النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
قوله تعالى ((فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات)) الآية سورة النِّساء
﴿ المسألة السابعة﴾ الآية دالة على التحذير من نكاح الاماء، وأنه لا يجوز الاقدام عليه
إلا عند الضرورة ، والسبب فيه وجوه : الأول : أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية ، فإذا
كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقاً ، وذلك يوجب النقص في حق ذلك الانسان وفي حق ولده .
والثاني : أن الأمة قد تكون تعودت الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية
الوقاحة ، وربما تعودت الفجور، وكل ذلك ضرر على الأزواج . الثالث : أن حق المولى
عليها أعظم من حق الزوج ، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة ، فربما
احتاج الزوج إليها جداً ولا يجد إليها سبيلاً لأن السيد يمنعها ويحبسها . الرابع : أن المولى
قد يبيعها من إنسان آخر ، فعلى قول من يقول : بيع الأمة طلاقها ، تصير مطلقة شاء الزوج
أم أبى ، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها وبولدها ، وذلك من أعظم
المضار . الخامس : أن مهرها ملك لمولاها ، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها ، ولا على
إبرائه عنه ، بخلاف الحرة ، فلهذه الوجوه ما أذن الله في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة
والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله (فمما ملكت أيمانكم ) أي فليتزوج مما ملكت أيمانكم. قال
ابن عباس : يريد جارية أختك ، فإن الانسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه .
المسألة الثانية) الفتيات: المملوكة جمع فتاة، والعبد فتى، وعن النبي وَلّ (( لا
يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي )) ويقال للجارية الحديثة : فتاة ، وللغلام فتى ،
والأمة تسمى فتاة ، عجوزاً كانت أو شابة ، لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير .
﴿ المسألة الثالثة) قوله ( من فتياتكم المؤمنات ) يدل على تقييد نكاح الأمة بما إذا
كانت مؤمنة فلا يجوز التزوج بالأمة الكتابية ، سواء كان الزوج حراً أو عبداً، وهذا قول
مجاهد وسعيد والحسن ، وقول مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : يجوز التزوج بالأمة
الكتابية .
حجة الشافعي رضي الله عنه : أن قوله ( من فتياتكم المؤمنات ) تقييد لجواز نكاح الأمة
بكونها مؤمنة ، وذلك ينفي جواز نكاح غير المؤمنة من الوجهين اللذين ذكرناهما في مسألة طول
الحرة ، وأيضاً قال تعالى ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) .
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه : النص والقياس : أما النص فالعمومات التي

٦٢
قوله تعالى ((فانكحوهن بإذن أهلهن)» الآية
سورة النِّساء
ذكرنا تمسكه بها في طول الحرة ، وأكدها قوله ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من
قبلكم ) وأما القياس فهو أنا أجمعنا على أن الكتابية الحرة مباحة ، والكتابية المملوكة أيضاً
مباحة ، فكذلك إذا تزوج بالكتابية المملوكة وجب أنه يجوز .
والجواب عن العمومات : أن دلائلنا خاصة فتكون مقدمة على العمومات ، وعن
القياس : أن الشافعي قال : إذا تزوج بالحرة الكتابية فهناك نقص واحد ، أما إذا تزوج
بالأمة الكتابية فهناك نوعان من النقص: الرق والكفر ، فظهر الفرق .
ثم قال تعالى ﴿والله أعلم بايمانكم﴾ قال الزجاج: معناه اعملوا على الظاهر في الإيمان
فانكم مكلفون بظواهر الأمور ، والله يتولى السرائر والحقائق .
ثم قال تعالى ﴿ بعضكم من بعض﴾ وفيه وجهان: الأول: كلكم أولاد آدم فلا
تداخلنكم أنفة من تزوج الاماء عند الضرورة . والثاني : ان المعنى : كلكم مشتركون في
الايمان ، والايمان أعظم الفضائل ، فاذا حصل الاشتراك في اعظم الفضائل كان التفاوت فيما
وراءه غير ملتفت إليه ، ونظيره قوله تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وقوله
( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) قال الزجاج : فهذا الثاني أولى لتقدم ذكر المؤمنات ، أولأن
الشرف بشرف الاسلام أولى منه بسائر الصفات ، وهو يقوي قول الشافعي رضي الله عنه : إن
الإِيمان شرط لجواز نكاح الأمة .
واعلم أن الحكمة في ذكر هذه الكلمة أن العرب كانوا يفتخرون بالأنساب ، فأعلم في
ذكر هذه الكلمة أن الله لا ينظر ولا يلتفت إليه. روى عن الرسول لي أنه قال ((ثلاث من أمر
الجاهلية : الطعن في الأنساب ، والفخر بالأحساب ، والاستسقاء بالانواء ، ولا يدعها الناس
في الإسلام)) وكان أهل الجاهلية يضعون من ابن الهجين ، فذكر تعالى هذه الكلمة زجراً لهم
عن أخلاق أهل الجاهلية .
ثم إنه تعالى شرح كيفية هذا النكاح فقال ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل ، ويدل عليه
القرآن والقياس . أما القرآن فهو هذه الآية فإن قوله تعالى ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) يقتضي
كون الاذن شرطاً في جواز النكاح ، وإن لم يكن النكاح واجباً . وهو كقوله عليه الصلاة
والسلام (( من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) فالسلم ليس
بواجب ، ولكنه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط، كذلك النكاح وإن لم يكن

٦٣
قوله تعالى ((وآتوهن أجورهن بالمعروف) الآية سورة النِّساء
واجباً ، لكنه إذا أراد أن يتزوج أمه ، وجب أن لا يتزوجها إلا بإذن سيدها . وأما القياس :
فهو أن الأمة ملك للسيد ، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها ، فوجب أن لا يجوز ذلك
إلا بإذنه . واعلم أن لفظ القرآن مقتصر على الأمة ، وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث
عن جابر قال: قال رسول الله وَّ ((إذا تزوج العبد بغير إذن السيد فهو عاهر)).
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها
إلا بإذن الولي . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يصح ، احتج الشافعي بهذه الآية ، وتقريره
أن الضمير، في قوله ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) عائد إلى الإماء ، والأمة ذات موصوفة بصفة
الرق ، وصفة الرق صفة زائلة ، والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة لا يتناول الاشارة
إلى تلك الصفة ، ألا ترى أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخاً ثم تكلم معه
يحنث في يمينه ، فثبت أن الاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة عرضية زائلة ، باقية بعد زوال
تلك الصفة العرضية ، وإذا ثبت هذا فنقول : قوله ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) إشارة إلى
الاماء ، فهذه الاشارة وجب أن تكون باقية حال زوال الرق عنهن ، وحصول صفة الحرية
لهن ، وإذا كان كذلك فالحرة البالغة العاقلة في هذه الصورة يتوقف جواز نكاحها على إذن
وليها ، وإذا ثبت ذلك في هذه الصورة وجب ثبوت هذا الحكم في سائر الصور ؛ ضرورة أنه لا
قائل بالفرق . احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على فساد قول الشافعي في هذه المسألة فقال :
مذهبه أنه لا عبارة للمرأة في عقد النكاح ، فعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تزوج أمتها ، بل
مذهبه أن توكل غيرها بتزويج أمتها. قال : وهذه الآية تبطل ذلك ، لأن ظاهر هذه الآية
يدل على الاكتفاء بحصول اذن أهلها ، فمن قال لا يكفي ذلك كان تاركاً لظاهر الآية .
والجواب من وجوه : الأول : أن المراد بالاذن الرضا . وعندنا أن رضا المولى لا بد
منه ، فأما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه ، وثانيها : أن أهلهن عبارة عمن يقدر على
نكاحهن ، وذلك إما المولى إن كان رجلاً ، أو ولي مولاها إن كان مولاها امرأة . وثالثها :
هب: أن الأهل عبارة عن المولى ، لكنه عام يتناول الذكور والاناث ، والدلائل الدالة على أن
المرأة لا تنكح نفسها خاصة قال عليه الصلاة والسلام ((العاهر هي التي تنكح نفسها)) فثبت
بهذا الحديث أنه لا عبارة لها في نكاح نفسها ، فوجب أن لا يكون لها عبارة في نكاح
مملوكتها ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ في تفسير الآية قولان : الأول : أن المراد من الأجور : المهور،

٦٤
قوله تعالى ((وآتوهن أجورهن بالمعروف)) الآية سورة النساء
وعلى هذا التقدير فالآية تدل على وجوب مهرها إذا نكحها ، سمي لها المهر أو لم يسم ، لأنه
تعالى لم يفرق بين من سمي ، وبين من لم يسم في إيجاب المهر ، ويدل على أنه قد أراد مهر
المثل قوله تعالى ( بالمعروف) وهذا إنما يطلق فيما كان مبنياً على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد
والمتعارف كقوله تعالى ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) الثاني : قال القاضي :
إن المراد من أجورهن النفقة عليهن ، قال هذا القائل : وهذا أولى من الأول ، لأن المهر
مقدر ، ولا معنى لاشتراط المعروف فيه ، فكأنه تعالى بين أن كونها أمة لا يقدح في وجوب
نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة ، ثم قال
القاضي : اللفظ وان كان يحتمل ما ذكرناه فأكثر المفسرين يحملونه على المهر ، وحملوا قوله
( بالمعروف) على إيصال المهر إليها على العادة الجميلة عند المطالبة من غير مطل وتأخير .
المسألة الثانية ﴾ نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن بعض أصحاب مالك
أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها ، وأن المولى إذا آجرها للخدمة كان المولى هو المستحق
للأجر دونها وهؤلاء احتجوا في المهر بهذه الآية ، وهو قوله ( وآتوهن أجورهن ) وأما الجمهور
فإنهم احتجوا على أن مهرها لمولاها بالنص والقياس ، أما النص فقوله تعالى (ضرب الله مثلاً
عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء) وهذا ينفي كون المملوك مالكاً لشيء أصلاً ، وأما القياس فهو
أن المهر وجب عوضاً عن منافع البضع ، وتلك المنافع مملوكة للسيد ، وهو الذي أباحها للزوج
بقيد النكاح ، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها .
والجواب عن تمسكهم بالآية من وجوه : الأول : أنا إذا حملنا لفظ الأجور في الآية على
النفقة زال السؤال بالكلية . الثاني : أنه تعالى إنما أضاف إيتاء المهور إليهن لأنه ثمن بضعهن
وليس في قوله ( وآتوهن ) ما يوجب كون المهر ملكاً لهن ، ولكنه عليه الصلاة والسلام قال
((العبد وما في يده لمولاه)) فيصير ذلك المهر ملكاً للمولى بهذه الطريق والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس: محصنات أي عفائف، وهو حال من قوله
( فانكحوهن ) بإذن أهلهن ، فظاهر هذا يوجب حرمة نكاح الزواني من الاماء ، واختلف
الناس في أن نكاح الزواني هل يجوز أم لا؟ وسنذكره في قوله ( الزاني لا ينكح إلا زانية ).
والأكثرون على أنه يجوز فتكون هذه الآية محمولة على الندب والاستحباب وقوله ( غير
مسافحات ) أي غير زوان ( ولا متخذات أخدان ) جمع خدن ، كالأتراب جمع ترب ،
والخدن الذي يخادنك وهو الذي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن ، قال أكثر المفسرين :

٦٥
قوله تعالى ((فإذا احصن فإن أتين بفاحشة)) الآية سورة النِّساء
المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها ، والتي تتخذ الخدن فهي التي تتخذ خدناً
معيناً ، وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين ، وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها
زانية ، فلما كان هذا الفرق معتبراً عندهم لا جرم أن الله سبحانه أفرد كل واحد من هذين
القسمين بالذكر ، ونص على حرمتهما معاً، ونظيره أيضاً قوله تعالى ( قل إنما حرم ربي
الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قال القاضي: هذه الآية أحد ما يستدل به من لا يجعل الإيمان في
نكاح الفتيات شرطاً ، لأنه لو كان ذلك شرطاً لكان كونهن محصنات عفيفات أيضاً شرطاً ،
وهذا ليس بشرط .
وجوابه : أن هذا معطوف لا على ذكر الفتيات المؤمنات ، بل على قوله ( فانكحوهن
بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن ) ولا شك أن كل ذلك واجب ، فعلمنا أنه لا يلزم من عدم
الوجوب في هذا ، عدم الوجوب فيما قبله والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من
العذاب ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم (أحصن) بالفتح في
الألف، والباقون بضم الألف، فمن فتح فمعناه : أسلمن، هكذا قاله عمر وابن مسعود
والشعبي والنخعي والسدي ، ومن ضم الألف فمعناه : أنهن أحصن بالأزواج . هكذا قاله
ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد . ومنهم من طعن في الوجه الأول فقال : انه تعالى
وصف الاماء بالإِيمان في قوله ( فتياتكم المؤمنات ) ومن البعيد أن يقال فتياتكم المؤمنات ، ثم
يقال : فإذا آمن ، فإن حالهن كذا وكذا ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى ذكر حكمين :
الأول : حال نكاح الاماء ، فاعتبر الإيمان فيه بقوله ( من فتياتكم المؤمنات ) والثاني : حكم
ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة ، فذكر حال إيمانهن أيضاً في هذا الحكم ، وهو قوله
( فإذا أحصن ) .
المسألة الثانية ﴾ في الآية إشكال قوي ، وهو أن المحصنات في قوله( فعلیھن نصف
ما على المحصنات ) إما أن يكون المراد منه الحرائر المتزوجات ، أو المراد منه الحرائر الأبكار .
والسبب في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن . والأول مشكل ، لأن الواجب على
الحرائر المتزوجات في الزنا : الرجم ، فهذا يقتضي أن يجب في زنا الاماء نصف الرجم ، ومعلوم
فخر الرازي ج.١ م ٥

٦٦
قوله تعالى ((فإذا أحصن فان أتين بفاحشة)) الآية سورة النِّساء
أن ذلك باطل . والثاني : وهو أن يكون المراد : الحرائر الأبكار ، فنصف ما عليهن هو
خمسون جلدة ، وهذا القدر واجب في زنا الأمة سواء كانت محصنة أو لم تكن، فحينئذ يكون
هذا الحكم معلقاً بمجرد صدور الزنا عنهن ، وظاهر الآية يقتضي كونه معلقاً بمجموع
الأمرين : الاحصان والزنا ، لأن قوله ( فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ) شرط بعد شرط ،
فيقتضي كون الحكم مشروطاً بهما نصاً ، فهذا إشكال قوي في الآية .
والجواب : أنا نختار القسم الثاني ، وقوله ( فإذا أحصن ) ليس المراد منه جعل هذا
الاحصان شرطاً لأن يجب في زناها خمسون جلدة ، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزوج ،
فهذه إذا زنت وقد تزوجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليه ، فبأن يكون قبل التزوج هذا
القدر أيضاً أولى ، وهذا مما يجري مجرى المفهوم بالنص ، لأن عند حصول ما يغلظ الحد ، لما
وجب تخفيف الحد لمكان الرق ، فبأن يجب هذا القدر عند ما لا يوجد ذلك المغلظ كان أولى والله
أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم، واحتجوا بهذه الآية، وهو أنه
تعالى أوجب على الأمة نصف ما على الحرة المحصنة ، فلو وجب على الحرة المحصنة الرجم ،
لزم أن يكون الواجب على الأمة نصف الرجم وذلك باطل ، فثبت أن الواجب على الحرة
المتزوجة ليس إلا الجلد ، والجواب عنه ما ذكرناه في المسألة المتقدمة ، وتمام الكلام فيه مذكور
في سورة النور في تفسير قوله ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) .
﴿ المسألة الرابعة﴾ اعلم أن الفقهاء صيروا هذه الآية أصلاً في نقصان حكم العبد عن
حكم الحر في غير الحد ، وإن كان في الأمور ما لا يجب ذلك فيه والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم ﴾ ولم يختلفوا في أن ذلك راجع إلى نكاح
الإِماء فكأنه قال : فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات لمن خشى العنت منكم ، والعنت
هو الضرر الشديد الشاق قال تعالى فيما رخص فيه من مخالطة اليتامى ( والله يعلم المفسد من
المصلح ولو شاء الله لأعنتكم ) أي لشدد الأمر عليكم فألزمكم تمييز طعامكم من طعامهم
فلحقكم بذلك ضرر شديد وقال ( ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم ) ، أي أحبوا
أن تقعوا في الضرر الشديد . وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : أن الشبق الشديد والغلمة
العظيمة ربما تحمل على الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب العظيم في الآخرة ، فهذا هو
العنت . والثاني : أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد تؤدي بالانسان إلى الأمراض

٦٧
سورة النِّساء
قوله تعالى ((يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن)) الآية
يُرِيدُ اللهُ لَُّيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمُ
وو
حكيم
"٢٦
الشديدة ، أما في حق النساء فقد تؤدي إلى اختناق الرحم ، وأما في حق الرجال فقد تؤدي إلى
أوجاع الوركين والظهر . وأكثر العلماء على الوجه الأول لأنه هو اللائق ببيان القرآن .
ثم قال تعالى ﴿ وأن تصبروا خير لكم ﴾ وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد أن نكاح الاماء بعد رعاية شرائطه الثلاثة أعني عدم القدرة على
التزوج بالحرة ، ووجود العنت ، وكون الأمة مؤمنة : الأولى تركه لما بينا من المفاسد الحاصلة
في هذا النكاح .
﴿ المسألة الثانية﴾ مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاشتغال بالنكاح أفضل من
الاشتغال بالنوافل ، فإن كان مذهبهم أن الاشتغال بالنكاح مطلقاً أفضل من الاشتغال
بالنوافل ، سواء كان النكاح نكاح الحرة أو نكاح الأمة ، فهذه الآية نص صريح في بطلان
قولهم ، وإن قالوا : إنا لا نرجح نكاح الأمة على النافلة ، فحينئذ يسقط هذا الاستدلال ، إلا
أن هذا التفصيل ما رأيته في شيء من كتبهم والله أعلم .
ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله ﴿والله غفور رحيم﴾ وهذا كالمؤكد لما ذكره من أن الأولى
ترك هذا النكاح ، يعني أنه وإن حصل ما يقتضي المنع من هذا الكلام إلا أنه تعالى أباحه لكم
لاحتياجكم إليه ، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ يريد الله لیبین لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم
حکیم ﴾ .
فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اللام في قوله ( ليبين لكم ) فيه وجهان: الأول: قالوا: إنه قد تقام
اللام مقام ((أن)) في أردت وأمرت، فيقال : أردت أن تذهب ، وأردت لتذهب ، وأمرتك
أن تقوم ، وأمرتك لتقوم ، قال تعالى ( يريدون ليطفؤا نور الله) يعني يريدون أن يطفئوا،
وقال ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) .

٦٨
قوله تعالى: ((يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن)) الآية سورة النّساء
الجزء
والوجه الثاني : أن نقول : إن في الآية إضماراً، والتقدير : يريد الله إنزال هذه الآيات
لیبین لكم دينكم وشرعكم ، وكذا القول في سائر الآيات التي ذكروها ، فقوله ( يريدون
ليطفؤا نور الله ) يعني يريدون كيدهم وعنادهم ليطفؤا ، وأمرنا بما أمرنا لنسلم .
المسألة الثانية ﴾ قال بعض المفسرين : قوله ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن
الذين من قبلكم ) معناهما شيء واحد ، والتكرير لأجل التأكيد وهذا ضعيف ، والحق أن المراد
من قوله ( ليبين لكم ) هو أنه تعالى بين لنا هذه التكاليف، وميز فيها الحلال من الحرام والحسن
من القبيح .
ثم قال ﴿ ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ وفيه قولان: أحدهما : أن هذا دليل على
أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله لنا من النساء في الآيات المتقدمة ، فقد كان الحكم أيضاً كذلك
في جميع الشرائع والملل ، والثاني : أنه ليس المراد ذلك ، بل المراد أنه تعالى يهديكم سنن
الذين من قبلكم في بيان ما لكم فيه من المصلحة كما بينه لهم ، فإن الشرائع والتكاليف وإن
كانت مختلفة في نفسها ، إلا أنها متفقة في باب المصالح ، وفيه قول ثالث : وهو أن المعنى :
أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق لتجتنبوا الباطل وتتبعوا الحق .
ثم قال تعالى ﴿ ويتوب عليكم﴾ قال القاضي: معناه أنه تعالى كما أراد منا نفس
الطاعة ، فلا جرم بينها وأزال الشبهة عنها ، كذلك وقع التقصير والتفريط منا ، فيريد أن
يتوب علينا ، لأن المكلف قد يطيع فيستحق الثواب ، وقد يعصي فيحتاج إلى التلافي بالتوبة .
واعلم أن في الآية إشكالاً : وهو أن الحق إما أن يكون ما يقول أهل السنة من أن
فعل العبد مخلوق الله تعالى ، وإما أن يكون الحق ما تقوله المعتزلة من أن فعل العبد ليس مخلوقاً
الله تعالى، والآية مشكلة على كلا القولين . أما على القول الأول : فلأن على هذا القول كل ما
يريده الله تعالى فإنه يحصل ، فإذا أراد أن يتوب علينا وجب أن يحصل التوبة لكلنا ، ومعلوم
أنه ليس كذلك ، وأما على القول الثاني : فهو تعالى يريد منا أن نتوب باختيارنا وفعلنا ،
وقوله ( ويتوب عليكم ) ظاهره مشعر بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا ويحصل لنا هذه
التوبة ، فهذه الآية مشكلة على كلا القولين .
والجواب أن نقول : إن قوله ( ويتوب عليكم ) صريح في أنه تعالى هو الذي يفعل
التوبة فينا . والعقل أيضاً مؤكد له لأن التوبة عبارة عن الندم في الماضي ، والعزم على عدم
العود في المستقبل ، والندم والعزم من باب الارادات ، والارادة لا يمكن إرادتها ، وإلا لزم
التسلسل ، فاذن الارادة يمتنع أن تكون فعل الانسان ، فعلمنا أن هذا الندم وهذا العزم لا

٦٩
قوله تعالى: ((والله يريد ان يتوب عليكم)) الآية سورة النّساء
الخامِسُ
وَالله ◌ُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَّعُونَ الشَّهَوَتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا (#)
يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (٣)
يحصلان إلا بتخليق الله تعالى ، فصار هذا البرهان العقلي دالاً على صحة ما أشعر به ظاهر
القرآن وهو أنه تعالى هو الذي يتوب علينا فأما قوله : لو تاب علينا لحصلت هذه التوبة ،
فنقول : قوله ( ويتوب عليكم ) خطاب مع الأمة ، وقد تاب عليهم في نكاح الأمهات والبنات
وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات ، وحصلت هذه التوبة لهم فزال الاشكال والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿والله عليم حكيم ﴾ أي عليم بأحوالكم ، حكيم في كل ما يفعله بكم
ويحكم عليكم .
ثم قال تعالى ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً
عظيماً ﴾ .
فيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قيل: المجوس كانوا يحلون الأخوات وبنات الأخوة والأخوات،
فلما حرمهن الله تعالى قالوا : إنكم تحلون بنت الخالة والعمة ، والخالة والعمة عليكم حرام ،
فانكحوا أيضاً بنات الأخ والأخت ، فنزلت هذه الآية .
المسألة الثانية ﴾ قالت المعتزلة: قوله ( والله يريد أن يتوب عليكم) يدل على أنه
تعالى يريد التوبة من الكل ، والطاعة من الكل . قال أصحابنا : هذا محال لأنه تعالى علم من
الفاسق أنه لا يتوب وعلمه بأنه لا يتوب مع توبته ضدان ، وذلك العلم ممتنع الزوال ، ومع
وجوب أحد الضدين كانت إرادة الضد الآخر إرادة لما علم كونه محالاً ، وذلك محال ، وأيضاً
إذا كان هو تعالى يريد التوبة من الكل ويريد الشيطان أن تميلوا ميلاً عظيماً ، ثم يحصل مراد
الشيطان لا مراد الرحمن ، فحينئذ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتم من نفاذ الرحمن في ملك
نفسه وذلك محال ، فثبت أن قوله ( والله يريد أن يتوب عليكم ) خطاب مع قوم معينين
حصلت هذه التوبة لهم .
ثم قال ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفاً ﴾ وفيه مسائل :

٧٠
قوله تعالى: ((ويريد الله أن يخفف عنكم)) الآية
سورة النِّساء
المسألة الأولى﴾ في التخفيف قولان: الأول : المراد منه اباحة نكاح الأمة عند
الضرورة وهو قول مجاهد ومقاتل ، والباقون قالوا : هذا عام في كل أحكام الشرع ، وفي جميع
ما يسره لنا وسهله علينا ، إحساناً منه إلينا ، ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني
إسرائيل ، ونظيره قوله تعالى ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت علیهم ) وقوله ( یرید
الله بكم اليسر ولا يريدبكم العسر) وقوله ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقوله عليه
الصلاة والسلام ((جئتكم بالحنيفية السهلة السمحة)).
المسألة الثانية﴾ قال القاضي: هذا يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى، إذ
لو كان كذلك فالكافر يخلق فيه الكفر ، ثم يقول له : لا تكفر ، فهذا أعظم وجوه التثقيل ،
ولا يخلق فيه الإيمان ، ولا قدرة للعبد على خلق الإيمان . ثم يقول له : آمن ، وهذا أعظم
وجوه التثقيل . قال : ويدل أيضاً على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ، لأنه أعظم وجوه
التثقيل .
والجواب : أنه معارض بالعلم والداعي ، وأكثر ما ذكرناه .
ثم قال ﴿ وخلق الانسان ضعيفاً ﴾ والمعنى أنه تعالى لضعف الانسان خفف تكليفه ولم
يثقل والأقرب أنه يحمل الضعف في هذا الموضع لا على ضعف الخلقة ، بل يحمل على كثرة
الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة ، فيصير ذلك كالوجه في أن يضعف عن احتمال خلافه . وإنما
قلنا : إن هذا الوجه أولى ، لأن الضعف في الخلقة والقوة لو قوى الله داعيته إلى الطاعة كان في
حكم القوي والقوي في الخلقة والآلة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم
الضعيف ، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها ، لا لضعف البدن وقوته ، هذا كله
كلام القاضي ، وهو كلام حسن ، ولكنه يهدم أصله ، وذلك لما سلم أن المؤثر في وجود الفعل
وعدمه ، قوة الداعية وضعفها فلو تأمل لعلم أن قوة الداعية وضعفها لا بد له من سبب ، فإن
كان ذلك الداعية أخرى من العبد لزم التسلسل ، وإن كان الكل من الله، فذاك هو الحق
الذي لا محيد عنه ، وبطل القول بالاعتزال بالكلية والله أعلم .
﴿ والمسألة الثالثة﴾ روي عن ابن عباس أنه قال : ثمان آيات في سورة النساء هي خير
لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ( يريد الله ليبين لكم . والله يريد أن يتوب
عليكم . يريد الله أن يخفف عنكم . إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه . إن الله لا يغفر أن يشرك
به . إن الله لا يظلم مثقال ذرة . ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه . ما يفعل الله بعذابكم ) .

٧١
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم» الآية
سورة النّساء
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامُواْ لَ تَأْكُواْ أَمْوَلَهُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَن تَكُونَ نَجِرَةٌ عَنْ تَرَاضِ
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا
٢٩
مَنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً
وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِبِرًا
٣٠
ويقول محمد الرازي مصنف هذا الكتاب ختم الله له بالحسنى : اللهم اجعلنا بفضلك
ورحمتك أهلاً لها يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين .
النوع الثامن ﴾ من التكاليف المذكورة في هذه السورة .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن
تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه
ناراً وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ .
إعلم أن في كيفية النظم وجهين : الأول : أنه تعالى لما شرح كيفية التصرف في النفوس
بسبب النكاح ذكر بعده كيفية التصرف فى الأموال . والثاني : قال القاضي : لما ذكر ابتغاء
النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهور والنفقات ، بين من بعد كيف التصرف في الأموال فقال ( يا
أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى خص الأكل ههنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات
الواقعة على الوجه الباطل محرمة ، لما أن المقصود الأعظم من الأموال : الأكل ، ونظيره قوله
تعالى ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ) .
المسألة الثانية﴾ ذكروا في تفسير الباطل وجهين: الأول : أنه اسم لكل ما لا يحل في
الشرع ، كالربا والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة وجحد
الحق . وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه يقتضى كونها مجملة ، لأنه يصير تقدير الآية : لا
تأكلوا أموالكم التي جعلتموها بينكم بطريق غير مشروع ، فان الطرق المشروعة لما لم تكن
مذكورة ههنا على التفصيل صارت الآية مجملة لا محالة . والثاني : ما روي عن ابن عباس
والحسن رضي الله عنهم : أن الباطل هو كل ما يؤخذ من الانسان بغير عوض ، وبهذا
:

٧٢
قوله تعالى ((إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)) الآية سورة النِّساء
التقدير لا تكون الآية مجملة، لكن قال بعضهم : إنها منسوخة ، قالوا : لما نزلت هذه الآية
تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئاً ، وشق ذلك على الخلق ، فنسخه الله تعالى بقوله
في سورة النور ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم) الآية . وأيضاً: ظاهر الآية إذا
فسرنا الباطل بما ذكرناه ، تحرم الصدقات والهبات ، ويمكن أن يقال : هذا ليس بنسخ وإنما هو
تخصيص ، ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال : هذه الآية محكمة ما
نسخت ، ولا تنسخ إلى يوم القيامة .
﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) يدخل تحته أكل مال
الغير بالباطل ، وأكل مال نفسه بالباطل ؛ لأن قوله ( أموالكم ) يدخل فيه القسمان
معاً ، كقوله ( ولا تقتلوا أنفسكم ) يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل .
أما أكل مال نفسه بالباطل . فهو إنفاقه في معاصي الله ، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد
عددناه .
ثم قال ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( تجارة ) بالنصب ، والباقون بالرفع .
أما من نصب فعلى ((كان)) الناقصة ، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة ، وأما من رفع
فعلى ((كان)) التامة: والتقدير: إلا أن توجد وتحصل تجارة . وقال الواحدي : والاختيار
الرفع ، لأن من نصب أضمر التجارة فقال : تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة ، والاضمار
قبل الذكر ليس بقوى وإن كان جائزاً .
المسألة الثانية ﴾ قوله ( إلا) فيه وجهان : الأول : أنه استثناء منقطع ، لأن التجارة
عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل، فكان ((إلا)) ههنا بمعنى ((بل)) والمعنى : لكن
يحل أكله بالتجارة عن تراض . الثاني : أن من الناس من قال : الاستثناء متصل وأضمر
شيئاً ، فقال التقدير : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، وإن تراضيتم كالربا وغيره ، إلا أن
تكون تجارة عن تراض .
واعلم أنه كما يحل المستفاد من التجارة ، فقد يحل أيضاً المال المستفاد من الهبة والوصية
والارث وأخذ الصدقات والمهر وأروش الجنايات ، فإن أسباب الملك كثيرة سوى التجارة .
فإن قلنا : إن الاستثناء منقطع فلا إشكال ، فإنه تعالى ذكرههنا سبباً واحداً من أسباب
الملك ولم يذكر سائرها ، لا بالنفي ولا بإثبات .

قوله تعالى ((إلا ان تكون تجارة عن تراض منكم)) الآية
٧٣
سورة النِّساء
وإن قلنا : الاستثناء متصل كان ذلك حكماً بأن غير التجارة لا يفيد الحل ، وعند هذا لا
بد إما من النسخ أو التخصيص .
المسألة الثالثة﴾ قال الشافعي رحمة الله عليه: النهي في المعاملات يدل على
البطلان ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يدل عليه ، واحتج الشافعي على صحة قوله.
بوجوه : الأول : أن جميع الأموال مملوكة لله تعالى، فإذا أذن لبعض عبيده في بعض التصرفات
كان ذلك جارياً مجرى ما إذا وكل الانسان وكيلاً في بعض التصرفات ، ثم إن الوكيل إذا تصرف
على خلاف قول الموكل فذاك غير منعقد بالاجماع ، فإذا كان التصرف الواقع على خلاف قول
المالك المجازي لا ينعقد فبأن يكون التصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي غير منعقد
كان أولى . وثانيها : أن هذه التصرفات الفاسدة إما أن تكون مستلزمة لدخول المحرم المنهي
عنه في الوجود ، وإما أن لا تكون فإن كان الأول وجب القول ببطلانها قياساً على التصرفات
الفاسدة . والجامع السعي في أن لا يدخل منشأ النهي في الوجود ، وإن كان الثاني وجب القول
بصحتها ، قياساً على التصرفات الصحيحة ، والجامع كونها تصرفات خالية عن المفسد ،
فثبت أنه لا بد من وقوع التصرف على هذين الوجهين . فأما القول بتصرف لا يكون صحيحاً
ولا باطلاً فهو محال ، وثالثها : أن قوله : لا تبيعوا الدرهم بدرهمين ، كقوله لا تبيعوا الحر
بالعبد ، فكما أن هذا النهي باللفظ لكنه نسخ للشريعة فكذا الأول ، وإذا كان ذلك نسخاً
للشريعة بطل كونه مفيداً للحكم والله أعلم .
المسألة الرابعة ﴾ قال أبو حنيفة رحمة الله عليه ، خيار المجلس غير ثابت في عقود
المعاوضات المحضة ، وقال الشافعي رحمة الله عليه : ثابت . احتج أبو حنيفة بالنصوص :
أولها : هذه الآية ، فإن قوله ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) ظاهره يقتضى الحل عند
حصول التراضي ، سواء حصل التفرق أو لم يحصل . وثانيها : قوله ( أوفوا بالعقود ) فألزم
كل عاقد الوفاء بما عقد عن نفسه . وثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام (( لا يحل مال امرىء
مسلم إلا بطيبة من نفسه)) وقد حصلت الطيبة ههنا بعقد البيع ، فوجب أن يحصل الحل .
ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام ((من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه)) جوز بيعه بعد
القبض ، وخامسها : ما روى أنه عليه السلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصيعان ،
وأباح بيعه إذا جرى فيه الصيعان ، ولم يشترط فيه الافتراق . وسادسها : قوله عليه الصلاة
والسلام (( لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه)) واتفقوا على أنه كما اشترى
حصل العتق، وذلك يدل على أنه يحصل الملك بمجرد العقد .
واعلم أن الشافعي يسلم عموم هذه النصوص ، لكنه يقول : أنتم أثبتم خيار الرؤية
٠

٧٤
قوله تعالى ((ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً)) الآية
سورة النِّساء
في شراء ما لم يره المشتري بحديث اتفق المحدثون على ضعفه ، فنحن أيضاً نثبت خيار المجلس
بحديث اتفق علماء الحديث على قبوله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام ((المتبايعان بالخيار ما لم
يتفرقا)) وتأويلات أصحاب أبي حنيفة لهذا الخبر وأجوبتها مذكورة في الخلافيات والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ﴾ اتفقوا على أن هذا نهي عن أن
يقتل بعضهم بعضاً وإنما قال ( أنفسكم) لقوله عليه السلام ((المؤمنون كنفس واحدة )) ولأن
العرب يقولون : قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم لأن قتل بعضهم يجري مجرى قتلهم .
واختلفوا في أن هذا الخطاب هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم ؟ فأنكره بعضهم وقال : إن
المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهي عن قتل نفسه ، لأنه ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه ، وذلك لأن
الصارف عنه في الدنيا قائم ، وهو الألم الشديد والذم العظيم ، والصارف عنه أيضاً في الآخرة
قائم ، وهو استحقاق العذاب العظيم ، وإذا كان الصارف خالصاً امتنع منه أن يفعل ذلك
وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة ، وإنما يمكن أن يذكر هذا النهي فيمن يعتقد في قتل
نفسه ما يعتقده أهل الهند ، وذلك لا يتأتى من المؤمن ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المؤمن مع
كونه مؤمناً بالله واليوم الآخر ، قد يلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من
ذلك ، ولذلك نرى كثيراً من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب الذي ذكرناه ، وإذا كان
كذلك كان في النهي عنه فائدة ، وأيضاً ففيه احتمال آخر ، كأنه قيل : لا تفعلوا ما تستحقون به
القتل : من القتل والردة والزنا بعد الاحصان ، ثم بين تعالى أنه رحيم بعباده ولأجل رحمته
نهاهم عن كل ما يستوجبون به مشقة أو محنة ، وقيل : إنه تعالى أمر بني إسرائيل بقتلهم
أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم وكان بكم يا أمة محمد رحيماً ، حيث لم يكلفكم
تلك التكاليف الصعبة .
ثم قال ﴿ ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً ﴾.
واعلم أن فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في أن قوله (ومن يفعل ذلك) إلى ماذا يعود؟ على وجوه :
الأول : قال عطاء : إنه خاص في قتل النفس المحرمة ، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب
المذكورات الثاني : قال الزجاج : إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران
في آية واحدة . والثالث : قال ابن عباس : إنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى
هذا الموضع .
﴿ المسألة الثانية﴾ إنما قال (ومن يفعل ذلك عدواناً) لأن في جملة ما تقدم قتل البعض

٧٥
سورة النِّساء
قوله تعالى ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)) الآية
إِن تَجْتَُوْ كَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنكُمْ سَبِعَتِكْ وَنُدْخِلْكُ مُدْخَلًا كَرِيمًا (﴾
للبعض ، وفي جملة ما تقدم أخذ المال ، وقد يكون ذلك حقاً كما في الدية وغيرها ، فلهذا
السبب شرطه تعالى في ذلك الوعيد .
المسألة الثالثة ﴾ قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على القطع بوعيد أهل الصلاة.
قالوا : وقوله ( فسوف نصليه ناراً) وإن كان لا يدل على التخليد إلا أن كل من قطع بوعيد
الفساق قال بتخليدهم ، فيلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ، لأنه لا قائل بالفرق .
والجواب عنه بالاستقصاء قد تقدم في مواضع ، إلا أن الذي نقوله ههنا : أن هذا مختص
بالكفار ، لأنه قال ( ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً ) ولا بد من الفرق بين العدوان وبين الظلم
دفعاً للتكرير ، فيحمل الظلم على ما إذا كان قصده التعدي على تكاليف الله ، ولا شك أن من
كان كذلك كان كافراً لا يقال : أليس أنه وصفهم بالإيمان فقال ( يا أيها الذين آمنوا ) فكيف
يمكن أن يقال : المراد بهم الكفار؟ لأنا نقول : مذهبكم أن من دخل تحت هذا الوعيد لا
يكون مؤمناً البتة ، فلا بد على هذا المذهب أن تقولوا : إنهم كانوا مؤمنين ، ثم لما أتوا بهذه
الأفعال ما بقوا على وصف الإيمان ، فإذا كان لا بد لكم من القول بهذا الكلام . فلم لا يصح
هذا الكلام منا أيضاً في تقرير ما قلناه ؟ والله أعلم .
ثم إنه تعالى ختم الآية فقال ﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ .
واعلم أن جميع الممكنات بالنسبة إلى قدرة الله على السوية ، وحينئذ يمتنع أن يقال : أن
بعض الأفعال أيسر عليه من بعض ، بل هذا الخطاب نزل على القول المتعارف فيما بيننا كقوله
تعالى (وهو أهون عليه ) أو يكون معناه المبالغة في التهديد ، وهو أن أحداً لا يقدر على الهرب منه
ولا على الامتناع عليه .
قوله تعالى ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً
كريماً ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر الوعيد أتبعه بتفصيل ما يتعلق به فذكر هذه الآية ، وفيه
مسائل :

٧٦
قوله تعالى: ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)) الآية سورة النِّساء
المسألة الأولى ﴾ من الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر . روى سعيد بن
جبير عن ابن عباس أنه قال : كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة ، فمن عمل شيئاً منها
فليستغفر الله ، فإن الله تعالى لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعاً عن الإِسلام ، أو جاحداً
فريضة ، أو مكذباً بقدر ، واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه :
﴿ الحجة الأولى﴾ هذه الآية، فإن الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين
ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر .
الحجة الثانية ﴾ قوله تعالى (وكل صغير وكبير مستطر ) وقوله ( لا يغادر صغيرة ولا
كبيرة إلا أحصاها ) .
الحجة الثالثة ﴾ أن الرسول عليه الصلاة والسلام نص على ذنوب بأعيانها أنها
كبائر، كقوله ((الكبائر: الاشراك بالله واليمين الغموس وعقوق الوالدين وقتل النفس )) وذلك
يدل على أن منها ما ليس من الكبائر .
﴿ الحجة الرابعة) قوله تعالى (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) وهذا صريح في
أن المنهيات أقسام ثلاثة : أولها : الكفر ، وثانيها : الفسوق . وثالثها : العصيان ، فلا بد
من فرق بين الفسوق وبين العصيان ليصح العطف، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق بين
الصغائر وبين الكبائر ، فالكبائر هي الفسوق ، والصغائر هي العصيان ، واحتج ابن عباس
بوجهين : أحدهما : كثرة نعم من عصى . والثاني : إجلال من عصى ، فإن اعتبرنا الأول
فنعم الله غير متناهية ، كما قال ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) وان اعتبرنا الثاني فهو أجل
الموجودات وأعظمها ، وعلى التقديرين وجب أن يكون عصيانه في غاية الكبر ، فثبت أن كل
ذنب فهو كبيرة .
والجواب من وجهين : كما أنه تعالى أجل الموجودات وأشرفها ، فكذلك هو أرحم
الراحمين وأكرم الأكرمين ، وأغنى الأغنياء عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين ، وكل
ذلك يوجب خفة الذنب . الثاني : هب أن الذنوب كلها كبيرة من حيث أنها ذنوب ، ولكن
بعضها أكبر من بعض ، وذلك يوجب التفاوت . إذا ثبت أن الذنوب على قسمين بعضها
صغائر وبعضها كبائر ، فالقائلون بذلك فريقان : منهم من قال : الكبيرة تتميز عن الصغيرة
في نفسها وذاتها ، ومنهم من قال : هذا الامتياز إنما يحصل لا في ذواتها ، بل بحسب حال
فاعليها ،ونحن نشرح كل واحد من هذين القولين .

٧٧
قوله تعالى ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)) الآية سورة النّساء
أما القول الأول﴾ فالذاهبون إليه والقائلون به اختلفوا اختلافاً شديداً ، ونحن نشير
إلى بعضها ، فالأول : قال ابن عباس : كل ما جاء في القرآن مقروناً بذكر الوعيد فهو كبيرة ،
نحو قتل النفس المحرمة ، وقذف المحصنة والزنا والربا وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف .
الثاني : قال ابن مسعود : افتتحوا سورة النساء ، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين
آية فهو كبيرة ، ثم قال : مصداق ذلك ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) الثالث : قال قوم : كل
عمد فهو كبيرة . واعلم أن هذه الأقوال ضعيفة .
أما الأول ﴾ فلأن كل ذنب لا بد وأن يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في
الآجل ، فالقول بأن كل ما جاء في القرآن مقروناً بالوعيد فهو كبيرة يقتضي أن يكون كل ذنب
كبيرة وقد أبطلناه .
وأما الثاني ﴾ فهو أيضاً ضعيف. لأن الله تعالى ذكر كثيراً من الكبائر في سائر
السور ، ولا معنى لتخصيصها بهذه السورة .
وأما الثالث﴾ فضعيف أيضاً، لأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساه عن فعله ، فما
هذا حاله هو الذي نهى الله عنه ، فيجب على هذا أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه ،
وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية ، فمعلوم أن اليهود والنصارى
يكفرون بمحمد ◌ّ وهم لا يعلمون أنه معصية ، وهو مع ذلك كفر كبير ، فبطلت هذه الوجوه
الثلاثة . وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في منتخبات كتاب إحياء علوم الدين فصلاً طويلاً في
الفرق بين الكبائر والصغائر فقال : فهذا كله قول من قال : الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب
ذواتها وأنفسها .
﴿ وأما القول الثاني ﴾ وهو قول من يقول : الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب اعتبار
أحوال فاعليها ، فهؤلاء الذين يقولون : إن لكل طاعة قدراً من الثواب ، ولكل معصية قدراً
من العقاب ، فإذا أتى الانسان بطاعة واستحق بها ثواباً ، ثم أتى بمعصية واستحق بها
عقاباً ، فههنا الحال بين ثواب الطاعة وعقاب المعصية بحسب القسمة العقلية يقع على ثلاثة
أوجه : أحدها : أن يتعادلا ويتساويا ، وهذا وإن كان محتملاً بحسب التقسيم العقلي إلا أنه
دل الدليل السمعي على أنه لا يوجد ، لأنه تعالى قال ( فريق في الجنة وفريق في السعير ) ولو
وجد مثل هذا المكلف وجب أن لا يكون في الجنة ولا في السعير .
والقسم الثاني ﴾ أن يكون ثواب طاعته أزيد من عقاب معصيته ، وحينئذ ينحبط
ذلك العقاب بما يساويه من الثواب ، ويفضل من الثواب شيء ، ومثل هذه المعصية هي

٧٨
قوله تعالى ((ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)) الآية
سورة النِّساء
الصغيرة ، وهذا الانحباط هو المسمى بالتكفير .
والقسم الثالث ) أن يكون عقاب معصيته أزيد من ثواب طاعته ، وحينئذ ينحبط
ذلك الثواب بما يساويه من العقاب ، ويفضل من العقاب شيء، ومثل هذه المعصية هي الكبيرة
وهذا الانحباط هو المسمى بالاحباط، وبهذا الكلام ظهر الفرق بين الكبيرة وبين الصغيرة .
وهذا قول جمهور المعتزلة .
واعلم أن هذا الكلام مبني على أصول كلها باطلة عندنا . أولها : أن هذا مبني على أن
الطاعة توجب ثواباً والمعصية توجب عقاباً ، وذلك باطل لأنا بينا في كثير من مواضع هذا
الكتاب أن صدور الفعل عن العبد لا يمكن إلا إذا خلق الله فيه داعية توجب ذلك الفعل ،
ومتى كان كذلك امتنع كون الطاعة موجبة للثواب . وكون المعصية موجبة للعقاب ، وثانيها :
أن بتقدير أن يكون الأمر كذلك ، إلا أنا نعلم ببديهة العقل أن من اشتغل بتوحيد الله
وتقديسه وخدمته وطاعته سبعين سنة ، فإن ثواب مجموع هذه الطاعات الكثيرة في هذه المدة
الطويلة أكثر بكثير من عقاب شرب قطرة واحدة من الخمر ، مع أن الأمة مجمعة على أن شرب
هذه القطرة من الكبائر ، فإن أصروا وقالوا: بل عقاب شرب هذه القطرة أزيد من ثواب
التوحيد وجميع الطاعات سبعين سنة فقد أبطلوا على أنفسهم أصلهم، فإنهم يبنون هذه
المسائل على قاعدة الحسن والقبح العقليين، ومن الأمور المتقررة في العقول أن من جعل عقاب
هذا القدر من الجناية أزيد من ثواب تلك الطاعات العظيمة فهو ظالم، فإن دفعوا حكم العقل
في هذا الموضع فقد أبطلوا على أنفسهم القول بتحسين العقل وتقبيحه ، وحينئذ يبطل عليهم
كل هذه القواعد ، وثالثها : أن نعم الله تعالى كثيرة وسابقة على طاعات العبيد ، وتلك النعم
السابقة موجبة لهذه الطاعات ، فكأن أداء الطاعات أداء لما وجب بسبب النعم السابقة ، ومثل
هذا لا يوجب في المستقبل شيئاً آخر ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون شيء من الطاعات
موجباً للثواب أصلاً ، وإذا كان كذلك فکل معصیة یؤتی بها فإن عقابها یکون أزيد من ثواب
فاعلها ، فوجب أن يكون جميع المعاصى كبائر ، وذلك أيضاً باطل . ورابعها : أن هذا الكلام
مبني على القول بالاحباط ، وقد ذكرنا الوجوه الكثيرة في إبطال القول بالاحباط ، وقد ذكرنا
الوجوه الكثيرة في إبطال القول بالاحباط في سورة البقرة ، فثبت أن هذا الذي ذهبت المعتزلة
إليه في الفرق بين الصغيرة والكبيرة قول باطل وبالله التوفيق .
﴿ المسألة الثانية﴾ اختلف الناس في أن الله تعالى هل ميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر
أم لا؟ فالأكثرون قالوا : إنه تعالى لم يميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر ، لأنه تعالى لما بين
١
-

٧٩
سورة النِّساء
قوله تعالى ((ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)) الآية
فى هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر ، فإذا عرف العبد أن الكبائر
ليست إلا هذه الأصناف المخصوصة ، عرف أنه متى احترز عنها صارت صغائره مكفرة فكان
ذلك إغراء له بالاقدام على تلك الصغائر ، والاغراء بالقبيح لا يليق بالجملة ، أما إذا لم يميز
الله تعالى كل الكبائر عن كل الصغائر ، ولم يعرف في شيء من الذنوب أنه صغيرة ، ولا ذنب
يقدم عليه إلا ويجوز كونه كبيرة فيكون ذلك زاجراً له عن الاقدام عليه . قالوا : ونظير هذا في
الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات وليلة القدر في ليالي رمضان ، وساعة الاجابة في
ساعات الجمعة ، ووقت الموت في جميع الأوقات . والحاصل أن هذه القاعدة تقتضي أن لا
يبين الله تعالى في شيء من الذنوب أنه صغيرة ، وأن لا يبين أن الكبائر ليست إلا كذا وكذا ،
فإنه لو بين ذلك لكان ما عداها صغيرة ، فحينئذ تصير الصغيرة معلومة ، ولكن يجوز أن يبين
في بعض الذنوب أنه كبيرة. روى أنه صلى الله عليه وسلم قال (( ما تعدون الكبائر)) فقالوا :
الله ورسوله أعلم، فقال ((الاشراك بالله وقتل النفس المحرمة وعقوق الوالدين والفرار من
الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وقول الزور وأكل الربا وقذف المحصنات الغافلات )) وعن
عبدالله بن عمر أنه ذكرها وزاد فيها : استحلال آمين البيت الحرام ، وشرب الخمر . وعن ابن
مسعود أنه زاد فيها : القنوط من رحمة الله واليأس من رحمة الله ، والأمن من مكر الله . وذكر
عن ابن عباس أنها سبعة ، ثم قال : هي إلى السبعين أقرب . وفي رواية أخرى إلى السبعمائة
أقرب والله أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج أبو القاسم الكعبي بهذه الآية على القطع بوعيد أصحاب
الكبائر فقال : قد كشف الله بهذه الآية الشبهة في الوعيد ، لأنه تعالى بعد أن قدم ذكر الكبائر ،
بين أن من اجتنبها يكفر عنه سياته ، وهذا يدل على أنهم إذا لم يجتنبوها فلا تكفر ، ولو جاز
أن يغفر تعالى لهم الكبائر والصغائر من غير توبة لم يصح هذا الكلام .
وأجاب أصحابنا عنه من وجوه: الأول : أنكم إما أن تستدلوا بهذه الآية من حيث إنه
تعالى لما ذكر أن عند اجتناب الكبائر يكفر السيآت ، وجب أن عند عدم اجتناب الكبائر لا
يكفرها ، لأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه وهذا باطل . لأن عند
المعتزلة هذا الأصل باطل ، وعندنا أنه دلالة ظنية ضعيفة ، وإما أن تستدلوا به من حيث أن
المعلق بكلمة ((إن)) على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، وهذا أيضاً ضعيف، ويدل عليه
آيات : إحداها : قوله ( واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) فالشكر واجب سواء عبد الله أو
لم يعبد . وثانيها : قوله تعالى ( فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته ) وأداء
الأمانة واجب سواء ائتمنه أو لم يفعل ذلك . وثالثها ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان )

٨٠
قوله تعالى ((إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)) الآية سورة النِّساء
والاستشهاد بالرجل والمرأتين جائز سواء حصل الرجلان أو لم يحصلا . ورابعها (فإن لم تجدوا
كاتباً فرهان مقبوضة ) والرهن مشروع سواء وجد الكاتب أو لم يجده . وخامسها ( ولا تكرهوا
فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً) والاكراه على البغاء محرم ، سواء أردن التحصن أو لم
يردن . وسادسها ( وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء )
والنكاح جائز سواء حصل ذلك الخوف أو لم يحصل ، وسابعها : ( فليس عليكم جناح أن
تقصروا من الصلاة إن خفتم ) والقصر جائز ، سواء حصل الخوف أو لم يحصلٍ وثامنها ( فإن
كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) والثلثان كما أنه حق الثلاثة فهو أيضاً حق الثنتين ،
وتاسعها قوله ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله) وذلك جائز سواء حصل
الخوف أو لم يحصل ، وعاشرها : قوله (إن يريدا اصلاحاً يوفق الله بينهما ) وقد يحصل
التوفيق بدون إرادتيهما ، والحادي عشر: قوله ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ) وقد
يحصل الغنى بدون ذلك التفرق ، وهذا الجنس من الآيات فيه كثرة ، فثبت أن المعلق بكلمة
((إن)) على الشيءلا يلزم أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء ، والعجب أن مذهب القاضي
عبد الجبار في أصول الفقه، هو أن المعلق بكلمة ((إن)) على الشيء لا يكون عدماً عند عدم
ذلك الشيء ، ثم إنه في التفسير استحسن استدلال الكعبي بهذه الآية ، وذلك يدل على أن
حب الإِنسان لمذهبه قد يلقيه فيما لا ينبغي .
﴿ الوجه الثاني من الجواب﴾ قال أبو مسلم الاصفهاني: إن هذه الآية إنما جاءت
عقيب الآية التي نهى الله فيها عن نكاح المحرمات ، وعن عضل النساء وأخذ أموال اليتامى
وغير ذلك ، فقال تعالى : إن تجتنبوا هذه الكبائر التي نهيناكم عنها كفرنا عنكم ما كان منكم في
ارتكابها سالفاً . وإذا كان هذا الوجه محتملا ، لم يتعين حمله على ما ذكره المعتزلة . وطعن
القاضي في هذا الوجه من وجهين الأول : أن قوله ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) عام ،
فقصره على المذكور المتقدم لا يجوز ، الثاني : أن قوله : إن باجتنابهم في المستقبل هذه
المحرمات يكفر الله ما حصل منها في الماضي كلام بعيد : لأنه لا يخلو حالهم من أمرين اثنين :
إما أن يكونوا قد تابوا من كل ما تقدم ، فالتوبة قد زالت عقاب ذلك لاجتناب هذه الكبائر ،
أو لا يكونوا قد تابوا من كل ما تقدم ، فمن أين أن اجتناب هذه الكبائر يوجب تكفير تلك
السيآت ؟ هذا لفظ القاضي في تفسيره .
والجواب عن الأول : أنا لا ندعي القطع بأن قوله(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) محمول
على ما تقدم ذكره ، لكنا نقول : إنه محتمل ، ومع هذا الاحتمال لا يتعين حمل الآية على ما
ذكروه . وعن الثاني : أن قولك : من أين أن اجتناب هذه الكبائر يوجب تكفير تلك