النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ قوله تعالى ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات)) الآية سورة النِّساء هو التصديق ، وهذا بعيد لأن الأصل عدم الاشتراك وعدم التغير، ولولا أن الأمر كذلك لخرج القرآن عن كونه مفيداً . فلعل هذه الألفاظ التي نسمعها في القرآن يكون لكل واحد منها معنى سوى ما نعلمه ، ويكون مراد الله تعالى منه ذلك المعنى لا هذا الذي تبادرت أفهامنا إليه . هذا على القول بأن احتمال الاشتراك والأفراد على السوية ، وأما على القول بأن احتمال البقاء على الأصل واحتمال التغيير متساويان فلا ، لأن على هذا التقدير يحتمل أن يقال : هذه الألفاظ كانت في زمان الرسول ◌َ # موضوعة لمعنى آخر غير ما نفهمه الآن ، ثم تغيرت إلى هذا الذى نفهمه الآن . فثبت أن على هذين التقديرين يخرج القرآن عن كونه حجة ، وإذا ثبت أن الاشتراك والتغيير خلاف الأصل اندفع كلام القاضي . المسألة الثانية﴾ اعلم أنه تعالى ذكر في شرح ثواب المطيعين أموراً: أحدها : أنه تعالى يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وقال الزجاج : المراد تجري من تحتها مياه الأنهار ، واعلم أنه إن جعل النهر اسماً لمكان الماء كان الأمر مثل ما قاله الزجاج ، أما إن جعلناه في المتعارف اسماً لذلك الماء فلا حاجة إلى هذا الاضمار ، وثانيها : أنه تعالى وصفها بالخلود والتأييد ، وفيه رد على جهم بن صفوان حيث يقول : إن نعيم الجنة وعذاب النار ينقطعان، وأيضاً أنه تعالى ذكر مع الخلود التأييد ، ولو كان الخلود عبارة عن التأييد لزم التكرار وهو غير جائز ، فدل هذا أن الخلود ليس عبارة عن التأييد ، بل هو عبارة عن طول المكث من غير بيان أنه منقطع أو غير منقطع ، وإذا ثبت هذا الأصل فعند هذا يبطل استدلال المعتزلة بقوله تعالى ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ) على أن صاحب الكبيرة يبقى في النار على سبيل التأييد، لأنا بينا بدلالة هذه الآية أن الخلود لطول المكث لا للتأييد ، وثالثها قوله تعالى ( لهم فيها أزواج مطهرة ) والمرادطهارتهن من الحيض والنفاس وجميع أقذار الدنيا ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة ( لهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون ) واللطائف اللائقة بهذا الموضع قد ذكرناها في تلك الآية، ورابعها: قوله (وندخلهم ظلاًّ ظليلاً) قال الواحدي : الظليل ليس ينبىء عن الفعل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول ، بل هو مبالغة في نعت الظل ، مثل قولهم : ليل أليل . واعلم أن بلاد العرب كانت في غاية الحرارة ، فكان الظل عندهم أعظم أسباب الراحة ، ولهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة . قال عليه الصلاة والسلام ((السلطان ظل الله في الأرض )) فإذا كان الظل عبارة عن الراحة كان الظليل كناية عن المبالغة العظيمة في الراحة ، هذا ما يميل إليه خاطري ، وبهذا الطريق يندفع سؤال من يقول : إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل . وأيضاً نرى في الدنيا أن المواضع التي ١٤٢ قوله تعالى ((ان الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات)) الآية سورة النِّساء ٤٠٤٠١١٠٠٠٠ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَتِ إِلَى أَهْلِهَا يدوم الظل فيها ولا يصل نور الشمس إليها يكون هواؤها عفناً فاسداً مؤذياً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك لأن على هذا الوجه الذي لخصناه تندفع هذه الشبهات . قوله تعالى ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾. اعلم أنه سبحانه لما شرح بعض أحوال الكفار وشرح وعيده عاد إلى ذكر التكاليف مرة أخرى ، وأيضاً لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور ، سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات ، أو من باب الدنيا والمعاملات ، وأيضاً لما ذكر في الآية السابقة الثواب العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وكان من أجل الأعمال الصالحة الأمانة لا جرم أمر بها في هذه الآية . وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ روى أن رسول الله وسلم لما دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار وكان سادن الكعبة باب الكعبة ، وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح إليه ، وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه ، فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده وأخذه منه وفتح، ودخل رسول اللّه لو وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية ، فأمر علياً أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه ، فقال عثمان لعلي : أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق ، فقال : لقد أنزل الله في شأنك قرآناً وقرأعليه الآية فقال عثمان : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فهبط جبريل عليه السلام وأخبر الرسول م# أن السدانة في أولاد عثمان أبداً. فهذا قول سعيد بن المسيب ومحمد بن اسحق. وقال أبو روق: قال النبي مثّ لعثمان: أعطني المفتاح فقال هاك بأمانة الله ، فلما أراد أن يتناوله ضم يده، فقال الرسول ◌َّ ذلك مرة ثانية: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأعطني المفتاح ، فقال : هاك بأمانة الله ، فلما أراد أن يتناوله ضم يده ، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك مرة ثالثة ، فقال عثمان في الثالثة: هاك بأمانة الله ودفع إلى النبي محليّة، فقام النبي ◌ّ يطوف ومعه المفتاح وأراد أن يدفعه إلى العباس ، ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس نصيباً معك، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي ي لعثمان ((هاك خالدة تالدة لا ينزعها منك إلا ظالم)) ثم إن عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده اليوم . ١٤٣ سورة النِّساء قوله تعالى ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات)) الآية . المسألة الثانية﴾ اعلم أن نزول هذه الآية عند هذه القصة لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القضية ، بل يدخل فيه جميع أنواع الأمانات ، واعلم أن معاملة الانسان إما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد ، أو مع نفسه ، ولا بد من رعاية الامانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة . ﴿ أما رعاية الأمانة مع الرب﴾ فهي في فعل المأمورات وترك المنهيات، وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود : الأمانة في كل شيء لازمة ، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم . وقال ابن عمر رضي الله عنهما : إنه تعالى خلق فرج الانسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها ، واعلم أن هذا باب واسع ، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها ، وأمانة العين أن لا يستعملها في النظر إلى الحرام ، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي ، وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها ، وكذا القول في جميع الأعضاء . ﴿وأما القسم الثاني﴾ وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع، ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن ، ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم ، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة ، بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم ، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد رَّة، ونهيهم عن قولهم للكفار: ان ما أنتم عليه أفضل من دين محمد حلية ، ويدخل فيه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في حفظ فرجها ، وفي أن لا تلحق بالزوج ولداً يولد من غيره . وفي أخبارها عن انقضاء عدتها . ﴿وأما القسم الثالث﴾ وهو أمانة الانسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا ، وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) فقوله ( يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) يدخل فيه الكل ، وقد عظم الله أمر الأمانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال ( أنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان ) وقال ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) وقال ( ولا تخونوا أماناتكم) وقال عليه الصلاة والسلام (( لا إيمان لمن لا أمانة له) وقال ميمون بن مهران : ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر : الأمانة والعهد وصلة الرحم . وقال القاضي : لفظ الأمانة وإن كان متناولاً للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ١٤٤ قوله تعالى ((وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)) الآية سورة النّساء وَ إِذَا حَكْتُ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهٌِ إِنَّ اللّهَ كَانَ إلى أهلها) فوجب أن يكون المراد بهذه الأمانة ما يجري مجرى المال ؛ لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير . ﴿ المسألة الثالثة﴾ الأمانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جمع فإنه جعل اسماً خالصاً . قال صاحب الكشاف : قرىء ( الأمانة ) على التوحيد . المسألة الرابعة ﴾ قال أبو بكر الرازي : من الأمانات الودائع ، ويجب ردها عند الطلب والأكثرون على أنها غير مضمونة . وعن بعض السلف أنها مضمونة ، روى الشعبي عن أنس قال : استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي، فضمنني عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وعن أنس قال : كان لانسان عندي وديعة ستة آلاف درهم فذهبت ، فقال عمر : ذهب لك معها شيء ؟ قلت لا ، فألزمني الضمان ، وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال: قال رسول اللّه ◌َ﴾((لا ضمان على راع ولا على مؤتمن)) وأما فعل عمر فهو محمول على أن المودع اعترف بفعل يوجب الضمان . المسألة الخامسة ﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: العارية مضمونة بعد الهلاك، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : غير مضمونة . حجة الشافعي قوله تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) وظاهر الأمر للوجوب ، وبعد هلاكها تعذر ردها بصورتها ، ورد ضمانها ردها بمعناها ، فكانت الآية دالة على وجوب التضمين . ونظير هذه الآية قوله عليه الصلاة والسلام ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) أقصى ما في الباب أن الآية مخصوصة في الوديعة . لكن العام بعد التخصيص حجة ، وأيضاً فلأنا أجمعنا على أن المستام مضمون ، وأن المودع غير مضمون ، والعارية وقعت في البين ، فنقول : المشابهة بين العارية وبين المستام أكثر ، لأن كل واحد منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه ، بخلاف المودع ، فإنه أخذ الوديعة لغرض المالك ، فكانت المشابهة بين المستعار وبين المستام أتم ، فظهر الفرق بين المستعار وبين المودع. حجة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضمان على مؤتمن)). قلنا : إنه مخصوص في المستام ، فكذا في العارية ، ولأن دليلنا ظاهر القرآن وهو أقوى . قوله تعالى ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعماً يعظكم به إن الله كان ١٤٥ قوله تعالى ((وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)) الآية سورة النِّساء سَمِيعًا يَصِيرًا هـ سميعاً بصيراً﴾ . وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ اعلم أن الأمانة عبارة عما اذا وجب لغيرك عليك حق فأديت ذلك الحق اليه فهذا هو الأمانة ، والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب الانسان على غيره حق فأمرت من وجب عليه ذلك الحق بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق ، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الانسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بغيره ، لا جرم أنه تعالى ذكر الأمر بالأمانة أولاً ، ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق ، فما أحسن هذا الترتيب ، لأن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط . المسألة الثانية ﴾ أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل قال تعالى ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) والتقدير : إن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . وقال ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) وقال ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) وقال ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) وعن أنس عن النبي عليه قال ((لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت)) وعن الحسن قال: إن الله أخذ على الحكام ثلاثاً: أن لا يتبعوا الهوى ، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس ، ولا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً. ثم قرأ ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) إلى قوله ( ولا تتبع الهوى) وقرأ ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ) إلى قوله (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ) ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم قال تعالى ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) وقال عليه الصلاة والسلام (( ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة ، فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أولاق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار)) وقال أيضاً (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) وقال ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) . فإن قيل : الغرض من الظلم منفعة الدنيا . فأجاب الله عن السؤال بقوله ( لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين ) . فخر الرازي ج.١ م ١٠ ١٤٦ قوله تعالى ((وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)) الآية سورة النِّساء ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء : في الدخول عليه ، والجلوس بين يديه ، والإقبال عليهما ، والاستماع منهما ، والحكم عليهما قال : والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب ، فإن كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه . قال : ولا ينبغي أن يلقن واحداً منهما حجته ، ولا شاهداً شهادته لأن ذلك يضر بأحد الخصمين ، ولا يلقن المدعي الدعوى والاستخلاف، ولا يلقن المدعي عليه الانكار والاقرار، ولا يلقن : الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا ، ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر ، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما ، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين . وروی أن النبي آپ# كان لا يضيف الخصم إلا وخصمه معه . وتمام الكلام فيه مذکور في كتب الفقه ، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه ، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر ، وذلك هو المراد بقوله تعالى ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) . المسألة الرابعة ﴾ قوله (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم ، بل ذلك لبعضهم ، ثم بقيت الآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكماً ولما دلت سائر الدلائل على أنه لا بد للامة من الامام الأعظم ، وأنه هو الذي ينصب القضاة والولاة في البلاد ، صارت تلك الدلائل كالبيان لما في هذه الآية من الاجمال . ثم قال تعالى ﴿ إن الله نعماً يعظكم به ﴾ أي نعم شيء يعظكم به ، أو نعم الذي يعظكم به ، والمخصوص بالمدح محذوف ، أي نعم شيء يعظكم به ذاك ، وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل . ثم قال ﴿ إن الله كان سميعاً بصيراً ﴾ أي اعملوا بأمر الله ووعظه فإنه أعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم ، وفيه دقيقة أخرى ، وهي أنه تعالى لما أمر في هذه الآيات بالحكم على سبيل العدل وبأداء الأمانة قال ( إن الله كان سميعاً بصيراً) أي إذا حكمت بالعدل فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم ، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك ، ولا شك أن هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع ، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي ، وإليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام ((اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) وفيه دقيقة أخرى ، وهي أن كلما كان احتياج العبد أشد كانت عناية الله أكمل، والقضاة والولاة قد فوض الله إلى أحكامهم مصالح العباد، فكان الاهتمام ١٤٧ سورة النّساء قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله)) الآية يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَ عْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِللهِ وَلْيَوْمِ آلْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا بحكمهم وقضائهم أشد ، فهو سبحانه منزه عن الغفلة والسهو والتفاوت في أبصار البصرات وسماع المسموعات ، ولكن لو فرضنا أن هذا التفاوت كان ممكناً لكان أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان هو وقت حكم الولاة والقضاة ، فلما كان هذا الموضع مخصوصاً بمزيد العناية لا جرم قال في خاتمة هذه الآية (إن الله كان سميعاً بصيراً) فما أحسن هذه المقاطع الموافقة لهذه المطالع . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾ اعلم أنه تعالى لما أمر الرعاة والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ) ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حق على الامام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الارادة ، وقال أصحابنا : الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الارادة . لنا أنه لا نزاع في أن موافقة الأمر طاعة ، إنما النزاع أن المأمور به هل يجب أن يكون مراداً أم لا؟ فإذا دللنا على أن المأمور به قد لا يكون مراداً ثبت حينئذ أن الطاعة ليست عبارة عن موافقة الارادة ، وإنما قلنا إن الله قد يأمر بما لا يريد لأن علم الله وخبره قد تعلقا بأن الإيمان لا يوجد من أبي لهب البتة، وهذا العلم وهذا الخبر يمتنعز والهما وانقلابهما : جهلاً ، ووجود الإيمان مضاد ومناف لهذا العلم ولهذا الخبر ، والجمع بين الضدين محال ، فكان صدور الإيمان من أبي لهب محالاً . والله تعالى عالم بكل هذه الأحوال فيكون عالماً بكونه محالاً ، والعالم بكون الشيء محالا لا يكون مريداً له ، فثبت أنه تعالى غير مريد للإيمان من أبي لهب وقد أمره بالإيمان فثبت أن الأمر قد يوجد بدون الارادة ، وإذا ثبت هذا وجب ١٤٨ قوله تعالى ((وأولي الأمر منكم)) الآية سورة النِّساء القطع بأن طاعة الله عبارة عن موافقة أمره لا عن موافقة إرادته ، وأما المعتزلة فقد احتجوا على أن الطاعة اسم لموافقة الارادة بقول الشاعر : رب من أنضجت غيظاً صدره قد تمنی لی موتاً لم يطع رتب الطاعة على التمني وهو من جنس الارادة . والجواب : أن العاقل عالم بأن الدليل القاطع الذي ذكرناه لا يليق معارضته بمثل هذه الحجة الركيكة . ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه، وذلك لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع : الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب . أما الكتاب والسنة فقد وقعت الأشارة إليهما بقوله ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) . فإن قيل : أليس أن طاعة الرسول هي طاعة الله ، فما معنى هذا العطف؟ قلنا : قال القاضي : الفائدة في ذلك بيان الدلالتين ، فالكتاب يدل على أمر الله ، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة ، والسنة تدل على أمر الرسول . ثم نعلم منه أمر الله لا محالة ، فثبت بما ذكرنا أن قوله ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن قوله (وأولى الأمر منكم) يدل عندنا على أن إجماع الأمة حجة ، والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوماً عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ والخطأ لكونه خطأ منهى عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وإنه محال ، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أن أولى الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوماً ، ثم نقول : ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعض الأمة ، لا جائز أن يكون بعض الأمة ؛ لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعاً، وإيجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم ، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون ١٤٩٠ سورة النِّساء قوله تعالى ((وأولي الامر منكم)) الآية عن معرفة الامام المعصوم ، عاجزون عن الوصول إليهم ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم ، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضاً من أبعاض الأمة ، ولا طائفة من طوائفهم. ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله ( وأولى الأمر ) أهل الحل والعقد من الأمة ، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة . فإن قيل : المفسرون ذكروا في ( أولى الأمر ) وجوهاً أخرى سوى ما ذكرتم : أحدها : أن المراد من أولى الأمر الخلفاء الراشدون ، والثاني : المراد أمراء السرايا ، قال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في عبدالله بن حذافة السهمي إذ بعثه النبي ◌َّر أميراً على سرية . وعن ابن عباس أنها نزلت في خالد بن الوليد بعثه النبي مية أميراً على سرية وفيها عمار بن ياسر، فجرى بينهما اختلاف في شيء ، فنزلت هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر . وثالثها : المراد العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم ، وهذا رواية الثعلبي عن ابن عباس وقول الحسن ومجاهد والضحاك ، ورابعها : نقل عن الروافض أن المراد به الأئمة المعصومون ، ولما كانت أقوال الأمة في تفسير هذه الآية محصورة في هذه الوجوه ، وكان القول الذي نصرتموه خارجاً عنها كان ذلك باجماع الأمة باطلاً . السؤال الثاني ﴾ أن نقول : حمل أولي الأمر على الأمراء والسلاطين أولى مما ذكرتم . ويدل عليه وجوه : الأول : أن الأمراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق ، فهم في الحقيقة أولو الأمر أما أهل الاجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق ، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى . والثاني : أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه ، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل ، وأما آخر الآية فهو أنه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل ، وهذا إنما يليق بالأمراء لا بأهل الاجماع . الثالث: أن النبي وآ لية بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء، فقال (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني )) فهذا ما يمكن ذكره من السؤال على الاستدلال الذي ذكرناه . والجواب : أنه لا نزاع أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله ( وأولى الأمر منكم ) على العلماء ، فإذا قلنا : المراد منه جميع العلماء من أهل العقد والحل لم يكن هذا قولاً خارجاً عن أقوال الأمة ، بل كان هذا اختياراً لأحد أقوالهم وتصحيحاً له بالحجة القاطعة ، فاندفع السؤال الأول : وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع ، لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة ، والذي ذكرناه برهان قاطع، فكان قولنا أولى ، على أنا نعارض تلك الوجوه بوجوه ١٥٠ قوله تعالى ((فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)) الآية سورة النِّساء أخرى أقوى منها : فأحدها : أن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين إنما يجب طاعتهم فيما علمٍ بالدليل أنه حق وصواب ، وذلك الدليل ليس إلا الكتاب والسنة ، فحينئذ لا يكون هذا قسماً منفصلاً عن طاعة الكتاب والسنة ، وعن طاعة الله وطاعة رسوله ، بل يكون داخلاً فيه ، كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والولد للوالدين ، والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول ، أما إذا حملناه على الاجماع لم يكن هذا القسم داخلاً تحتها ، لأنه ربما دل الاجماع على حكم بحيث لا يكون في الكتاب والسنة دلالة عليه ، فحينئذ أمكن جعل هذا القسم منفصلاً عن القسمين الأولين ، فهذا أولى . وثانيها : أن حمل الآية على طاعة الأمراء يقتضي إدخال الشرط في الآية ، لأن طاعة الأمراء إنما تجب إذا كانوا مع الحق ، فإذا حملناه على الاجماع لا يدخل الشرط في الآية ، فكان هذا أولى . وثالثها : أن قوله من بعد ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ) مشعر باجماع مقدم يخالف حكمه حكم هذا التنازع . ورابعها : أن طاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعاً ، وعندنا أن طاعة أهل الاجماع واجبة قطعاً ، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعاً ، بل الأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم ، وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف، فكان حمل الآية على الاجماع أولى ، لأنه أدخل الرسول وأولى الأمر في لفظ واحد وهو قوله ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر ) فكان حمل أولى الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على الفاجر الفاسق . وخامسها : أن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء ، والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء ، فكان حمل لفظ أولى الأمر عليهم أولى ، وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه : أحدها : ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم ، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الايجاب مشروطاً ، وظاهر قوله ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) يقتضي الاطلاق ، وأيضاً ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال ، وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة ، وهو قوله ( وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ) واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معاً ، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر . الثاني : أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، وأولو الأمر جمع ، وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد ، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر . وثالثها : أنه قال ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) ولو كان المراد بأولى الأمر الامام المعصوم لوجب أن يقال : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الامام ، فثبت أن الحق تفسير الآية بما ذكرناه . ١٥١ فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)) الآية سورة النِّساء المسألة الرابعة ﴾ اعلم أن قوله ( فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) يدل عندنا على أن القياس حجة ، والذي يدل على ذلك أن قوله ( فإن تنازعتم في شيء ) إما أن يكون المراد فإن اختلفتم في شيء حكمه منصوص عليه في الكتاب أو السنة أو الإجماع ، أو المراد فإن اختلفتم في شيء حكمه غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة ، والأول باطل لأن على ذلك التقدير وجب عليه طاعته فكان ذلك داخلاً تحت قوله ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ) وحينئذ يصير قوله ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) إعادة لعين ما مضى ، وإنه غير جائز . وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو أن المراد : فإن تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والإجماع ، وإذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله ( فردوه إلى الله والرسول ) طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة . فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له ، وذلك هو القياس ، فثبت أن الآية دالة على الأمر بالقياس . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله ( فردوه إلى الله والرسول ) أي فوضوا علمه إلى الله وأسكتوا عنه ولا تتعرضوا له ؟ وأيضاً فلم لا يجوز أن يكون المراد فردوا غير المنصوص إلى المنصوص في أنه لا يحكم فيه إلا بالنص ؟ وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية ؟ قلنا : أما الأول فمدفوع ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين ، منها ما يكون حكمها منصوصاً عليه ، ومنها ما لا يكون كذلك ، ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد ، وأمر في القسم الثاني بالرد إلى الله وإلى الرسول ، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السكوت . لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك ، بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها بنفي أو إثبات ، وإذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله على السكوت عن تلك الواقعة ، وبهذا الجواب يظهر فساد السؤال الثالث . ﴿ وأما السؤال الثاني﴾ فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل ، فلا يكون) رد الواقعة إليها رداً إلى الله بوجه من الوجوه ، أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها كان هذا رداً للواقعة على أحكام الله تعالى ، فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى . ﴿ المسألة الخامسة﴾ هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقاً ، فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس ، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس البتة ، ١٥٢ قوله تعالى ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)) الآية سورة النِّساء سواء كان القياس جلياً أوخفياً ، سواء كان ذلك النص مخصوصاً قبل ذلك أم لا ، ويدل عليه أنا بينا أن قوله تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) أمر بطاعة الكتاب والسنة ، وهذا الأمر مطلق ، فثبت أن متابعة الكتاب والسنة سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجبة، ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى: أحدها: أن كلمة ((ان)) على قول كثير من الناس للاشتراط ، وعلى هذا المذهب كان قوله ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) صريح في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول . الثاني : أنه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة ، وهذا مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة . الثالث: أنه وَّ اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب ، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله ((فإن لم تجد)) الرابع : إنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم حيث قال ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ) ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية ، بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس هو قوله ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدماً على النص وصار بذلك السبب ملعوناً ، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وانه غير جائز . الخامس : أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر ، والقياس ليس كذلك ، بل هو مظنون من جميع الجهات ، والمقطوع راجح على المظنون . السادس : قوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) وإذا وجدناعموم الكتاب حاصلاً في الواقعة ثم أنا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس لزم الدخول تحت هذا العموم . السابع : قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) فإذا كان عموم القرآن حاضراً ، ثم قدمنا القياس المخصص عليه لزم التقديم بين يدي الله ورسوله . الثامن : قوله تعالى ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ) إلى قوله ( ان يتبعون إلى الظن ) جعل اتباع الظن من صفات الكفار، ومن الموجبات القوية في مذمتهم ، فهذا يقتضي أن لا يجوز العمل بالقياس البتة ترك هذا النص لما بينا أنه يدل على جواز العمل بالقياس ، لكنه إنما دل على ذلك عند فقدان النصوص ، فوجب عند وجدانها أن يبقى على الأصل. التاسع: أنه روى عن النبي ◌ّير أنه قال ((إذا روى عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإلا ذروه )) ولا شك أن الحديث أقوى من القياس ، فإذا كان الحديث الذي لا يوافقه الكتاب مردوداً فالقياس أولى به . العاشر: ان القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، والقياس يفرق عقل الإنسان الضعيف، وكل من له عقل سليم علم أن الأول أقوى بالمتابعة وأحرى . ١٥٣ قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)) الآية سورة النساء المسألة السادسة ﴾ هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة : أعني الكتاب والسنة والإجماع والقياس مردود باطل ، وذلك لأنه تعالى جعل الوقائع قسمين : أحدهما : ما تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالطاعة وهو قوله ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ) والثاني : ما لا تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالاجتهاد وهو قوله ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) فإذا كان لا مزيد على هذين القسمين وقد أمر الله تعالى في كل واحد منهما بتكليف خاص معين دل ذلك على أنه ليس للمكلف أن يتمسك بشيء سوى هذه الأصول الأربعة ، وإذا ثبت هذا فنقول : القول بالإستحسان الذي يقول به أبو حنيفة رضي الله عنه ، والقول بالاستصلاح الذي يقول به مالك رحمه الله إن كان المراد به أحد هذه الأمور الأربعة فهو تغيير عبارة ولا فائدة فيه ، وإن كان مغايراً لهذه الأربعة كان القول به باطلاً قطعاً لدلالة هذه الآية على بطلانه كما ذكرنا . ﴿ المسألة السابعة﴾ زعم كثير من الفقهاء أن قوله تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) يدل على أن ظاهر الأمر للوجوب ، واعترض المتكلمون عليه فقالوا : قوله ( أطيعوا الله) فهذا لا يدل على الايجاب إلا إذا ثبت أن الأمر للوجوب . وهذا يقتضي افتقار الدليل إلى المدلول وهو باطل ، وللفقهاء أن يجيبوا عنه من وجهين : الأول : أن الأوامر الواردة في الوقائع المخصوصة دالة على الندبية فقوله ( أطيعوا ) لو كان معناه أن الاتيان بالمأمورات مندوب فحينئذ لا يبقى لهذه الآية فائدة . لأن مجرد الندبية كان معلوماً من تلك الأوامر ، فوجب حملها على إفادة الوجوب حتى يقال : إن الأوامر دلت على أن فعل تلك المأمورات أولى من تركها ، وهذه الآية دلت على المنع من تركها فحينئذ يبقى لهذه الآية فائدة . والثاني : أنه تعالى ختم الآية بقوله ( إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ) وهو وعيد ، فكما أن احتمال اختصاصه بقوله ( فردوه إلى الله ) قائم ، فكذلك احتمال عوده إلى الجملتين أعني قوله ( أطيعوا الله ) وقوله ( فردوه إلى الله) قائم ، ولا شك أن الاحتياط فيه ، وإذا حكمنا بعود ذلك الوعيد إلى الكل صار قوله ( أطيعوا الله ) موجباً للوجوب ، فثبت أن هذه الآية دالة على أن ظاهر الأمر للوجوب ، ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع . المسألة الثامنة ) اعلم أن المنقول عن الرسول يهلل أما القول وإما الفعل، أما القول فيجب إطاعته لقوله تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) وأما الفعل فيجب على الأمة الاقتداء به إلا ما خصه الدليل . وذلك لأنا بينا أن قوله ( أطيعوا ) يدل على أن أوامر الله للوجوب ثم إنه تعالى قال في آية أخرى في صفة محمد عليه الصلاة والسلام ( فاتبعوه ) وهذا أمر ، فوجب أن يكون للوجوب ، فثبت أن متابعته واجبة ، والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل ١٥٤ قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)) الآية سورة النساء فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله ، فثبت أن قوله ( أطيعوا الله ) يوجب الاقتداء بالرسول في كل أفعاله ، وقوله ( وأطيعوا الرسول ) يوجب الاقتداء به في جميع أقواله ، ولا شك أنهما أصلان معتبران في الشريعة . ﴿ المسألة التاسعة﴾ اعلم أن ظاهر الأمر وان كان في أصل الوضع لا يفيد التكرار ولا الفور إلا أنه في عرف الشرع يدل عليه ، ويدل عليه وجوه : الأول ؛ أن قوله ( أطيعوا الله ) يصح منه استثناء أي وقت كان ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فوجب أن يكون قوله ( أطيعوا الله) متناولاً لكل الأوقات . وذلك يقتضي التكرار ، والتكرار يقتضي الفور . الثاني : أنه لولم يفد ذلك لصارت الآية مجملة ، لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكورة ، أما لو حملناه على العموم كانت الآية مبينة ، وحمل كلام الله على الوجه الذي يكون مبيناً أولى من حمله على الوجه الذي به يصير مجملاً مجهولاً ، أقصى ما في الباب أنه يدخله التخصيص ، والتخصيص خير من الأجمال . الثالث : ان قوله ( أطيعوا الله ) أضاف لفظ الطاعة إلى لفظ الله ، فهذا يقتضي أن وجوب الطاعة علينا له إنما كان لكوننا عبيداً له ولكونه إلهاً ، فثبت من هذا الوجه أن المنشأ لوجوب الطاعة هو العبودية والربوبية ، وذلك يقتضي دوام وجوب الطاعة على جميع المكلفين إلى قيام القيامة وهذا أصل معتبر في الشرع . المسألة العاشرة ) أنه قال (أطيعوا الله ) فأفرده في الذكر، ثم قال (وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وهذا تعليم من الله سبحانه لهذا الأدب ، وهو أن لا يجمعوا في الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره ، وأما إذا آل الأمر إلى المخلوقين فيجوز ذلك ، بدليل أنه قال ( وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وهذا تعليم لهذا الأدب ، ولذلك روى أن واحداً ذكر عند الرسول عليه الصلاة والسلام وقال : من أطاع الله والرسول فقد رشد ، ومن عصاهما فقد غوى ، فقال عليه الصلاة والسلام (( بئس الخطيب أنت هلا قلت من عصى الله وعصى رسوله)) أو لفظ هذا معناه ، وتحقيق القول فيه أن الجمع بين الذكرين في اللفظ يوهم نوع مناسبة ومجانسة ، وهو سبحانه متعال عن ذلك . المسألة الحادية عشرة ﴾ قد دللنا على أن قوله (وأولي الأمر منكم) يدل على أن الاجماع حجة فنقول : كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالاجماع ، ونحن نذكر بعضها : الفرع الأول ﴾ مذهبنا أن الاجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة ، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب ١٥٥ قوله تعالى ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)) الآية سورة النّساء. أصول الفقه نقول : الآية دالة عليه لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر ، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه ، وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط الأحكام من القرآن والحديث ، فدل على ما ذكرناه ، فلما دلت على أن اجماع أولى الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أنه ينعقد الإجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء . وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر ؛ لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر . الفرع الثاني ﴾ اختلفوا في أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف هل هو حجة؟ والأصح أنه حجة ، والدليل عليه هذه الآية ، وذلك لأنا بينا أن قوله ( وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة ، وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف وما لم يكن كذلك ، فوجب أن يكون الكل حجة . الفرع الثالث﴾ اختلفوا في أن انقراض أهل العصرهل هو شرط؟ والأصح أنه ليس بشرط ، والدليل عليه هذه الآية ، وذلك لأنها تدل على وجوب طاعة المجمعين ، وذلك يدخل فيه ما إذا انقرض العصر وما إذا لم ينقرض . الفرع الرابع ﴾ دلت الآية على أن العبرة باجماع المؤمنين لأنه تعالى قال في أول الآية ( يا أيها الذين آمنوا) ثم قال ( وأولي الأمر منكم ) فدل هذا على أن العبرة باجماع المؤمنين ، فأما سائر الفرق الذين يشك في إيمانهم فلا عبرة بهم . المسألة الثانية عشرة﴾ ذكرنا أن قوله (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) يدل على صحة العمل بالقياس ، فنقول : كما أن هذه الآية دلت على هذا الأصل ، فكذلك دلت على مسائل كثيرة من فروع القول بالقياس ، ونحن نذكر بعضها : الفرع الأول ﴾ قد ذكرنا أن قوله ( فردوه إلى الله) معناه فردوه إلى واقعة بين الله حكمها ، ولا بد وأن يكون المراد فردوها إلى واقعة تشبهها ، إذ لو كان المراد بردها ردها إلى واقعة تخالفها في الصورة والصفة ، فحينئذ لم يكن ردها إلى بعض الصور أولى من ردها إلى الباقي ، وحينئذ يتعذر الرد ، فعلمنا أنه لا بد وأن يكون المراد : فردوها إلى واقعة تشبهها في الصورة والصفة. ثم إن هذا المعنى الذي قلناه يؤكد بالخبر والأثر، أما الخبر فإنهم لما سألوه واله عن قبلة الصائم فقال عليه الصلاة والسلام ((أرأيت لو تمضمضت)) يعني المضمضة مقدمة ١٥٦ قوله تعالى ((ذلك خير وأحسن تأويلاً)) الآية ٢- سورة النِّساء الأكل ، كما أن القبلة مقدمة الجماع ، فكما أن تلك المضمضة لم تنقض الصوم ، فكذا القبلة . ولما سألته الخثعمية عن الحج فقال عليه الصلاة والسلام (( أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته هل يجزي فقالت نعم قال عليه الصلاة والسلام فدين الله أحق بالقضاء)) وأما الأثر فما روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال : اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك ، فدل مجموع ما ذكرناه من دلالة هذه الآية ودلالة الخبر ودلالة الأثر على أن قوله ( فردوه ) أمر برد الشيء إلى شبيهه ، وإذا ثبت هذا فقد جعل الله المشابهة في الصورة والصفة دليلاً على أن الحكم في غير محل النص مشابه للحكم في محل النص ، وهذا هو الذي يسميه الشافعي رحمه الله قياس الأشباه ، ويسميه أكثر الفقهاء قياس الطرد ، ودلت هذه الآية على صحته لأنه لما ثبت بالدليل أن المراد من قوله ( فردوه ) هو أنه ردوه إلى شبيهه علمنا أن الأصل المعول عليه في باب القياس محض المشابهة ، وهذا بحث فيه طول ، ومرادنا بيان كيفية استنباط المسائل من الآيات ، فأما الاستقصاء فيها فمذكور في سائر الكتب . الفرع الثاني ﴾ دلت الآية على أن شرط الاستدلال بالقياس في المسألة أن لا يكون فيها نص من الكتاب والسنة لأن قوله ( فإن تنازعتم في شيء فردوه ) مشعر بهذا الاشتراط . الفرع الثالث ﴾ دلت الآية على أنه إذا لم يوجد في الواقعة نص من الكتاب والسنة والاجماع جاز استعمال القياس فيه كيف كان ، وبطل به قول من قال : لا يجوز استعمال القياس في الكفارات والحدود وغيرهما ؛ لأن قوله ( فإن تنازعتم في شيء ) عام في كل واقعة لا نص فيها . ﴿ الفرع الرابع﴾ دلت الآية على أن من أثبت الحكم في صورة بالقياس فلابد وأن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالنص ، ولا يجوز أن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالقياس لأن قوله ( فردوه إلى الله والرسول ) ظاهره مشعر بأنه يجب رده إلى الحكم الذي ثبت بنص الله ونص رسوله . الفرع الخامس﴾ دلت الآية على أن القياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالقرآن ، والقياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالسنة إذا تعارضا كان القياس على القرآن مقدماً على القياس على الخبر لأنه تعالى قدم الكتاب على السنة في قوله ( اطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) وفي قوله ( فردوه إلى الله والرسول ) وكذلك في خبر معاذ . ﴿ الفرع السادس﴾ دلت الآية على أنه إذا تعارض قياسان أحدهما تأيد بايماء في كتاب ١٥٧ سورة النّساء قوله تعالى (الم تر إلی الذین یزعمون أنهم آمنوا)) الآية أَلَّ فَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُونَ أَّهُمْ ءَ امُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبِّكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ، وَيرِدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلّهُمْ ضَلَا يَعِدًا (® وَإِذَا قِبِلَ الله والآخر تأيد بإيماء خبر من أخبار رسول الله ، فإن الأول مقدم على الثاني ، يعني كما ذكرناه في الفرع الخامس ، فهذه المسائل الأصولية استنبطناها من هذه الآية في أقل من ساعتين ، ولعل الانسان إذا استعمل الفكر على الاستقصاء أمكنه استنباط أكثر مسائل أصول الفقه من هذه الآية . ﴿ المسألة الثالثة عشرة﴾ قوله (وأولى الأمر ) معناه ذوو الأمر وأولو جمع ، وواحده ذو على غير القياس ، كالنساء والابل والخيل ، كلها أسماء للجمع ولا واحد له في اللفظ . ﴿ المسألة الرابعة عشرة) قوله (فإن تنازعتم) قال الزجاج: اختلفتم وقال كل فريق : القول قولي واشتقاق المنازعة من النزع الذي هو الجذب ، والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله ، أو محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده . ثم قال تعالى ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ هذا الوعيد يحتمل أن يكون عائداً إلى قوله ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وإلى قوله ( فردوه إلى الله والرسول ) والله أعلم . المسألة الثانية ﴾ ظاهر قوله (إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ) يقتضي أن من لم يطع الله والرسول لا يكون مؤمناً ، وهذا يقتضي أن يخرج المذنب عن الايمان لكنه محمول على التهديد ، ثم قال تعالى ﴿ ذلكخیر وأحسن تأويلاً ﴾ أي ذلك الذي أمرتكم به في هذه الآية خیر لكم وأحسن عاقبة لكم لأن التأويل عبارة عما إليه مآل الشيء ومرجعه وعاقبته . قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً وإذا ١٥٨ قوله تعالى ((الم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا)) الآية سورة النِّساء لَهُمْ تَعَالَواْ إِلَى مَآ أَنْزَلَ اللهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ◌َ قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ . اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الأولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه ، وإنما يريدون حكم غيره ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ الزعم والزعم لغتان ، ولا يستعملان في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق . قال الليث : أهل العربية يقولون زعم فلان إذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق ، فكذلك تفسير قوله ( هذا لله بزعمهم ) أي بقولهم الكذب . قال الاصمعي : الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا ، وقال ابن الأعربي : الزعم يستعمل في الحق ، وأنشد لأمية بن الصلت : سينجزكم ربكم ما زعم وإني أدین لکم أنه إذا عرفت هذا فنقول : الذي في هذه الآية المراد به الكذب ، لأن الآية نزلت فى المنافقين . المسألة الثانية﴾ ذكروا في أسباب النزول وجوهاً: الأول : قال كثير من المفسرين: نازع رجل من المنافقين رجلاً من اليهود فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم ، وقال المنافق : بيني وبينك كعب بن الأشرف، والسبب في ذلك أن الرسول ◌َ لو كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة ، وكعب بن الأشرف كان شديد الرغبة في الرشوة ، واليهودي كان محقاً ، والمنافق كان مبطلاً ، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول ، والمنافق كان يريد كعب بن الأشرف، ثم أصر اليهودي على قوله ، فذهبا إليه ◌َّله ، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام لليهودي على المنافق ، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر ، فحكم أبو بكر رضي الله عنه لليهودي فلم يرض المنافق ، وقال المنافق : بيني وبينك عمر ، فصارا إلى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما ، فقال للمنافق : أهكذا فقال نعم ، قال اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج إليكما . فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي ، فجاء أهل . - ١٥٩ ·سورة النِّساء قوله تعالى ((الم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا)) الآية المنافق فشكوا عمر إلى النبي ◌َّر فسأل عمر عن قصته ، فقال عمر : إنه رد حكمك يا رسول الله ، فجاء جبريل عليه السلام في الحال وقال : إنه الفاروق فرق بين الحق والباطل ، فقال النبي ◌َّ لعمر ((أنت الفاروق)) وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف. الرواية الثانية ﴾ في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم ، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضرياً قتل به وأخذ دية مائة وسق من تمر ، وإذا قتل نضري قرظياً لم يقتل به ، لكن أعطى ديته ستين وسقاً من التمر ، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس ، وقريظة حلفاء الخزرج ، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة قتل نضري قرظياً فاختصما فيه ، فقالت بنو النضير : لا قصاص عليناء، إنما علينا ستون وسقاً من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل ، وقالت الخزرج : هذا حكم الجاهلية ، ونحن وأنتم اليوم إخوة ، وديننا واحد ولا فضل بيننا ، فأبى بنو النضير ذلك ، فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون: بل إلى رسول الله له ، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ودعا الرسول عليه الصلاة والسلام الكاهن إلى الإسلام فأسلم ، هذا قول السدي ، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن . ﴿ الرواية الثالثة﴾ قال الحسن: إن رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق ، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ، ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن ، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل . ﴿ الرواية الرابعة﴾ كانوا يتحاكمون إلى الأوثان، وكان طريقهم أنهم يضربون القداح بحضرة الوثن ، فما خرج على القداح عملوا به ، وعلى هذا القول فالطاغوت هو الوثن . واعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين ، ثم قال أبو مسلم : ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقاً من اهل الكتاب ، مثل انه كان يهودياً فأظهر الإِسلام على سبيل النفاق لأن قوله تعالى ( يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ما أنزل من قبلك ) إنما يليق بمثل هذا المنافق . المسألة الثالثة ﴾ مقصود الكلام إن بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد . قال القاضي : ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر ، وعدم الرضا بحكم محمد عليه الصلاة والسلام كفر ، ويدل عليه وجوه : ١٦٠ قوله تعالى ((وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول)) الآية سورة النِّساء الأول : إنه تعالى قال ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيماناً به ، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله ، كما أن الكفر بالطاغوت إيمان بالله . الثاني : قوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) إلى قوله ( ويسلموا تسليماً) وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام . الثالث : قوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة ، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئاً من أوامر الله أو أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن الإسلام ، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد ، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم . ﴿ المسألة الرابعة) قالت المعتزلة: ان قوله تعالى (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً) يدل على أن كفر الكافر ليس بخلق الله ولا بارادته ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه لو خلق الله الكفر في الكافر وأراده منه فأي تأثير للشيطان فيه ، وإذا لم يكن له فيه تأثير فلم ذمه عليه ؟ الثاني : أنه تعالى ذم الشيطان بسبب انه يريد هذه الضلالة ؟ فلو كان تعالى مريداً لها لكان هو بالذم أولى من حيث أن كل من عاب شيئاً ثم فعله كان بالذم أولى قال تعالى ( كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) الثالث : أن قوله تعالى في أول الآية صريح في إظهار التعجب من أنهم كيف تحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفروا به ، ولو كان ذلك التحاكم بخلق الله لما بقي التعجب ، فإنه يقال : إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم ، بل التعجب من هذا التعجب أولى ، فإن من فعل ذلك فيهم ثم أخذ يتعجب منهم إنهم كيف فعلوا ذلك كان التعجب من هذا التعجب أولى . واعلم أن حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى التمسك بطريقة المدح أو الذم ، وقد عرفت منا انا لا نقدح في هذه الطريقة إلا بالمعارضة بالعلم والداعي والله أعلم . ثم قال تعالى ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ بين في الآية الأولى رغبة المنافقين في التحاكم إلى الطاغوت ، وبين بهذه الآية نفرتهم عن التحاكم إلى الرسول ◌َله. قال المفسرون : إنما صد المنافقون عن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا ظالمين ؛ وعلموا أنه لا يأخذ الرشا وإنه لا يحكم إلا بمر الحكم ، وقيل : كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين .