((ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم)) الآية سورة النِّساء
المسألة الثانية﴾ الكناية في قوله ( ما فعلوه ) عائدة إلى القتل والخروج معاً، وذلك
لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه ، واختلف القراء في قوله ( إلا قليل ) فقرأ ابن
عامر ( قليلاً ) بالنصب ، وكذا هو في مصاحف أهل الشام ومصحف أنس بن مالك ،
والباقون بالرفع ، أما من نصب فقاس النفي على الاثبات ، فإن قولك : ما جاءني أحد كلام
تام ، كما أن قولك : جاء ني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوباً في الاثبات فكذا مع
النفي ، والجامع كون المستثنى فضله جاءت بعد تمام الكلام ، وأما من رفع فالسبب أنه جعله
بدلا من الواو في ( فعلوه) وكذلك كل مستثنى من منفى ، كقولك : ما أتاني أحد إلا زيد ،
برفع زيد على البدل من أحد ، فيحمل إعراب ما بعد ((إلا )) على ما قبلها . وكذلك في
النصب والجر، كقولك : ما رأيت أحداً إلا زيداً، وما مررت بأحد إلا زيد. قال أبو علي
الفارسي : الرفع أقيس ، فإن معنى ما أتى أحد إلا زيد ، وما أتاني إلا زيد واحد ، فكما
اتفقوا في قولهم ما أتاني إلا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم : ما أتاني أحد إلا زيد
بمنزلته .
﴿ المسألة الثالثة﴾ الضمير في قوله (ولو أنا كتبنا عليهم ) فيه قولان : الأول : وهو
قول ابن عباس ومجاهد انه عائد إلى المنافقين ، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا
أنفسهم ، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم ، فقال تعالى: ولو أنا كتبنا القتل
والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل رياء وسمعة ، وحينئذ يصعب الأمر
عليهم وينكشف كفرهم ، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق
وليقبلوا الإيمان على سبيل الاخلاص ، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال .
الثاني : أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم ، وعلى هذا التقدير
دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق ، وأما الضمير في قوله ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به )
فهو مختص بالمنافقين ، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاماً وآخرها خاصاً ، وعلى هذا التقدير
يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين ، روى أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهودياً ، فقال
اليهودي : أن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك ، وإن محمداً يأمركم بالقتال فتكرهونه ،
فقال : يا أنت لو أن محمداً أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك ، فنزلت هذه الآية . وروى أن
ابن مسعود قال مثل ذلك، فنزلت هذه الآية. وقال النبيعمَّه ((والذي نفسي بيده إن من أمتي
رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي )) وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه
قال : والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك .
المسألة الرابعة ﴾ قال أبو علي الجبائي : لما دلت هذه الآية على أنه تعالى لم يكلفهم

١٧٣
سورة النِّساء
قوله تعالى ((إذا لآتيناهم من لدنا إجراً عظيماً)) الآية
ما يغلظ ويثقل عليهم ، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان أولى ، فيقال له : هذا لازم عليك
لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة ، لأنه لو كلفهم بها لما
فعلوها ، ولو لم يفعلوها لوقعوا في العذاب ، ثم إنه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم
لا يؤمنون ، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم ، ومع ذلك فإنه تعالى
كلفهم ، فكل ما تجعله جواباً عن هذا فهو هو جوابنا عما ذكرت .
ثم قال تعالى ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً وإذاً لآتيناهم من
لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم صراطاً مستقيماً﴾ .
اعلم أن المراد من قوله ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) أنهم لو فعلوا ما كلفوا به
وأمروا به ، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظاً لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد
والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والثواب والعقاب ، وما كان كذلك فإنه يسمى وعظاً ، ثم
إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع .
فالنوع الأول﴾ قوله ( لكان خيراً لهم ) فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير
الدنيا والآخرة ، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح ، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل
من غيره، لأن قولنا ((خير)) يستعمل على الوجهين جميعاً .
﴿ النوع الثاني) قوله (وأشد تثبيتاً) وفيه وجوه: الأول: أن المراد أن هذا أقرب إلى
ثباتهم عليه واستمرارهم ، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها ، والواقع منها في وقت يدعو إلى
المواظبة عليه . الثاني : أن يكون أثبت وأبقى لأن حق والحق ثابت باق ، والباطل زائل .
الثالث : أن الانسان يطلب أولاً تحصيل الخير ، فإذا حصله فإنه يطلب أن يصير ذلك
الحاصل باقياً ثابتاً ، فقوله ( لكان خيراً لهم ) إشارة إلى الحالة الأولى ، وقوله ( وأشد تثبيتاً )
إشارة إلى الحالة الثانية .
النوع الثالث ﴾ قوله تعالى (وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً).
واغلم أنه تعالى لما بين أن هذا الاخلاص في الايمان خير مما يريدونه من النفاق وأكثر
ثباتاً وبقاء ، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضاً مستعقب الخيرات العظيمة وهو الأجر
العظيم والثواب العظيم. قال صاحب الكشاف: و((إذاً)) جواب السؤال مقدر ، كأنه قيل :
ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت . فقيل : هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً ، كقوله
( ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ) .

١٧٤
قوله تعالى ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم » الآية
سورة النِّساء
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ فَمَعَ الَّيْنَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النِّنَ وَالصِّدِِّقِينَ
وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسْنَ أَوْلِكَ رَفِيقًا
ذَالِكَ اٌلْفَضْلَ مِنَ اللَّهِ وَكَفَ
باللّهِ عَلِيمًا
٧٠
وأقول : إنه تعالى جمع في هذه الآية قرائن كثيرة ، كل واحدة منها تدل على عظم هذا
الأجر. أحدها : أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله ( آتيناه ) وقوله ( من لدنا ) والمعطى
الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك
العطية ، وثانيها : قوله ( من لدنا) وهذا التخصيص يدل على المبالغة ، كما في قوله
( وعلمناه من لدنا علماً) وثالثها : أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي
وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة ، وكيف لا يكون عظيماً ، وقد
قال عليه الصلاة والسلام ((فيها مالاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)).
النوع الرابع ﴾ قوله (ولهديناهم صراطاً مستقيماً) وفيه قولان : أحدهما : أن الصراط
المستقيم هو الدين الحق ، ونظيره قوله تعالى ( وانك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله )
والثاني : أنه الصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة ، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر
الثواب والأجر ، والدين الحق مقدم على الثواب والأجر، والصراط الذي هو الطريق من
عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج إليه بعد استحقاق الأجر ، فكان حمل لفظ الصراط في هذا
الموضع على هذا المعنى أولى .
قوله تعالى ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ذلك الفضل من الله وكفى بالله علياً ﴾.
اعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الله وطاعة الرسول بقوله ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول ) ثم زيف طريقة الذين تحاكموا إلى الطاغوت وصدوا عن الرسول ، ثم أعاد
الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى فقال ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) ثم رغب
في تلك الطاعة بقوله ( لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم
صراطاً مستقيماً) أكد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول في هذه الآية مرة أخرى فقال ( ومن يطع
الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ) إلى آخر الآية ،

١٧٥
قوله تعالى ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم)) الآية سورة النّساء
وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ ذكروا في سبب النزول وجوهاً: الأول: روى جمع من المفسرين
أن ثوبان مولى رسول الله # كان شديد الحب لرسول الله مثل قليل الصبر عنه، فأتاه يوماً وقد
تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه، فسأله رسول الله مثل عن حاله ، فقال يا
رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى
ألقاك ، فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك ، لأني إن أدخلت الجنة فأنت تكون في
درجات النبيين وأنا في درجة العبيد فلا أراك ، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبداً،
فنزلت هذه الآية . الثاني : قال السدي : إن ناساً من الأنصار قالوا يا رسول الله إنك تسكن
الجنة في أعلاها ، ونحن نشتاق إليك . فكيف نصنع ؟ فنزلت الآية . الثالث : قال مقاتل :
نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي وهله: يا رسول الله إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا
إليك ، فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة ، فكيف لنا برؤيتك إن
دخلنا الجنة ؟ فأنزل الله هذه الآية ، فلما توفي النبي # أتى الأنصار ولده وهو في حديقة له
فأخبره بموت النبي ◌َّر، فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده إلى أن ألقاه ، فعمي
مكانه ، فكان يحب النبي حباً شديداً فجعله الله معه في الجنة . الرابع : قال الحسن : ان
المؤمنين قالوا للنبي عليه السلام : ما لنا منك إلا الدنيا ، فإذا كانت الآخرة رفعت في الأولى
فحزن النبي ◌ُّ وحزنوا. فنزلت هذه الآية . قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات إلا
أن سبب نزول الآية يجب أن يكون شيئاً أعظم من ذلك ، وهو البعث على الطاعة والترغيب
فيها ، فانك تعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ ، فهذه الآية عامة في حق جميع
المكلفين ، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب
الشريفة عند الله تعالى .
﴿ المسألة الثانية﴾ ظاهر قوله (ومن يطع الله والرسول) يوجب الاكتفاء بالطاعة
الواحدة لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل به في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى
مرة واحدة . قال القاضي : لا بد من حمل هذا على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل
المأمورات وترك جميع المنهيات ، إذلو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار ،
لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة . وعندي فيه وجه آخر ، وهو أنه ثبت في أصول الفقه أن
الحكم المذكور عقيب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، إذا ثبت هذا
فنقول : قوله ( ومن يطع الله) أي ومن يطع الله في كونه إلهاً، وطاعة الله في كونه إلهاً هو
معرفته والاقرار بجلاله وعزته وكبريائه ، وصمديته ، فصارت هذه الآية تنبيهاً على أمرين

١٧٦
قوله تعالى ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم )) الآية
سورة النِّساء
عظيمين من أحوال المعاد ، فالأول : هو أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح
بأنوار معرفة الله ، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى ، وبعدها عن
التكدر بمحبة عالم الأجسام أتم كان إلى السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل. والثاني :
انه تعالى ذكر في الآية المتقدمة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل والهداية إلى
الصراط المستقيم ، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين ، وهذا الذي وقع به الختم لا بد أن يكون أشرف وأعلى مما
قبله ، ومعلوم أنه ليس المراد من كون هؤلاء معهم هو أنهم يكونون في عين تلك الدرجات ،
لأن هذا ممتنع ، فلا بد وأن يكون معناه أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع
الأرواح الكاملة في الدنيا لسبب الحب الشديد ، فإذا فارقت هذا العالم ووصلت إلى عالم
الآخرة بقيت تلك العلائق الروحانية هناك ، ثم تصير تلك الأرواح الصافية كالمرايا المجلوة
المتقابلة ، فكأن هذه المرايا ينعكس الشعاع من بعضها على بعض ، وبسبب هذه الانعكاسات
تصير أنوارها في غاية القوة ، فكذا القول في تلك الأرواح فإنها لما كانت مجلوة بصقالة المجاهدة
عن غبار حب ما سوى الله ، وذلك هو المراد من طاعة الله وطاعة الرسول ، ثم ارتفعت
الحجب الجسدانية أشرقت عليها أنوار جلال الله ، ثم انعكست تلك الأنوار من بعضها إلى
بعض وصارت الأرواح الناقصة كاملة بسبب تلك العلائق الروحانية ، فهذا الاحتمال خطر
بالبال والله أعلم بأسرار كلامه .
المسألة الثالثة ﴾ ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين
والصديقين ، كون الكل في درجة واحدة ، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل
والمفضول ، وإنه لا يجوز. بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية
الآخر ، وإن بعد المكان ، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، وإذا أرادوا الزيارة
والتلاقي قدروا عليه ، فهذا هو المراد من هذه المعية .
المسألة الرابعة ﴾ اعلم أنه تعالى ذكر النبيين ، ثم ذكر أوصافاً ثلاثة : الصديقين
والشهداء والصالحين ، واتفقوا على أن النبيين مغايرون للصديقين والشهداء والصالحين ،.
فأما هذه الصفات الثلاثة فقد اختلفوا فيها ، قال بعضهم : هذه الصفات كلها لموصوف
واحد ، وهي صفات متداخلة فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أن يكون صديقاً وشهيداً
وصالحاً . وقال الآخرون : بل المراد بكل وصف صنف من الناس ، وهذا الوجه أقرب لأن
المعطوف يجب أن يكون مغايراً للمعطوف عليه ، وكما أن النبيين غير من ذكر بعدهم ،
فكذلك الصديقون يجب أن يكونوا غير من ذكر بعدهم وكذا القول في سائر الصفات ،

١٧٧
قوله تعالى ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم)) الآية. سورة النّاء
ولنبحث عن هذه الصفات الثلاث :
الصفة الأولى ﴾ الصديق : وهو اسم لمن عادته الصديق ، ومن غلب على عادته
فعل إذا وصف بذلك الفعل قيل فيه فعيل ، كما يقال : سكير وشريب وخمير ، والصديق صفة
كريمة فاضلة من صفات المؤمنين ، وكفى الصدق فضيلة أن الايمان ليس إلا التصديق ، وكفى
الكذب مذمة أن الكفر ليس إلا التكذيب .
إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين في الصديق وجوه : الأول أن كل من صدق بكل
الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق ، والدليل عليه قوله تعالى ( والذين آمنوا بالله ورسله
أولئك هم الصديقون ) الثاني : قال قوم : الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة
والسلام . الثالث : أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام
فصار في ذلك قدوة لسائر الناس ، وإذا كان الأمر كذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى
عنه أولى الخلق بهذا الوصف أما بيان انه سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فلأنه
قد اشتهرت الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال (( ما عرضت الاسلام على أحد
إلا وله نبوة غير أبي بكرفانه لم يتلعثم)) دل هذا الحديث على أنهمّ لما عرض الاسلام على أبي
بكر قبله أبو بكر ولم يتوقف. فلو قدرنا أن اسلامه تأخر عن إسلام غيره لزم أن يقال : ان
النبي ◌َّ قصر حيث أخر عرض الإسلام عليه ، وهذا لا يكون قدحاً في أبي بكر ، بل يكون
قدحاً في الرسول ◌َ لل وذلك كفر، ولما بطل نسبة هذا التقدير إلى الرسول علمنا أنه ◌َل# ما قصر
في عرض الاسلام عليه ، والحديث دل على أن أبا بكر لم يتوقف البتة ، فحصل من مجموع
الأمرين أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسبق الناس إسلاماً ، أما بيان أنه كان قدوة لسائر
الناس في ذلك فلأن بتقدير أن يقال : إن إسلام علي كا سابقاً على إسلام أبي بكر ، إلا أنه لا
يشك عاقل أن علياً ما صار قدوة في ذلك الوقت ، لأن علياً كان في ذلك الوقت صبياً صغيراً ،
وكان أيضاً في تربية الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان شديد القرب منه بالقرابة"، وأبو بكر
ما كان شديد القرب منه بالقرابة وإيمان من هذا شأنه يكون سبباً لرغبة سائر الناسى في
الإِسلام . وذلك لأنهم اتفقوا على أنه رضي الله تعالى عنه لما آمن جاء بعد ذلك بمدة قليلة بعثمان
بن عفان رضي الله عنه ، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون رضي الله
تعالى عنهم أجمعين حتى أسلموا ، فكان إسلامه سبباً لاقتداء هؤلاء الأكابر به ، فثبت
بمجموع ما ذكرنا أنه رضوان الله عليه كان أسبق الناس إسلاماً، وثبت أن إسلامه صار سبباً
الاقتداء أفاضل الصحابة في ذلك الإسلام ، فثبت أن أحق الأمة بهذه الصفة أبو بكر رضى الله
عنه . إذا عرفت هذا فنقول : هذا الذي ذكرناه يقتضي أنه كان أفضل الخلق بعد الرسول
فخر الرازي ج.١ م ١٢
.........- -----
.....- ..

١٧٨
قوله تعالى ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم)) الآية .
سورة النِّساء
وَل ، وبيانه من وجهين: الأول : أن إسلامه لما كان أسبق من غيره وجب أن يكون ثوابه
أكثر: لقوله عليه الصلاة والسلام ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم
القيامة)) الثاني : أنه بعد أن أسلم جاهد في الله وصار جهاده مفضياً إلى حصول الإِسلام
لأكابر الصحابة مثل عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي رضي
الله تعالى عنهم ، وجاهد علي يوم أحد ويوم الأحزاب في قتل الكفار ، ولكن جهاد أبي بكر
رضي الله عنه أفضى إلى حصول الإِسلام لمثل الذين هم أعيان الصحابة ، وجهاد علي أفضى
إلى قتل الكفار ، ولا شك أن الأول أفضل ، وأيضاً فأبو بكر جاهد في أول الإسلام حين كان
النبي ◌َّ في غاية الضعف، وعلى إنما جاهد يوم أحد ويوم الأحزاب، وكان الإِسلام قوياً في
هذه الأيام ، ومعلوم أن الجهاد وقت الضعف أفضل من الجهاد وقت القوة ، ولهذا المعنى قال
تعالى ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من
بعد وقاتلوا ) فبين أن نصرة الإسلام وقت ما كان ضعيفاً أعظم ثواباً من نصرته وقت ما كان
قوياً ، فثبت من مجموع ما ذكرنا أن أولى الناس بهذا الوصف هو الصديق ، فلهذا أجمع
المسلمون على تسليم هذا اللقب له إلا من لا يلتقت إليه فإنه ينكره ، ودل تفسير الصديق بما
ذكرناه على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف وهو كون الانسان
صديقاً ، وكما دل الدليل عليه فقد دل لفظ القرآن عليه ، فإنه أينما ذكر الصديق والنبي لم
يجعل بينهما واسطة ، فقال في وصف إسماعيل ( إنه كان صادق الوعد ) وفي صفة إدريس ( إنه
كان صديقاً نبياً ) وقال في هذه الآية ( مع النبيين والصديقين ) يعني إنك إن ترقيت من
الصديقية وصلت إلى النبوة ، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية ، ولا متوسط بينهما ،
وقال في آية أخرى ( والذي جاء بالصدق وصدق به ) فلم يجعل بينهما واسطة ، وكما دلت
هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة حتى جعلوا الامام
بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر على سبيل الاجماع ، ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه
إلى جنب رسول الله وَليل ، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه
الآية ، فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها .
الصفة الثانية﴾ الشهادة: والكلام في الشهداء قد مر في مواضع من هذا الكتاب ،
ولا بأس بأن نعيد البعض فنقول : لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الانسان مقتول
الكافر ، والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن هذه الآية دالة على أن مرتبة الشهادة مرتبة
عظيمة في الدين ، وكون الانسان مقتول الكافر ليس فيه زيادة شرف، لأن هذا القتل قد
يحصل في الفساق ومن لا منزله له عند الله . الثاني : أن المؤمنين قد يقولون : اللهم ارزقنا

١٧٩
قوله تعالى ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم)) الآية سورة النّساء
الشهادة ، فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل
وإنه غير جائز ، لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر ، فكيف يجوز أن يطلب من الله
ما هو كفر، الثالث: روى أنه قال: المبطون شهيد والغريق شهيد، فعلمنا أن الشهادة
ليست عبارة عن التقل ، بل نقول : الشهيد فعيل بمعنى الفاعل ، وهو الذي يشهد بصحة دين
الله تعالى تارة بالحجة والبيان ، وأخرى بالسيف والسنان ، فالشهداء هم القائمون بالقسط ،
وهم الذين ذكرهم الله في قوله ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً
بالقسط) ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث أنه بذل نفسه في نصرة دين الله ،
وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل ، وإذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من
شهداء الله في الآخرة ، كما قال ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ) .
الصفة الثالثة﴾ الصالحون ؛ والصالح هو الذي يكون صالحاً في اعتقاده وفي
عمله ، فإن الجهل فساد في الاعتقاد ، والمعصية فساد في العمل ، وإذا عرفت تفسير الصديق
والشهيد والصالح ظهر لك ما بين هذه الصفات من التفاوت ، وذلك لأن كل من كان اعتقاده
صواباً وكان عمله طاعة وغير معصية فهو صالح ، ثم ان الصالح قد يكون بحيث يشهد
لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل ، وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل
وأخرى بالسيف ، وقد لا يكون الصالح موصوفاً بكونه قائماً بهذه الشهادة ، فثبت أن كل من
كان شهيداً كان صالحاً ، وليس كل من كان صالحاً شهيداً، فالشهيد أشرف أنواع الصالح ،
ثم إن الشهيد قد يكون صديقاً وقد لا يكون : ومعنى الصديق الذي كان أسبق إيماناً من
غيره ، وكان إيمانه قدوة لغيره ، فثبت أن كل من كان صديقاً كان شهيداً ، وليس كل من كان
شهيداً كان صديقاً ، فثبت أن أفضل الخلق هم الأنبياء عليهم السلام ، وبعدهم
الصديقون ، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة ، وبعدهم من ليس له إلا
محض درجة الصلاح . فالحاصل أن أكابر الملائكة يأخذون الدين الحق عن الله ، والأنبياء
يأخذون عن الملائكة ، كما قال ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده)
والصديقون يأخذونه عن الأنبياء . والشهداء يأخذونه عن الصديقين ، لأنا بينا أن الصديق هو
الذي يأخذ في المرة الأولى عن الأنبياء وصار قدوة لمن بعده ، والصالحون يأخذونه عن
الشهداء ، فهذا هو تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا أحد يدخل الجنة إلا
وهو داخل في بعض هذه النعوت والصفات .
ثم قال تعالى ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ وفيه مسائل:
﴿المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: فيه معنى التعجيب . كأنه قيل : ما أحسن

١٨٠
قوله تعالى ((ذلك الفضل من الله)) الآية
سورة النِّساء
أولئك رفيقاً .
﴿ المسألة الثانية﴾ الرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق. هذا
معناه في اللغة ثم الصاحب يسمى رفيقاً لارتفاق بعضهم ببعض.
المسألة الثالثة ﴾ قال الواحدي : إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع ، لأن الرفيق
والرسول والبريد تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع قال تعالى ( إنا رسول رب العالمين )
ولا يجوز أن يقال حسن أولئك رجلاً ، وبالجملة فهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة ،
أما إذا كان اسماً مصرحاً مثل رجل وامرأة لم يجز، وجوز الزجاج ذلك في الاسم أيضاً وزعم
أنه مذهب سيبويه ، وقيل : معنى قوله (وحسن أولئك رفيقا) أي حسن كل واحد منهم
رفيقاً ، كما قال ( يخرجكم طفلاً) .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ((رفيقاً)) نصب على التمييز، وقيل على الحال: أي حسن واحد
منهم رفيقاً .
﴿ المسألة الخامسة﴾ اعلم أنه تعالى بين فيمن أطاع الله ورسوله أنه يكون مع النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين ، ثم لم يكترث بذلك ، بل ذكر أنه يكون رفيقاً له ، وقد
ذكرنا أن الرفيق هو الذي يرتفق به في الحضر والسفر ، فبين أن هؤلاء المطيعين يرتفقون بهم ،
وإنما يرتقون بهم إذا نالوا منهم رفقاً وخيراً، ولقد ذكرنا مراراً كيفية هذا الارتفاق ، وأما على
حسب الظاهر فلأن الانسان قد يكون مع غيره ولا يكون رفيقاً له ، فأما إذا كان عظيم الشفقة
عظيم الاعتناء بشأنه كان رفيقاً له ، فبين تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين
يكونون له كالرفقاء من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك الفضل من الله ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ لا شك أن قوله تعالى (ذلك) إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من
وصف الثواب، فلما حكم على كل ذلك بأنه فضل من الله دل هذا على أن الثواب غير واجب
على الله ، ومما يدل عليه من جهة المعقول وجوه : الأول : القدرة على الطاعة إن كانت لا
تصلح إلا للطاعة ، فخالق تلك القدرة هو الذي أعطى الطاعة ، فلا يكون فعله موجباً عليه
شيئاً ، وإن كانت صالحة للمعصية أيضاً لم يترجح جانب الطاعة على جانب المعصية إلا بخلق
الداعي إلى الطاعة ، ويصير مجموع القدرة والداعي موجباً للفعل ، فخالق هذا المجموع هو
الذي أعطى الطاعة ، فلا يكون فعله موجباً عليه شيئاً . الثاني : نعم الله على العبد لا تحصى