النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
قوله تعالى ((ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)) الآية سورة النِّساء
السيئات ؟ سؤال لا استدلال على فساد هذا القسم ، وبهذا القدر لا يبطل هذا الاحتمال ، وإذا
حضر هذا الاحتمال بطل ما ذكرتم من الاستدلال والله أعلم .
الوجه الثالث﴾ من الجواب عن هذا الاستدلال: هو أنا إذا اعطيناهم جميع
مراداتهم لم يكن في الآية زيادة على أن نقول : إن من لم يجتنب الكبائر لم تكفر سياته ،
وحينئذ تصير هذه الآية عامة في الوعيد ، وعمومات الوعيد ليست قليلة ، فما ذكرناه جواباً عن
سائر العمومات كان جواباً عن تمسكهم بهذه الآية ، فلا أعرف لهذه الآية مزيد خاصية في هذا
الباب ، وإذا كان كذلك لم يبق لقول الكعبي : إن الله قد كشف الشبهة بهذه الآية عن هذه
المسألة وجه :
الوجه الرابع﴾ أن هذه الكبائر قد يكون فيها ما يكون كبيراً، بالنسبة إلى شيء ،
ويكون صغيراً بالنسبة إلى شيء آخر ، وكذا القول في الصغائر ، إلا أن الذي يحكم بكونه كبيراً
على الاطلاق هو الکفر ،وإذا ثبت هذا فلم لا يجوز أن يكون المراد بقوله ( إن تجتنبوا كبائر ما
تنهون عنه ) الكفر؟ وذلك لأن الكفر أنواع كثيرة : منها الكفر بالله وبأنبيائه وباليوم الآخر
وشرائعه . فكان المراد أن من اجتنب عن الكفر كان ما وراءه مغفوراً، وهذا الاحتمال منطبق
موافق لصريح قوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وإذا كان
هذا محتملاً ، بل ظاهراً سقط استدلالهم بالكلية وبالله التوفيق .
المسألة الرابعة ﴾ قالت المعتزلة : إن عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر ،
وعندنا أنه لا يجب عليه شيء ، بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان ، وقد تقدم ذکر دلائل هذه
المسألة .
ثم قال تعالى ﴿ وندخلكم مدخلاً كريماً ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ المفضل عن عاصم ( يكفر ويدخلكم ) بالياء في الحرفين على
ضمير الغائب ، والباقون بالنون على استئناف الوعد ، وقرأ نافع ( مدخلاً) بفتح الميم وفي
الحج مثله ، والباقون بالضم ، ولم يختلفوا في ( مدخل صدق ) بالضم ، فبالفتح المراد موضع
الدخول، وبالضم المراد المصدر وهو الإدخال ، أي: ويدخلكم إدخالاً كريماً ، وصف
الإِدخال بالكرم بمعنى أن ذلك الإدخال يكون مقروناً بالكرم على خلاف من قال الله فيهم
( الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ) .
المسألة الثانية﴾ أن مجرد الاجتناب عن الكبائر لا يوجب دخول الجنة ، بل لا بد معه
فخر الرازي ج.١ م ٦

٨٢
قوله تعالى ((ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض)) الآية سورة النّساء
وَلَ يَتَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلِّجَالِ نَصِيبُ ◌ِمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنَّسَاءِ
نَصِيبُ ◌َِّّا الْتَسَبْنَ وَسْعَلُواْالله مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمَ (َ﴾
من الطاعات ، فالتقدير : إن أتيتم بجميع الواجبات ، واجتنبتم عن جميع الكبائر كفرنا عنكم
بقية السيئات وأدخلناكم الجنة ، فهذا أحد ما يوجب الدخول في الجنة . ومن المعلوم أن عدم
السبب الواحد لا يوجب عدم المسبب ، بل ههنا سبب آخر هو السبب الأصلي القوي ، وهو
فضل الله وكرمه ورحمته ، كما قال ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا
وللنساء نصيب مما اكتسبن وسألوا الله من فضله أن الله كان بكل شيء علياً ﴾ .
اعلم أن في النظم وجهين : الأول : قال القفال رحمه الله : أنه تعالى لما نهاهم في الآية
المتقدمة عن أكل الأموال بالباطل ، وعن قتل النفس ، أمرهم في هذه الآية بما سهل عليهم ترك هذه
المنهيات ، وهو أن يرضى كل أحد بما قسم الله له، فإنه إذا لم يرض بذلك وقع في الحسد ، وإذا وقع
في الحسد وقع لا محالة في أخذ الأموال بالباطل وفي قتل النفوس ، فأما إذا رضي بما قدره الله أمكنه
الاحتراز عن الظلم في النفوس وفي الأموال .
الوجه الثاني ﴾ في كيفية النظم: هو أن أخذ المال بالباطل وقتل النفس ، من أعمال
الجوارح فأمر أولاً بتركهما ليصير الظاهر طاهراً عن الأفعال القبيحة ، وهو الشريعة . ثم أمرٍ
بعده بترك التعرض لنفوس الناس وأموالهم بالقلب على سبيل الحسد ، ليصير الباطن طاهراً
عن الأخلاق الذميمة ، وذلك هو الطريقة . ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ التمني عندنا عبارة عن ارادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون ، ولهذا
قلنا : إنه تعالى لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن لكان متمنياً . وقالت
المعتزلة : النهي عن قول القائل : ليته وجد كذا ، أو ليته لم يوجد كذا ، وهذا بعيد لأن مجرد
اللفظ إذا لم يكن له معنى لا يكون تمنياً ، بل لا بد وأن يبحث عن معنى هذا اللفظ ، ولا معنى
له إلا ما ذكرناه من إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون .
المسألة الثانية ﴾ اعلم أن مراتب السعادات إما نفسانية ، أو بدنية ، أوخارجية .

٨٣
قوله تعالى: ((ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم)) الآية سورة النساء
أما السعادات النفسانية فنوعان : أحدهما : ما يتعلق بالقوة النظرية ، وهو : الذكاء
التام والحدس الكامل ، والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية . وثانيهما : ما
يتعلق بالقوة العملية ، وهي : العفة التي هي وسط بين الخمود والفجور ، والشجاعة التي
هي وسط بين التهور والجبن ، واستعمال الحكمة العملية الذي هو توسط بين البله والجربزة ،
ومجموع هذه الأحوال هو العدالة .
وأما السعادات البدنية : فالصحة والجمال ، والعمر الطويل في ذلك مع
اللذة والبهجة .
وأما السعادات الخارجية : فهي كثرة الأولاد الصلحاء ، وكثرة العشائر ، وكثرة
الأصدقاء والأعوان ، والرياسة التامة ، ونفاذ القول، وكونه محبوباً للخلق حسن الذكر
فيهم ، مطاع الأمر فيهم ، فهذا هو الاشارة إلى مجامع السعادات ، وبعضها فطرية لا سبيل
للكسب فيه ، وبعضها كسبية ، وهذا الذي يكون كسبياً متى تأمل العاقل فيه يجده أيضاً
محض عطاء الله ، فإنه لا ترجيح للدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات ، وإلا فيكون
سبب السعي والجد مشتركاً فيه ، ويكون الفوز بالسعادة والوصول إلى المطلوب غير مشترك
فيه ، فهذا هو أقسام السعادات التي يفضل الله بعضهم على بعض فيها .
﴿ المسألة الثالثة﴾ أن الإنسان إذا شاهد أنواع الفضائل حاصلة لانسان ، ووجد نفسه
خالياً عن جملتها أو عن أكثرها ، فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره ، ثم يعرض ههنا
حالتان : إحداهما : أن يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الانسان ، والأخرى : أن لا
يتمنى ذلك ، بل يتمنى حصول مثلها له . أما الأول فهو الحسد المذموم ، لأن المقصود الأول
المدبر العالم وخالقه : الاحسان إلى عبيده والجود إليهم وإفاضة أنواع الكرم عليهم ، فمن
تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله تعالى فيما هو المقصود بالقصد الأول من خلق العالم
وإيجاد المكلفين ، وأيضاًربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعم من ذلك الانسان فيكون هذا
اعتراضاً على الله وقدحاً في حكمته ، وكل ذلك مما يلقيه في الكفر وظلمات البدعة ، ويزيل عن
قلبه نور الإيمان ، وكما أن الحسن سبب للفساد في الدين ، فكذلك هو السبب للفساد في
الدنيا ، فإنه يقطع المودة والمحبة والموالاة ، ويقلب كل ذلك إلى أضدادها ، فلهذا السبب نهى
الله عباده عنه فقال ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) .
واعلم أن سبب المنع من هذا الحسد يختلف باختلاف أصول الأديان ، أما على مذهب
أهل السنة والجماعة ، فهو أنه تعالى فعال لما يريد ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) فلا

٨٤
قوله تعالى «للرجال نصیب مما اكتسبوا)) الآية
سورة النِّساءِ
اعتراض عليه في فعله . ولا مجال لأحد في منازعته ، وكل شىء صنعه ولا علة لصنعه ، وإذا
كان كذلك فقد صارت أبواب القيل والقال مسدودة ، وطرق الاعتراضات مردودة . وأما على
مذهب المعتزلة فهذا الطريق أيضاً مسدود ، لأنه سبحانه علام الغيوب فهو أعرف من خلقه
بوجوه المصالح ودقائق الحكم ، ولهذا المعنى قال ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض )
وعلى التقديرين فلا بد لكل عاقل من الرضا بقضاء الله سبحانه ، ولهذا المعنى حكى الرسول
وَ لّ عن رب العزة أنه قال ((من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر لنعمائي كتبته صديقاً
وبعثته يوم القيامة مع الصديقين ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر
لنعمائي فليطلب رباً سواي)) فهذا هو الكلام فيما إذا تمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الانسان ،
ومما يؤكد ذلك ما روى ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله عليه(( لا
يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتقوم
مقامها فإن الله هو رازقها )) والمقصود من كل ذلك المبالغة في المنع من الحسد . أما إذا لم يتمن
ذلك بل تمنى حصول مثلها له فمن الناس من جوز ذلك إلا أن المحققين قالوا : هذا أيضاً لا
يجوز ، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة عليه في الدنيا ، فلهذا
السبب قال المحققون : إنه لا يجوز للإنسان أن يقول : اللهم أعطني داراً مثل دار فلان ،
وزوجة مثل زوجة فلان ، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني مايكونصلاحاً في ديني ودنيايومعادي
ومعاشي . وإذا تأمل الانسان كثيراً لم يجد دعاء أحسن مما ذكره الله في القرآن تعليماً لعباده وهو
قوله ( آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ) وروى قتادة عن الحسن أنه قال : لا يتمن أحد
المال فلعل هلاكه في ذلك المال ، كما في حق ثعلبة وهذا هو المراد بقوله في هذه الآية ( واسألوا
الله من فضله ) .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ذكروا في سبب النزول وجوهاً: الأول: قال مجاهد قالت أم
سلمة : يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا ، فليتنا كنا رجالا
فنزلت الآية ، الثاني : قال السدي : لما نزلت آية المواريث قال الرجال : نرجو أن نفضل على
النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث وقال النساء : نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على
الرجال كما في الميراث فنزلت الآية . الثالث : لما جعل الله الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين قالت
النساء : نحن أحوج لأنا ضعفاء وهم أقدر على طلب المعاش فنزلت الآية . الرابع : أتت
واحدة من النساء إلى رسول اللّه ◌َ له وقالت: رب الرجال والنساء واحد ، وأنت الرسول إلينا
وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء . فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا ، فنزلت
الآية، فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟ فقال له((إن للحامل منكن أجر الصائم

٨٥
سورة النِّساء
قوله تعالى ((للرجال نصيب مما اكتسبوا)) الآية
القائم فإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر ، فإذا أرضعت كان لها بكل مصة أجر
إحياء نفس .
ثم قال تعالى ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ .
واعلم أنه يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما يتعلق بأحوال الدنيا ، وأن يكون ما
يتعلق بأحوال الآخرة ، وأن يكون ما يتعلق بهما .
أما الاحتمال الأول﴾ ففيه وجوه : الأول : أن يكون المراد لكل فريق نصيب مما
اكتسب من نعيم الدنيا ، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له . الثاني : كل نصيب مقدر من
الميراث على ما حكم الله به فوجب أن يرضى به ، وأن يترك الاعتراض ، والاكتساب على هذا
القول بمعنى الاصابة والاحراز . الثالث : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ،
فأبطل الله ذلك بهذه الآية ، وبين أن لكل واحد منهم نصيباً ، ذكراً كان أوأنثى ، صغيراً كان
أو كبيراً .
﴿وأما الاحتمال الثاني﴾ وهو أن يكون المراد بهذه الآية: ما يتعلق بأحوال الآخرة ففيه
وجوه : الأول : المراد لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ولطفه ، فلا تتمنوا خلاف
ذلك . الثاني : لكل أحد جزاء مما اكتسب من الطاعات ، فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد
المذموم وتقديره : لا تضيع مالك وتتمن ما لغيرك . الثالث : للرجال نصيب مما اكتسبوا سبب
قيامهم بالنفقة على النساء ، وللنساء نصيب مما اكتسبن ، يريد حفظ فروجهن وطاعة
أزواجهن ، وقيامها بمصالح البيت من الطبخ والخبز وحفظ الثياب ومصالح المعاش ،
فالنصيب على هذا التقدير هو الثواب .
وأما الاحتمال الثالث ﴾ فهو أن يكون المراد من الآية : كل هذه الوجوه ، لأن هذا
اللفظ محتمل ، ولا منافاة .
ثم قال تعالى ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير والكسائي (وسلوا الله من فضله) بغير همز، بشرط
أن يكون أمراً من السؤال ، وبشرط أن يكون قبله واو أو فاء ، والباقون بالهمز في كل
القرآن .
أما الأول : فنقل حركة الهمزة إلى السين ، واستغنى عن ألف الوصل فحذفها .

٨٦
-
قوله تعالى ((ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان» الآية
سورة النِّساء
وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوْلِ مَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَلْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَبْمَئُكُمْ فَعَاتُوهُمْ
نَصِيبُهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا (
٣٣
وأما الثاني ﴾ فعلى الأصل. واتفقوا في قوله (وليسألوا ) أنه بالهمزة ، لأنه أمر
لغائب .
المسألة الثانية﴾ قال أبو علي الفارسي: قوله (من فضله) في موضع المفعول الثاني
في قول أبي الحسن ويكون المفعول الثاني محذوفاً في قياس قول سيبويه ، والصفة قائمة
مقامه ، كأنه قيل : واسألوا الله نعمته من فضله .
المسألة الثالثة ﴾ قوله (واسألوا الله من فضله) تنبيه على أن الانسان لا يجوز له أن
يعين شيئاً في الطلب والدعاء ، ولکن یطلب من فضل الله ما یکون سبباً لصلاحه في دينه ودنياه
على سبيل الاطلاق.
ثم قال ﴿ إن الله كان بكل شيء علياً﴾ والمعنى أنه تعالى هو العالم بما يكون صالحاً
للسائلين ، قليقتصر السائل على المجمل ، وليحترز في دعائه عن التعيين ، فربما كان ذلك
محض المفسدة والضرر والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فأتوهم
نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ .
في الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه يمكن تفسير الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون وراثاً ،
ويمكن أيضاً بحيث يكونان موروثاً عنهما .
أما الأول : فهو أن قوله ( ولكل جعلنا موالى مما ترك ) أي : ولكل واحد جعلنا ورثة في.
تركته ، ثم كأنه قيل : ومن هؤلاء الورثة ؟ فقيل : هم الوالدان والأقربون ، وعلى هذا الوجه
لا بد من الوقف عند قوله ( مما ترك ) .
﴿وأما الثاني﴾ ففيه وجهان: الأول: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير،
والتقدير : ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالى ، أي : ورثة و( جعلنا ) في

سورة النّساء ٨٧
قوله تعالى: ((والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم)) الآية
هذين الوجهين لا يتعدى إلى مفعولين ، لأن معنى ( جعلنا) خلقنا . الثاني : أن يكون
التقدير : ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ، فقوله ( موالى ) على
هذا القول يكون صفة ، والموصوف يكون محذوفاً ، والراجع إلى قوله ( ولكل ) محذوفاً ،
والخبر وهو قوله ( نصيب) محذوف أيضاً، وعلى هذا التقدير يكون ( جعلنا) معتديا إلى
مفعولين ، والوجهان الأولان أولى ، لكثرة الاضمار في هذا الوجه .
﴿ المسألة الثانية﴾ المولى: لفظ مشترك بين معان: أحدها : المعتق ، لأنه ولى نعمته
في عتقه ، ولذلك يسمى مولى النعمة . وثانيها : العبد المعتق ، لاتصال ولاية مولاه في إنعامه
عليه ، وهذا كما يسمى الطالب غريماً ، لأن له اللزوم والمطالبة بحقه ، ويسمى المطلوب غريماً
الكون الدين لازماً له . وثالثها : الحليف لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين . ورابعها : ابن
العم ، لأنه يليه بالنصرة للقرابة التي بينهما . وخامسها : المولى الولي لأنه يليه بالنصرة قال
تعالى ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ) وسادسها : العصبة ، وهو
المراد به في هذه الآية لأنه لا يليق بهذه الآية إلا هذا المعنى ، ويؤكده ما روى أبو صالح عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله ◌َ له((أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالاً فما له للموالى العصبة
ومن ترك كلا فأنا وليه)) وقال عليه الصلاة والسلام ((اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولى
عصبة ذكر)) .
ثم قال تعالى ﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي: عقدت بغير ألف وبالتخفيف،
والباقون بالألف والتخفيف ، وعقدت: اضافت العقد إلى واحد، والاختيار: عاقدت، لدلالة المفاعلة
على عقد الحلف من الفريقين .
﴿ المسألة الثانية﴾ الأيمان. جمع يمين، واليمين يحتمل أن يكون معناه اليد ، وأن
يكون معناه القسم ، فإن كان المراد اليد ففيه مجاز من ثلاثة أوجه : أحدها : أن المعاقدة
مسندة في ظاهر اللفظ إلى الأيدي ، وهي في الحقيقة مسندة إلى الحالفين ، والسبب في هذا المجاز
أنهم كانوا يضربون صفقة البيع بأيمانهم ، ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك
بالعهد .
والوجه الثاني ﴾ في المجاز: وهو أن التقدير: والذين عاقدت بحلفهم أيمانكم،
فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، وحسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه . الثالث :
أن التقدير : والذين عاقدتهم، إلا أنه حذف الذكر العائد من الصلة إلى الموصول ، هذا كله

٨٨
قوله تعالى ((والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم)) الآية سورة النّساء
إذا فسرنا اليمين باليد . أما إذا فسرناها بالقسم والحلف كانت المعاقدة في ظاهر اللفظ مضافة
إلى القسم ، وإنما حسن ذلك لأن سبب المعاقدة لما كان هو اليمين حسنت هذه الاضافة ،
والقول في بقية المجازات كما تقدم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ من الناس من قال: هذه الآية منسوخة ، ومنهم من قال : إنها غير
منسوخة أما القائلون بالنسخ فهم الذين فسروا الآية بأحد هذه الوجوه التي نذكرها :
فالأول : هو أن المراد بالذين عاقدت أيمانكم : الحلفاء في الجاهلية ، وذلك أن الرجل كان
يعاقد غيره ويقول : دمي دمك وسلمي سلمك ، وحربي حربك ، وترثني وأرثك . وتعقل
عني وأعقل عنك ، فيكون لهذا الحليف السدس من الميراث ، فنسخ ذلك بقوله تعالى ( وأولوا
الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وبقوله ( يوصيكم الله ) الثاني : أن الواحد منهم
كان يتخذ إنساناً أجنبياً ابناً له ، وهم المسمون بالأدعياء ، وكانوا يتوارثون بذلك السبب ثم
نسخ . الثالث : أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يثبت المؤاخاة بين كل رجلين من
أصحابه ، وكانت تلك المؤاخاة سبباً للتوارث . واعلم أن على كل هذه الوجوه الثلاثة كانت
المعاقدة سبباً للتوارث بقوله ( فأتوهم نصيبهم ) ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بالآيات التي
تلوناها .
القول الثاني ﴾ قول من قال: الآية غير منسوخة، والقائلون بذلك ذكروا في
تأويل الآية وجوهاً : الأول : تقدير الآية : ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين
عاقدت أيمانكم موالى ورثة فأتوهم نصيبهم، أي فأتوا الموالى والورثة نصيبهم، فقوله (والذين
عاقدت أيمانكم ) معطوف على قوله ( الوالدان والأقربون ) والمعنى : أن ما ترك الذين عاقدت
أيمانكم فله وارث هو أولى به ، وسمى الله تعالى الوارث مولى. والمعنى لا تدفعوا المال إلى
الحليف، بل إلى المولى والوارث ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الآية ، وهذا تأويل أبي علي
الجبائي . الثاني : المراد بالذين عاقدت أيمانكم : الزوج والزوجة ، والنكاح يسمى عقداً قال
تعالى ( ولا تعزموا عقدة النكاح ) فذكر تعالى الوالدين والأقربين ، وذكر معهم الزوج
والزوجة ، ونظيره آية المواريث في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين ذكر معهم ميراث الزوج
والزوجة ، وعلى هذا فلا نسخ في الآية أيضاً، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني . الثالث : أن
يكون المراد بقوله ( والذين عاقدت أيمانكم ) الميراث الحاصل بسبب الولاء ، وعلى هذا
التقدير فلا نسخ أيضاً. الرابع: أن يكون المراد من ((الذين عاقدت أيمانكم)) الحلفاء،
والمراد بقوله ( فأتوهم نصيبهم ) النصرة والنص حة والمصافاة في العشرة ، والمخالصة
في المخالطة، فلا يكون المراد التوارث ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضاً . الخامس : نقل أن

قوله تعالى ((والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم)) الآية سورة النساء ٨٩
الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي ابنه عبد الرحمن ، وذلك أنه رضي الله عنه
حلف أن لا ينفق عليه ولا يورثه شيئاً من ماله ، فلما أسلم عبد الرحمن أمره الله أن يؤتيه
نصيبه ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضاً . السادس : قال الأصم : إنه نصيب على سبيل
التحفة والهدية بالشيء القليل ، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أن يجعل له نصيب على ما تقدم
ذكره ، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة والله أعلم بمراده .
المسألة الرابعة ﴾ القائلون بأن قوله ( والذين عاقدت إيمانكم ) مبتدأ ، وخبره ( قوله
فأتوهم نصيبهم) قالوا: إنما جاء خبره مع الفاء لتضمن ((الذي)) معنى الشرط فلا جرم وقع
خبره مع الفاء وهو قوله ( فأتوهم نصيبهم ) ويجوز أن يكون منصوباً على قولك : زيداً
فاضربه .
المسألة الخامسة ﴾ قال جمهور الفقهاء: لا يرث المولى الأسفل من الأعلى . وحكى
الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال : يرث ، لما روى ابن عباس أن رجلاً أعتق عبداً له ،
فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق ، فجعل رسول الله و لي ميراثه للغلام المعتق، ولأنه داخل في
قوله تعالى ( والذين عاقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم ) .
والجواب عن التمسك بالحديث : أنه لعل ذلك المال لما صار لبيت المال دفعه النبي عليه
الصلاة والسلام إلى ذلك الغلام لحاجته وفقره ، لأنه كان مالاً لا وارث له ، فسبيله أن يصرف
إلى الفقراء .
﴿ المسألة السادسة﴾ قال الشافعي ومالك رضي الله عنهما : من أسلم على يد رجل
ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره ، انه لا يرثه بل ميراثه للمسلمين . وقال أبو حنيفة
رضي الله عنه : يرثه حجة الشافعي: أنا بينا أن معنى هذه الآية ولكل شيء مما تركه الوالدان
والأقربون والذين عاقدت أيمانكم ، فقد جعلنا له موالى وهم العصبة ، ثم هؤلاء العصبة إما
الخاصة وهم الورثة ، وإما العامة وهم جماعة المسلمين ، فوجب صرف هذا المال إلى العصبة
العامة ما لم توجد العصبة الخاصة ، واحتج أبو بكر الرازي لقوله بأن الآية توجب الميراث للذي
والاه وعاقده، ثم إنه تعالى نسخه بقوله ( وأولوا ( الأرحام بعضهم أولى ببعض في
كتاب الله ) فهذا النسخ إنما يحصل إذا وجد أولو الأرحام فإذا لم يوجدوا لزم بقاء الحكم كما
کان .
والجواب : أنا بينا أنه لا دلالة في الآية على أن الحليف يرث، بل بينا أن الآية دالة على
أنه لا يرث ، وبينا أن القول بهذا النسخ باطل .

٩٠
قوله تعالى ((الرجال قوامون على النساء)) الآية سورة النِّساء
اُلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى الْتِسَاءِبِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآَ أَنْفَقُواْ مِنْ
أَمَوْلهِمْ فَالصَّلِحَتُ قَنِتَتُّ حَفِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَالَّتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ
فَمَطُوهُنَّ وَهُوُهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ
سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيَّ كَبِيرًا (2)
ثم قال تعالى ﴿ إن الله كان على كل شيء شهيداً﴾ وهو كلمة وعد للمطيعين، وكلمة
وعيد للعصاة والشهيد الشاهد والمشاهد ، والمراد منه إما علمه تعالى بجميع الجزئيات ،
والكليات ، وإما شهادته على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه . وعلى التقدير الأول : الشهيد
هو العالم ، وعلى التقدير الثاني هو المخبر .
قوله تعالى ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من
أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن
واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما قال ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) وقد ذكرنا أن
سبب نزول هذه الآية أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث ، فذكر تعالى
في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث ، لأن الرجال قوامون على النساء ،
فإنهما وإن اشتركا في استمتاع كل واحد منهما بالآخر ، أمر الله الرجال أن يدفعوا اليهن المهر ،
ويدروا عليهن النفقة فصارت الزيادة من أحد الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر ،
فكأنه لا فضل البتة ، فهذا هو بيان كيفية النظم . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ القوام ؛ اسم لمن يكون مبالغاً في القيام بالأمر ، يقال : هذا قيم
المرأة وقوامها للذى يقوم بأمرها ويهتم بحفظها . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في بنت
محمد بن سلمة وزوجها سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار ، فإنه لطمها لطمة فنشزت عن
فراشه وذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وذكرت هذه الشكاية ، وأنه لطمها وان أثر
اللطمة باق في وجهها ، فقال عليه الصلاة والسلام ((اقتصى منه ثم قال لها اصبري حتى أنظر))
فنزلت هذه الآية ( الرجال قوامون على النساء) أي مسلطون على أدبهن والأخذ فوق

٩١
سورة النِّساء
قوله تعالى ((الرجال قوامون على النساء)) الآية
أيديهن ، فكأنه تعالى جعله أميراً عليها ونافذ الحكم في حقها ، فلما نزلت هذه الآية قال النبي
وَ﴾ ((أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خيراً)) ورفع القصاص، ثم إنه تعالى لما أثبت
للرجال سلطنة على النساء ونفاذ أمر عليهن بين أن ذلك معلل بأمرين، أحدهما : قوله تعالى
(بما فضل الله بعضهم على بعض ) .
واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة ، بعضها صفات حقيقية ،
وبعضها أحكام شرعية ، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى
أمرين : إلى العلم ، وإلى القدرة ، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر، ولا شك أن
قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل ، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في
العقل والحزم والقوة ، والكتابة في الغالب والفروسية والرمي ، وان منهم الأنبياء والعلماء ،
وفيهم الامامة الكبرى والصغرى والجهادوالأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود
والقصاص بالاتفاق ، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه ، وزيادة النصيب في الميراث
والتعصيب في الميراث ، وفي تحمل الدية في القتل والخطأ ، وفي القسامة والولاية في النكاح
والطلاق والرجعة وعدد الأزواج ، وإليهم الانتساب ، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على
النساء .
والسبب الثاني ﴾ لحصول هذه الفضيلة: قوله تعالى (وبما أنفقوا من أموالهم ) يعني
الرجل أفضل من المرأة لأنه يعطيها المهر وينفق عليها ، ثم إنه تعالى قسم النساء قسمين ،
فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ، وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: قرأ ابن مسعود ( فالصوالح قوانت حوافظ
للغيب ) .
﴿ المسألة الثانية) قوله ( قانتات حافظات للغيب) فيه وجهان : الأول : قانتات ،
أي مطيعات لله ( حافظات للغيب ) أي قائمات بحقوق الزوج ، وقدم قضاء حق الله ثم أتبع
ذلك بقضاء حق الزوج . الثاني : أن حال المرأة إما أن يعتبر عند حضور الزوج أو عند
غيبته . أما حالها عند حضور الزوج فقد وصفها الله بأنها قانتة ، وأصل القنوت دوام
الطاعة ، فالمعنى أنهن قيمات بحقوق أزواجهن ، وظاهر هذا إخبار ، إلا أن المراد منه الأمر
بالطاعة .
واعلم أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها ، لأن الله تعالى قال
( فالصالحات قانتات ) والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق ، فهذا يقتضي أن كل امرأة

٩٢
قوله تعالى ((واللائى تخافون نشوزهن)) الآية
سورة النِّساء
تكون صالحة ، فهي لا بد وأن تكون قانتة مطيعة . قال الواحدي رحمه الله : لفظ القنوت
يفيد الطاعة ، وهو عام في طاعة الله وطاعة الأزواج ، وأما حال المرأة عند غيبة الزوج فقد
وصفها الله تعالى بقوله ( حافظات للغيب ) واعلم أن الغيب خلاف الشهادة ، والمعنى كونهن
حافظات بمواجب الغيب ، وذلك من وجوه : أحدها : أنها تحفظ نفسها عن الزنا لئلا يلحق
الزوج العار بسبب زناها . ولئلا يلتحق به الولد المتكون من نطفة غيره ، وثانيها : حفظ ماله
عن الضياع، وثالثها: حفظ منزله عما لا ينبغي، وعن النبيعمَلَّه((خير النساء إن نظرت إليها
سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها))، وتلا هذه الآية .
المسألة الثالثة﴾ ((ما)) في قوله ( بما حفظ الله) فيه وجهان : الأول : بمعنى الذي ،
والعائد إليه محذوف، والتقدير : بما حفظه الله لهن ، والمعنى أن عليهن أن يحفظن حقوق
الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن ، حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن
بالمعروف وإعطائهن أجورهن ، فقوله ( بما حفظ الله) يجري مجرى ما يقال : هذا بذاك ، أي
هذا في مقابلة ذاك .
والوجه الثاني﴾ أن تكون ((ما)) مصدرية، والتقدير: بحفظ الله، وعلى هذا
التقدير ففيه وجهان : الأول : أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله إياهن ، أي لا يتيسرلهن
حفظ إلا بتوفيق الله ، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل . والثاني : أن المعنى :
هو أن المرأة إنما تكون حافظة للغيب بسبب حفظهن الله أي بسبب حفظهن حدود الله
وأوامره ، فان المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكاليف الله وتجتهد في حفظ أوامره لما أطاعت
زوجها ، وهذا الوجه يكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول .
واعلم أنه تعالى لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصالحات ، فقال ﴿ واللاتي تخافون
نشوزهن ﴾ .
واعلم أن الخوف عبارة عن حال يحصل في القلب عند ظن حدوث أمر مكروه في
المستقبل . قال الشافعي رضي الله عنه ( واللاتي تخافون نشوزهن ) النشوز قد يكون قولاً ،
وقد يكون فعلاً ، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها ، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ثم
تغيرت ، والفعل مثل أن كانت تقوم إليه إذا دخل عليها ، أو كانت تسارع إلى أمره وتبادر إلى
فراشه باستبشار إذا التمسها ، ثم إنها تغيرت عن كل ذلك ، فهذه أمارات دالة على نشوزها
وعصيانها ، فحينئذ ظن نشوزها ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز. وأما النشوز
فهو معصية الزوج والترفع عليه بالخلاف ، وأصله من قولهم نشر الشيء إذا ترفع ، ومنه يقال

٩٣
قوله تعالى ((فعظوهن واهجروهن في المضاجع)) الآية سورة النِّساء
للأرض المرتفعة : نشز ونشر .
ثم قال تعالى ﴿ فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: أما الوعظ فانه يقول لها : اتقي الله
فإن لي عليك حقاً وارجعي عما أنت عليه ، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو هذا ، ولا
يضربها في هذه الحالة لجواز أن يكون لها في ذلك كفاية ، فإن أصرت على ذلك النشوز فعند
ذلك يهجرها في المضجع وفي ضمنه امتناعه من كلامها ، قال الشافعي رضي الله تعالى عنه :
ولا يزيد في هجره الكلام ثلاثاً ، وأيضاً فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق
ذلك عليها فتترك النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران ، فكان ذلك دليلا على
كمال نشوزها ، وفيهم من حمل ذلك على الهجران في المباشرة ، لأن إضافة ذلك إلى المضاجع
يفيد ذلك ، ثم عند هذه الهجرة ان بقيت على النشوز ضربها . قال الشافعي رضي الله عنه :
والضرب مباح وتركه أفضل . روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : كنا معاشر
قريش تملك رجالنا نساءهم ، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم ، . فاختلطت
نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن، أي نشزن واجترأن، فأتيت النبي ◌َّ فقلت له ،
ذئرت النساء على أزواجهن ، فأذن في ضربهن فطاف بحجر نساء الني مَثّ جمع من النسوان
كلهن يشكون أزواجهن، فقال ◌َّ ((لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون
أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم)) ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم
يضربوا . قال الشافعي رضي الله عنه : فدل هذا الحديث على أن الأولى ترك الضرب ، فأما إذا
ضربها وجب في ذلك الضرب أن يكون بحيث لا يكون مفضياً إلى الهلاك البتة ، بأن يكون
مفرقاً على بدنها ، ولا يوالي به في موضع واحد ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن ، وأن يكون
دون الأربعين . ومن أصحابنا من قال : لا يبلغ به عشرين لأنه حد كامل في حق العبد ،
ومنهم من قال : ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف أو بيده ، ولا يضربها بالسياط ولا
بالعصا ، وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه .
وأقول : الذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في
المضاجع ، ثم ترقى منه إلى الضرب ، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل
الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الاقدام على الطريق الأشق والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ اختلف أصحابنا قال بعضهم: حكم هذه الآية مشروع على
الترتيب ، فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب ، قال أمير

٩٤
قوله تعالى ((وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً
سورة النِّساء
وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِمَا فَأَبْعَثُوْ حَكَأُ مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَهُ مِنْ أَهْلِهَ إِن يُرِدَآ إِصْلَهًا
يُوَفِّقِ اللهُبَيْنَهُمَّ إِنَّاللّهَ كَانَ عَليًا خَبِيرًا (3﴾
المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه : يعظها بلسانه فان انتهت فلا سبيل له عليها ،
فإن أبت هجر مضجعها ، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث
الحكمين ، وقال آخرون : هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز
، أما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل . وقال بعض أصحابنا : تحرير المذهب
أن له عند خوف النشوز أن يعظها ، وهل له أن يهجرها؟ فيه احتمال ، وله عند إبداء النشوز
أن يعظها أو يهجرها ، أو يضربها .
ثم قال تعالى ﴿ فان أطعنكم ﴾ أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب
( فلا تبغوا عليهن سبيلاً) أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقاً على سبيل التعنت
والايذاء ( إن الله كان علياً كبيراً) وعلوه لا بعلو الجهة ، وكبره لا يكبر الجثة ، بل هو على كبير
لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في كل الممكنات . وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية
الحسن ، وبيانه من وجوه : الأول : أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان ،
والمعنى أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم ، فالله سبحانه على
قاهر كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي حقهن منكم ، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى
يداً منهن ، وأكبر درجة منهن. الثاني : لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم : فإن اللّه
أعلى منكم وأكبر من كل شيء ، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق . الثالث : أنه تعالى مع
علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون . فكذلك لا تكلفوهن محبتكم ، فإنهن لا يقدرن على
ذلك . الرابع : أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب ، بل يغفر له ، فإذا تابت
المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها . الخامس : أنه تعالى مع حلوه
وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر ، ولم يهتك السرائر ، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال
المرأة ، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض .
قوله تعالى ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا
إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان علياً خبيراً ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر عند نشوز المرأة أن الزوج يعظها ، ثم يهجرها ، ثم يضربها ، بين أنه

٩٥
قوله تعالى ((وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً)) الآية سورة النِّساء
لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم فقال (وإن خفتم شقاق بينهما )
إلى آخر الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس ( خفتم ) أي علمتم . قال : وهذا بخلاف قوله
( واللاتي تخافون نشوزهن) فإن ذلك محمول على الظن ، والفرق بين الموضعين أن في
الابتداء يظهر له أمارات النشوز فعند ذلك يحصل الخوف وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما
أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزة ، فوجب حمل الخوف ههنا على العلم .
طعن الزجاج فيه فقال ( خفتم ) ههنا بمعنى أيقنتم خطأ ، فانا لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم
نحتج إلى الحكمين .
وأجاب سائر المفسرين بأن وجود الشقاق وإن كان معلوماً ، إلا أنا لا نعلم أن ذلك
الشقاق صدر عن هذا أو عن ذاك، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا المعنى. ويمكن أن يقال:
وجود الشقاق في الحال معلوم ، ومثل هذا لا يحصل منه خوف، إنما الخوف في أنه هل يبقى
ذلك الشقاق أم لا ؟ فالفائدة في بعث الحكمين ليست إزالة الشقاق الثابت في الحال فان ذلك
محال ، بل الفائدة إزالة ذلك الشقاق في المستقبل .
﴿ المسألة الثانية ﴾ للشقاق تأويلان: أحدهما : أن كل واحد منهما يفعل ما يشق
على صاحبه . الثاني : أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قوله ( شقاق بينهما ) معناه : شقاقاً بينهما ، إلا أنه أضيف المصدر
إلى الظرف وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة لحصولها فيها ، يقال : يعجبني صوم يوم
عرفة ، وقال تعالى ( بل مكر الليل والنهار ) .
﴿ المسألة الرابعة﴾ المخاطب بقوله ( فابعثوا حكماً من أهله) من هو؟ فيه خلاف :
قال بعضهم إنه هو الامام أو من يلي من قبله ، وذلك لأن تنفيذ الأحكام الشرعية إليه ، وقال
آخرون : المراد كل واحد من صالحي الأمة وذلك لأن قوله ( خفتم ) خطاب للجمع وليس
حمله على البعض أولى من حمله على البقية ، فوجب حمله على الكل ، فعلى هذا يجب أن يكون
قوله ( فإن خفتم ) خطاباً لجميع المؤمنين . ثم قال ( فابعثوا ) فوجب أن يكون هذا أمراً لآحاد
الآمة بهذا المعنى . فثبت أنه سواء وجد الأمام أو لم يوجد ، فللصالحين أن يبعثوا حكماً من
أهله وحكماً من أهلها للاصلاح . وأيضاً فهذا يجري مجرى دفع الضرر ، ولكل أحد أن يقوم
به .

٩٦
قوله تعالى ((وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً)) الآية
سورة النِّساء
المسألة الخامسة ﴾ إذا وقع الشقاق بينهما ، فذاك الشقاق إما أن یکون منهما أو منه أو
منها ، أو يشكل ، فإن کان منها فهو النشوز وقد ذكرنا حکمه ، وإن کان منه ، فإن كان قد
فعل فعلا حلالا مثل التزوج بامرأة أخرى ، أو تسرى بجارية ، عرفت المرأة أن ذلك مباح
ونهيت عن الشقاق ، فإن قبلت وإلا كان نشوزاً ، وإن كان بظلم من جهته أمره الحاكم
بالواجب ، وإن كان منهما أو كان الأمر متشابهاً ، فالقول أيضاً ما قلناه .
المسألة السادسة ﴾ قال الشافعى رضى الله عنه: المستحب أن يبعث الحاكم عدلين
ويجعلهما حكمين والأولى أن يكون واحد من اهله وواحد من أهلها ، لأن اقاربهما أعرف
بحالهما من الأجانب وأشد طلباً للصلاح ، فإن كانا أجنبیین جاز . وفائدة الحکمین أن يخلو كل
واحد منهما بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال ، ليعرف أن رغبته في الأقامة على النكاح ، أو في
المفارقة ، ثم يجتمع الحكمان فيفعلان ما هو الصواب من إيقاع طلاق أو خلع .
المسألة السابعة ﴾ هل يجوز للحكمين تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذنهما ، مثل أن
يطلق حكم الرجل ، أو يفتدي حكم المرأة بشيء من مالها ؟ للشافعي فيه قولان : أحدهما :
يجوز ، وبه قال مالك واسحق . والثاني : لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة . وعلى هذا هو
وكالة كسائر الوكالات وذكر الشافعي رضي الله عنه حديث علي رضي الله عنه ، وهو ما روى
ابن سيرين عن عبيدة أنه قال جاء رجل وامرأة إلى علي رضي الله عنه ، ومع كل واحد منهما
جمع من الناس ، فأمرهم علي بأن يبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ، ثم قال
للحكمين : تعرفان ما عليكما ؟ عليكما أن رأيتما أن تجمعا فاجمعا ، وإن رأيتما أن تفرقا
ففرقا ، فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله تعالى فيما على ولي فيه . فقال الرجل : أما الفرقة
فلا ، فقال علي : كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به . قال الشافعي رضي الله
عنه : وفي هذا الحديث لكل واحد من القولين دليل .
أما دليل القول الأول فهو أنه بعث من غير رضا الزوجين وقال : عليكما إن رأيتما أن
تجمعا فاجمعا ، وأقل ما في قوله : عليكما ، أن يجوز لهما ذلك .
وأما دليل القول الثاني : أن الزوج لما لم يرض توقف على ، ومعنى قوله : كذبت ،
أي لست بمنصف في دعواك حيث لم تفعل ما فعلت هي . ومن الناس من احتج للقول الأول
بأنه تعالى سما هما حكمين . والحكم هو الحاكم وإذا جعله حاكما فقد مكنه من الحكم ، ومنهم
من احتج للقول الثاني بأنه تعالى لما ذكر الحكمين ، لم يضف إليهما إلا الإصلاح ، وهذا
يقتضي أن يكون ما وراء الاصلاح غير مفوض إليهما .

٩٧
قوله تعالى ((واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)) الآية سورة النِّساء
وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَى وَالْبَى
وَالْمَسَلِكِيْنِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا
مَلَكَتْ أَيْتَنُكُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا
٣٦
المسألة الثامنة ﴾ قوله (وإن خفتم شقاق بينهما ) أي شقاقاً بين الزوجين ، ثم إنه
وإن لم يجر ذكرهما إلا أنه جرى ذكر ما يدل عليهما ، وهو الرجال والنساء .
ثم قال تعالى : ﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ وفيه مسألتان :
و المسألة الأولى ﴾ في قوله (إن يريدا) وجوه: الأول: أن يرد الحكمان خيراً
وإصلاحاً يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير . الثاني : أن يرد الحكمان إصلاحاً
يوفق الله بين الزوجين الثالث: إن يرد الزوجان إصلاحاً يوفق الله بين الزوجين . الرابع : إن
يرد الزوجان إصلاحاً يوفق الله بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ، ولا شك أن اللفظ محتمل
لكل هذه الوجوه .
المسألة الثانية﴾ أصل التوفيق الموافقة، وهي المساواة في أمر من الأمور، فالتوفيق
اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة ، والآية دالة على أنه لا يتم شيء من الأغراض والمقاصد
إلا بتوفيق الله تعالى ، والمعنى أنه إن كانت نية الحكمين إصلاح ذات البين يوفق اللّه بين
الزوجين .
ثم قال تعالى ﴿ إن الله كان علياً خبيراً ﴾ والمراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في
سلوك ما يخالف طريق الحق .
النوع التاسع ﴾ من التكاليف المذكورة في هذه السورة :
قوله تعالى ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذى القربى واليتامى
والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله
لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة
الخصومة والخشونة ، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر منها عشرة أنواع .
فخر الرازي ج.١ ٧

٩٨
قوله تعالى ((وبذي القربى)) الآية
سورة النِّساء
النوع الأول﴾ قوله (واعبدوا الله) قال ابن عباس: المعنى وحدوه، واعلم أن
العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به،لمجرد أمر الله تعالى بذلك ، وهذا يدخل فيه جميع
أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح ، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد ، وتحقيق الكلام في
العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) .
النوع الثاني ﴾ قوله (ولا تشركوا به شيئاً) وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله
(واعبدوا الله) أمر بالأخلاص في العبادة بقوله (ولا تشركوا به شيئاً ) لأن من عبد مع الله غيره
كان مشركاً ولا يكون مخلصاً ، ولهذا قال تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ).
النوع الثالث﴾ قوله (وبالوالدين إحساناً) واتفقوا على أن ههنا محذوفاً،
والتقدير : وأحسنوا بالوالدين إحساناً كقوله ( فضرب الرقاب ) أي فاضربوها ، ويقال :
أحسنت بفلان ، وإلى فلان . قال كثير :
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
لدنيا ولا مقلية إن تقلت
واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضيع: أحدها: في هذه
الآية ، وثانيها : قوله ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً ) وثالثها : قوله
( أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير ) وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما
والاحسان إليهما . ومما يدل على وجوب البر إليهما قوله تعالى ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما
وقل لهما قولاً كريماً) وقال ( ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) وقال في الوالدين الكافرين ( وإن
جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً) وعن
النبي وسلم أنه قال ((أكبر الكبائر الاشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس)) وعن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َّ من اليمن استأذنه في الجهاد ، فقال
عليه السلام ((هل لك أحدٍ باليمن فقال أبواي فقال أبواك أذنا لك فقال لا فقال فارجع
واستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما )).
واعلم أن الإحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما ، وألا يرفع صوته عليهما، ولا
يخشن في الكلام معهما ، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة من البر ،
وأن لا يشهر عليهما سلاحاً، ولا يقتلهما ، قال أبو بكر الرازي : إلا أن يضطر إلى ذلك بأن
يخاف أن يقتله إن ترك قتله ، فحينئذ يجوز له قتله ؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه
بتمكين غيره منه، وذلك منهى عنه. روى أن النبي ◌ُ ◌ّ نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن
قتل أبيه وكان مشركاً .

٩٩
سورة النِّساء
قوله تعالى ((والصاحب بالجنب)) الآية
النوع الرابع ﴾ قوله تعالى (وبذي القربى) وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول
السورة بقوله ( والأرحام ) .
واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضاً ، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة
بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها ، لا جرم ميزها الله تعالى
في الذكر عن سائر الأنواع ، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد ، ثم أتبعها بقرابة الرحم .
النوع الخامس﴾ قوله ((واليتامى)) واعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز:
أحدهما : الصغر، والثاني : عدم المنفق ، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز
واستحقاق الرحمة . قال ابن عباس : يرفق بهم ويربيهم ويمسح رأسهم ، وإن كان وصيا لهم
فليبالغ في حفظ أموالهم .
﴿ النوع السادس﴾ قوله (والمساكين) واعلم أنه وان كان عديم المال إلا أنه لكبره
يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير ، فيجلب به نفعا أو يدفع به ضررا ، وأما اليتيم فلا قدره
له عليه ، فلهذا المعنى قدم الله اليتيم في الذكر على المسكين ، والإحسان إلى المسكين أما
بالأجمال إليه ، أو بالرد الجميل . كما قال تعالى ( وأما السائل فلا تنهر ) .
النوع السابع ﴾ قوله (والجارذي القربي ) قيل : هو الذي قرب جواره ، والجار
الجنب هو الذي بعد جواره . قال عليه الصلاة والسلام (( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه
ألا وان الجوار أربعون داراً)) وكان الزهري يقول: أربعون يمنة، وأربعون يسرة ، وأربعون
أماما وأربعون خلفاً . وعن أبي هريرة قيل : يا رسول الله ان فلانة تصوم النهار وتصلي الليل
وفي لسانها شيء يؤذي جيرانها ، أي هي سليطة، فقال عليه الصلاة والسلام: (( لا خير فيها
هي في النار)) وروى أنه مَّل، قال: (( والذي نفس محمد بيده لا يؤدي حق الجار إلا من رحم
الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار أن افتقر أغنيته وان استقرض أقرضته وان اصابه خير
هنأته وان أصابه شر عزيته وان مرض عدته وان مات شيعت جنازته)) وقال آخرون : عني
بالجارذي القربى : القريب النسيب ، وبالجار الجنب : الجار الأجنبي ، وقرىء ( والجار ذا
القربى ) نصبا على الأختصاص . كما قرىء ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) تنبيها
على عظم حقه ، لأنه اجتمع فيه موجبان . الجوار والقرابة .
النوع الثامن ﴾ قوله (والجار الجنب ) وقد ذكرنا تفسيره . قال الواحدي : الجنب
نعت على وزن فعل ، وأصله من الجنابة ضد القرابة وهو البعيد . يقال : رجل جنب إذا كان
غريبا متباعداً عن أهله ، ورجل أجنبي وهو البعيد منك في القرابة . وقال تعالى ( واجنبني

١٠٠
قوله تعالى ((وما ملكت أيمانكم)) الآية سورة النساء
وبني ) أي بعدني ، والجانبان الناحيتان لبعد كل واحد منهما عن الآخر ومنه الجنابة من الجماع
لتباعده عن الطهارة وعن حضور المساجد للصلاة ما لم يغتسل ، ومنه أيضا الجنبان لبعد كل
واحد منهما عن الآخر . وروى المفضل عن عاصم ( والجار الجنب ) بفتح الجيم وسكون النون
وهو يحتمل معنيين : أحدهما : أنه يريد بالجنب الناحية ، ويكون التقدير : والجارذي الجنب
فحذف المضاف، لأن المعنى مفهوم والآخر : أن يكون وصفا على سبيل المبالغة ، كما يقال :
فلان کرم وجود .
﴿ النوع التاسع ﴾ قوله (والصاحب بالجنب ) وهو الذي صحبك بأن حصل بجنبك
إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم أو حرفة ، وإما قاعدا إلى جنبك في
مجلس أو مسجد أو غير ذلك ، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه ، فعليك أن ترعى ذلك
الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الأحسان ، وقيل : الصاحب بالجنب : المرأة فأنها تكون.
معك وتضجع إلى جنبك .
﴿ النوع العاشر﴾ قوله (وابن السبيل) وهو المسافر الذي انقطع عن بلده، وقيل:
الضيف .
﴿ النوع الحادي عشر﴾ قوله (وما ملكت إيمانكم).
واعلم أن الاحسان إلى المماليك طاعة عظيمة ، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن
النبي ◌َّ قال ((من ابتاع شيئا من الخدم فلم توافق شيمته شيمته فليبع وليشتر حتى توافق
شيمته شيمته فان للناس شيما ولا تعذبوا عباد الله)) وروى أنه عليه والسلام كان آخر كلامه :
((الصلاة وما ملكت أيمانكم)) وروى أنه كان رجل بالمدينة يضرب عبده ، فيقول العبد أعوذ
بالله ويستمعه الرسول عليه السلام والسيد كان يزيده ضربا، فطلع الرسول وص له، فقال أعوذ
برسول الله فتركه، فقال رسول الله وَ له((إن الله كان أحق أن يجار عائذه)) قال يا رسول الله
فانه حر لوجه الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفس محمد بيده لو لم تقلها
لدافع وجهك سفع النار )) .
واعلم أن الأحسان اليهم من وجوه : أحدها : أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به ،
وثانيها : أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة ، وثالثها : أن يعطيهم من
الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه . وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الاماء
البغاء ، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن . وقال بعضهم : كل حيوان فهو مملوك ،
والاحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة .