النص المفهرس
صفحات 161-180
٠ قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا)) الآية سورة آل عِمْران ١٦١ المنكر ، فإن المقدم عليه ربما وصل إليه بسببه ضرر ، ويدخل فيه الجهاد فإنه تعريض النفس للهلاك ، ويدخل فيه المصابرة مع المبطلين ، وحل شكوكهم والجواب عن شبههم ، والاحتيال في إزالة تلك الأباطيل عن قلوبهم ، فثبت أن قوله ( اصبروا) تناول كل ما تعلق به وحده ( وصابروا ) تناول كل ما كان مشتركاً بينه وبين غيره . واعلم أن الانسان وان تكلف الصبر والمصابرة إلا أن فيه أخلاقاً ذميمة تحمل على أضدادها وهي الشهوة والغضب والحرص ، والإِنسان ما لم يكن مشتغلاً طول عمره بمجاهدتها وقهرها لا يمكنه الاتيان بالصبر والمصابرة ، فلهذا قال ( ورابطوا ) ولما كانت هذه المجاهدة فعلاً من الأفعال ولا بد للإنسان في كل فعل يفعله من داعية وغرض ، وجب أن يكون للإنسان في هذه المجاهدة غرض وباعث، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح والنجاح فلهذا قال (واتقوا الله لعلكم تفلحون) وتمام التحقيق فيه أن الأفعال مصدرها هو القوي، فهو تعالى أمر بالصبر والمصابرة، وذلك عبارة عن الإتيان بالأفعال الحسنة. والاحتراز عن الأفعال الذميمة، ولما كانت الأفعال صادرة عن القوى أمر بعد ذلك بمجاهدة القوى التي هي مصادر الأفعال الذميمة، وذلك هو المراد بالمرابطة، ثم ذكر ما به يحصل دفع هذه القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات، وذلك هو تقوى الله، ثم ذكر ما لأجله وجب ترجيح تقوي الله على سائر القوى والأخلاق ، وهو الفلاح، فظهر أن هذه الآية التي هي خاتمة لهذه السورة مشتملة على كنوز الحكم والأسرار الروحانية ، وأنها على اختصارها كالمتمم لكل ما تقدم ذكره في هذه السورة من علوم الأصول والفروع فهذا ما عندي فيه . ولنذكر ما قاله المفسرون : قال الحسن : اصبروا على دينكم ولا تتركوه بسبب الفقر والجوع ، وصابروا على عدوكم ولا تفشلوا بسبب وقوع الهزيمة يوم أحد ، وقال الفراء : اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم فلا ينبغي أن يكون أصبر منكم ، وقال الأصم : لما كثرت تكاليف الله في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها ، ولما كثر ترغيب اللّه تعالى في الجهاد في هذه السورة أمرهم بمصابرة الأعداء . وأما قوله ﴿ورابطوا ﴾ ففيه قولان: الأول : أنه عبارة عن أن يربط هؤلاء خيلهم في الثغور ويربط أولئك خيلهم أيضاً، بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر، قال تعالى (ومن رباط الخيل فرهبون به عدو الله وعدوكم) وعن النبي : ((من رابط يوماً وليلة في سبيل اللّه كان مثل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينتقل عن صلاته إلا لحاجة )) الثاني : أن معنى المرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة ويدل عليه وجهان : الأول : ما روى عن أبي سلمة عبد الرحمن أنه قال: لم يكن في زمن رسول الله غزو يرابط فيه ، وإنما الفحر الرارى ج ٩ ١١ ١٦٢ قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا)) الآية سورة آل عمران نزلت هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة . الثاني : ما روى من حديث أبي هريرة حين ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال ((فذلكم الرباط )» ثلاث مرات. واعلم أنه يمكن حمل اللفظ على الكل ، وأصل الرباط من الربط وهو الشد ، يقال : لكل من صبر على أمر ربط قلبه عليه ، وقال آخرون : الرباط هو اللزوم والثبات ، وهذا المعنى أيضاً راجع إلى ما ذكرناه من الصبر وربط النفس ، ثم هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على الجهاد ، ويجوز أن يكون على الصلاة والله أعلم . قال الإمام رضى الله تعالى عنه ﴾ تم تفسير هذه السورة بفضل الله وإحسانه يوم الخميس أول ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة . ١٦٣ سورة النِّساء قوله تعالى (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم)) الآية (٤) سورة النِّسَاءَ مَكَنِيَّة وآياتها سِنَّمَسَبْعُونَ وَمَاتِةْ ٩٠ ۔ بِسُـ يَأْمُهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكْرُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَإِحِدَةٍ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف ، وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام ، والرأفة بهم وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم ، وبهذا المعنى ختمت السورة ، وهو قوله ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) وذكر في أثناء هذه السورة أنواعا أخر من التكاليف، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع ، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة ، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والاله الذي أوجدنا ، فلهذا قال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ روى الواحدي عن ابن عباس في قوله ( يا أيها الناس ) أن هذا ١٦٤ قوله تعالى (( یا ایها الناس اتقوا ربكم) الآية سورة النساء الخطاب لأهل مكة ، وأما الأصوليون من المفسرين فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين ، وهذا هو الأصح لوجوه : أحدها : أن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق . وثانيها : أنه تعالى علل الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقاً لهم من نفس واحدة ، وهذه العلة عامة في حق جميع المكلفين بأنهم من آدم عليه السلام خلقوا بأسرهم ، وإذا كانت العلة عامة كان الحكم عاماً . وثالثها : أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة ، بل هو عام في حق جميع العالمين ، وإذا كان لفظ الناس عاماً في الكل ، وكان الأمر بالتقوى عاماً في الكل ، وكانت علة هذا التكليف، وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة عامة في حق الكل ، كان القول بالتخصيص في غاية البعد . وحجة ابن عباس أن قوله ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) مختص بالعرب لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم . فيقولون أسألك بالله وبالرحم ، وأنشدك الله والرحم ، وإذا كان كذلك كان قوله (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) مختصاً بالعرب ، فكان أول الآية وهو قوله ( يا أيها الناس ) مختصاً بهم لأن قوله في أول الآية ( اتقوا ربكم) وقوله بعد ذلك ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) وردا متوجهين إلى مخاطب واحد ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه نبت في أصول الفقه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها ، فكان قوله ( يا أيها الناس ) عاماً في الكل ، وقوله ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) خاصاً بالعرب . المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعاً لسورتين في القرآن: إحداهما : هذه السورة وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن . والثانية : سورة الحج ، وهي أيضاً السورة الرابعة من النصف الثاني من القرآن ، ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى في هذه السورة بما يدل على معرفة المبدأ . وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة . وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله ، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل على كمال معرفة المعاد ، وهو قوله ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، ثم قدم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد ، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة . المسألة الثالثة﴾ إعلم أنه تعالى أمرنا بالتقوى وذكر عقبيه أنه تعالى خلقنا من نفس واحدة . وهذا مشعر بأن الأمر بالتقوى معلل بأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، ولا بد من بيان المناسبة بين هذا الحكم وبين ذلك الوصف، فنقول : قولنا إنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، مشتمل على قيدين : أحدهما : أنه تعالى خلقنا . والثاني : كيفية ذلك التخليق ، وهو أنه تعالى إنما خلقنا من نفس واحدة، ولكل واحد من هذين القيدين أثر في وجوب . ١٦٥ قوله تعالى ((يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم)) الآية سورة النساء التقوى . أما القيد الأول﴾ وهو أنه تعالى خلقنا، فلا شك أن هذا المعنى علة لأن يجب علينا الانقياد لتكاليف الله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه، وبيان ذلك من وجوه: الأول : أنه لما كان خالقاً لنا وموجداً لذواتنا وصفاتنا فنحن عبيده وهو مولى لنا ، والربوبية توجب نفاذ أوامره على عبيده ، والعبودية توجب الانقياد للرب والموجد والخالق ، الثاني : أن الإيجاد غاية الانعام ونهاية الإِحسان ، فإنك كنت معدوماً فأوجدك ، وميتاً فأحياك ، وعاجزاً فأقدرك ، وجاهلاً فعلمك ، كما قال إبراهيم عليه السلام ( الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين) فلما كانت النعم بأسرها من الله سبحانه وجب على العبد أن يقابل تلك النعم بإظهار الخضوع والانقياد ، وترك التمرد والعناد ، وهذا هو المراد بقوله ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) الثالث : وهو أنه لما ثبت كونه موجداً وخالقاً وإلهاً ورباً لنا . وجب علينا أن نشتغل بعبوديته وأن نتقي كل ما نهى عنه وزجر عنه ، ووجب أن لا يكون شيء من هذه الأفعال موجباً ثواباً البتة ، لأن هذه الطاعات لما وجبت في مقابلة النعم السالفة امتنع أن تصير موجبة للثواب ، لأن أداء الحق إلى المستحق لا يوجب شيئاً آخر ، هذا إذا سلمنا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه ابتداء ، فكيف وهذا محال ، لأن فعل الطاعات لا يحصل إلا إذا خلق الله القدرة على الطاعة ، وخلق الداعية على الطاعة ، ومتى حصلت القدرة والداعي كان مجموعهما موجباً لصدور الطاعة عن العبد ، وإذا كان كذلك كانت تلك الطاعة إنعاماً من الله على عبده ، والمولى إذا خص عبده بانعام لم يصر ذلك الانعام موجباً عليه إنعاماً آخر ، فهذا هو الاشارة إلى بيان أن كونه خالقاً لنا يوجب علينا عبوديته والاحتراز عن مناهيه . وأما القيد الثاني ﴾ وهو أن خصوص كونه خالقاً لنا من نفس واحدة يوجب علينا الطاعة والاحتراز عن المعصية ، فبيانه من وجوه : الأول : أن خلق جميع الأشخاص الانسانية من الإِنسان الواحد أدل على كمال القدرة ، من حيث أنه لو كان الأمر بالطبيعة والخاصية لكان المتولد من الإِنسان الواحد ، لم يكن إلا أشياء متشاكلة في الصفة متشابهة في الخلقة والطبيعة ، فلما رأينا في أشخاص الناس الأبيض والأسود والأحمر والأسمر والحسن والقبيح والطويل والقصير ، دل ذلك على أن مدبرها وخالقها فاعل مختار ، لا طبيعة مؤثرة ، ولا علة موجبة ، ولما دلت هذه الدقيقة على أن مدبر العالم فاعل مختار قادر على كل الممكنات عالم بكل المعلومات ، فحينئذ يجب الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فكان ارتباط قوله ( اتقوا ربكم ) بقوله ( خلقكم من نفس واحدة ) في غاية الحسن والانتظام . ١٦٦ قوله تعالى ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم)) الآية سورة النّساء ﴿ والوجه الثاني﴾ وهو أنه تعالى لما ذكر الأمر بالتقوى ذكر عقيبه الأمر بالإِحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء ، وكون الخلق بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى ، وذلك لأن الأقارب لا بد وأن يكون بينهم نوع من مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة ولذلك إن الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه ، ويحزن بذمهم والطعن فيهم ، وقال عليه الصلاة والسلام ((فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها)) وإذا كان الأمر كذلك ، فالفائدة في ذکر هذا المعنى أن يصير ذلك سبباً لزيادة شفقة الخلق بعضهم على البعض . الوجه الثالث ﴾ أن الناس إذا عرفوا كون الكل من شخص واحد تركوا المفاخرة والتكبر وأظهروا التواضع وحسن الخلق . الوجه الرابع ﴾ أن هذا يدل على المعاد ، لأنه تعالى لما كان قادراً على أن يخرج من صلب شخص واحد أشخاصاً مختلفين ، وأن يخلق من قطرة من النطفة شخصاً عجيب التركيب لطيف الصورة ، فكيف يستبعد إحياء الأموات وبعثهم ونشورهم ، فتكون الآية دالة على المعاد من هذا الوجه ( ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين احسنوا بالحسنى ) . ﴿ الوجه الخامس ﴾ قال الأصم : الفائدة فيه: أن العقل لا دليل فيه على أن الخلق يجب أن يكونوا مخلوقين من نفس واحدة ، بل ذلك إنما يعرف بالدلائل السمعية ، وكان النبي مريم أمياً ما قرأ كتاباً ولا تلمذ لأستاذ، فلما أخبر عن هذا المعنى كان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً ، فالحاصل أن قوله ( خلقكم ) دليل على معرفة التوحيد ، وقوله ( من نفس واحدة ) دليل على معرفة النبوة . فإن قيل : كيف يصح أن يكون الخلق أجمع من نفس واحدة مع كثرتهم وصغر تلك النفس ؟ قلنا : قد بين الله المراد بذلك لأن زوج آدم إذا خلقت من بعضه ، ثم حصل خلق أولاده من نطفتهما ثم كذلك أبداً ، جازت إضافة الخلق أجمع إلى آدم . المسألة الرابعة﴾ أجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم عليه السلام ، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس ، ونظيره قوله تعالى (أقتلت نفساً زكية بغير نفس ) وقال الشاعر : أبوك خليفة ولدته أخرى فأنت خليفة ذاك الكمال قالوا فهذا التأنيث على لفظ الخليفة . ١٦٧ قوله تعالى ((وخلق منها زوجها)) الآية سورة النِّساء وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا قوله تعالى ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ فيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ المراد من هذا الزوج هو حواء ، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان : الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم ، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى ، فلما استيقظ رآها ومال إليها والفها ، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه، واحتجوا عليه بقول النبي ◌َّة ((أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها)) . ﴿والقول الثاني﴾ وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني: أن المراد من قوله ( وخلق منها زوجها) أي من جنسها وهو كقوله تعالى ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً) وكقوله (إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ) وقوله ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) قال القاضي : والقول الأول أقوى ، لكي يصح قوله ( خلقكم من نفس واحدة ) إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين ، لا من نفس واحدة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة ((من)) لابتداء الغاية ، فلما كان ابتداء التخليق والايجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال خلقكم من نفس واحدة ، وأيضاً فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادراً أيضاً على خلق حواء من التراب ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم ؟ ﴿ المسألة الثانية﴾ قال ابن عباس: إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها ؛ فلذلك كان في ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة من شيء حي ، فلا جرم سميت بحواء . المسألة الثالثة ﴾ احتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا: قوله تعالى ( خلقكم من نفس واحدة ) يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس الواحدة ، وقوله ( وخلق منها زوجها ) يدل على أن زوجها مخلوقة منها ، ثم قال في صفة آدم ( خلقه من تراب ) فدل على أن آدم مخلوق من التراب ، ثم قال في حق الخلائق ( منها خلقناكم ) وهذه الآيات كلها دالة على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة يصير الشيء مخلوقاً منها ، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال . ١٦٨ قوله تعالى ((وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء)) الآية سورة النّساء وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءَ وَاتَّقُواْ الَّالَّذِى ◌َسَآءَ لُونَ بِهِ ، وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا أجاب المتكلمون فقالوا : خلق الشيء من الشيء محال في العقول ، لأن هذا المخلوق إن كان عين ذلك الشيء الذي كان موجوداً قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقاً البتة ، وإذا لم يكن مخلوقاً امتنع كونه مخلوقاً من شيء آخر ، وإن قلنا : إن هذا المخلوق مغاير للذي كان موجوداً قبل ذلك ، فحينئذ هذا المخلوق وهذا المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض ، فثبت أن كون الشيء مخلوقاً من غيره محال في العقول ، وأما كلمة ( من ) في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية ، على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة والافتقار ، بل على وجه الوقوع فقط . المسألة الرابعة ﴾ قال صاحب الكشاف: قرىء (وخلق منها زوجها وبث منهما ) بلفظ اسم الفاعل ، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو خالق . قوله تعالى ﴿وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ . وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ قال الواحدي: بث منهما : يريد فرق ونشر، قال ابن المظفر : البث تفريقك الأشياء ، يقال : بث الخيل في الغارة وبث الصياد كلابه ، وخلق الله الخلق فبثهم في الأرض ، وبثئت البسط إذا نشرتها ، قال الله تعالى ( وزرابي مبثوثة ) قال الفراء والزجاج : وبعض العرب يقول : أبث الله الخلق . ﴿ المسألة الثانية﴾ لم يقل: وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال ، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله ( وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ) . فإن قيل: لم لم يقل : وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء كثيراً ؟ ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء ؟ قلنا : السبب فيه والله أعلم أن شهرة الرجال أتم ، فكانت كثرتهم أظهر ، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة ، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج ١٦٩ قوله تعالى ((واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)) الآية سورة النِّساء والبروز ، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول . المسألة الثالثة ﴾ الذين يقولون : إن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر ، وكانوا مجتمعين في صلب آدم عليه السلام ، حملوا قوله ( وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ) على ظاهره ، والذين أنكروا ذلك قالوا : المراد بث منهما أولادهما ومن أولادهما جمعاً آخرين ، فكان الكل مضافاً إليهما على سبيل المجاز . قوله تعالى ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ . فيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي (تساءلون ) بالتخفيف والباقون بالتشديد ، فمن شدد أراد: تتساءلون فأدغم التاء في السين لاجتماعهما في أنهما من حروف اللسان وأصول الثنايا واجتماعهما في الهمس ، ومن خفف حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة ، فأعلها بالحذف كما أعلها الأولون بالادغام ، وذلك لأن الحروف المتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالحذف وأخرى بالادغام . المسألة الثانية ﴾ قرأ حمزة وحده (والأرحام) بجر الميم قال القفال رحمه الله : وقد رويت هذه القراءة عن غير القراء السبعة عن مجاهد وغيره ، وأما الباقون من القراء فكلهم قرؤا بنصب الميم . وقال صاحب الكشاف: قرىء ( والأرحام) بالحركات الثلاث ، أما قراءة حمزة فقد ذهب الأكثرون من النحويين إلى أنها فاسدة ، قالوا لأن هذا يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور وذلك غير جائز . واحتجوا على عدم جوازه بوجوه : أولها : قال أبو علي الفارسي : المضمر المجرور بمنزلة الحرف، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه ، إنما قلنا المضمر المجرور بمنزلة الحرف لوجوه : الأول : أنه لا ينفصل البتة كما أن التنوين لا ينفصل . وذلك أن الهاء والكاف في قوله: به ، وبك لا ترى واحداً منفصلاً عن الجار البتة فصار كالتنوين . الثاني : أنهم يحذفون الياء من المنادى المضاف في الاختيار كحذفهم التنوين من المفرد ، وذلك كقولهم : يا غلام ، فكان المضمر المجرور مشابهاً للتنوين من هذا الوجه ، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فإذا لم تحصل المشابهة هنا وجب أن لا يجوز العطف. وثانيها : قال علي بن عيسى : أنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع . فلا يجوز أن يقال : اذهب وزيد ، وذهبت وزيد بل يقولون : اذهب أنت وزيد ، وذهبت أنا وزيد . قال تعالى ( فاذهب أنت وربك فقاتلا ) مع أن المضمر المرفوع قد ١٧٠ قوله تعالى ((واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)) الآية سورة النساء ينفصل ، فإذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المرفوع مع أنه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل ، فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه البتة لا ينفصل كان أولى . وثالثها : قال أبو عثمان المازني : المعطوف والمعطوف عليه متشاركان ، وإنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول ، وههنا هذا المعنى غير حاصل ، وذلك لأنك لا تقول : مررت بزيدوك ، فكذلك لا تقول مررت بك وزید . واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوهاً قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات ، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة ، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه ، بل رواها عن رسول اللّه ◌َله، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت ، وأيضاً فلهذه القراءة وجهان : أحدهما : أنها على تقدير تكرير الجار ، كأنه قيل تساءلون به وبالأرحام . وثانيها : أنه ورد ذلك في الشعر وأنشد سيبويه في ذلك : فاذهب فما بك والأيام من عجب فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا وأنشد أيضاً : نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن . واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة من جهة المعنى بقوله مختلفة (( لا تحلفوا بآبائكم)) فإذا عطفت الأرحام على المكنى عن اسم الله اقتضى ذلك جواز الحلف بالأرحام ، ويمكن الجواب. عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية لأنهم كانوا يقولون : أسألك بالله والرحْم ، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ورود النهي عنه في المستقبل ، وأيضاً. فالحديث نهى عن الحلف بالآباء فقط ، وههنا ليس كذلك ، بل هو حلف بالله أولاً ثم يقرن به بعده ذكر الرحم ، فهذا لا ينافي مدلول ذلك الحديث ، فهذا جملة الكلام في قراءة قوله ( والأرحام) بالجر . أما قراءته بالنصب ففيه وجهان : الأول : وهو اختيار أبي علي الفارسي وعلي بن عيسى أنه عطف على موضع الجار والمجرور وكقوله فلسنا بالجبال ولا الحديدا قوله تعالى ((واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)) الآية سورة النساء ١٧١ والثاني : وهو قول أكثر المفسرين : أن التقدير : واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج ، وعلى هذا الوجه فنصب الأرحام بالعطف على قوله ( الله) أي: اتقوا الله واتقوا الأرحام اي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها قال الواحدي رحمه الله . ويجوز أيضاً أن يكون منصوباً بالاغراء ، أي والأرحام فاحفظوها وصلوها كقولك : الأسد الأسد ، وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم ، ويدل على وجوب صلتها . وأما القراءة بالرفع فقال صاحب الكشاف: الرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل : والأرحام كذلك على معنى والأرحام مما يتقي ، أو والأرحام مما يتساءل به . المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى قال أولاً ( اتقوا ربكم) ثم قال بعده (واتقوا الله) وفي هذا التكرير وجوه : الأول : تأكيد الأمر والحث عليه كقولك للرجل : اعجل اعجل فيكون أبلغ من قولك : اعجل الثاني: أنه أمر بالتقوى في الأول لمكان الانعام بالخلق وغيره ، وفي الثاني أمر بالتقوى لمكان وقوع التساؤل به فيما يلتمس البعض من البعض. الثالث : قال أولاً (اتقوا ربكم) وقال ثانياً (واتقوا الله) والرب لفظ يدل على التربية والإحسان ، والإِله لفظ يدل على القهر والهيبة، فأمرهم بالتقوي بناء على الترغيب، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال (يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) وقال ( ويدعوننا رغباً ورهباً) كأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة . و المسألة الرابعة﴾ إعلم أن التساؤل بالله وبالأرحام قيل هو مثل أن يقال : بالله أسألك ، وبالله أشفع إليك ، وبالله أحلف عليك، الى غير ذلك مما يؤكد المرء به مراده بمسألة الغير ، ويستعطف ذلك الغير في التماس حقه منه أو نواله ومعونته ونصرته ، وأما قراءة حمزة فهي ظاهرة من حيث المعنى ، والتقدير : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول : أسألك بالله والرحم ، وربما أفرد ذلك فقال: أسألك بالرحم ، وكان يكتب المشركون إلى رسول الله وسلم : نناشدك الله والرحم أن لا تبعث إلينا فلاناً وفلاناً، وأما القراءة بالنصب فالمعنى يرجع إلى ذلك ، والتقدير : واتقوا الله واتقوا الأرحام ، قال القاضي : وهذا أحد ما يدل على أنه قد يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة ، لأن معنى تقوى الله مخالف لمعنى تقوى الأرحام ، فتقوى الله إنما يكون بالتزام طاعته واجتناب معاصيه ، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يتصل بالبر والافضال والاحسان ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لعله تكلم بهذه اللفظة مرتين ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال . ١٧٢ قوله تعالى ((واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام )) الآية سورة النِّساء المسألة الخامسة﴾ قال بعضهم : اسم الرحم مشتق من الرحمة التي هي النعمة ، واحتج بما روي عن النبي ◌َّ وسلم أنه قال ((يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي)) ووجه التشبيه ان لمكان هذه الحالة تقع الرحمة من بعض الناس لبعض . وقال آخرون : بل اسم الرحم مشتق من الرحم الذي عنده يقع الانعام وإنه الأصل ، وقال بعضهم : بل كل واحد منهما أصل بنفسه ، والنزاع في مثل هذا قريب . ﴿ المسألة السادسة ﴾ دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى. روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله وَله((من سألكم بالله فأعطوه)) وعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول اللّه ◌َلّ بسبع: منها إبرار القسم. ﴿ المسألة السابعة ) دل قوله تعالى (والأرحام) على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها ، قال تعالى ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) وقال ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة) قيل في الأول : إنه القرابة ، وقال (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) وقال ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين) وعن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي ◌َّ قال ((يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته)) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّه ((ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثواباً من صلة الرحم وما من عمل اعصي الله به أعجل عقوبة من البغى واليمين الفاجرة)) وعن أنس قال: قال رسول الله وَله ((إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه)) وقال عليه الصلاة والسلام ((أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح)) قيل الكاشح العدو ، فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم ، واستحقاق الثواب بها ، ثم إن أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه بنوا على هذا الأصل مسئلتين : إحداهما : أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت ، والعم والخال ، قال لأنه لو بقي الملك لحل الاستخدام بالاجماع ، لكن الاستخدام إيحاش يورث قطيعة الرحم ، وذلك حرام بناء على هذا الأصل ، فوجب أن لا يبقى الملك ، وثانيهما : أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها لأن ذلك الرجوع إيحاش يورث قطيعة الرحم ، فوجب أن لا يجوز ، والكلام في هاتين المسئلتين مذكور في الخلافيات . ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بما يكون كالوعد والوعيد والترغيب والترهيب فقال ( إن الله كان عليكم رقيباً) والرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك جميع أفعالك . ومن هذا صفته فإنه يجب أن يخاف ويرجى ؛ فبين تعالى أنه يعلم السر وأخفى ، وإنه إذا كان كذلك يجب أن ١٧٣ قوله تعالى ((وآتوا اليتامى اموالهم)) الآية سورة النِّساء وَءَ اتُوْ اَلْمَىّ أَمْوَلَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْحِثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًاً (3) يكون المرء حذرا خائفاً فيما يأتي ويترك . قوله تعالى ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً ﴾ . اعلم أنه لما افتتح السورة بذكر ما يدل على أنه يجب على العبد أن يكون منقاداً لتكاليف الله سبحانه، محترزاً عن مساخطه، شرع بعد ذلك في شرح أقسام التكاليف . ﴿ فالنوع الأول ﴾ ما يتعلق بأموال اليتامى ، وهو هذه الآية ؛ وأيضاً أنه تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام ، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام ، لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الاشفاق عليهم ، ففارق حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال ( وآتوا اليتامى أموالهم ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال صاحب الكشاف: اليتامى: الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم ، واليتم الانفراد ، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة ، وقيل : اليتم في الأناسي من قبل الآباء ، وفي البهائم من قبل الأمهات . قال : وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء ، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال ، فإذا صار بحيث يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره ، زال عنه هذا الاسم، وكانت قريش تقول لرسول الله وَلي: يتيم أبي طالب، إما على القياس، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيراً ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له . وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((لا يتم بعد حلم)) فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة ، يعني إذا احتلم فانه لا تجرى عليه أحكام الصغار . وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ فكتب إليه : إذا أونس منه الرشد انقطع يتمه ، وفي بعض الروايات : أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد ، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ إذا لم يؤنس منه الرشد ، ثم قال أبو بكر : واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها، قال النبي ◌َّ ((تستأمر اليتيمة)) وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة ، قال الشاعر : ١٧٤ قوله تعالى ((وآتوا اليتامى اموالهم)) الآية. سورة النّساء النسوة الأرامل اليتامى إن القبور تنكح الأيامي فالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير والكبير ، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير . ﴿ المسألة الثانية ﴾ ههنا سؤال وهو أن يقال: كيف جمع اليتيم على يتامى؟ واليتيم فعيل ، والفعيل يجمع على فعلي ، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح وجرحى ، قال صاحب الكشاف: فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : جمع اليتيم يتمي ، ثم يجمع فعلي على فعالي ، كأسير وأسرى وأسارى ، والثاني : أن يقال : جمع يتيم يتائم ، لأن اليتيم جار مجرى الأسمء نحو صاحب وفارس . ثم يقلب اليتائم يتامى . قال القفال رحمه الله : ويجوز يتيم ويتامى ، كنديم وندامى ، ويجوز أيضاً يتيم وأيتام كشريف وأشراف . المسألة الثالثة ﴾ ههنا سؤال ثان : وهو أنا ذكرنا أنا اسم اليتيم مختص بالصغير ، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله اليه ، واذا صار كبيرا بحيث يجوز دفع ماله اليه لم يبق يتيما ، فكيف قال ( وآتوا اليتامى أموالهم ) والجواب عنه على طريقين : الأول : أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا وكبروا ثم فيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة ، والثاني : أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وان كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى ( فألقى السحرة ساجدين ) أي الذين كانوا سحرة قبل السجود ، وأيضاً سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة ، بلوغ الأجل في قوله ( فاذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ) والمعنى مقاربة البلوغ ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى ( فاذا دفعتم اليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ) والأشهاد لا يصح قبل البلوغ وانما يصح بعد البلوغ . الطريق الثاني ﴾ أن نقول : المراد باليتامى الصغار، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان : أحدهما : أن قوله ( وآتوا) أمر ، والأمر إنما يتناول المستقبل ، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم وعلى هذا الوجه زالت المناقضة. والثاني: المراد : وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه أنه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيراً، فأباح الله تعالى ذلك، وفيه إشكال وهو أنه لو كان المراد ذلك لقال: وتوهم من أموالهم، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك . المسألة الرابعة﴾ نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال : لما نزلت ١٧٥ قوله تعالى ((ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب)) الآية سورة النِّساء هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم ، فشكوا ذلك إلى النبي ◌َ لّ فأنزل الله تعالى ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وأن تخالطوهم فاخوانكم) قال أبو بكر الرازي : وأظن أنه غلط من الراوي ، لأن المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى ، وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) و(إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) ذهب من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فاشتد ذلك على اليتامى ، فذكروا ذلك لرسول الله يَعليه، فأنزل الله تعالى (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم ) فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم . قال المفسرون : الصحيح أنها نزلت في رجل من غطفان ، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه، فتراجعا إلى النبي وَلَّ ، فنزلت هذه الآية ، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول ، نعوذ بالله من الحوب الكبير،ودفع ماله إليه، فقال النبي ◌َّ ((ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره)) أي جنته. فلما قبض الصبي ماله أنفقه في سبيل الله. فقال النبي ◌َّة ((ثبت الأجر وبقي الوزر)) فقالوا : يا رسول الله لقد عرفنا أنه ثبت الأجر . فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله ؟ فقال : ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده . ﴿ المسألة الخامسة) احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن السفيه لا يحجر عليه بعد الخمس والعشرين ، قال لأن قوله ( وآتوا اليتامى أموالهم ) مطلق يتناول السفيه ، أونس منه الرشد أو لم يؤنس ترك العمل به قبل الخمس والعشرين سنة لاتفاق العلماء على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن ، شرط في وجوب دفع المال اليه ، وهذا الاجماع لم يوجد بعد هذا السن ، فوجب إجراء الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهر هذه الآية . أجاب أصحابنا : بأن هذه الآية عامة ، لأنه تعالى ذكر اليتامى فيها جملة ، ثم إنهم ميزوا بعد ذلك بقوله ( وابتلوا اليتامى ) وبقوله ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) حرم بهاتين الآيتين إيتاءهم أموالهم إذا كانوا سفهاء ، ولا شك أن الخاص مقدم على العام . ثم قال تعالى ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: ولا تتبدلوا. أي ولا تستبدلوا، والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال ، والتأخر بمعنى الاستئخار . وقال الواحدي رحمه الله : تبدل الشيء بالشيء إذا اخذه مكانه. ١٧٦ قوله تعالى ((ولا تأكلوا اموالهم إلى اموالكم)) الآية سورة النساء المسألة الثانية ﴾ في تفسير هذا التبدل وجوه : ﴿ الوجه الأول﴾ قال الفراء والزجاج: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المتبوت في الأرض ، فتأكلوه مكانه . الثاني : لا تستبدلوا الأمر الخبيث. وهو اختزال أموال اليتامى، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين أنه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون ، يجعل : الزائف بدل الجيد ، والمهزول بدل السمين ، وطعن صاحب الكشاف في هذا الوجه ، فقال : ليس هذا بتبدل إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي . الرابع : هو أن هذا التبدل معناه : أن يأكلوا مال اليتيم سلفاً مع التزام بدله بعد ذلك ، وفي هذا يكون متبدلا الخبيث بالطيب . ثم قال تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ وفيه وجهان: الاول: معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الانفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها. والثاني: أن يكون ((إلى)) بمعنى ((مع)) قال تعالى ( من أنصاري إلى الله ) أي مع الله ، والأول : أصح . واعلم أنه تعالى وإن ذكر الأكل ، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم ، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة ، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح أن يؤكل ، فثبت أن المراد منه التصرف، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف . فإن قيل : إنه تعالى لما حرم عليهم أكل أموال اليتامى ظلماً في الآية الأولى المتقدمة دخل فيها أكلها وحدها وأكلها مع غيرها ، فما الفائدة في إعادة النهي عن أكلها مع أموالهم ؟ قلنا : لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من حلال وهم مع ذلك يطمعون في أموال اليتامى ، كان القبح أبلغ والذم أحق . واعلم أنه تعالى عرف الخلق بعد ذلك أن أكل مال اليتيم من جميع الجهات المحرمة إثم عظيم فقال ( إنه كان حوبا كبيراً) قال الواحدي رحمه الله : الكناية تعود إلى الأكل ، وذلك لأن قوله ( ولا تأكلوا) دل على الأكل (والحوب) الاثم الكبير. قال عليه الصلاة والسلام ((إن طلاق أم أيوب لحوب)) وكذلك الحوب والحاب ثلاث لغات في الاسم والمصدر قال الفراء : الحوب لأهل الحجاز، والحاب لتميم، ومعناه الاثم قال عليه الصلاة والسلام (( رب تقبل توبتي واغسل حوبتي)) قال صاحب الكشاف: الحوب والحاب كالقول والقال . قال القفال: وكإن ١٧٧ قوله تعالى (( وان خفتم الا تقسطوا في اليتامى)) الآية سورة النِّساء وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّ تُفْسِطُواْ فِ اَلْيَمَى أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع ، فالحوب هو ارتكاب ما يتوجع المرتكب منه ، وقال البصريون : الحوب بفتح الحاء مصدر ، والحوب بالضم الاسم ، الحوبة ، المرة الواحدة ، ثم يدخل بعضها في البعض كالكلام فإنه اسم ، ثم يقال : قد كلمته كلاماً فيصير مصدراً . قال. صاحب الكشاف : قرأ الحسن حوباً ، وقرىء : حابا . قوله تعالى ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ﴾ . إعلم أن هذا هو النوع الثاني من الأحكام التي ذكرها في هذه السورة وهو حكم الأنكحة وفى الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدي رحمه الله: الأقساط العدل ، يقال أقسط الرجل إذا عدل ، قال الله تعالى ( وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) والقسط العدل والنصفة ، قال تعالى ( كونوا قوامين بالقسط) قال الزجاج : وأصل قسط وأقسط جميعاً من القسط وهو النصيب ، فإذا قالوا : قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه ، ألا ترى أنهم قالوا : قاسطته إذ غلبته على قسطه ، فبنى قسطه على بناء ظلم وجار وغلب ، وإذا قالوا أقسط فالمراد أنه صارذا قسط وعدل ، فبنى على بناء أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه . ﴿ المسألة الثانية﴾ إعلم أن قوله ( فإن خفتم أن لا تقسطوا ) شرط وقوله ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء) جزاء ، ولا بد من بيان أنه كيف يتعلق هذا الجزء بهذا الشرط ، وللمفسرين فيه وجوه : الأول : روي عن عروة أنه قال : قلت لعائشة : ما معنى قول الله ( وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ) فقالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها ، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شرذلك الزوج عنها فقال تعالى: وإن خفتم ان تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من النساء ، قالت عائشة رضى الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ولو بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء) قالت: وقوله تعالى (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء) المراد منه هذه الآية وهي قوله (وإن خفتم أن لا تقسطوا). ﴿ الوجه الثاني ﴾ في تأويل الآية: إنه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى وما في أكل الفخر الرازي ج٩ م١٢ ١٧٨ قوله تعالى ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء )) الآية سورة النِّساء فَأَنْكَحُواْمَ طَابَ لَكُمْ مِنَ الْنِسَآءِ مَثْنَى وَتُلَكَ وَرُبَعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَامَلَكَتْ أَتْمَنُكُمْ ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّا تَعُولُواْ ٣ أموالهم من الحوب الكبير ، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الأقساط في حقوق اليتامى ، فتحرجوا من ولايتهم ، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر ، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن ، فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها ، فكونوا خائفين من ترك العدل من النساء ، فقللوا عدد المنكوحات ، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج . الوجه الثالث ﴾ في التأويل : أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا ، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات . الوجه الرابع ﴾ في التأويل: ماروي عن عكرمة أنه قال: كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام ، فإذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجاً ، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى ( وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى ) عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة ، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع ، والناقص وهو الواحدة ، ونبه بذلك على ما بينهما ، فكأنه تعالى قال : فإن خفتم من الأربع فثلاث ، فإن خفتم فاثنتان ، فإن خفتم فواحدة ، وهذا القول أقرب ، فكأنه تعالى خوف من الاكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة إلى الانفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير . أما قوله تعالى ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ . ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قال أصحاب الظاهر: النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن قوله ( فانكحوا ) أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، وتمسك الشافعي في بیان أنه ليس بواجب بقوله تعالى ( ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت إيمانكم ) إلى قوله ( ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبرواخير لكم ) فحكم تعالى بأن ترك النكاح في قوله تعالى ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء)) الآية سورة النّساء ١٧٩ هذه الصورة خير من فعله ، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب ، فضلاً عن أن يقال إنه واجب . ﴿ المسألة الثانية﴾ إنما قال (ما طاب) ولم يقل: من طاب لوجوه: أحدها : أنه أراد به الجنس تقول : ما عندك ؟ فيقول رجل أو امرأة ، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك . وما تلك الحقيقة التي عندك ، وثانيها : أن ( ما ) مع ما بعده في تقدير المصدر ، وتقديره : فانكحوا الطيب من النساء، وثالثها: ان ((ما)) و((من)) ربما يتعاقبان. قال تعالى ( والسماء وما بناها) وقال ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) وحكى أبو عمرو بن العلاء : سبحان ما سبح له الرعد، وقال ( فمنهم من يمشي على بطنه) ورابعها: إنما ذكر ((ما)) تنزيلاً للإناث منزلة غير العقلاء . ومنه : قوله ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم ) . المسألة الثالثة ﴾ قال الواحدي وصاحب الكشاف : قوله ( ما طاب لكم ) أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها ، وهي الأنواع المذكورة في قوله ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ( وهذا عندي فيه نظر ، وذلك لأنا بينا أن قوله ( فانكحوا ) أمر إباحة . فلو كان المراد بقوله ( ما طاب لكم ) أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال : أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحاً لكم: وذلك يخرج الآية عن الفائدة ، وأيضاً فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة ، لأن أسباب الحل والاباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة ، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب ، كانت الآية عاماً دخله التخصيص . وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الاجمال والتخصيص كان رفع الاجمال أولى ، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل لا يكون حجة أصلاً . ﴿ المسألة الرابعة﴾ (مثنى وثلاث ورباع) معناه: اثنين اثنين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً ، وهو غير منصرف وفيه وجهان : الأول : أنه اجتمع فيها أمران : العدل والوصف، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى ، كما تقول : عمر وزفر وتريد به عامراً وزافراً ، فكذا ههنا تريد بقولك : مثنى : ثنتين ثنتين فكان معدولاً ، وأما أنه وصف، فدليله قوله تعانى ( أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع ) ولا شك أنه وصف . الوجه الثاني ﴾ في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها معدولة عن أصولها كما بيناه ، وأيضاً إنها معدولة عن تكررها فإنك لا تريد بقولك : مثنى ثنتين فقط ، بل ثنتين ثنتين ، فإذا قلت : جاءني اثنان أو ثلاثة كان غرضك الاخبار عن مجيء هذا العدد فقط، أما إذا قلت : جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين ، فثبت أنه ١٨٠ قوله تعالى ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء)) الآية سورة النِّساء حصل في هذه الألفاظ نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم سبيان أوجب ذلك منع الصرف، لأنه يصير لأجل ذلك نائباً من جهتين فيصير مشابهاً للفعل فيمتنع صرفه ، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع صرفه والله أعلم . ﴿ المسألة الخامسة﴾ قال أهل التحقيق (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها ، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا بإذن مولاه ، ويدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى ( ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ) فقوله ( لا يقدر على شيء ) ينفي كونه مستقلاً بالنكاح ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام ((أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر )) فثبت بما ذكرناه أن هذه الآية لا يندرج فيها العبد . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : ذهب أكثر الفقهاء إلى أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد وقال مالك : يحل للعبد أن يتزوج بالأربع وتمسك بظاهرة هذه الآية . والجواب الذي يعتمد عليه : أن الشافعي احتج على أن هذه الآية مختصة بالأحرار بوجهين آخرين سوى ماذكرناه : أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم ) وهذا لا يكون إلا للأحرار ، والثاني : أنه تعالى قال ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئا) والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر ، بل يكون لسيده قال مالك : إذا ورد عمومان مستقلان ، فدخول التقييد في الأخير لا يوجب دخوله في السابق . أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن هذه الخطابات في هذه الآيات وردت متوالية على نسق واحد فلما عرف في بعضها اختصاصها بالأحرار عرف أن الكل كذلك ، ومن الفقهاء من علم أن ظاهر هذه الآية متناول للعبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس ، قالوا : أجمعنا على أن للرق تأثيراً في نقصان حقوق النكاح ، كالطلاق والعدة ، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر ، والجواب الأول أولى وأقوى والله أعلم . ﴿ المسألة السادسة﴾ ذهب قوم سدي إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد، واحتجوا بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه : الأول : أن قوله ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء) إطلاق في جمیع الأعداد بدلیل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلاً. والثاني: أن قوله (مثنى وثلاث ورباع) لا يصلح تخصيصاً لذلك العموم ، لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في