النص المفهرس

صفحات 1-20

تَفْسِيْرُ الفَخْرِ الزّزى
الشَّهُ بالتّغِير الكبير ومَفَع الغَّ
للإمَام محمَّ الَّزى محمر الدّين إبن العلامة ضياء الدين عمر
الشَّهِ بخطير الرّى فَفَعَ اللّه باليمين
٥٤٤ _ ٦٠٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
الجُزْءُ العَاشِرُ
دار الفكر
للطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع

٢
قوله تعالى ((إنما التوبة على الله)) الآية
سورة النِّساء
الجُزءُ
بِسْطِ لَّهِ الرَّحْمِنِ الرَّحِيمِ
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الَّهِ لَّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوَءَ بِهَةٍ ثُمَّيَتُوبُونَ مِن قَرِيٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ
اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيمً حَِكِبً ◌ّ
قوله تعالى ﴿ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك
نوب الله عليهم وكان الله علياً حكيماً ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال الأذى
منهما ، وأخبر على الاطلاق أيضاً أنه تواب رحيم ، ذكر وقت التوبة وشرطها ، ورغبهم في
مجيلها لئلا يأتيهم الموت وهم مصرون فلا تنفعهم التوبة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أما حقيقة التوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى
( فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم ) واحتج القاضي على أنه يجب على الله عقلاً قبول التوبة
بهذه الآية من وجهين: الأول: إن كلمة ((على)) للوجوب فقوله ( إنما التوبة على الله
للذين ) يدل على أنه يجب على الله عقلاً قبولها . الثاني : لو حملنا قوله ( إنما التوبة على الله )
على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله ( فأولئك يتوب الله عليهم ) فرق لأن هذا أيضاً إخبار
عن الوقوع ، أما إذا حملنا ذلك على وجوب القبول وهذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين
ولا يلزم التكرار .
واعلم أن القول بالوجوب على الله باطل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن لازمة
الوجوب استحقاق الذم عندالترك ، فهذه اللازمة اما ان تكون ممتنعة الثبوت في حق الله تعالى ،
أو غير ممتنعة في حقه ، والأول باطل لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزماً لهذا الذم ، وهذا
الذم محال الثبوت في حق الله تعالى ، وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق الله ،
وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلاً كان الفعل واجب الثبوت ، فحينئذ يكون الله تعالى موجباً

٣
سورة النساء
قوله تعالى ((إنما التوبة على اللّه)) الآية
العراة
بالذات لا فاعلاً بالاختيار وذلك باطل ، وأما إن كان استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق
اللّه تعالى ، فكل ما كان ممكناً لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فيلزم جواز أن يكون الاله مع
كونه إلهاً يكون موصوفاً باستحقاق الذم وذلك محال لا يقوله عاقل ، ولما بطل هذان القسمان
ثبت أن القول بالوجوب على الله تعالى باطل .
الحجة الثانية ﴾ أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة وتركها إما أن يكون على
السوية ، أو لا يكون على السوية ، فإن كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركها إلا
المرجح ، ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصانع ، وإن حدث عن العبد عاد
التقسيم وإن حدث عن الله فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة الله وتقويته ، فتكون تلك
التوبة إنعاماً من الله تعالى على عبده ، وإنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرة
أخرى ، فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على الله القبول ، وأما إن كانت قادرية
العبد لا تصلح للترك والفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم ، وإذا كان كذلك كان القول بالوجوب
أظهر بطلاناً وفساداً .
الحجة الثالثة ﴾ التوبة عبارة عن الندم على ما مضى والعزم على الترك في المستقبل،
والندم والعزم من باب الكراهات والارادات ، والكراهة والارادة لا يحصلان باختيار العبد ،
وإلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل ، وإذا كان كذلك كان حصول هذا
الندم وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى، وفعل الله لا يوجب على الله فعلاً آخر ، فثبت أن
القول بالوجوب باطل .
﴿ الحجة الرابعة) أن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة
للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثراً في ذات الله وفي صفاته ، وذلك لا يقوله عاقل .
فأما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعدقبول التوبة من المؤمنين ، فإذا وعد الله يشيء
وكان الخلف في وعده محالاً كان ذلك شبيهاً بالواجب، فبهذا التأويل صح اطلاق كلمة ((على))
وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله ( إنما التوبة على الله ) وبين قوله ( فأولئك يتوب الله
عليهم ) .
إن قيل : فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع ،
فيلزمكم أن لا يكون فاعلاً مختاراً .
قلنا : الاخبار عن الوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للايقاع ، والتبع لا يغير الأصل ،

٤
,٠.
قوله تعالى ((إنما التوبة على الله)) الآية
سورة النِّساء
فكان فاعلاً مختاراً في ذلك الايقاع . أما أنتم تقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي تؤثر في
وجوب القبول على الله تعالى ، وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق .
المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى شرط قبول هذه التوبة بشرطين: أحدهما قوله ( الذين
يعملون السوء بجهالة ) وفيه سؤالان : أحدهما : أن من عمل ذنباً ولم يعلم أنه ذنب لم
يستحق عقاباً ، لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة ، فعلى هذا : الذين يعملون السوء بجهالة
فلا حاجة بهم إلى التوبة. والسؤال الثاني: أن كلمة ((إنما)). للحصر، فظاهر هذه الآية
يقتضي أن من أقدم على السوء مع العلم بكونه سوءاً أن لا تكون توبته مقبولة ، وذلك
بالاجماع باطل .
والجواب عن السؤال الأول : أن اليهودي اختار اليهودية وهو لا يعلم كونها ذنباً مع أنه
يستحق العقاب عليها .
والجواب عن السؤال الثاني : أن من أتى بالمعصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله
أخف ممن أتى بها مع العلم بكونها معصية ، وإذا كان كذلك لا جرم خص القسم الأول
بوجوب قبول التوبة وجوباً على سبيل الوعد والكرم ، وأما القسم الثاني فلما كان ذنبهم أغلظ
لا جرم لم يذكر فيهم هذا التأكيد في قبول التوبة ، فتكون هذه الآية دالة من هذا الوجه على
أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى .
وإذا عرفت الجواب عن هذين السؤالين فلنذكر الوجوه التي ذكرها المفسرون في تفسير
الجهالة .
الأول : قال المفسرون : كل من عصى الله سمي جاهلاً وسمي فعله جهالة ، قال تعالى
إخباراً عن يوسف عليه السلام (أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) وقال حكاية عن يوسف
عليه السلام أنه قال لاخوته ( هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ) وقال تعالى
( يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن
تكون من الجاهلين ) وقال تعالى ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ
بالله أن أكون من الجاهلين ) وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل : يا جاهل لم فعلت
كذا وكذا ، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم
بالثواب والعقاب لماأن م على المعصية ، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له ،
فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلاً ، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها
الانسان مع العلم بكونها معصية أو مع الجهل بذلك .

سورة النِّساء
قوله تعالى ((إنما التوبة على الله)) الآية
والوجه الثاني ﴾ في تفسير الجهالة : أن يأتي الانسان بالمعصية مع العلم بكونها
معصية إلا أن يكون جاهلاً بقدر عقابه ، وقد علمنا أن الإنسان إذا أقدم على ما لا ينبغي مع
العلم بأنه مما لا ينبغي إلا أنه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات ، فإنه يصح أن
يقال على سبيل المجاز : إنه جاهل بفعله .
﴿ والوجه الثالث﴾ أن يكون المراد منه أن يأتي الانسان بالمعصية مع أنه لا يعلم كونه
معصية لكن بشرط أن يكون متمكنا من العلم بكونه معصية ، فإنه على هذا التقدير يستحق
العقاب ، ولهذا المعنى أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب ، وإن كان لا
يعلم كون اليهودية معصية ، إلا أنه لما كان متمكناً من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً
ومعصية ، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب ، ويخرج عما ذكرنا النائم والساهي ، فإنه
أتى بالقبيح ولكنه ما كان متمكناً من العلم بكونه قبيحاً ، وهذا القول راجح على غيره من
حيث أن لفظ الجهالة في الوجهين الأولين محمول على المجاز ، وفي هذا الوجه على الحقيقة ، إلا
أن على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلا من عمل القبيح وهو لا يعلم قبحه ، أما المتعمد فإنه
لا يكون داخلاً تحت الآية ، وإنما يعرف حاله بطريق القياس وهو أنه لما كانت التوبة على هذا
الجاهل واجبة ، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى ، فهذا هو الكلام في الشرط
الأول من شرائط التوبة ، وأما الشرط الثاني فهو قوله ( ثم يتوبون من قريب ) وقد أجمعوا على
أن المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله ، وإنما سمى تعالى هذه المدة قريبة
لوجوه : أحدها : أن الأجل آت وكل ما هو آت قريب . وثانيها : للتنبيه على أن مدة عمر
الإِنسان وإن طالت فهي قليلة قريبة فإنها محفوفة بطر في الأزل والأبد ، فإذا قسمت مدة عمرك
إلى ما على طرفيها صار كالعدم . وثالثها : أن الإِنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به ، وما
هذا حاله فإنه يوصف بالقرب .
فإن قيل: ما معنى ((من)) في قوله ( من قريب ) .
الجواب : أنه لابتداء الغاية ، أي يجعل مبتدأ توبته زماناً قريباً من المعصية لئلا يقع
في زمرة المصرين ، فأما من تاب بعد المعصية بزمان بعيد وقبل الموت بزمان بعيد فإنه يكون
خارجاً عن المخصوصين بكرامة حتم قبول التوبة على الله بقوله ( إنما التوبة على الله ) وبقوله
( فأولئك يتوب الله عليهم ) ومن لم تقع توبته على هذا الوجه فإنه يكفيه أن يكون من جملة
الموعودين بكلمة ((عسى)) في قوله ( عسى الله أن يتوب عليهم) . ولا شك أن بين الدرجتين
من التفاوت ما لا يخفى . وقيل : معناه التبعيض ، أي يتوبون بعض زمان قريب ، كأنه تعالى
سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زماناً قريباً ، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان

٦
قوله تعالى ((وليست التوبة للذين يعملون السيئات)) الآية سورة النِّساءِ
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ الَِّعَاتِ حََّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنَّى تُبْتُ
الْفَلْنَ وَلَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِمَّاً لَهُ
أتى بالتوبة فهو تائب من قريب ، وإلا فهو تائب من بعيد .
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذين الشرطين قال ( فأولئك يتوب الله عليهم ) .
فإن قيل : فما فائدة قوله ( فأولئك يتوب الله عليهم ) بعد قوله ( إنما التوبة على الله ) .
قلنا : فيه وجهان : الأول أن قوله ( إنما التوبة على الله) إعلام بأنه يجب على الله
قبولها ، وجوب الكرم والفضل والاحسان ، لا وجوب الاستحقاق ، وقوله ( فأولئك يتوب الله
عليهم ) إخبار بأنه سيفعل ذلك . والثاني : أن قوله ( إنما التوبة على الله ) يعني إنما الهداية إلى
التوبة والإِرشاد إليها والاعانة عليها على الله تعالى في حق من أتى بالذنب على سبيل الجهالة ثم
تاب عنها عن قريب وترك الاصرار عليها وأتى بالاستغفار عنها . ثم قال ( فأولئك يتوب الله
عليهم ) يعني أن العبد الذي هذا شأنه إذا أتى بالتوبة قبلها الله منه ، فالمراد بالأول التوفيق
على التوبة ، وبالثاني قبول التوبة .
ثم قال ﴿وكان الله علياً حاكماً﴾ أي وكان الله علياً بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء
الشهوة والغضب والجهالة عليه ، حكيماً بأن العبد لما كان من صفته ذلك ، ثم إنه تاب عنها من
قريب فإنه يجب في الكرم قبول توبته .
قوله تعالى ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني
تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً ألياً ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر شرائط التوبة المقبولة أردفها بشرح التوبة التي لا تكون مقبولة ،
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ الآية دالة على أن من حضره الموت وشاهد أهواله فإن توبته غیر
مقبولة ، وهذه المسألة مشتملة على بحثين :

٧
قوله تعالى ((حتى اذا حضر أحدهم الموت)) الآية سورة النّساء
البحث الأول ﴾ الذي يدل على أن توبة من وصفنا حاله غير مقبولة وجوه : الأول:
هذه الآية وهي صريحة في المطلوب ، الثاني : قوله تعالى ( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا
بأسنا ) الثالث : قال في صفة فرعون ( فلما أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به
بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ) فلم يقبل الله توبته
عند مشاهدة العذاب ، ولو أنه أتى بذلك الإيمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولاً ،
الرابع : قوله تعالى ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت
كلا أنها كلمة هو قائلها) الخامس : قوله تعالى (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكمٍ
الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفساً
إذا جاء أجلها ) فأخبر تعالى في هذه الآيات أن التوبة لا تقبل عند حضور الموت . السادس :
روى أبو أيوب عن النبي ◌ّر أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، أي ما لم تتردد الروح
في حلقه ، وعن عطاء : ولو قبل موته بفواق الناقة . وعن الحسن : أن إبليس قال حين أهبط
إلى الأرض : وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده ، فقال : وعزتي لا أغلق عليه
باب التوبة ما لم يغرغر .
واعلم أن قوله ( حتى إذا حضر أحدهم الموت ) أي علامات نزول الموت وقربه ، وهو
كقوله تعالى ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ) .
﴿ البحث الثاني﴾ قال المحققون: قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع من
قبول التوبة مشاهدة الأحوال التي عندها يحصل العلم بالله تعالى على سبيل الاضطرار ، وإنما
قلنا إن نفس القرب من الموت لا يمنع من قبول التوبة لوجوه : الأول : أن جماعة أماتهم الله
تعالى ثم أحياهم مثل قوم من بني إسرائيل ، ومثل أولاد أيوب عليه السلام ، ثم إنه تعالى
كلفهم بعد ذلك الاحياء ، فدل هذا على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف. الثاني : أن
الشدائد التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشدائد الحاصلة عند القولنج ، ومثل الشدائد
التي تلقاها المرأة عند الطلق أو أزيد منها ، فإذا لم تكن هذه الشدائد مانعة من بقاء التكليف
فكذا القول في تلك الشدائد . الثالث : أن عند القرب من الموت إذا عظمت الآلام صار
اضطرار العبد أشد وهو تعالى يقول ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) فتزايد الآلام في ذلك
الوقت بأن يكون سبباً لقبول التوبة أولى من أن يكون سبباً لعدم قبول التوبة ، فثبت بهذه
الوجوه أن نفس القرب من الموت ونفس تزايد الآلام والمشاق ، لا يجوز أن يكون مانعاً من
قبول التوبة ، ونقول : المانع من قبول التوبة أن الانسان عند القرب من الموت إذا شاهد
أحوالاً وأهوالاً صارت معرفته بالله ضرورية عندمشاهدته تلك الأهوال ، ومتى صارت معرفته

٨
قوله تعالى ((ولا الذين يموتون وهم كفار)) الآية سورة النِّساء
بالله ضرورية سقط التكليف عنه ، ألا ترى أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية
سقط التكليف عنهم وإن لم يكن هناك موت ولا عقاب ، لأن توبتهم عند الحشر والحساب
وقبل دخول النار ، لا تكون مقبولة .
واعلم أن ههنا بحثاً عميقاً أصولياً . وذلك لأن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم
صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً ، ويشاهدون أيضاً النار العظيمة وأصناف الأهوال ، وكل
ذلك لا يوجب أن يصير العلم بالله ضرورياً ، لأن العلم بأن حصول الحياة بعد أن كانت
معدومة يحتاج إلى الفاعل علم نظري عند أكثر شيوخ المعتزلة ، وبتقدير أن يقال : هذا العلم
ضروري لكن العلم بأن الاحياء لا يصح من غير الله لا شك أنه نظري ، وأما العلم بأن فاعل
تلك النيران العظيمة ليس إلا الله . فهذا أيضاً استدلالي ، فكيف يمكن ادعاء أن أهل
الآخرة لأجل مشاهدة أهوالها يعرفون الله بالضرورة ثم هب أن الأمر كذلك ، فلم قلتم بأن
العلم بالله إذا كان ضرورياً منع من صحة التكليف وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود
الاله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم ، وأنه لا ينفعه طاعة العبد ولا يضره
ذنبه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلم قالوا بأن هذا يوجب زوال التكليف وأيضاً : فهذا الذي
يقوله هؤلاء المعتزلة من أن العلم بالله في دار التكليف يجب أن يكون نظرياً ، فإذا صار ضرورياً
سقط التكليف : كلام ضعيف، لأن من حصل في قلبه العلم بالله إن كان تجويز نقيضه قائماً في
قلبه ، فهذا يكون ظناً لا علماً ، وإن لم يكن تجويز نقيضه قائماً ، امتنع أن يكون علم آخر
أقوى منه وآكد منه ، وعلى هذا التقدير لا يبقى البتة فرق بين العلم الضروري وبين العلم
النظري فثبت أن هذه الأشياء التي تذكرها المعتزلة كلمات ضعيفة واهية ، وأنه تعالى يفعل ما
يشاء ويحكم ما يريد ، فهو بفضله وعد بقبول التوبة في بعض الأوقات ، وبعدله أخبر عن عدم
قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً، والمردود مقبولاً ( لا
يسأل عما يفعل وهم يسألون ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ أنه تعالى ذكر قسمين، فقال في القسم الأول (إنما التوبة على الله
للذين يعملون السوء بجهالة ) وهذا مشعر بأن قبول توبتهم واجب ، وقال في القسم الثاني
( وليست التوبة للذين يعملون السيئات ) فهذا جزم بأنه تعالى لا يقبل توبة هؤلاء فبقي بحكم
التقسيم العقلي فيما بين هذين القسمين قسم ثالث ، وهم الذين لم يجزم الله تعالى بقبول
توبتهم ، ولم يجزم برد توبتهم . فلما كان القسم الأول : هم الذين يعملون السوء بجهالة ،
والقسم الثاني : هم الذين لا يتوبون إلا عند مشاهدة البأس ، وجب أن يكون القسم المتوسط
بين هذين القسمين : هم الذين يعملون السوء على سبيل العمد ، ثم يتوبون ، فهؤلاء ما

٩
قوله تعالى ((أولئك أعتدنا لهم عذاباً اليما)) الآية سورة النِّساء
أخبر الله عنهم أنه يقبل توبتهم ، وما أخبر عنهم أنه يرد توبتهم ، بل تركهم في المشيئة ، كما
أنه تعالى ترك مغفرتهم في المشيئة حيث قال ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) .
المسألة الثالثة ﴾ أنه تعالى لما بین أن من تاب عند حضور علامات الموت ومقدماته لا
تقبل توبته قال ( ولا الذين يموتون ) وفيه وجهان : الأول : معناه الذين قرب موتهم ، والمعنى
أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت ، كذلك الإيمان لا يقبل عند
القرب من الموت . الثاني : المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل
توبتهم .
٠
﴿ المسألة الرابعة﴾ تعلقت الوعيدية بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجهين:
الأول : قالوا إنه تعالى قال ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم
الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ) فعطف الذين يعملون السيئات على
الذين يموتون وهم كفار ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا
من الكفار ، ثم إنه تعالى قال في حق الكل ( أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليما ) فهذا يقتضي
شمول هذا الوعيد للكفار والفساق . الثاني : أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند المعاينة ، فلو
كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الإعلام معنى .
والجواب : أنا قد جمعنا جملة العمومات الوعيدية في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى
( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وأجبنا
عن تمسكهم بها وذكرنا وجوهاً كثيرة من الأجوبة ، ولا حاجة إلى إعادتها في كل واحد من هذه
العمومات ، ثم نقول الضمير يجب أن يعود إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكورات من
قوله ( أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليما ) هو قوله ( ولا الذين يموتون وهم كفار ) فلم لا يجوز أن
يكون قوله ( أعتدنا لهم عذاباً ألما ) عائداً إلى الكفار فقط ، وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى أخبر
عن الذين لا يتوبون إلا عند الموت أو توبتهم غير مقبولة ، ثم ذكر الكافرين بعد ذلك ، فبين
أن إيمانهم عند الموت غير مقبول ، ولا شك أن الكافر أقبح فعلاً وأخس درجة عند الله من
الفاسق ، فلا بد وأن يخصه بمزيد إذلال وإهانة فجاز أن يكون قوله ( أولئك أعتدنا لهم عذاباً
أليما ) مختصاً بالكافرين ، بياناً لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والاذلال .
: أما الوجه الثاني ﴾ مما عولوا عليه : فهو أنه أخبر أنه لا توبة عند المعاينة ، وإذا كان
لا توبة حصل هناك تجويز العقاب وتجويز المغفرة ، وهذا لا يخلو عن نوع تخويف وهو كقوله
(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) على أن هذا تمسك بدليل الخطاب،

١٠
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا » الآية
سورة النِّساء
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَ امَنُوْ لَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِنُواْ الْنِسَاءَ كَرَهَا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لَِذْهَبُواْ بِبَعْضِ
مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَن يَأْتِيْنَ بِفَدِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَشِرُ وهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن
كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرُهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرً كَثِيرًاً لَّ
والمعتزلة لا يقولون به والله أعلم .
المسألة الخامسة ﴾ أنه تعالى عطف على الذين يتوبون عند مشاهدة الموت ، الكفار،
والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فهذا يقتضي أن الفاسق من أهل الصلاة ليس بكافر ،
ويبطل به قول الخوارج : إن الفاسق كافر ، ولا يمكن أن يقال : المراد منه المنافق لأن الصحيح
أن المنافق كافر ، قال تعالى (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) والله أعلم.
المسألة السادسة ﴾ أعتدنا : أي أعددنا وهيأنا . ونظيره قوله تعالى في صفة نار جهنم
( أعدت للكافرين) احتج أصحابنا بهذه الآية على أن النار مخلوقة لأن العذاب الأليم ليس إلا
نار جهنم وبرده ، وقوله ( أعتدنا ) إخبار عن الماضي ، بهذا يدل على كون النار مخلوقة من هذا
الوجه والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا
ببعض ما أتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى أن
تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ .
٠٠
اعلم أنه تعالى بعد وصف التوبة عاد إلى أحكام النساء، واعلم أن أهل الجاهلية كانوا
يؤذون النساء بأنواع كثيرة من الايذاء ، ويظلمونهن بضروب من الظلم ، فالله تعالى نهاهم عنها في
هذه الآيات .
فالنوع الأول﴾ قوله تعالى ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية قولان: الأول: كان الرجل في الجاهلية إذا مات وكانت له
زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة وقال : ورثت امرأته كما
ورثت ماله ، فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها ، فإن شاء تزوجها بغير صداق ، إلا

١١
قوله تعالى ((إلا أن يأتين بفاحشة مبينه)) الآية سورة النِّساء
الصداق الأول الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم
يعطها منه شيئاً ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وبين أن ذلك حرام وأن الرجل لا يرث امرأة
الميت منه ، فعلى هذا القول المراد بقوله ( أن ترثوا النساء ) عين النساء ، وأنهن لا يورثن من
الميت .
﴿والقول الثاني﴾ أن الوراثة تعود إلى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها
من الأزواج حتى تموت فيرثها مالها ، فقال تعالى : لا يحل لكم أن ترثوا أموالهن وهن
کارهات .
﴿ المسألة الثانية) قرأ حمزة والكسائي (كرهاً) بضم الكاف، وفي التوبة ( أنفقوا
طوعاً أو كرهاً) وفي الأحقاف ( حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ) كل ذلك بالضم ، وقرأ عاصم
وابن عامر في الأحقاف بالضم ، والباقي بالفتح ، وقرأ نافع وابن كثير وأبوعمرو بالفتح في
جميع ذلك ، قال الكسائي : هما لغتان بمعنى واحد ، وقال الفراء : الكره بالفتح الاكراه ،
وبالضم المشقة ، فما أكره عليه فهو كره بالفتح ، وما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم .
﴿ النوع الثاني﴾ من الأشياء التي نهى الله عنها مما يتعلق بالنساء قوله تعالى (ولا
تعضلوهن لتذهوا ببعض ما آتيتموهن ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في محل (ولا تعضلوهن) قولان: الأول: أنه نصب بالعطف على
حرف ((أن)) تقديره : ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا أن تعضلوهن في قراءة عبدالله،
والثاني أنه جزم بالنهي عطفاً على ما تقدم تقديره ، ولا ترثوا ولا تعضلوا .
﴿ المسألة الثانية﴾ العضل: المنع ، ومنه الداء العضال، وقد تقدم الاستقصاء فيه في
قوله ( فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ المخاطب في قوله (ولا تعضلوهن) من هو؟ فيه أقوال : الأول :
أن الرجل منهم قد كان يكره زوجته ويريد مفارقتها ، فكان يسيء العشرة معها ويضيق عليها
حتى تفتدي منه نفسها بمهرها ، وهذا القول اختيار أكثر المفسرين ، فكأنه تعالى قال : لا يحل
لكم التزوج بهن بالاكراه ، وكذلك لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل والحبس لتذهبوا
ببعض ما آتيتموهن . الثاني : أنه خطاب للوارث بأن يترك منعها من التزوج بمن شاءت
وأرادت ، كما كان يفعله أهل الجاهلية وقوله ( لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) معناه أنهم كانوا
يحبسون امرأة الميت وغرضهم أن تبذل المرأة ما أخذت من ميراث الميت ، الثالث : أنه

١٢
قوله تعالى ((فعسى أن تكرهواشيئاً ويجعل الله فيه خيراً)) الآية سورة النِّساء
خطاب للأولياء ونهي لهم عن عضل المرأة ، الرابع : أنه خطاب للأزواج . فإنهم في الجاهلية
كانوا يطلقون المرأة وكانوا يعضلونهن عن التزوج ويضيقون الأمر عليهن لغرض أن يأخذوا
منهن شيئاً ، الخامس : أنه عام في الكل .
أما قوله تعالى ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في الفاحشة المبينة قولان : الأول : أنها النشوز وشكاسة الخلق
وإيذاء الزوج وأهله ، والمعنى إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب
الخلع ، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب ، إلا أن يفحش عليكم .
والقول الثاني ﴾ أنها الزنا، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي.
المسألة الثانية ﴾ قوله ( إلا أن يأتين ) استثناء من ماذا؟ فيه وجوه : الأول : إنه
استثناء من أخذ الأموال ، يعني لا يحل له أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه إلا إذا زنت ،
والقائلون بهذا منهم من قال : بقي هذا الحكم وما نسخ ، ومنهم من قال : إنه منسوخ بآية
الجلد . الثاني : أنه استثناء من الحبس والامساك الذي تقدم ذكره في قوله ( فأمسكوهن في
البيوت ) وهوقول أبي مسلم وزعم أنه غير منسوخ . الثالث : يمكن أن يكون ذلك استثناء
من قوله ( ولا تعضلوهن ) لأن العضل هو الحبس فدخل فيه الحبس في البيت ؛ فالأولياء
والأزواج نهوا عن حبسهن في البيوت إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، فعند ذلك يحل للأولياء
والأزواج حبسهن في البيوت .
المسألة الثالثة ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو ( مبينة) بكسر الياء و( آيات مبينات ) بفتح
الياء حيث كان ، قال لأن في قوله ( مبينات ) قصد إظهارها ، وفي قوله ( بفاحشة مبينة ) لم
يقصد إظهارها ، وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بالفتح فيهما ، والباقون بكسر الياء
فيهما ، أما من قرأ بالفتح فله وجهان الأول : أن الفاحشة والآيات لا فعل لهما في الحقيقة ،
إنما الله تعالى هو الذي بينهما . والثاني : أن الفاحشة تتبين ، فإن يشهد عليها أربعة صارت
مبينة ، وأما الآيات فإن الله تعالى بينها ، وأما من قرأ بالكسر فوجهه أن الآيات إذا تبينت
وظهرت صارت أسباباً للبيان وإذا صارت أسباباً للبيان جاز إسناد البيان إليها ، كما أن
الأصنام كانت أسباباً للضلال حسن إسناد الإضلال إليها كقوله تعالى ( رب أنهن أضللن كثيراً
من الناس ) .
النوع الثالث ﴾ من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء قوله تعالى ( وعاشروهن
بالمعروف) وكان القوم يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم : وعاشروهن بالمعروف ، قال

١٣
قوله تعالى ((وإن اردتم استبدال زوج مكان)) الآية سورة النِّساء
وَإِنْ أَرَدُ أَسْتِبْدَالَ زَوْچٍ مَّكَّنَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثُهُنَّ قِنِطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ
شَيْهَا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَئًا وَ إِنْمًا مُبِينً ◌َ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ
وَأَخَذْنَ مِنكُمْ مِثَقًّا غَلِيظًا
الزجاج : هو النصفة في المبيت والنفقة ، والاجمال في القول .
ثم قال تعالى ( فإن كرهتموهن) أي كرهتم عشرتهن بالمعروف وصحبتهن ، وآثرتم
فراقهن ( فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) والضمير في قوله ( فيه ) إلى ماذا
يعود ؟ فيه وجهان ، الأول: المعنى انكم إن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف فعسى
أن يكون في صحبتهن الخير الكثير ومن قال بهذا القول فتارة فسر الخير الكثير بولد يحصل
فتنقلب الكراهة محبة ، والنفرة رغبة وتارة بأنه لما كره صحبتها ثم إنه يحمل ذلك المكروه طلباً
لثواب الله ، وأنفق عليها وأحسن إليها على خلاف الطبع ، استحق الثواب الجزيل في العقبى
والثناء الجميل في الدنيا ، الثاني : أن يكون المعنى إن كرهتموهن ورغبتم في مفارقتهن ، فربما
جعل الله في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً ، وذلك بأن تتخلص تلك المرأة من هذا الزوج وتجد
زوجاً خيراً منه ، ونظيره قوله ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) وهذا قول أبي بكر
الأصم ، قال القاضي : وهذا بعيد لأنه تعالى حث بما ذكر على سبيل الاستمرار على الصحبة ،
فكيف يريد بذلك المفارقة .
النوع الرابع ﴾ من التكاليف المتعلقة بالنساء.
قوله تعالى ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه
شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً
غليظاً ﴾ . فيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى في الآية الأولى لما أذن في مضارة الزوجات إذا أتين
بفاحشة ، بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الفاحشة فقال ( وإن أردتم استبدال
زوج مكان زوج ) روى أن الرجل منهم إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه
بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها قال تعالى
( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ) الآية والقنطار المال العظيم ، وقد مر تفسيره في قوله
تعالى ( والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ) .

١٤
قوله تعالى ((أتأخذونه بهتان،إثما مبينا)) الآية : سورة النِّساء
المسألة السادسة ﴾ قالوا : الآية تدل على جواز المغالاة في المهر ، روى أن عمر رضي
الله عنه قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم ، فقامت : امرأة فقالت يا ابن
الخطاب الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية ، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر،
ورجع عن كراهة المغالاة . وعندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة لأن قوله ( وآتيتم
إحداهن قنطاراً) لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما أن قوله ( لو كان فيهما آلهة إلا الله
لفسدتا ) لا يدل على حصول الآلهة ، والحاصل أنه لا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر
كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع ، وقال عليه الصلاة والسلام (( من قتل له قتيل فأهله بين
خيرتين)) ولم يلزم منه جواز القتل ، وقد يقول الرجل : لو كان الاله جسماً لكان محدثاً، وهذا
حق ، ولا يلزم منه أن قولنا : الاله جسم حق .
المسألة الثالثة﴾ هذه الآية يدخل فيها ما إذا آتاها مهرها وما إذا لم يؤتها، وذلك
لأنه أوقع العقد على ذلك الصداق في حكم الله ، فلا فرق فيه بين ما إذا آتاها الصداق
حساً ، وبين ما إذا لم يؤتها .
المسألة الرابعة﴾ احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن الخلوة الصحيحة تقرر
المهر ، قال وذلك لأن الله تعالى منع الزوج من أن يأخذ منها شيئاً من المهر ، وهذا المنع مطلق
ترك العمل به قبل الخلوة ، فوجب أن يبقى معمولاً به بعد الخلوة قال : ولا يجوز أن يقال إنه
مخصوص بقوله تعالى ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف
ما فرضتم ) وذلك لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس فقال علي وعمر : المراد من المسيس
الخلوة ، وقال عبدالله : هو الجماع ، وإذا صار مختلفاً فيه امتنع جعله مخصصاً لعموم هذه
الآية .
والجواب : ان هذه الآية المذكورة ههنا مختصة بما بعد الجماع بدليل قوله تعالى ( وكيف
تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) وإفضاء بعضهم إلى البعض هو الجماع على قول أكثر
المفسرين وسنقيم الدلائل على صحة ذلك .
المسألة الخامسة﴾ اعلم أن سوء العشرة إما أن يكون من قبل الزوج ، وإما أن يكون
من قبل الزوجة ، فإن كان من قبل الزوج كره له أن يأخذ شيئاً من مهرها لأن قوله تعالى ( وإن
أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً) صريح في أن
النشوز إذا كان من قبله فإنه يكون منهياً عن أن يأخذ من مهرها شيئاً ، ثم إن وقعت المخالعة
ملك الزوج بدل الخلع ، كما ان البيع وقت النداء منهي عنه ، ثم إنه يفيد الملك ، وإذا كان

١٥
قوله تعالى ((أتأخذونه بهتانا واثماً مبينا)) الآية
سورة النّساء
النشوز من قبل المرأة فههنا يحل أخذ بدل الخلع ؛ لقوله تعالى ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض
ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) .
ثم قال تعالى ﴿ أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الانسان به صاحبه على جهة
المكابرة ، وأصله من بهت الرجل إذا تحير ، فالبهتان كذب يحير الانسان لعظمته ، ثم جعل كل
باطل يتحير من بطلانه ( بهتاناً)، ومنه الحديث ((إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته)).
المسألة الثانية﴾ في أنه لم انتصب قوله ( بهتاناً) وجوه : الأول : قال الزجاج :
البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال ، والمعنى : أتأخذونه مباهتين وآثمين . الثاني : قال
صاحب الكشاف: يحتمل أنه انتصب لأنه مفعول له وإن لم يكن غرضاً في الحقيقة ،
كقولك : قعد عن القتال جنباً . الثالث : انتصب بنزع الخافض ، أي ببهتان . الرابع : فيه
إضمار تقديره : تصيبون به بهتاناً وإثماً .
المسألة الثالثة﴾ في تسمية هذا الأخذ ((بهتاناً)) وجوه: الأول : أنه تعالى فرض لها
ذلك المهر فمن استرده كان كأنه يقول : ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً . الثاني : أنه عند
العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها، وأن لا يأخذ منها، فإذا أخذه صار ذلك القول الأول
بهتاناً. الثالث: أنا ذكرنا أنه كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى
تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر ، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب
الأكثر ، جعل كأن أحدهما هو الآخر . الرابع : أنه تعالى ذكر في الآية السابقة ( ولا
تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) والظاهر من حال المسلم أنه
لا يخالف أمر الله ، فإذا أخذ منها شيئاً أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مع مبينة ، فإذا لم
يكن الأمر كذلك في الحقيقة صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان ، من حيث أنه يدل على إتيانها
بالفاحشة مع أن الأمر ليس كذلك . وفيه تقرير آخر وهو أن أخذ المالٍ طعن في ذاتها وأخذ
لمالها ، فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر ، فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر ،
الخامس : أن عقاب البهتان والاثم المبين كان معلوماً عندهم فقوله ( أتأخذونه بهتاناً ) معناه
أتأخذون عقاب البهتان فهو كقوله ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في
بطونهم ناراً ) .
المسألة الرابعة﴾ قوله ( أتأخذونه) استفهام على معنى الانكار والاعظام ، والمعنى
أن الظاهر أنكم لا تفعلون مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل .

١٦
قوله تعالى ((وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض)) الآية سورة النِّساء
ثم قال تعالى ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً
غليظا ﴾ .
واعلم أنه تعالى ذكر في علة هذا المنع أموراً : أحدهما : أن هذا الأخذ يتضمن نسبتها
إلى الفاحشة المبينة ، فكان ذلك بهتاناً والبهتان من أمهات الكبائر . وثانيها : أنه إثم مبين
لأن هذا المال حقها فمن ضيق الأمر عليها ليتوسل بذلك التشديد والتضييق وهو ظلم ، إلى
أخذ المال وهو ظلم آخر ، فلاشك أن التوسل بظلم إلى ظلم آخر يكون إثماً مبيناً . وثالثها :
قوله تعالى ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ أصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة يقال: فضا يفضو فضوا و
فضاء إذا اتسع ، قال الليث : أفضى فلان إلى فلان ، أي وصل إليه ، وأصله أنه صار في
فرجته وفضائه ، وللمفسرين في الافضاء في هذه الآية قولان : أحدهما : أن الافضاء ههنا كناية
عن الجماع وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي واختيار الزجاج وابن قتيبة ومذهب الشافعي ،
لأن عنده الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر ، وإن خلا بها .
﴿ والقول الثاني﴾ في الافضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها، قال الكلبي: الافضاء أن
يكون معها في لحاف واحد ، جامعها أو لم يجامعها ، وهذا القول اختيار الفراء ومذهب أبي
حنيفة رضي الله عنه لأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر .
واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن الليث قال : أفضى
فلان إلى فلانة أي صار في فرجتها وفضائها ، ومعلوم أن هذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند
الجماع ، أما في غير وقت الجماع فهذا غير حاصل . الثاني : أنه تعالى ذكر هذا في معرض
التعجب ، فقال ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) والتعجب إنما يتم إذا كان
هذا الافضاء سبباً قوياً في حصول الألفة والمحبة ، وهو الجماع لا مجرد الخلوة ، فوجب حمل
الافضاء عليه . الثالث : وهو أن الافضاء إليها لا بدوأن يكون مفسراً بفعل منه ينتهي إليه ،
لأن كلمة ((إلى)) لانتهاء الغاية ، ومجرد الخلوة ليس كذلك، لأن عند الخلوة المحصنة لم يصل
فعل من أفعال واحد منهما إلى الآخر ، فامتنع تفسير قوله ( أفضى بعضكم إلى بعض ) بمجرد
الخلوة .
فإن قيل : فإذا اضطجعا في لحاف واحد وتلامساً فقد حصل الافضاء من بعضهم إلى
بعض فوجب أن يكون ذلك كافياً ، وأنتم لا تقولون به .

١٧
قوله تعالى ((ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم)) الآية سورة النّساء
وَلَا تَنكِحُواْ مَانَكَحَ ءَ آبَاؤُ كُم مِّنَ الْنِسَآءِ إِلَّمَا قَدْ سَلَفَ إِنْهُ، كَانَ فَحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ
سَبِيلًا چ
قلنا : القائل قائلان ، قائل يقول : المهر لا يتقرر إلا بالجماع ، وآخر : إنه يتقرر
بمجرد الخلوة وليس في الأمة أحد يقول إنه يتقرر بالملامسة والمضاجعة ، فكان هذا القول باطلاً
بالاجماع ، فلم يبق في تفسير إفضاء بعضهم إلى بعض إلا أحد أمرين : إما الجماع ، وإما
الخلوة ، والقول بالخلوة باطل لما بيناه ، فبقي أن المراد بالافضاء هو الجماع . الرابع : أن المهر
قبل الخلوة ما كان مقرراً ، والشرع قد علق تقرره على إفضاء البعض إلى البعض ، وقد اشتبه
الأمر في أن المراد بهذا الافضاء ، هو الخلوة أو الجماع ؟ وإذا وقع الشك وجب بقاء ما كان
على ما كان ، وهو عدم التقرير ، فبهذه الوجوه ظهر ترجيح مذهب الشافعي والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ قوله (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) كلمة
تعجب ، أي لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا ؟ فإنها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك
وتمتعك ، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما ، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها
شيئاً بذله لها بطيبة نفسه ؟ إن هذا لا يليق البتة بمن له طبع سليم وذوق مستقيم .
الوجه الرابع﴾ من الوجوه التي جعلها الله مانعاً من استرداد المهر قوله (وأخذن
منكم ميثاقاً غليظاً) في تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه : الأول : قال السدي وعكرمة
والفراء : هو قولهم زوجتك هذه المرأة على ما أخذه الله للنساء على الرجال ، ومن إمساك
بمعروف أو تسريح بإحسان ، ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فما سرحها بالإِحسان ،
بل سرحها بالاساءة . الثاني : قال ابن عباس ومجاهد : الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة
على الصداق، وتلك الكلمة تستحل بها فروج النساء ، قال ◌َّة ((اتقوا الله في النساء فانكم
أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله)). الثالث: قوله (وأخذن منكم ميثاقاً
غليظاً) أي أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً ، وصفه بالغلظة لقوته
وعظمته ، وقالوا : صحبة عشرين يوماً قرابة ، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد
والامتزاج .
النوع الخامس ﴾ من الأمور التي كلف الله تعالى بها في هذه الآية من الأمور المتعلقة
بالنساء .
قوله تعالى ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً
وساء سبيلاً
.
فخر الرازي ج.١ م ٢

١٨
قوله تعالى ((ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء» الآية سورة النّساء
وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين : كان أهل الجاهلية يتزوجون
بأزواج آبائهم فنهاهم الله بهذه الآية عن ذلك الفعل .
المسألة الثانية﴾ قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية
أبيه ، وقال الشافعي رحمة الله عليه : لا يحرم احتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال : إنه تعالى نهى
الرجل أن ينكح منكوحة أبيه ، والنكاح عبارة عن الوطء فكان هذا نهياً عن نكاح موطوءة
أبيه ، إنما قلنا : إن النكاح عبارة عن الوطء لوجوه : الأول : قوله تعالى ( فلا تحل له من بعد
حتى تنكح زوجاً غيره ) أضاف هذا النكاح إلى الزوج ، والنكاح المضاف إلى الزوج هو الوطء
لا العقد ، لأن الانسان لا يمكنه أن يتزوج بزوجة نفسه لأن تحصيل الحاصل محال ، ولأنه لو
كان المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم
يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد ، فتعين أن يكون هو الوطء لأنه
لا قائل بالفرق ، الثاني: قوله تعالى ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ) والمراد من
النكاح ههنا الوطء لا العقد ، لأن أهلية العقد كانت حاصلة أبداً. الثالث : قوله تعالى
( الزاني لا ينكح إلا زانية) فلو كان المراد ههنا العقد لزم الكذب . الرابع : قوله عليه الصلاة
والسلام ((ناكح اليد ملعون)) ومعلوم أن المراد ليس هو العقد بل هو الوطء . فثبت بهذه
الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطء ، فلزم أن يكون قوله تعالى ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم )
أي : ولا تنكحوا ما وطئهن آباؤكم ، وهذا يدخل فيه المنكوحة والمزنية ، لا يقال : كما أن لفظ
النكاح ورد بمعنى الوطء فقد ورد أيضاً بمعنى العقد قال تعالى ( وأنكحوا الأيامى منكم .
فانكحوا ما طاب لكم من النساء . إذا نكحتم المؤمنات ) وقوله عليه الصلاة والسلام ((ولدت
من نكاح ولم أولد من سفاح )) فلم كان حمل اللفظ على الوطء أولى من حمله على العقد ؟
أجابوا عنه من ثلاثة أوجه : الأول : ما ذهب إليه الكرخي وهو أن لفظ النكاح حقيقة
في الوطء مجاز في العقد ، بدليل أن لفظ النكاح في أصل اللغة عبارة عن الضم، ومعنى الضم
حاصل في الوطء لا في العقد ، فكان لفظ النكاح حقيقة في الوطء . ثم إن العقد سمي بهذا
الاسم لأن العقد لما كان سبباً له أطلق اسم المسبب على السبب ، كما أن العقيقة اسم للشعر
الذي يكون على رأس الصبي حال ما يولد ، ثم تسمى الشاة التي تذبح عند حلق ذلك الشعر
عقيقة فكذا ههنا .
واعلم أنه كان مذهب الكرخي أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في

قوله تعالى ((ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء)) الآية سورة النِّساء ١٩
3
حقيقته ومجازه معاً ، فلا جرم كان يقول : المستفاد من هذه الآية حكم الوطء ، أما حكم
العقد فإنه غير مستفاد من هذه الآية ، بل من طريق آخر ودليل آخر .
الوجه الثاني ﴾ أن من الناس من ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في
مفهوميه معاً فهذا القائل قال : دلت الآيات المذكورة على أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء وفي
العقد معاً ، فكان قوله ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ) نهياً عن الوطء وعن العقد معاً ، حملاً
للفظ على كلا مفهوميه .
الوجه الثالث ﴾ في الاستدلال، وهو قول من يقول: اللفظ المشترك لا يجوز
استعماله في مفهوميه معاً ، قالوا : ثبت بالدلائل المذكورة أن لفظ النكاح قد استعمل في القرآن
في الوطء تارة وفي العقد أخرى ، والقول بالاشتراك والمجاز خلاف الأصل ، ولا بد من جعله
حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو معنى الضم حتى يندفع الاشتراك والمجاز ، وإذا كان كذلك
كان قوله ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) نهياً عن القدر المشترك بين هذين القسمين ، والنهي عن
القدر المشترك بين القسمين يكون نهياً عن كل واحد من القسمين لا محالة ، فإن النهي عن
التزويج يكون نهياً عن العقد وعن الوطء معاً ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا
الاستدلال .
والجواب عنه من وجوه : الأول : لا نسلم أن اسم النكاح يقع على الوطء ، والوجوه
التي احتجوا بها على ذلك فهي معارضة بوجوه: أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام ((النكاح
سنتي)) ولا شك أن الوطء من حيث كونه وطأ ليس سنة له ، وإلا لزم أن يكون الوطء بالسفاح
سنة له فلما ثبت أن النكاح سنة ، وثبت أن الوطء ليس سنة ، ثبت أن النكاح ليس عبارة عن
الوطء ، کذلك التمسك بقوله (( تناکحوا تکثروا )) لو کان الوطء مسمی بالنكاح لكان هذا إذنا
في مطلق الوطء وكذلك التمسك بقوله تعالى ( وأنکحوا الأیامی منکم) وقوله ( فانكحوا ما
طاب لكم من النساء ) .
لا يقال : لما وقع التعارض بين هذه الدلائل فالترجيح معنا ، وذلك لأنا لوقلنا : الوطء
مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دلائلنا ، ومتى وقع التعارض بين المجاز
والتخصيص كان التزام التخصيص أولى .
لأنا نقول : أنتم تساعدون على أن لفظ النكاح مستعمل في العقد ، فلو قلنا : إن
النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها . ولزم القول بالمجاز في

٢٠
قوله تعالى: ((ولا تنكحواما نكح آباؤكم من النساء» الآية سورة النساء
الآيات التي ذكر النكاح فيها بمعنى العقد، أما لوقلنا : إن النكاح فيها بمعنى الوطء فلا يلزمنا
التخصيص ، فقولكم يوجب المجاز والتخصيص معاً ، وقولنا يوجب المجاز فقط ، فكان قولنا
أولى .
الوجه الثاني ﴾ من الوجوه الدالة على أن النكاح ليس حقيقة في الوطء قوله عليه
الصلاة والسلام ((ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح)) أثبت نفسه مولوداً من النكاح وغير
مولود من السفاح ، وهذا يقتضي أن لا يكون السفاح نكاحاً ، والسفاح وطء ، فهذا يقتضي
أن لا يكون الوطء نكاحاً.
﴿ الوجه الثالث﴾ أنه من حلف في أولادنا الزنا: أنهم ليسوا أولاد النكاح لم يحنث،
ولو كان الوطء نكاحاً لوجب أن يحنث ، وهذا دليل ظاهر على أن الوطء ليس مسمى بالنكاح
على سبيل الحقيقة . الثاني : سلمنا أن الوطء مسمى بالنكاح ، لكن العقد أيضاً مسمى به .
فلم كان حمل الآية على ما ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا ؟
﴿ أما الوجه الأول ﴾ وهو الذي ذكره الكرخي فهو في غاية الركاكة، وبيانه من
وجهين : الأول : أن الوطء مسبب العقد ، فكما يحسن إطلاق اسم المسبب على السبب
مجازاً ، فكذلك يحسن اطلاق اسم السبب على المسبب مجازاً . فكما يحتمل أن يقال : النكاح
اسم للوطء ثم أطلق هذا الاسم على العقد لكونه سبباً للوطء ، فكذلك يحتمل أن يقال :
النكاح اسم للعقد ، ثم أطلق هذا الاسم على الوطء لكون الوطء مسبباً له ، فلم كان أحدهما
أولى من الآخر؟ بل الاحتمال الذي ذكرناه أولى ، لأن استلزام السبب للمسبب أتم من
استلزام المسبب للسبب المعين ، فإنه لا يمتنع أن يكون لحصول الحقيقة الواحدة أسباب
كثيرة ، كالملك فإنه يحصل بالبيع والهبة والوصية والأرث ، ولا شك أن الملازمة شرط لجواز
المجاز ، فثبت أن القول بأن اسم النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء ، أولى من عكسه .
الوجه الثاني ﴾ أن النكاح لو كان حقيقة في الوطء مجازاً في العقد ، وقد ثبت في
أصول الفقه أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معاً، فحينئذ يلزم أن لا
تكون الآية دالة على حكم العقد ، وهذا وإن كان قد التزمه الكرخي لكنه مدفوع بالدليل
القاطع ، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم كانوا يتزوجون
بأزواج آبائهم ، وأجمع المسلمون على أن سبب نزول الآية لا بد وأن يكون داخلاً تحت
الآية ، بل اختلفوا في أن غيره هل يدخل تحت الآية أم لا؟ وأما كون سبب النزول داخلاً
فيها فذاك مجمع عليه بين الأمة ، فإذا ثبت بإجماع المفسرين ، أن سبب نزول هذه الآية هو