النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
قوله تعالى ((للرجال نصيب مما ترك الوالدان)) الآية سورة النِّساء
اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة وهو ما يتعلق
بالمواريث والفرائض وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس : ان أوس بن ثابت
الأنصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة ، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له يقال لهما :
سويد، وعرفجة وأخذا ماله . فجاءت أمرأة أوس إلى رسول الله وَ له وذكرت القصة ،
وذكرت أن الوصيين ما دفعا إلى شيئاً، وما دفعا إلى بناته شيئاً من المال، فقال النبي ◌َّ ارجعي
إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في أمرك)) فنزلت على النبي ◌َّ هذه الآية ، ودلت على أن
للرجال نصيباً وللنساء نصيباً، ولكنه تعالى لم يبين المقدار في هذه الآية، فأرسل الرسول وتقليل إلى
الوصيين وقال (( لا تقربا من مال أوس شيئاً)) ثم نزل بعد (يوصيكم الله في أولادكم)
ونزل فرض الزوج وفرض المرأة ، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الوصيين أن يدفعا إلى
المرأة الثمن ويمسكا نصيب البنات ، وبعد ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام إليهما أن ادفعا
نصيب بناتها إليها فدفعاه إليها ، فهذا هو الكلام في سبب النزول .
المسألة الثانية﴾ كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ، ويقولون لا يرث
إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة ، فبين تعالى أن الارث غير مختص
بالرجال ، بل هو أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء ، فذكر في هذه الآية هذا القدر ، ثم ذكر
التفصيل بعد ذلك ولا يمتنع إذا كان للقوم عادة في توريث الكبار دون الصغار ودون النساء ،
أن ينقلهم سبحانه وتعالى عن تلك العادة قليلاً قليلاً على التدريج ، لأن الانتقال عن العادة
شاق ثقيل على الطبع ، فإذا كان دفعة عظم وقعه على القلب ، وإذا كان على التدريج سهل .
فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل اولا ، ثم أردفه بالتفصيل .
المسألة الثالثة ﴾ احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام قال لأن
العمات والخالات والأخوال واولاد البنات من الأقربين ، فوجب دخولهم تحت قوله ( للرجال
نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) أقصى ما في
الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل
النصيب بهذه الآية ، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل .
وأجاب أصحابنا عنه من وجهين : أحدهما : أنه تعالى قال في آخر الآية ( نصيباً
مفروضاً ) أي نصيباً مقدراً ، وبالاجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر ، فثبت أنهم ليسوا
داخلين في هذه الآية ، وثانيهما : أن هذه الآية مختصة بالأقربين ، فلم قلتم إن ذوي الأرحام

٢٠٢
قوله تعالى (( للرجال نصيب مما ترك الوالدان)) الآية سورة النّساء
من الأقربين ؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر ، أو
المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء ، والأول باطل ؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه ،
لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد ، وهو الانتساب إلى آدم عليه
السلام ، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده ، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو
باطل ، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من
الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا
يدخل فيه ذوو الأرحام، لا يقال: لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار، لأنا نقول:
الأقرب جنس يندرج تحته نوعان: الوالد والولد، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد، ثم ذكر الأقربين،
فيكون المعنى أنه ذكر النوع، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار .
المسألة الرابعة ﴾ قوله ( نصيباً) في نصبه وجوه : أحدها : أنه نصب على
الاختصاص بمعنى أعني نصيباً مفروضاً مقطوعاً واجباً ، والثاني : يجوز أن ينتصب انتصاب
المصدر ، لأن النصيب اسم في معنى المصدر كأنه قيل : قسم قسماً واجباً ، كقوله ( فريضة من
الله ) أي قسمة مفروضة .
المسألة الخامسة﴾ أصل الفرض الحز، ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس
فرضاً ، والحز الذي في القداح يسمى أيضاً فرضاً، وهو علامة لها تميز بينها وبين غيرها ،
والفرضة العلامة في مقسم الماء ، يعرف بها كل ذي حق حقه من الشرب". فهذا هو أصل.
الفرض في اللغة ، ثم إن أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل
قاطع ، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون ، قالوا : لأن الفرض عبارة عن الحز
والقطع ، وأما الوجوب فإنه عبارة عن السقوط ، يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ، ووجب
الحائط إذا سقط، وسمعت وجبة يعني سقطة قال الله تعالى ( فإذا وجبت جنوبها ) يعني
سقطت ، فثبت أن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وإن الوجوب عبارة عن السقوط ، ولا
شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط ، فلهذا السبب خصص أصحاب
أبي حنيفة لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، ولفظ الوجوب بما عرف وجوبه بدليل
مظنون .
إذا عرفت هذا فنقول : هذا الذي قرروه يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام
لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل قاطع باجماع الأمة ، فلم يكن توريثهم
فرضاً ، والآية إنما تناولت التوريث المفروض ، فلزم القطع بأن هذه الآية ما تناولت ذوي
الأرحام ، والله أعلم .

٢٠٣
قوله تعالى ((واذا حضر القسمة اولوا القربى )) الآية سورة النِّساء
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أَوْلُواْ الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَئِكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوْ لَهُمْ
قَوْلًا مَعْرُوفًا
٨
قوله تعالى ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فار زقوهم منه وقولوا
لهم قولاً معروفاً ﴾ .
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن قوله (وإذا حضر القسمة) ليس فيه بيان أي قسمة هي ،
فلهذا المعنى حصل للمفسرين فيه أقوال : الأول : أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن النساء
أسوة الرجال في أن لهن حظاً من الميراث ، وعلم تعالى أن في الأقارب من يرث ومن لا يرث ،
وأن الذين لا يرثون إذا حضروا وقت القسمة ، فإن تركوا محرومين بالكلية ثقل ذلك عليهم ،
فلا جرم أمر الله تعالى أن يدفع إليهم شيء عند القسمة حتى يحصل الأدب الجميل وحسن
العشرة ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال: إن ذلك واجب ، ومنهم من
قال : إنه مندوب ، أما القائلون بالوجوب ، فقد اختلفوا في أمور : أحدها : أن منهم من
قال : الوارث إن كان كبيراً وجب عليه أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئاً من المال بقدر ما تطيب
نفسه به ، وإن كان صغيراً وجب على الولي إعطاؤهم من ذلك المال ، ومنهم من قال : إن كان
الوارث كبيراً، وجب عليه الاعطاء من ذلك المال ، وإن كان صغيراً وجب على الولي أن يعتذر
إليهم ، ويقول : إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من
الحق ، وأن يكبروا فسيعرفون حقكم ، فهذا هو القول المعروف، وثانيها : قال الحسن
والنخعي : هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان ، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما
أشبه ذلك ، قال لهم قولاً معروفاً ، مثل أن يقول لهم : ارجعوا بارك الله فيكم ، وثالثها :
قالوا : مقدار ما يجب فيه الرضخ شيء قليل ، ولا تقدير فيه بالإجماع . ورابعها، أن على تقدير
وجوب هذا الحكم تكون هذه الآية منسوخة . قال ابن عباس في رواية عطاء : وهذه الآية
منسوخة بآية المواريث ، وهذا قول سعيد بن المسيب والضحاك وقال في رواية عكرمة : الآية
محكمة غير منسوخة وهو مذهب أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري
ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير، فهؤلاء كانوا يعطون من حضر شيئاً من التركة . روى أن
عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قسم ميراث أبيه وعائشة حية ، فلم يترك في الدار

٢٠٤
قوله تعالى ((واذا حضر القسمة اولوا القربى)) الآية سورة النساء
أحداً إلا أعطاه ، وتلا هذه الآية ، فهذا كله تفصيل قول من قال بأن هذا الحكم ثبت على
سبيل الوجوب ، ومنهم من قال : إنه ثبت على سبيل الندب والاستحباب ، لا على سبيل
الفرض والإِيجاب ، وهذا الندب أيضاً إنما يحصل إذا كانت الورثة كباراً ، أما إذا كانوا صغاراً
فليس إلا القول المعروف، وهذا المذهب هو الذي عليه فقهاء الأمصار . واحتجوا بأنه لو كان
لهؤلاء حق معين لبين الله تعالى قدر ذلك الحق كما في سائر الحقوق ، وحيث لم يبين علمنا أنه
غير واجب، ولأن ذلك لو كان واجباً لتوفرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين
على تقديره ، ولو كان ذلك لنقل على سبيل التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه غير
واجب .
القول الثاني ﴾ في تفسير الآية: أن المراد بالقسمة الوصية ، فإذا حضرها من لا يرث
من الأقرباء واليتامى والمساكين أمر الله تعالى أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ، ويقول لهم
مع ذلك : قولاً معروفاً في الوقت ، فيكون ذلك سبباً لوصول السرور إليهم في الحال
والاستقبال ، والقول الأول أولى ، لأنه تقدم ذكر الميراث ولم يتقدم ذكر الوصية ، ويمكن أن
يقال : هذا القول أولى لأن الآية التي تقدمت في الوصية .
﴿ القول الثالث﴾ في تفسير الآية أن قوله (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) فالمراد
من ( أولى القربى ) الذي يرثون والمراد من ( اليتامى والمساكين ) الذين لا يرثون .
ثم قال ﴿ فار زقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً﴾ فقوله ( فارزقوهم ) راجع إلى القربى
الذين يرثون وقوله ( وقولوا لهم قولاً معروفاً) راجع إلى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون ،
وهذا القول محكى عن سعيد بن جبير .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف: الضمير في قوله ( فارزقوهم منه) عائد إلى
ما ترك الوالدان والأقربون ، وقال الواحدي : الضمير عائد إلى الميراث فتكون الكناية على هذا
الوجه عائدة إلى معنى القسمة ، لا إلى لفظها كقوله ( ثم استخرجها من وعاء أخيه ) والصواع
مذكر لا يكنى عنه بالتأنيث ، لكن أريد به المشربة فعادت الكناية إلى المعنى لا إلى اللفظ ، وعلى
أ) التقدير فالمراد بالقسمة المقسوم ، لأنه إنما يكون الرزق من المقسوم لا من نفس القسمة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ إنما قدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر، وحاجتهم
أشد ، فكان وضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم في الأجر .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ الأشبه هو أن المراد بالقول المعروف أن لا يتبع العطية المن والأذى
بالقول أو يكون المراد بالوعد بالزيادة والاعتذار لمن لم يعطه شيئاً .

٢٠٥
قوله تعالى ((وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية)) الآية سورة النِّساء
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةُ ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ
قَوْلًا سَدِيدًا ﴾
قوله تعالى ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله
وليقولوا قولاً سديداً﴾ .
وفي الآية مسائل :
و المسألة الأولى﴾ الجملة الشرطية وهو قوله ﴿لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا
عليهم ﴾. هي صلة لقوله ( الذين ) والمعنى : وليخش الذين من صفتهم أنهم لوتركوا ذرية
ضعافاً خافوا عليهم وأما الذي يخشى عليه فغير منصوص عليه ، وسنذكر وجوه المفسرين فيه .
المسألة الثانية﴾ لا شك أن قوله ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً
خافوا عليهم ) يوجب الاحتياط للذرية الضعاف، وللمفسرين فيه وجوه : الأول : أن هذا
خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون : ان ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً، فأوص
بمالك لفلان وفلان، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء
: أصلاً، فقيل لهم : كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال ، فاخشوا الله ولا
تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله . وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا
الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم. عن أنس قال: قال النبي وَ له(( لا يؤمن العبد حتى يحب
لأخيه ما يحب لنفسه )).
﴿ والقول الثاني﴾ قال حبيب بن أبي ثابت : سألت مقسماً عن هذه الآية فقال : هو
الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب ، فيقول له من كان عنده : اتق الله وأمسك
على ولدك مالك ، مع أن ذلك الانسان يجب أن يوصي له ، ففي القول الأول الآية محمولة على
نهي الحاضرين عن الترغيب في الوصية ، وفي القول الثاني محمولة على نهي الحاضرين عن النهي
عن الوصية ، والأول أولى ، لأن قوله ( لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً) أشبه بالوجه الأول
وأقرب إليه .
والقول الثالث ﴾ يحتمل أن تكون الآية خطاباً لمن قرب أجله ، ويكون المقصود نهيه
عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته، ثم إن كانت هذه الآية إنما نزلت
قبل تقدير الوصية بالثلث ، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية، وإن كانت

٢٠٦
قوله تعالى ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما)) الآية سورة النِّساء
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُونَ أَمْوَلَ الْمَعَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ
نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث. كان المراد منها أن يوصى أيضاً بالثلث، بل ينقص إذا خاف
على ذريته والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك، وكانوا يقولون:
الخمس أفضل من الربع، والربع أفضل من الثلث، وخبر سعد يدل عليه وهو قوله ◌َّة ((الثلث
والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)).
والقول الرابع ﴾ أن هذا أمر لأولياء اليتيم ، فكأنه تعالى قال: وليخش من يخاف
على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في في حجره ،
والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه سبحانه وتعالى على حفظ ماله ، وأن يترك نفسه في
حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالا . قال
القاضي : وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام ، فجعل تعالى آخر ما
دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ، ولا شك أنه
من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود.
المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف : قرىء ضعفاء ، وضعافى ، وضعافى : نحو
سكارى وسكارى . قال الواحدي : قرأ حمزة ( ضعافاً خافوا عليهم ) بالأمالة فيهما ثم قال :
ووجه إمالة ضعاف ان ما كان على وزن فعال ، وكان أوله حرفاً مستعلياً مكسوراً نحو
ضعاف، وغلاب ، وخباب ، يحسن فيه الإمالة ، وذلك لأنه تصعد بالحرف المستعلي ثم
انحدر بالكسرة ، فيستحب أن لا يتصعد بالتفخيم بعد الكسر حتى يوجد الصوت على طريقة
واحدة ، وأما الأمالة في ( خافوا) فهي حسنة لأنها تطلب الكسرة التي في خفت ، ثم قال
( فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً) وهو كالتقرير لما تقدم، فكأنه قال : فليتقوا الله في الأمر
الذي تقدم ذكره والاحتياط فيه ، وليقولوا قولاً سديداً إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل
وعمل ، والقول السديد هو العدل والصواب من القول . قال صاحب الكشاف: القوّل
السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ، ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب وإذا
خاطبوهم قالوا يا بني ، يا ولدي ، والقول السديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا : إذا
أردت الوصية لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك، مثل قول رسول الله مسئول لسعد والقول
السديد من الورثة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون ، أن يلطفوا القول لهم
ويخصوهم بالاكرام .
قوله تعالى ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون

٢٠٧
قوله تعالى ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما)) الآية سورة النِّساء
سَعِيرًا ®
سعيراً ﴾ .
إعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلماً ، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة
بعد أخرى على من يفعل ذلك ، كقوله ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى
أموالكم إنه كان حوباً كبيراً) ( وليخش الذين لوتركوا من خلفهم ذرية ضعافاً) ثم ذكر بعدها
هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم ، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال
ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة ، وما أشد دلالة هذا الوعيد على
سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله ، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية
الله بهم إلى الغاية القصوى . وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم، وإلا لم يكن
لهذا التخصيص فائدة ، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله
بالمعروف .
﴿ المسألة الثانية) قوله (إنما يأكلون في بطونهم ناراً) فيه قولان : الأول : أن يجري
ذلك على ظاهره قال السدي: إذا أكل الرجل مال اليتيم ظلماً يبعث يوم القيامة ولهب النار
يخرج من فيه ومسامعه وأذنيه وعينيه ، يعرف كل من رآه أنه أكل مال اليتيم . وعن أبي سعيد
الخدري أن النبي # قال (( ليلة أسري بي رأيت قوماً لهم مشافر كمشافر الابل وقد وكل بهم من
يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النارِ يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من
هؤلاء فقال هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً)).
والقول الثاني ﴾ أن ذلك توسع ، والمراد : أن أكل مال اليتيم جار مجرى أكل النار
من حيث أنه يفضي إليه ويستلزمه ، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر ، كقوله تعالى
( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) قال القاضي : وهذا أولى من الأول لأن قوله ( ان الذين يأكلون
أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً) الإشارة فيه إلى كل واحد ، فكان حمله على
التوسع الذي ذكرناه أولى .
المسألة الثالثة ﴾ لقائل أن يقول : الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله (إنما
يأكلون في بطونهم ناراً) .

٢٠٨
قوله تعالى ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما )) الآية سورة النِّساء
وجوابه : أنه كقوله ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) والقول لا يكون إلا
بالفهم ، وقال ( ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقال
( ولا طائر يطير بجناحيه ) والطيران لا يكون إلا بالجناح ، والغرض من كل ذلك التأكيد
والمبالغة .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ أنه تعالى وإن ذكر الأكل وإن المراد منه كل أنواع الاتلافات ، فإن
ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل ، أو بطريق آخر ، وإنما ذكر الأكل وأراد به
كل التصرفات المتلفة لوجوه : أحدها . أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي
يؤكل لحومها ويشرب ألبانها . فخرج الكلام على عادتهم . وثانيها : أنه جرت العادة فيمن
أنفق ماله في وجوه مراداته خيراً كانت أوشراً، أنه يقال : إنه أكل ماله . وثالثها : أن الأكل
هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات .
المسألة الخامسة ﴾ قالت المعتزلة : الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا الفعل ،
سواء كان مسلماً أو لم يكن ؛ لأن قوله تعالى ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ) عام
يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله ( وسيصلون سعيراً) يوجب القطع على
أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا السعير لا محالة ، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في
سورة البقرة ، ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصاً بالكفار لقوله تعالى
( والكافرون هم الظالمون ) ثم قالت المعتزلة : ولا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد أكل
اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم من تلك المعصية ،
وإذا كان كذلك ، فالذي يقطع على أنه من أهل الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا یکون معها
توبة، فلا جرم وجب ان يطلب قدر ما يكون كثيراً من أكل ماله ، فقال أبو على الجبائي: قدره
خمسة دراهم لأنه هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة، هذا جملة ما ذكره
القاضي، فيقال له: فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين أحدهما : أنك زدت فيه
شرط عدم التوبة. والثاني: أنك زدت فيه عدم كونه صغيراً ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن
نزيد فيه شرط عدم العفو؟ أقصى ما في الباب أن يقال: ما وجدنا دليلاً يدل على حصول العفو،
لكنا نجيب عنه من وجهين: أحدهما : أنا لا نسلم عدم دلائل العفو، بل هي كثيرة على ما
قررناه في سورة البقرة . والثاني : هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا يفيد القطع
بعدم الوجود، بل يبقى الاحتمال، وحينئذ يخرج التمسك بهذه الآية من إفادة القطع والجزم والله
أعلم .
المسألة السادسة ﴾ أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال ( يوم يحمى عليها في

٢٠٩
سورة النِّساء
قوله تعالى (( يوصيكم الله في اولادكم)) الآية
يُوصِيكُمُ اللهُ فِىَ أَوْلَئِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الْأُنْنَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ
فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَاتَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النّصْفُ
نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن
من النار ، ولا شك أن هذا الوعيد أشد ، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء
من النصاب ، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله ، أما ههنا اليتيم مالك لذلك المال
فكان منعه من اليتيم أقبح ، فكان الوعيد أشد ، ولأن الفقير قد يكون كبيراً فيقدر على
الاكتساب ، أما اليتيم فإنه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد .
ثم قال تعالى ﴿وسيصلون سعيراً ﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم (وَسَيُّصْلون) بضم الياء ، أي
يدخلون النار على ما لم يسم فاعله ، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد يقال : صلى الرجل النار
يصلاها صلى وصلاء ، وهو صالى النار ، وقوم صالون وصلاء قال تعالى ( الا من هو صال
الجحيم) وقال (أولى بها صيلياً) وقال (جهنم يصلونها) قال الفراء: الصَّلى: اسم الوقود
وهو الصّلاء إذا كسرت مدت ، وإذا فتحت قصرت ، ومن ضم الياء فهو من قولهم : أصِلاه
الله حر النار اصلاء قال ( فسوف نصليه ناراً) وقال تعالى ( سأصليه سقر ) قال صاحب
الكشاف : قرىء ( سُصَلُون ) بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها .
المسألة الثانية ﴾ السعير: هو النار المستعرة يقال: سعرت النار أسعرها سعراً فهي
مسعورة وسعير ، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن مخضوبة ، وإنما قال
( سعيراً) لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى .
المسألة الثالثة ) روى أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن
مخالطة اليتامى بالكلية ، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى ( وإن تخالطوهم
فاخوانكم ) ومن الجهال من قال : صارت هذه الآية منسوخة بتلك ، وهو بعيد لأن هذه الآية
في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخاً، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على
سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الإثم كما في هذه الآية ، وإن كان على سبيل التربية
والإِحسان فهو من أعظم أبواب البر ، كما في قوله ( وإن تخالطوهم فاخوانكم ) والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين
فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف
الفخر الرازي ج٩ م١٤
﴾ .

٢١٠
قوله تعالى ((يوصيكم الله في اولادكم)) الآية سورة النساء
في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: أحدهما :
النسب ، والآخر العهد ، أما النسب فهم ما كانوا يورثون الصغار ولا الاناث ، وإنما كانوا
يورثون من الأقارب الرجال الذين يقاتلون على الخيل ويأخذون الغنيمة ، وأما العهد فمن
وجهين : الأول : الحلف، كان الرجل في الجاهلية يقول لغيره : دمي دمك ، وهدمي
هدمك ، وترثني وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك ، فإذا تعاهدوا على هذا الوجه فأيهما مات
قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال الميت ، والثاني : التبني ، فان الرجل منهم كان يتبنى
ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه ، وهذا التبني نوع من أنواع المعاهدة ، ولما
بعث الله محمد أَّ تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه في الجاهلية ، ومن العلماء من قال :
بل قررهم الله على ذلك فقال ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ) والمراد التوارث
بالنسب . ثم قال ( والذين عاقدت إيمانكم فآتوهم نصيبهم ) والمراد به التوارث بالعهد ،
والأولون قالوا المراد بقوله ( والذين عاقدت إيمانكم فأتوهم نصيبهم ) ليس المراد منه النصيب
من المال ، بل المراد فأتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة وحسن العشرة ، فهذا شرح أسباب
التوارث في الجاهلية .
وأما أسباب التوارث في الإِسلام ، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف والتبني ،
وزاد فيه أمرين آخرين : أحدهما : الهجرة ، فكان المهاجر يرث من المهاجر . وان كان
أجنبياً عنه ، إذا كان كل واحد منهما مختصاً بالآخر بمزيد المخالطة والمخالصة ، ولا يرثه غير
المهاجر ، وإن كان من أقاربه . والثاني: المؤاخاة ، كان الرسول ◌َليل يؤاخي بين كل اثنين
منهم ، وكان ذلك سبباً للتوارث ، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله ( وأولوا الأرحام
بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) والذي تقرر عليه دين الإسلام أن أسباب التوريث
ثلاثة : النسب ، والنكاح ، والولاء .
المسألة الثانية ﴾ روى عطاء قال : استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة
وأخاً، فأخذ الأخ المال كله ، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، وإن سعد أقتل وان
عمهما أخذ مالهما ، فقال عليه الصلاة والسلام ((ارجعي فلعل الله سيقضى فيه)) ثم إنها عادت
بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله وعلي عمهما وقال: أعط ابنتي سعد
الثلثين ، وأمهما الثمن وما بقي فهولك ، فهذا أول ميراث قسم في الإِسلام .
المسألة الثالثة﴾ في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما بين

٢١١
قوله تعالى (( يوصيكم الله في اولادكم)) الآية. سورة النِّساء
الحكم في مال الأيتام ، وما على الأولياء فيه ، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالارث ، ولم
يمكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث ، الثاني : أنه تعالى اثبت حكم الميراث بالاجمال في
قوله ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) فذكر عقيب ذلك المجمل ، هذا المفصل
فقال ( يوصيكم الله في أولادكم ) .
المسألة الرابعة ﴾ قال القفال : قوله ( يوصيكم الله في أولادكم ) أي يقول الله لكم
قولاً يوصلكم إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم ، وأصل الإيصاء هو الايصال يقال وصى
يصي إذا وصل ، وأوصى يوصي إذا أوصل ، فإذا قيل : أوصاني فمعناه أوصلني إلى علم ما
أحتاج إلى علمه ، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج : معنى قوله ههنا ( يوصيكم )
أي يفرض عليكم ، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله ( ولا تقتلوا النفس التي حرم
الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به) ولا شك في كون ذلك واجباً علينا .
فان قيل : إنه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال ههنا ( يوصيكم الله في أولادكم
للذكر مثل حظ الأنثيين ) .
قلنا : لما كانت الوصية قولاً ، لا جرم ذكر بعد قوله ( يوصيكم الله ) خبراً مستأنفاً وقال
( للذكر مثل حظ الأنثيين ) ونظيره قوله تعالى ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم
مغفرة وأجراً عظيماً ) أي قال الله : لهم مغفرة لأن الوعد قول .
﴿ المسألة الخامسة﴾ اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق
الإِنسان بولده أشد التعلقات، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ((فاطمة بضعة مني)) فلهذا
السبب قدم الله ذكر ميراثهم .
واعلم أن للأولاد حال انفراد ، وحال اجتماع مع الوالدين : أما حال الانفراد فثلاثة ،
وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والإناث معاً ، وإما أن يخلف الإناث فقط ، أو الذكور
فقط ..
القسم الأول﴾ ما إذا خلف الذكران والإناث معاً، وقد بين الله الحكم فيه بقوله
( للذكر مثل حظ الأنثيين ) .
واعلم أن هذا يفيد أحكاماً : أحدهما : إذا خلف الميت ذكراً واحداً وأنثى واحدة
فللذكر سهمان وللأنثى سهم ، وثانيها : إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الاناث
كان لكل ذكر سهمان ، ولكل أنثى سهم . وثالثها : إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من

٢١٢
قوله تعالى (( يوصيكم الله في اولادكم )) الآية سورة النساء
الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم ، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد
للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) يفيد هذه الأحكام الكثيرة .
﴿ القسم الثاني ﴾ ما إذا مات وخلف الإناث فقط: بين تعالى أنهن إن كن فوق
اثنتين ، فلهن الثلثان ، وإن كانت واحدة فلها النصف ، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين.
بالقول الصريح . واختلفوا فيه ، فعن ابن عباس أنه قال : الثلثان فرض الثلاث من البنات
فصاعداً ، وأما فرض البنتين فهو النصف، واحتج عليه بأنه تعالى قال ( فان كن نساء فوق
اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) وكلمة ((إن)) في اللغة للاشتراط ، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين
مشروط بكونهن ثلاثاً فصاعداً ، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين .
والجواب من وجوه : الأول : أن هذا الكلام لازم على ابن عباس ، لأنه تعالى قال
( وإن كانت واحدة فلها النصف) فجعل حصول النصف مشروطاً بكونها واحدة ، وذلك ينفي
حصول النصف نصيباً للبنتين ، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله . الثاني : أنا
لا نسلم أن كلمة ((إن)) تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف ؛ ويدل عليه أنه لو كان
الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين ، لأن الاجماع دل على أن نصيب الثنتين إما
النصف، وإما الثلثان، وبتقدير أن يكون كلمة ((إن)) للاشتراط وجب القول بفسادهما ،
فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلاً ، ولأنه تعالى قال ( فإن لم
تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ) وقال : لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ، ولا
يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات .
الوجه الثالث﴾ في الجواب: هو أن في الآية تقديماً وتأخيراً، والتقدير: فإن كن نساء
اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان ، فهذا هو الجواب عن حجة ابن عباس ، وأما سائر الأمة فقد
أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان ، قالوا : وإنما عرفنا ذلك بوجوه : الأول : قال أبو مسلم
الأصفهاني : عرفناه من قوله تعالى ( للذكر مثل حظ الاثنين ) وذلك لأن من مات وخلف ابناً
وبنتاً فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) فإذا كان
نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين ، ونصيب الذكرههنا هو الثلثان ، وجب لا محالة أن يكون
نصيب الابنتين الثلثين ، الثاني : قال أبو بكر الرازي : إذا مات وخلف ابناً وبنتاً فههنا
نصيب البنت الثلث بدليل قوله تعالى ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) فإذا كان نصيب البنت مع
الولد الذكر هو الثلث ، فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى ، لأن
الذكر أقوى من الأنثى . الثالث : أن قوله تعالى ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) يفيد أن حظ
الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة

٢١٣
قوله تعالى ((وان كانت واحدة فلها النصف)) الآية سورة النِّساء
وذلك على خلاف النص ، وإذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فنقول وجب أن
يكون ذلك هو الثلثان ، لأنه لا قائل بالفرق ، والرابع : أنا ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنه
عليه الصلاة والسلام أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين ، وذلك يدل على ما قلناه .
الخامس : أنه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن ،
ولم يذكر حكم الثنتين ، وقال في شرح ميراث الأخوات ( إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت
فلها نصف ما ترك ، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ) فههنا ذكر ميراث الأخت الواحدة
والأختين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملا من
وجه ومبيناً من وجه ، فنقول : لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك ، لأنهما
أقرب إلى الميت من الأختين ، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزداد على الثلثين وجب أن لا
يزداد نصيب الأخوات الكثيرة على ذلك ، لأن البنت لما كانت أشد اتصالاً بالميت امتنع جعل
الأضعف زائداً على الأقوى ، فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذا الباب ، فالوجوه الثلاثة
الأول مستنبطة من الآية ، والرابع مأخوذ من السنة ، والخامس من القياس الجلي .
أما القسم الثالث﴾ وهو إذا مات وخلف الأولاد الذكور فقط فنقول: أما الابن
الواحد فإنه إذا انفرد أخذ كل المال ، وبيانه من وجوه : الأول من دلالة قوله تعالى ( للذكر مثل
حظ الأنثيين ) فإن هذا يدل على أن نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين .
ثم قال تعالى في البنات ( وإن كانت واحدة فلها النصف) فلزم من مجموع هاتين الآيتين
ان نصيب الابن المفرد جميع المال . الثاني : أنا نستفيد ذلك من السنة وهي قوله عليه الصلاة
والسلام ((ما أبقت السهام فلا ولي عصبة ذكر)) ولا نزاع ان الابن عصبة ذكر ، ولما كان الابن
آخذاً لكل ما بقي بعد السهام وجب فيما إذا لم يكن سهام أن يأخذ الكل . الثالث : أن أقرب
العصبات إلى الميت هو الابن ، وليس له بالاجماع قدر معين من الميراث ، فإذا لم يكن معه
صاحب فرض لم يكن له ان يأخذ قدراً أولى منه بأن يأخذ الزائد ، فوجب أن يأخذ الكل .
فإن قيل : حظ الأنثيين هو الثلثان فقوله ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) يقتضى أن يكون
حظ الذكر مطلقاً هو الثلث ، وذلك ينفي أن يأخذ كل المال .
قلنا : المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد ، ويدل عليه وجهان : أحدهما : أن قوله
( يوصيكم الله في أولادكم ) يقتضي حصول الأولاد ، وقوله ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) يقتضي
حصول الذكر والأنثى هناك ، والثاني : أنه تعالى ذكر عقيبه حال الانفراد ، هذا كله إذا مات
وخلف ابناً واحداً فقط ، أما إذا مات وخلف أبناء كانوا متشاركين في جهة الاستحقاق ولا

٢١٤
قوله تعالى (( يوصيكم الله في اولادكم)) الآية سورة النّاء
رجحان ، فوجب قسمة المال بينهم بالسوية والله أعلم . بقي في الآية سؤالان :
﴿السؤال الأول﴾ لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه: أما أولاً فلعجزها عن
الخروج والبروز ، فإن زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك . وأما ثانياً : فلنقصان عقلها وكثرة
اختداعها واغترارها . وأما ثالثاً : فلأنها متى خالطت الرجال صارت متهمة ، وإذا ثبت أن
عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر ، فإن لم يكن أكثر فلا أقل من
المساواة ، فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل .
والجواب عنه من وجوه : الأول : أن خرج المرأة أقل ، لأن زوجها ينفق عليها ،
وخرج الرجل أكثر لأنه هو المنفق على زوجته ، ومن كان خرجه أكثر فهو إلى المال أحوج .
الثاني: أن الرجل أكمل حالاً من المرأة في المقة وفي العقل وفي المناصب الدينية، مثل
صلاحية القضاء والإمامه، وأيضاً شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، ومن كان كذلك وجب أن
يكون الانعام عليه أزيد. الثالث: أن المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة ، فإذا انضاف إليها المال
الكثير عظم الفساد قال الشاعر:
إن الفراغ والشباب والجده مفسدة للمرء أي مفسده
وقال تعالى ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) وحال الرجل بخلاف ذلك .
والرابع : أن الرجل لكمال عقله يصرف المال إلى ما يفيده الثناء الجميل في الدنيا والثواب
الجزيل في الآخرة ، نحو بناء الرباطات ، وإعانة الملهوفين والنفقة على الأيتام والأرامل ، وإنما
يقدر الرجل على ذلك لأنه يخالط الناس كثيراً ، والمرأة تقل مخالطتها مع الناس فلا تقدر على
ذلك . الخامس : روى أن جعفر الصادق سئل عن هذه المسألة فقال : إن حواء أخذت
حفنة من الحنطة وأكلتها ، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها ، ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها
إلى آدم ، فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها ، فجعل نصيب
المرأة نصف نصيب الرجل .
السؤال الثاني﴾ لمَ لم يقل: الأنثيين مثل حظ الذكر. أو للأنثى مثلاً نصف حظ
الذكر ؟
والجواب من وجوه : الأول : لما كان الذكر أفضل من الأنثى قدم ذكره على ذكر الأنثى ،
كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى. الثاني : أن قوله ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) يدل على
فضل الذكر بالمطابقة وعلى نقص الأنثى بالالتزام ، ولو قال كما ذكرتم لدل ذلك على نقص

سورة النّساء ٢١٥
قوله تعالى (( یوصیکم الله في اولادكم للذكر مثل حظ)» الآية
الأنثى بالمطابقة وفضل الذكر بالالتزام ، فرجح الطريق الأول تنبيهاً على أن السعي في تشهير
الفضائل يجب أن يكون راجحاً على السعي في تشهير الرذائل ، ولهذا قال ( إن أحسنتم
أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) فذكر الإحسان مرتين والاساءة مرة واحدة . الثالث :
أنهم كانوا يورثون الذكوردون الإناث وهو السبب لورود هذه الآية ، فقيل : كفي للذكر أن
جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى ، فلا ينبغي له أن يطمع في جعل الأنثى محرومة عن الميراث
بالكلية والله أعلم .
﴿المسألة السادسة﴾ لا شك أن اسم الولد واقع على ولد الصلب على سبيل الحقيقة ،
ولا شك أنه مستعمل في ولد الابن قال تعالى ( یا بني آدم ) وقال للذین کانوا في زمان الرسول
عليه الصلاة والسلام ( يا بني إسرائيل ) إلا أن البحث في أن لفظ الولد يقع على ولد الابن
مجازاً أو حقيقة .
فإن قلنا : إنه مجاز فنقول : ثبت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز أن يستعمل
دفعة واحدة في حقيقته وفي مجازه معاً ، فحينئذ يمتنع أن يريد الله بقوله ( يوصيكم الله في
أولادكم ) ولد الصلب وولد الابن معاً .
واعلم أن الطريق في دفع هذا الاشكال أن يقال : إنا لا نستفيد حكم ولد الابن من
هذه الآية بل من السنة ومن القياس ، وأما إن أردنا أن نستفيده من هذه الآية فنقول : الولد
وولد الابن ما صارا مرادين من هذه الآية معاً ، وذلك لأن أولاد الابن لا يستحقون الميراث
إلا في إحدى حالتين ، إما عند عدم ولد الصلب رأساً ، وإما عند ما لا يأخذ ولد الصلب كل
الميراث ، فحينئذ يقتسمون الباقي ، وأما أن يستحق ولد الابن مع الصلب على وجه الشركة
بينهم كما يستحقه أولاد الصلب بعضهم مع بعض فليس الأمر كذلك، وعلى هذا لا يلزم من
دلالة هذه الآية على الولد وعلى الابن أن يكون قد أريد باللفظ الواحدٍ ومجازه معاً ، لأنه حين
أريد به ولد الصلب ما أريد به ولد الابن ، وحين أريد به ولد الابن ما أريد به ولد الصلب ،
فالحاصل أن هذه الآية تارة تكون خطاباً مع ولد الصلب وأخرى مع ولد الابن ، وفي كل
واحدة من هاتين الحالتين يكون المراد به شيئاً واحداً ، أما إذا قلنا : إن وقوع اسم الولد على
ولد الصلب وعلى ولد الابن يكون حقيقة ، فإن جعلنا اللفظ مشتركاً بينهما عاد الإشكال ، لأنه
ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك لافادة معنييه معاً ، بل الواجب أن يجعله متواطئاً فيهما
كالحيوان بالنسبة إلى الإِنسان والفرس . والذي يدل على صحة ذلك قوله تعالى ( وحلائل
أبنائكم الذين من أصلابكم ) وأجمعوا أنه يدخل فيه ابن الصلب وأولاد الابن ، فعلمنا أن
لفظ الابن متواطىء بالنسبة إلى ولد الصلب وولد الابن ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال .

٢١٦
قوله تعالى « یوصیکم الله فی اولادکم للذكر مثل حظ » الآية
سورة النِّساء
واعلم أن هذا البحث الذي ذكرناه في أن الابن هل يتناول أولاد الابن ؟ قائم في أن
لفظ الأب والأم هل يتناول الأجداد والجدات ؟ ولا شك أن ذلك واقع بدليل قوله تعالى ( نعبد
إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق ) والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة ، فإن
الصحابة اتفقوا على أنه ليس للجد حكم مذكور في القرآن ، ولو كان اسم الأب يتناول الجد
على سبيل الحقيقة لما صح ذلك والله أعلم .
المسألة السابعة﴾ اعلم أن عموم قوله تعالى ( يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل
حظ الأنثيين ) زعموا أنه مخصوص في صور أربعة : أحدها : أن الحر والعبد لا يتوارثان .
وثانيها : أن القاتل على سبيل العمد لا يرث . وثالثها أنه لا يتوارث أهل ملتين ، وهذا خبر
تلقته الأمة بالقبول وبلغ حد المستفيض، ويتفرع عليه فرعان :
: الفرع الأول ﴾ اتفقوا على أن الكافر لا يرث من المسلم ، أما المسلم فهل يرث من
الكافر ؟ ذهب الأكثرون إلى أنه أيضاً لا يرث ، وقال بعضهم : إنه يرث قال الشعبي : قضى
معاوية بذلك وكتب به إلى زياد ، فأرسل ذلك زياد إلى شريح القاضي وأمره به ، وكان شريح
قبل ذلك يقضي بعدم التوريث ، فلما أمره زياد بذلك كان يقضي به ويقول : هكذا قضى أمير
المؤمنين .
حجة الأولين عموم قوله عليه السلام (( لا يتوارث أهل ملتين)) وحجة القول الثاني: ما
روى أن معاذاً كان باليمن فذكروا له أن يهودياً مات وترك أخاً مسلماً فقال: سمعت النبي وَلّ
يقول ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) ثم أكدوا ذلك بأن قالوا إن ظاهر قوله ( يوصيكم الله في
أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) يقتضى توريث الكافر من المسلم ، والمسلم من الكافر ، إلا
أنا خصصناه بقوله عليه الصلاة والسلام ((لا يتوارث أهل ملتين)) لأن هذا الخبر أخص من
تلك الآية، والخاص مقدم على العام فكذا ههنا قوله (( الإِسلام يزيد ولا ينقص )» أخص من
قوله (( لا يتوارث أهل ملتين)) فوجب تقديمه عليه ، بل هذا التخصيص أولى ، لأن ظاهر هذا
الخبر متأكد بعموم الآية ، والخبر الأول ليس كذلك ، وأقصى ما قيل في جوابه: أن قوله
((الإِسلام يزيد ولا ينقص)) ليس نصاً في واقعة الميراث فوجب حمله على سائر الأحوال .
الفرع الثاني﴾ المسلم إذا ارتد ثم مات أو قتل ، فالمال الذي اكتسبه في زمان الردة
أجمعوا على أنه لا يورث ، بل يكون لبيت المال ، أما المال الذي اكتسبه حال كونه مسلماً ففيه
قولان : قال الشافعي : لا يورث بل يكون لبيت المال ، وقال أبو حنيفة : يرثه ورثته من
المسلمين ، حجة الشافعي أنا أجمعنا على ترجيح قوله عليه السلام (( لا يتوارث أهل ملتين))

٢١٧
سورة النساء
قوله تعالى (( یوصیکم الله في اولادکم للذكر مثل حظ )) الآية
على عموم ( قوله للذكر مثل حظ الأنثيين ) والمرتد وورثته من المسلمين أهل ملتين ، فوجب أن
لا يحصل التوارث .
فإن قيل : لا يجوز أن يقال : إن المرتد زال ملكه في آخر الإسلام وانتقل إلى الوارث ،
وعلى هذا التقدير فالمسلم إنما ورث عن المسلم لا عن الكافر .
قلنا : لو ورث المسلم من المرتد لكان إما أن يرثه حال حياة المرتد أو بعد مماته ،
والأول باطل ، ولا يحل له أن يتصرف في تلك الأموال لقوله تعالى ( إلا على أزواجهم أو ما
ملكت أيمانهم) وهو بالاجماع باطل . والثاني : باطل لأن المرتد عند مماته كافر فيفضي إلى
حصول التوارث بين أهل ملتين ، وهو خلاف الخبر . ولا يبقى ههنا إلا أن يقال : إنه يرثه
بعد موته مستنداً إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه ، إلا أن القول بالاستناد باطل ، لأنه لما لم
یکن الملك حاصلا حال حیاة المرتد ، فلو حصل بعد موته على وجهصار حاصلاً في زمن حياته
لزم إيقاع التصرف في الزمان الماضي ، وذلك باطل في بداهة العقول ، وإن فسر الاستناد بالتبيين
عاد الكلام إلى أن الوارث ورثه من المرتد حال حياة المرتد ، وقد أبطلناه والله أعلم .
﴿ الموضع الرابع ﴾ من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين أن الأنبياء
عليهم السلام لا يورثون ، والشيعة خالفوا فيه ، روى أن فاطمة عليها السلام لما طلبت
الميراث ومنعوها منه ، احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما
تركناه صدقة )) فعند هذا احتجت فاطمة عليها السلام بعموم قوله ( للذكر مثل حظ الانثيين)
وكأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ، ثم إن الشيعة قالوا : بتقدير
أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد إلا أنه غير جائز ههنا ، وبيانه من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه على خلاف قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام ( يرثني ويرث من آل
يعقوب ) وقوله تعالى (وورث سليمان داود ) قالوا : ولا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم
والدين لأن ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة . بل يكون كسباً جديداً مبتدأ ، إنما التوريث لا
يتحقق إلا في المال على سبيل الحقيقة ، وثانيها : أن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلا
فاطمة وعلي والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدين ، وأما أبو بكر فإنه ما
كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة ، لأنه ما كان ممن يخطر بباله إنه يرث من الرسول عليه
الصلاة والسلام فكيف يليق بالرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة
به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة ، وثالثها: يحتمل أن قوله (( ما تركناه
صدقة)) صلة لقوله ((لا نورث)) والتقدير : أن الشيء الذي تركناه صدقة ، فذلك الشيء لا
يورث .

٢١٨
قوله تعالى ((فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا)) الآية سورة النِّساء
فإن قيل : فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصية في ذلك .
قلنا : بل تبقى الخاصية لاحتمال أن الأنبياء إذا عزموا على التصدق بشيء فبمجرد العزم
يخرج ذلك عن ملكهم ولا يرثه وارث عنهم ، وهذا المعنى مفقود في حق غيرهم .
والجواب : أن فاطمة عليها السلام رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة ، وانعقد
الاجماع على صحة ما ذهب إليه أبو بكر فسقط هذا السؤال والله أعلم .
المسألة الثامنة﴾ من المسائل المتعلقة بهذه الآية أن قوله ( للذكر مثل حظ الأنثيين )
معناه للذكر منهم ، فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم ، كقولك السمن منوان بدرهم ، والله
أعلم ،
أما قوله تعالى ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) المعنى إن كانت البنات أو
المولودات نساء خلصاً ليس معهن ابن ، وقوله ( فوق اثنتين ) يجوز أن يكون خبراً ثانياً لكان ،
وأن يكون صفة لقوله ( نساء ) أي نساء زائدات على اثنتين . وههنا سؤالات .
السؤال الأول ﴾ قوله (للذكر مثل حظ الأنثيين ) كلام مذكور لبيان حظ الذكر من
الأولاد ، لا لبيان الأنثيين ، فكيف يحسن إرادته بقوله ( فإن كن نساء ) وهو لبيان حظ
الإناث .
والجواب من وجهين : الأول : أنا بينا أن قوله ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) دل على أن
حظ الأنثيين هو الثلثان ، فلما ذكر ما دل على حكم الأنثيين قال بعده ( فإن كن نساء فوق
اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) على معنى : فإن كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد ، فلهن ما
للثنتين وهو الثلثان ، ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت ، فثبت أن هذا
العطف متناسب . الثاني : أنه قد تقدم ذكر الأنثيين ، فكفى هذا القول في حسن هذا
العطف .
السؤال الثاني﴾ هل يصح أن يكون الضميران في ((كن)) و((كانت)) مبهمين
ويكون ((نساء)) و ((واحدة)) تفسيراً لهما على ان ((كان)) تامة ؟
الجواب : ذکر صاحب الکشاف:أنه ليس ببعيد .
﴿ السؤال الثالث﴾ النساء: جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فالنساء يجب أن يكن فوق
اثنتين فما الفائدة في التقييد بقوله فوق اثنتين ؟

٢١٩
سورة النِّساء
قوله تعالى ((ولا بويه لكل واحد منهما السدس)) الآية
وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ
الجواب : من يقول أقل الجمع اثنان فهذه الآية حجته ، ومن يقول : هو ثلاثة قال هذا
للتأكيد ، كما في قوله ( إنما يأكلون في بطونهم ناراً) وقوله ( لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله
واحد ) .
أما قوله تعالى ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فنقول : قرأ نافع (واحدة ) بالرفع ،
والباقون بالنصب ، أما الرفع فعلى كان التامة ، والاختيار النصب لأن التي قبلها لها خبر
منصوب وهو قوله ( فإن كن نساء ) والتقدير: فإن كان المتروكات أو الوارثات نساء فكذا
ههنا ، التقدير : وإن كانت المتروكة واحدة ، وقرأ زيد بن علي : النصف، بضم النون .
قوله تعالى ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية ميراث الأولاد ذكر بعده ميراث الأبوين ، وفي الآية
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ الحسن ونعيم بن أبي ميسر(السدس ) بالتخفيف وكذلك الربع
و ( الثمن ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ إعلم أن للأبوين ثلاثة أحوال.
الحالة الأولى﴾ أن يحصل معهما ولد وهو المراد من هذه الآية، واعلم أنه لا نزاع
أن اسم الولد يقع على الذكر والأنثى ، فهذه الحالة يمكن وقوعها على ثلاثة أوجه : أحدها :
أن يحصل مع الأبوين ولد ذكر واحد ، أو أكثر من واحد ، فههنا الأبوان لكل واحد منهما
السدس . وثانيها : أن يحصل مع الأبوين بنتان أو أكثر، وههنا الحكم ما ذكرناه أيضاً .
وثالثها : أن يحصل مع الأبوين بنت واحدة فههنا للبنت النصف، وللام السدس وللأب
السدس بحكم هذه الآية . والسدس الباقي أيضاً للأب بحكم التعصيب ، وههنا سؤالات .
﴿ السؤال الأول﴾ لا شك أن حق الوالدين على الانسان أعظم من حق ولده عليه،
وقد بلغ حق الوالدين إلى أن قرن الله طاعته بطاعتهما فقال ( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه
وبالوالدين إحساناً) وإذا كذلك فما السبب في أنه تعالى جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب
الوالدين أقل ؟
والجواب عن هذا في نهاية الحسن والحكمة ، وذلك لأن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا

٢٢٠
قوله تعالى ((فأن لم يكن له ولد وورثه ابواه فلامه الثلث)) الآية سورة النِّساء
١٠٠٤٤٠٠٠١١٠٠١٠
فَإِن ◌َّمْ يَكُن لَهُ، وَلَدٌ وَوَرِئَهُ أَبَوَهُ فَلِأَمِهِ الثَّلُثُ
القليل فكان احتياجهما إلى المال قليلاً، أما الأولاد فهم في زمن الصبا فكان احتياجهم إلى المال
کثیراً فظهر الفرق
السؤال الثاني ﴾ الضمير في قوله (ولأبويه) إلى ماذا يعود ؟
الجواب : أنه ضمير عن غير مذكور ، والمراد : ولأبوي الميت .
﴿ السؤال الثالث﴾ ما المراد بالأبوين ؟
والجواب : هما الأب والأم ، والأصل في الأم أن يقال لها أبة ، فأبوان تثنية أب وأبة .
السؤال الرابع ﴾ كيف تركيب هذه الآية ؟
الجواب : قوله ( لكل واحد منهما ) بدل من قوله ( لأبويه ) بتكرير العامل ، وفائدة هذا
البدل أنه لوقيل : ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه .
فإن قيل : فهلا قيل لكل واحد من أبويه السدس .
قلنا : لأن في الابدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيداً وتشديداً ، والسدس مبتدأ
وخبره : لأبويه ، والبدل متوسط بينهما للبيان .
قوله تعالى ﴿ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ﴾ .
وفي الآية مسألتان :
المسألة الأولى﴾ اعلم أن هذا هو الحالة الثانية من أحوال الأبوين ، وهو أن لا
يحصل معهما أحد من الأولاد ، ولا يكون هناك وارث سواهما ، وهو المراد من قوله ( وورثه
أبواه ) فههنا للأم الثلث ، وذلك فرض لها ، والباقي للأب ، وذلك لأن قوله ( وورثه أبواه )
ظاهره مشعر بأنه لا وارث له سواهما ، وإذا كان كذلك كان مجموع المال لهما ، فإذا كان
نصيب الأم هو الثلث وجب أن يكون الباقي وهو الثلثان للأب ، فههنا يكون المال بينهما للذكر
مثل حظ الأنثيين كما في حق الأولاد ، ويتفرع على ما ذكرنا فرعان : الأول : أن الآية السابقة
دلت على أن فرض الأب هو السدس ، وفي هذه الصورة يأخذ الثلثين إلا أنه ههنا يأخذ
السدس بالفريضة ، والنصف بالتعصيب . الثاني : لما ثبت أنه يأخذ النصف بالتعصيب في