النص المفهرس

صفحات 141-160

قوله تعالى ((الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً)) الآية سورة آل عِمْران ١٤١
وحجة الشافعي رضي الله عنه ظاهر هذه الآية ، وهو أنه تعالى مدح من ذكره على حال
الاضطجاع على الجنب ، فكان هذا الوضع أولى .
· واعلم أن فيه دقيقة طبية وهو أنه ثبت في المباحث الطبية أن كون الانسان مستلقياً على قفاه
يمنع من استكمال الفكر والتدبر ، وأما كونه مضطجعاً على الجنب فانه غير مانع منه ، وهذا
المقام يراد فيه التدبر والتفكر ، ولأن الاضطجاع على الجنب يمنع من النوم المغرق ، فكان هذا
الوضع أولى ، لكونه أقرب الى اليقظة ، وإلى الاشتغال بالذكر .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ محل (على جنوبهم) نصب على الحال عطفاً على ما قبله ، كأنه
قيل : قياماً وقعوداً ومضطجعين .
واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالذكر وثبت أن الذكر لا يكمل إلا مع الفكر ، لا جرم قال
بعده ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ إعلم أنه تعالى رغب في ذكر الله، ولما آل الأمر إلى الفكر لم يرغب
في الفكر في الله ، بل رغب في الفكر في أحوال السموات والأرض ، وعلى وفق هذه الآية قال
عليه الصلاة والسلام (( تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق)) والسبب في ذلك أن
الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة ، إنما يمكن وقوعه على نعت
المخالفة ، فإذن نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها ، وبكميتها وكيفيتها
وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل ، وقوله عليه الصلاة والسلام ((من
عرف نفسه عرف ربه)) معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم، ومن عرف نفسه بالأمكان
عرف ربه بالوجوب، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء، فكان التفكر في الخلق ممكناً
من هذا الوجه ، أما التفكر في الخالق فهو غير ممكن البتة ، فاذن لا يتصور حقيقته إلا بالسلوب
فنقول : إنه ليس بجوهر ولا عرض ، ولا مركب ولا مؤلف ، ولا في الجهة ، ولا شك أن
حقيقته المخصوصة مغايرة لهذه السلوب ، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى
معرفتها فيصير العقل كالواله المدهوش المتحير في هذا الموقف فلهذا السبب نهى النبي ◌َّ عن
التفكر في الله ، وأمر بالتفكر في المخلوقات ، فلهذه الدقيقة أمر الله في هذه الآيات بذكره ،
ولما ذكر الفكر لم يأمر بالتفكر فيه ، بل أمر بالفكر في مخلوقاته .
﴿ المسألة الثانية﴾ إعلم أن الشيء الذي لا يمكن معرفته بحقيقته المخصوصة إنما يمكن
معرفته بآثاره وأفعاله ، فكلما كانت أفعاله أشرف وأعلى كان وقوف العقل على كمال ذلك

١٤٢
قوله تعالى ((ربنا ما خلقت هذا باطلا )) الآية
سورة آل عِمْران
الفاعل أكمل ، ولذلك أن العامي يعظم اعتقاده في القرآن ولكنه يكون اعتقاداً تقليدياً
إجمالياً ، أما المفسر المحقق الذي لا يزال يطلع في كل آية على أسرار عجيبة ، ودقائق لطيفة ،
فإنه يكون اعتقاده في عظمة القرآن أكمل .
إذا عرفت هذا فنقول : دلائل التوحيد محصورة في قسمين : دلائل الآفاق ، ودلائل
الأنفس ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم كما قال تعالى ( لخلق السموات والأرض أكبر
من خلق الناس ) ولما كان الأمر كذلك لا جرم أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السموات
والأرض لأن دلالتها أعجب وشواهدها أعظم ، وكيف لا نقول ذلك ولو أن الانسان نظر
إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة ، رأى في تلك الورقة عرقاً واحداً ممتداً في وسطها ، ثم
يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين ، ثم يتشعب منها عروق دقيقة . ولا يزال
يتشعب من كل عرق عروق أخر حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر، وعند هذا يعلم
أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكماً بالغة وأسراراً عجيبة ، وأن الله تعالى
أودع فيها قوى جاذبة لغذائها من قعر الأرض ثم إن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى
يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة جزء من أجزاء ذلك الغذاء بتقدير العزيز العليم ،
ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقة تلك الورقة وكيفية التدبير في إيجادها وإيداع القوى
الغاذية والنامية فيها لعجز عنه، فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك
الورقة الصغيرة ، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السموات مع ما فيها من الشمس والقمر
والنجوم ، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان ، عرف أن
تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم ، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء
الحقير عرف أنه لا سبيل له البتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله في خلق السموات
والأرض ، وإذا عرف بهذا البرهان النير قصور عقله وفهمه عن الإحاطة بهذا المقام لم يبق معه
إلا الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين ، بل
يسلم أن كل ما خلقه ففيه حكم بالغة وأسرار عظيمة وإن كان لا سبيل له إلى معرفتها ، فعند
هذا يقول : سبحانك! والمراد منه اشتغاله بالتسبيح والتهليل والتحميد والتعظيم ، ثم عند
ذلك يشتغل بالدعاء فيقول: فقنا عذاب النار، وعن النبي ◌َّة ((بينما رجل مستلق على فراشه
إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء وقال : أشهد أن لك ربا وخالقاً ، اللهم اغفر لي
فنظر الله إليه فغفر له)) وقال النبي ◌َّل ((لا عبادة كالتفكر)) وقيل: الفكرة تذهب الغفلة
وتجذب للقلب الخشية كما ينبت الماء الزرع، وعن النبي ◌َّ ((لا تفضلوني على يونس بن متى
فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض )) قالوا وكان ذلك العمل هو التفكر في معرفة

١٤٣
سورة آل عمران
قوله تعالى ((ربنا ما خلقت هذا باطلا)) الآية
الله، لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه مثل عمل أهل الأرض .
﴿ المسألة الثالثة﴾ دلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكير في دلائل الذات
والصفات وأن التقليد أمر باطل لا عبرة به ولا التفات إليه:
واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء العباد الصالحين المواظبين على الذكر والفكر أنهم
ذكروا خمسة أنواع من الدعاء .
النوع الأولى ﴾ قوله (ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ) وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية إضمار وفيه وجهان، قال الواحدي رحمه الله: التقدير:
يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلاً ، وقال صاحب الكشاف: إنه في محل الحال بمعنى يتفكرون
قائلين .
المسألة الثانية ﴾ هذا: في قوله ( ما خلقت هذا) كناية عن المخلوق ، يعني ما
خلقت هذا المخلوق العجيب باطلاً ، وفي كلمة ( هذا) ضرب من التعظيم كقوله ( إن هذا
القرآن يهدي للتي هي أقوم ) .
المسألة الثالثة﴾ في نصب قوله ( باطلاً ) وجوه : الأول : أنه نعت لمصدر محذوف
أي خلقاً باطلاً . الثاني: أنه ينزع الخافض تقديره: بالباطل أو للباطل . الثالث : قال صاحب
الكشاف: يجوز أن يكون ((باطلاً)) حالاً من ((هذا)).
المسألة الرابعة ﴾ قالت المعتزلة: إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض
الإِحسان إلى العبيد ولأجل الحكمة ، والمراد منها رعاية مصالح العباد ، واحتجوا عليه بهذه
الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السموات والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلاً ، وذلك ضد هذه
الآية قالوا : وظهر بهذه الآية أن الذي تقوله المجبرة : إن الله تعالى أراد أن يخلق السموات
والأرض صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها ، وذلك رد لهذه الآية ،
قالوا : وقوله ( سبحانك) تنزيه له عن خلقه لهما باطلاً ، وعن كل قبيح ، وذكر الواحدي
كلاماً يصلح أن يكون جواباً عن هذه الشبهة فقال : الباطل عبارة عن الزائل الذاهب الذي لا
يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء ، وخلق السموات والأرض خلق متقن محكم ، ألا ترى إلى
قوله ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصرهل ترى من فطور ) وقال ( وبنينا
فوقكم سبعاً شداداً) فكان المراد من قوله ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً) هذا المعنى ، لا ما ذكره

١٤٤
قوله تعالى ((ربنا ما خلقت هذا باطلا )) الآية
سورة آل عِمْران
المعتزلة .
فإن قيل : هذا الوجه مدفوع بوجوه : الأول : لو كان المراد بالباطل الرخو المتلاشي
لكان قوله ( سبحانك) تنزيهاً له عن أن يخلق مثل هذا الخلق ، ومعلوم أن ذلك باطل .
الثاني : أنه إنما يحسن وصل قوله ( فقنا عذاب النار ) به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه لأن
التقدير : ما خلقته باطلاً بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة ، وهي أن تجعلها مساكن
للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك، فقنا عذاب النار ، لأنه جزاء من
عصي ولم يطع ، فثبت أنا إذا فسرنا قوله ( ما خلقت هذا باطلاً) بما ذكرنا حسن هذا النظم ،
أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكماً شديد التركيب لم يحسن هذا النظم . الثالث : أنه تعالى ذكر
هذا في آية أخرى فقال ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا )
وقال في آية أخرى ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق )
وقال في آية أخرى (أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وانكم الينا لا ترجعون) قوله (فتعالى الله الملك
الحق) أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عبثاً، وإذا امتنع أن يكون عبثاً فبأن يمتنع كونه
کباطلاً أولى .
والجواب : اعلم أن بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن
لذاته ، وشاهده أن كل ما ممكن لذاته فإنه لا بد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته ،
وليس في هذه القضية تخصيص يكون ذلك الممكن مغايراً لأفعال العباد ، بل هذه القضية على
عمومها قضية يشهد العقل بصحتها ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء
الله. وإذا كان كذلك امتنع أن يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح ، إذا
عرفت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحدي ، قوله : ولو كان
كذلك لكان قوله ( سبحانك ) تنزيهاً له عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة وذلك باطل . قلنا :
لم لا يجوز أن يكون المراد : ربنا ما خلقت هذا رخواً فاسد التركيب بل خلقته صلباً محكماً ،
وقوله ( سبحانك ) معناه انك وان خلقت السموات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزه عن
الاحتياج إليه ولانتفاع به فيكون قوله ( سبحانك ) معناه هذا . قوله ثانياً : إنما حسن وصل
قوله ( فقنا عذاب النار ) به إذا فسرناه بقولنا ، قلنا لا نسلم بل وجه النظم أنه لما قال
( سبحانك ) اعترف بكونه غنياً عن كل ما سواه ، فعندما وصفه بالغني أقر لنفسه بالعجز
والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال ( فقنا عذاب النار ) وهذا الوجه في حسن النظم إن لم
يكن أحسن مما ذكرتم لم يكن أقل منه ، وأما سائر الآيات التي ذكرتموها فهي دالة على أن
أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبئاً ولعباً وباطلاً . ونحن نقول بموجبه ، وأن

قوله تعالى ((ربنا انك من تدخل النار فقد اخزيته)) الآية سورة آل عمران ١٤٥
أفعال الله كلها حكمة وصواب ، لأنه تعالى لا يتصرف إلا في ملكه وملكه ، فكان حكمه صواباً
على الأطلاق فهذا ما في هذه المناظرة والله أعلم .
﴿ المسألة الخامسة﴾ احتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أنه سبحانه خلق هذه
الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة ، وجعلها بحيث يحصل من
حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكان هذه البقعة الأرضية ، قالوا :
لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ، وذلك رد للآية . قالوا : وليس لقائل أن يقول الفائدة
فيها الاستدلال بها على وجود الصانع المختار ، وذلك لأن كل واحد من كرات الهواء والماء
يشارك الأفلاك والكواكب في هذا المعنى ، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكاً وشمساً وقمراً
فائدة ، فيكون باطلاً وهو خلاف هذا النص .
أجاب المتكلمون عنه : بأن قالوا : لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسباباً على مجرى
العادة لا على سبيل الحقيقة .
أما قوله تعالى ﴿ سبحانك ﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ هذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله في خلق
السموات والأرض ، يعني : أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا
هذا القدر ، وهو أن خالقها ما خلقها باطلاً ، بل خلقها لحكم عجيبة ، وأسرار عظيمة ، وإن
كانت العقول قاصرة عن معرفتها .
المسألة الثانية ﴾ المقصود منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء ، وذلك أن من أراد
الدعاء فلا بد وأن يقدم الثناء ثم يذكر بعده الدعاء كما في هذه الآية .
أما قوله تعالى ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ فاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد
المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى ، وأبدانهم في طاعة الله ، وقلوبهم في التفكر
في دلائل عظمة الله ، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار ،
ولولا أنه يحسن من الله تعذيبهم وإلا لكان هذا الدعاء عبثاً ، فإن كان المعتزلة ظنوا أن أول
الآية حجة لهم ، فليعلموا أن آخر هذه الآية حجة لنا في أنه لا يقبح من الله شيء أصلا ،
ومثل هذا التضرع ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم في قوله ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي
يوم الدين ).
النوع الثاني من دعواتهم﴾ قوله تعالى حكاية عنهم ( ربنا إنك من تدخل النار فقد
الفخر الرازي ج٩ ١٠٠

٠١٤٦
قوله تعالى ((ربنا انك من تدخل النار فقد اخزيته)) الآية سورة آل عمران
أخزيته وما للظالمين من أنصار ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ إعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك بما يدل
على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي ، ليكون موقع السؤال أعظم ، لأن من سأل ربه أن
يفعل شيئاً أو أن لا يفعله، إذا شرح عظم ذلك المطلوب وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء
أكمل وإخلاصه في طلبه أشد ، والدعاء لا يتصل بالاجابة إلا إذا كان مقروناً بالاخلاص ،
فهذا تعليم من الله عباده في كيفية إيراد الدعاء .
المسألة الثانية﴾ قال الواحدي: الاخزاء في اللغة يرد على معان يقرب بعضها من
بعض . قال الزجاج : أخزي الله العدو ، أي أبعده وقال غيره : أخزاه الله . أي أهانه ،
وقال شمر بن حمدويه أخزاه الله أي فضحه الله ، وفي القرآن ( ولا تخزون في ضيفي ) وقال
المفضل : أخزاه الله . أي أهلكه وقال ابن الأنباري : الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع
حجة أو بوقوع في بلاء ، وكل هذه الوجوه متقاربة . ثم قال صاحب الكشاف ( فقد أخزيته )
أي قد أبلغت في إخزائه وهو نظير ما يقال : من سبق فلاناً فقد سبق ، ومن تعلم من فلان فقد
تعلم .
﴿ المسألة الثالثة) قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة
ليس بمؤمن ، وذلك لأن صاحب الكبيرة إذا دخل النار فقد أخزاه الله لدلالة هذه الآية ،
والمؤمن لا يخزي لقوله تعالى ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) فوجب من مجموع هاتين
الآيتين أن لا يكون صاحب الكبيرة مؤمناً .
والجواب : أن قوله ( يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه ) لا يقتضي نفي الاخزاء
مطلقاً ، وإنما يقتضي أن لا يحصل الاخزاء حال ما يكون مع النبي ، وهذا النبي لا يناقضه
إثبات الاخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الاثبات في وقت آخر ، هذا هو الذي صح
عندي في الجواب ، وذكر الواحدي في البسيط أجوبة ثلاثة سوى ما ذكرناه : أحدها : أنه نقل
عن سعيد بن المسيب والثوري وقتادة أن قوله ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) مخصوص
بمن يدخل النار للخلود ، وهذا الجواب عندي ضعيف ، لأن مذهب المعتزلة أن کل فاسق دخل
النار فإنما دخلها للخلود ، فهذا لا يكون سؤالاً عنهم ، ثانيها : قالٍ : المدخل في النار مخزي
في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها ، وهذا ضعيف أيضاً لأن موضع الاستدلال أن
قوله ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على
الإطلاق ، وهذه الآية دلت على حصول الخزي لكل من دخل النار ، فحصل بحكم هاتين

١٤٧
سورة آل عمران
قوله تعالى ((فاستجاب لهم ربهم)) الآية
الآيتين بين كونه مؤمناً وبين كونه كافراً ممن يدخل النار منافاة ، وثالثها : قال : الاخزاء
يحتمل وجهين : أحدهما : الاهانة والاهلاك ، والثاني : التخجيل ، يقال خزي خزاية إذا
استحيا ، وأخزاه غيره إذا عمل به عملاً يخجله ويستحي منه .
واعلم أن حاصل هذا الجواب : أن لفظ الاخزاء لفظ مشترك بين التخجيل وبين
الاهلاك ، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والاثبات على معنييه جميعاً ، وإذا كان
كذلك جاز أن يكون المنفي بقوله ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) غير المثبت في قوله
( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) وعلى هذا يسقط الاستدلال ، إلا أن هذا الجواب إنما
يتمشى إذا كان لفظ الاخزاء مشتركاً بين هذين المفهومين ، أما إذا كان لفظاً متواطئاً مفيداً لمعنى
واحد ، وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحدي نوعين تحت جنس واحد ، سقط هذا الجواب
لأن قوله ( لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) لنفي الجنس وقوله ( فقد أخزيته ) لاثبات
النوع ، وحينئذ يحصل بينهما منافاة .
المسألة الرابعة ﴾ احتجت المرجئة بهذه الآية في القطع على أن صاحب الكبيرة لا
يخزي . وكل من دخل النار فانه يخزي ، فيلزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار ، إنما
قلنا صاحب الكبيرة لا يخزي . لأن صاحب الكبيرة مؤمن ، والمؤمن لا يخزي ، إنما قلنا إنه
مؤمن لقوله تعالى ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على
الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) سمي الباغي حال كونه باغياً مؤمناً ، والبغي
من الكبائر بالأجماع، وأيضاً قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى )
سمي القاتل بالعمد العدوان مؤمناً ، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا إن المؤمن لا
يخزي لقوله ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) ولقوله ( ولا تخزنا يوم القيامة ).
ثم قال تعالى ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ وهذه الاستجابة تدل على أنه تعالى لا يخزي
المؤمنين ، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا يخزي بالنار ، وإنما قلنا إن كل من دخل النار
فإنه يخزي لقوله تعالى ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) وحينئذ يتولد من هاتين المقدمتين
القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار .
والجواب عنه ما تقدم : أن قوله ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) لا يدل على
نفي الاخزاء مطلقاً ، بل يدل على نفي الإِخزاء حال كونهم مع النبي ، وذلك لا ينافي حصول

١٤٨
قوله تعالى ((وما للظالمين من انصار)) الآية
سورة آل عِمْران
الإخزاء فى وقت آخر .
﴿ المسألة الخامسة﴾ قوله (إنك من تدخل النار فقد أخزيته) عام دخله الخصوص في
مواضع منها : أن قوله تعالى ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين
اتقوا ) يدل على أن كل المؤمنين يدخلون النار ، وأهل الثواب يصانون عن الخزي . وثانيها :
أن الملائكة الذين هم خزنة جهنم يكونون في النار ، وهم أيضاً يصانون عن الخزي . قال
تعالى ( عليها ملائكة غلاظ شداد ) .
المسألة السادسة﴾ احتج حكماء الإِسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أشد
وأقوى من العذاب الجسماني ، قالوا لأن الآية دالة على التهديد بعد عذاب النار بالخزي ،
والخزي عبارة عن التخجيل وهو عذاب روحاني ، فلولا أن العذاب الروحاني أقوى من
العذاب الجسماني وإلا لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة .
﴿ المسألة السابعة﴾ احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الفساق الذين دخلوا النار لا
يخرجون منها بل يبقون هناك مخلدين ، وقالوا الخزي هو الهلاك ، فقوله ( إنك من تدخل النار
فقد أخزيته ) معناه فقد أهلكته ، ولو كانوا يخرجون من النار إلى الجنة لما صح أن كل من دخل
النار فقدهلك . والجواب : أنا لا نفسر الخزى بالاهلاك بل نفسره بالاهانة والتخجيل ، وعند
هذا يزول كلامكم .
أما قوله تعالى ( وما للظالمين من أنصار ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى ﴾ المعتزلة تمسكوا به في نفي الشفاعة للفساق، وذلك لأن الشفاعة نوع
نصرة ، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع .
والجواب من وجوه : الأول : أن القرآن دل على أن الظالم بالاطلاق هو الكافر ، قال
تعالى ( والكافرون هم الظالمون ) ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكي عن الكفار أنهم خصصوا
أنفسهم بنفي الشفعاء والأنصار حيث قالوا : ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ) وثانيها:
أن الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا باذن الله، قال تعالى (من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه ) واذا
كان كذلك لم يكن الشفيع قادرا على النصرة إلا بعد الأذن ، واذا حصل الاذن لم يكن في
شفاعته فائدة في الحقيقة ، وعند ذلك يظهر أن العفو إنما حصل من الله تعالى ، وتلك الشفاعة

قوله تعالى ((ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للايمان)) الآية سورة آل عِمْران ١٤٩
رَبَّ إِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًّايُنَادِى لِلْإِنَِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَقَامَنًا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
وَكَفِّرْ عَنَّا سَبِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ
١٩٣
ما كان لها تأثير في نفس الأمر ، وليس الحكم إلا لله ، فقوله ( وما للظالمين من أنصار ) يفيد أنه
لاحكم الا لله كما قال (ألا له الحكم) وقال (والأمر يومئذ لله) لايقال : فعلى هذا التقدير لا
يبقى لتخصيص الظالمين بهذا الحكم فائدة ، لأنا نقول : بل فيه فائدة لأنه وعد المؤمنين
المتقين في الدنيا بالفوز بالثواب والنجاة من العقاب ، فلهم يوم القيامة هذه الحجة . أما
الفساق فليس لهم ذلك ، فصح تخصيصهم بنفي الأنصار على الاطلاق . الثالث : أن هذه
الآية عامة وواردة بثبوت الشفاعة خاصة والخاص مقدم على العام والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ المعتزلة تمسكوا في أن الفاسق لا يخرج من النار ، قالوا لو خرج من
النار لكان من أخرجه منها ناصراً له ، والآية دالة على أنه لا ناصر له البتة .
والجواب : المعارضة بالآيات الدالة على العفوكما ذكرناه في سورة البقرة .
﴿ النوع الثالث ﴾ من دعواتهم .
قوله تعالى ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذوبنا
وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ﴾ في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في المنادي قولان: أحدهما : أنه محمد عليه الصلاة والسلام وهو
قول الأكثرين ، والدليل عليه قوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك ، وداعياً الى الله بأذنه. أدعوا
إلى الله ) والثاني : أنه هو القرآن ، قالوا إنه تعالى حكى عن مؤمني الانس ذلك كما حكى عن
مؤمني الجن قوله ( إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ) قالوا : والدليل على أن
تفسير الآية بهذا الوجه أولى لأنه ليس كل أحد لقي النبي ◌َهالر، أما القرآن فكل أحد سمعه
وفهمه ، قالوا : وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز متعارف، لأن القرآن لما كان مشتملاً على
الرشد ، وكان كل من تأمله وصل به إلى الهدى إذا وفقه الله تعالى لذلك ، فصار كأنه يدعو
إلى نفسه وينادي بما فيه من أنواع الدلائل ، كما قيل في جهنم ( تدعو من أدبر وتولى ) إذ كان
مصيرهم إليها ، والفصحاء والشعراء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ، ومرادهم منها دلالة

١٥٠
قوله تعالى ((ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للايمان)) الآية سورة آل عِمْران
تصاريف الزمان ، قال الشاعر :
يا واضع الميت في قبره
خاطبك الدهر فلم تسمع
المسألة الثانية﴾ في قوله (ينادي للايمان) وجوه: الأول: أن اللام بمعنى ((إلى))
كقوله ( ثم يعودون لما نهوا عنه . ثم يعودون لما قالوا . بأن ربك أوحى لها) ( الحمد لله الذي
هدانا لهذا) ويقال : دعاه لكذا وإلى كذا ، وندبه له وإليه ، وناداه له وإليه ، وهداه للطريق
واليه ، والسبب في إقامة كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى : أن معنى انتهاء الغاية
ومعنى الاختصاص حاصلان جميعاً . الثاني : قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ،
أي سمعنا منادياً للايمان ينادي بأن آمنوا ، كما يقال : جاءنا منادي الأمير ينادي بكذا وكذا .
والثالث : أن هذه اللام لام الأجل والمعنى : سمعنا منادياً كان نداؤه ليؤمن الناس ، أي كان
المنادي ينادي لهذا الغرض ، ألا تراه قال ( أن آمنوا بربكم ) أي لتؤمن الناس ، وهو كقوله
( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قوله (سمعنا منادياً ينادي) نظيره قولك: سمعت رجلاً يقول كذا ،
وسمعت زيداً يتكلم ، فيوقع الفعل على الرجل ويحذف المسموع ، لأنك وصفته بما يسمع
وجعلته حالاً عنه فأغناك عن ذكره ، ولأن الوصف أو الحال لم يكن بد منه ، وإنه يقال سمعت
كلام فلان أو قوله .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ههنا سؤال وهو أن يقال: ما الفائدة في الجمع بين المنادي وينادي ؟
وجوابه : ذكر النداء مطلقاً ثم مقيداً بالإيمان تفخياً لشأن المنادي ، لأنه لا منلدي أعظم
من منادٍ ينادي للإيمان ، ونظيره قولك : مررت بهادًّ يهدي للإِسلام ، وذلك لأن المنادي إِذا
أطلق ذهب الوهم إلى منادٍ للحرب ، أو لاطفاء النائرة ، أو لإغاثة المكروب ، أو الكفاية
لبعض النوازل ، وكذلك الهادي . وقد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ،
فإذا قلت ينادي للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته .
﴿ المسألة الخامسة﴾ قوله ( أن آمنوا) فيه حذف أو إضمار ، والتقدير : آمنوا أو
بأن آمنوا ، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا بعد ذلك ( فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع

١٥١
قوله تعالى ((وتوفنا مع الأبرار )) الآية سورة آل عِمْران
الأبرار ) وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ إعلم أنهم طلبوا من الله تعالى في هذا الدعاء ثلاثة أشياء : أولها :
غفران الذنوب ، وثانيها : تكفير السيئات ، وثالثها : أن تكون وفاتهم مع الأبرار . أما
الغفران فهو الستر والتغطية ، والتكفير أيضاً هو التغطية ، يقال : رجل مكفر بالسلاح ، أي
مغطى به ، والكفر منه أيضاً ، وقال لبيد :
في ليلة كفر النجوم ظلامها
إذا عرفت هذا : فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد .
أما المفسرون فذكروا فيه وجوهاً : أحدها : أن المراد بهما شيء واحد وإنما أعيد ذلك
للتأكيد لأن الالحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب ، وثانيها : المراد بالأول ما تقدم من
الذنوب ، وبالثاني المستأنف، وثالثها : أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة ، وبالكفران ما
تكفره الطاعه العظيمة ، ورابعها : أن يكون المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه
معصية وذنباً ، وبالثاني : ما أتى به الإنسان مع جهله بكونه معصية وذنباً .
وأما قوله ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ ففيه بحثان : الأول : أن الأبرار جمع بر أو بار،
كرب وأرباب ، وصاحب وأصحاب ، الثاني : ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين :
الأول : أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة ،
قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة ، ويريد به كونه مساوياً له في ذلك الاعتقاد ،
والثاني : يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفاً .
والثالث : أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم ، ومنه قوله ( فأولئك مع
الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ) .
المسألة الثانية ﴾ احتج أصحابنا على حصول العفو بدون التوبة بهذه الآية أعني
قوله تعالى حكاية عنهم ( فاغفر لنا ذنوبنا ) والاستدلال به من وجهين : الأول : أنهم طلبوا
غفران الذنوب ولم يكن للتوبة فيه ذكر ، فدل على أنهم طلبوا المغفرة مطلقاً ، ثم أن الله تعالى
أجابهم إليه لأنه قال في آخر الآية ( فاستجاب لهم ربهم ) وهذا صريح في أنه تعالى قد يعفو عن

١٥٢
قوله تعالى ((ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك)) الآية سورة آل عِمْران
رَبَّنَا وَءَاتِنَ مَا وَعَدَتْنَ عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَدْمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ
١٩٤
الذنب وإن لم توجد التوبة . والثاني : وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أخبروا عن أنفسهم
بأنهم آمنوا ، فعند هذا قالوا فاغفر لنا ذنوبنا ، والفاء في قوله ( فاغفر ) فاء الجزاء وهذا يدل
على أن مجرد الإيمان سبب لحسن طلب المغفرة من الله ، ثم أن الله تعالى أجابهم إليه بقوله
( فاستجاب لهم ربهم ) فدلت هذه الآية على أن مجرد الإِيمان سبب لحصول الغفران ، إما من
الابتداء وهو بأن يعفو عنهم ولا يدخلهم النار أو بأن يدخلهم النار ويعذبهم مدة ثم يعفو عنهم
ويخرجهم من النار ، فثبت دلالة هذه الآية من هذين الوجهين على حصول العفو .
﴿المسألة الثالثة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد لط في حق أصحاب
الكبائر مقبولة يوم القيامة ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من الله
غفران الذنوب مطلقاً من غير أن قيدوا ذلك بالتوبة ، فأجاب الله قولهم وأعطاهم مطلوبهم
فإذا قبل شفاعة المؤمنين في العفو عن الذنب ، فلأن يقبل شفاعة محمد 8 فيه كان أولى .
النوع الرابع ﴾ من دعائهم .
قوله تعالى حكاية عنهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا
تخلف الميعاد
﴾.
وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قوله ( وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) فيه حذف المضاف ثم فيه وجوه
أحدها : وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك . وثانيها : وإتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك ،
والدليل عليه أن هذه الآية مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو ، الرسول وعقيب قوله
( آمنا ) وهو التصديق .
المسألة الثانية﴾ ههنا سؤال: وهو أن الخلف في وعد الله محال ، فكيف طلبوا بالدعاء
ما علموا أنه لا محالة واقع ؟
والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل ، بل

١٥٣
سورة آل عمران
قوله تعالى (( ولا تخزنا يوم القيامة)) الآية
المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية ، وقد أمرنا بالدعاء في أشياء نعلم قطعاً أنها
توجد لا محالة ، كقوله ( قل رب احكم بالحق ) وقوله ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) .
والوجه الثاني في الجواب ﴾ أن وعد الله لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم ، بل إنما
يتناولهم بحسب أوصافهم ، فإنه تعالى وعد المتقين بالثواب ، ووعد الفساق بالعقاب ، فقوله
( وآتنا ما وعدتنا) معناه : وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلاً لوعدك، واعصمنا من الأعمال.
التي نصير بها أهلاً للعقاب والخزي ، وعلى هذا التقدير يكون المقصود من هذه الآية طلب
التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية .
الوجه الثالث ﴾ أن الله تعالى وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدنيا ويقهر عدوهم ،
فهم طلبوا تعجيل ذلك ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال .
المسألة الثالثة ﴾ الآية دلت على أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم
الاستحقاق لأنهم قالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وفي آخر الكلام قالوا ( إنك لا تخلف
الميعاد ) وهذا يدل على أن المقتضى لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ههنا سؤال آخر: وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب
لازماً لا محالة ، فقوله ( آتنا ما وعدتنا على رسلك ) طلب للثواب ، فبعد طلب الثواب كيف
طلب ترك العقاب ؟ وهو قوله ( ولا تخزنا يوم القيامة ) بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب
إيصال الثواب كان الكلام مستقيماً .
والجواب من وجهين : الأول : أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم
والسرور فقوله ( آتنا ما وعدتنا على رسلك ) المراد منه المنافع ، وقوله ( ولا تخزنا) المراد منه
التعظيم ، الثاني : أنا قد بينا أن المقصود من هذه الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة
عن المعصية ، وعلى هذا التقدير يحسن النظم كأنه قيل : وفقنا للطاعات ، وإذا وفقتنا لها
فاعصمنا عما يبطلها ويزيلها ويوقعنا في الخزي والهلاك ، والحاصل كأنه قيل : وفقنا لطاعتك
فأنا لا نقدر على شيء من الطاعات إلا بتوفيقك ، وإذا وفقت لفعلها فوفقنا لاستبقائها فإنا لا
نقدر على استبقائها واستدامتها إلا بتوفيقك ، وهو إشارة إلى أن العبد لا يمكنه عمل من

١٥٤
قوله تعالى ((فاستجاب لهم ربهم أني لا اضيع عمل عامل)) الآية سورة آل عِمْران
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِىِ لَ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنْكُم مِّنْ ذَكٍَ أَوْ أُنثَى بَعْضُُ
مِنْ بَعْضِ فَالَّذِينَ هَابُواْ وَأُخْرِجُواْ مِنْ دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلٍ وَقَدْتَلُواْ وَقُتِلُواْ
وَلَأُدِْلَهُمْ جَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهُ ثَوَابًا مِنْ عِنِدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ.
حُسْنُ الثَّوَابِ
١٥
الأعمال ، ولا فعل من الأفعال ، ولا لمحة ولا حركة إلا بإعانة الله وتوفيقه .
المسألة الخامسة ﴾ قوله ( ولا تحزنا يوم القيامة ) شبيه بقوله (وبدا لهم من الله ما لم
يكونوا يحتسبون ) فإنه ربما ظن الإنسان أنه على الاعتقاد الحق والعمل الصالح ، ثم إنه يوم
القيامة يظهر له أن اعتقاده كان ضلالاً وعمله كان ذنباً ، فهناك تحصل الخجالة العظيمة
والحسرة الكاملة والأسف الشديد ، ثم قال حكماء الإِسلام : وذلك هو العذاب الروحاني .
قالوا : وهذا العذاب أشد من العذاب الجسماني ، ومما يدل على هذا أنه سبحانه حكى عن
هؤلاء العباد المؤمنين أنهم طلبوا في هذا الدعاء أشياء فأول مطالبهم الاحتراز عن العذاب
الجسماني وهو قوله ( فقنا عذاب النار ) وآخرها الاحتراز عن العذاب الروحاني وهو قوله ( ولا
تحزنا يوم القيامة ) وذلك يدل على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني .
قوله تعالى ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم
من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سياتهم
ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب ﴾ .
إعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عرفوا الله بالدليل وهو قوله ( إن في خلق السموات
والأرض ) إلى قوله ( لآيات لأولى الألباب ) ثم حكى عنهم مواظبتهم على الذكر وهو قوله
( الذين يذكرون الله قياماً) وعلى التفكر وهو قوله ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) ثم
حكى عنهم أنهم أثنوا على الله تعالى وهو قولهم ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك ) ثم حكى
عنهم أنهم بعد الثناء اشتغلوا بالدعاء، وهو من قولهم ( فقنا عذاب النار ) إلى قوله ( إنك لا تخلف
الميعاد ) بين في هذه الآية أنه استجاب دعاءهم فقال ( فاستجاب لهم ربهم ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ في الآية تنبيه على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه الأمور ، فلما
٠٠.

: ١٥٥
سورة آل عمران
قوله تعالى (( بعضكم من بعض )) الآية
كان حصول هذه الشرائط عزيزاً ، لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزاً .
المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف : يقال استجابه واستجاب له ، قال الشاعر :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب
وقال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ﴾ .
المسألة الثالثة﴾ أني لا أضيع : قرىء بالفتح ، والتقدير : بأني لا أضيع ،
وبالكسر على إرادة القول ، وقرىء ( لا أضيع ) بالتشديد .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ من: في قوله ( من ذكر) قيل للتبيين كقوله (فاجتنبوا الرجس من
الأوثان ) وقيل : إنها مؤكدة للنفي بمعنى : عمل عامل منكم ذكر أو أنثى .
المسألة الخامسة﴾ إعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل ، لأن العمل كلما
وجد تلاشى وفنى ، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل ، والإضاعة عبارة عن ترك الاثابة فقوله
( لا أضيع ) نفي للنفي فيكون إثباتاً ، فيصير المعنى : أنى أوصل ثواب جميعٍ أعمالكم
إليكم ، إذا ثبت ما قلنا فالآية دالة على أن أحداً من المؤمنين لا يبقى في النار مخلداً ، والدليل
عليه أنه بإيمانه استحق ثواباً ، وبمعصيته استحق عقاباً ، فلا بد من وصولهما إليه بحكم هذه
الآية والجمع بينهما محال ، فإما أن يقدم الثواب ثم ينقله إلى العقاب وهو باطل بالاجماع ، أو
يقدم العقاب ثم ينقله إلى الثواب وهو المطلوب .
﴿ المسألة السادسة﴾ جمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل منهم أنه
يجازيهم على اعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الأعمال إليهم .
فإن قيل : القوم أولاً طلبوا غفران الذنوب ، وثانياً إعطاء الثوابْ فقوله ( أني لا أضيع
عمل عامل منكم ) إجابة لهم في إعطاء الثواب ، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب ؟
قلنا : إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب ، لكن يلزم من حصول الثواب
سقوط العقاب فصار قوله ( أني لا أضيع عمل عامل منكم ) اجابة لدعائهم في المطلوبين .
وعندي في الآية وجه آخر : وهو أن المراد من قوله ( أنني لا أضيع عمل عامل منكم ) أني لا
أضيع دعاءكم ، وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء ، فكان المراد منه أنه حصلت
إجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه .

١٥٦
قوله تعالى (( بعضكم من بعض )) الآية
سورة آل عِمْران
وأما قوله تعالى ﴿ من ذكر أو أنثى﴾ فالمعنى: أنه لا تفاوت في الاجابة وفي الثواب بين
الذكر والأنثى إذا كانا جميعاً في التمسك بالطاعة على السوية ، وهذا يدل على أن الفضل في
باب الدين بالأعمال ، لا بسائر صفات العاملين ، لأن كون بعضهم ذكراً أو أنثى ، أو من
نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا الباب ، ومثله قوله تعالى ( ليس بأمانيكم ولا أماني
أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجزيه ) وروى أن أم سلمة قالت : يا رسول الله إني لأسمع
اللّه يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الآية .
أما قوله تعالى ( بعضكم من بعض ) ففيه وجوه : أحسنها أن يقال ( من ) بمعنى الكاف
أي بعضكم كبعض ، ومثل بعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية . قال القفال :
هذا من قولهم : فلأن مني أي على خلقي وسيرتي ، قال تعالى ( فمن شرب منه فليس مني ومن
لم يطعمه فإنه مني) وقال عليه الصلاة والسلام ((من غشنا فليس منا)) وقال ((ليس منا من
حمل علينا السلاح )) فقوله ( بعضكم من بعض ) أي بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب
على الطاعة والعقاب على المعصية ، فكيف يمكن إدخال التفاوت فيه ؟
ثم قال تعالى فالذين هاجرواوأخرجوامن ديارهم وأوذوافي سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم
سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله ﴾ والمراد من قوله (الذين
هاجروا) الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول به، والمراد من ( الذين
أخرجوا من ديارهم ) الذين ألجأهم الكفار إلى الخروج ، ولا شك أن رتبة الأولين أفضل
لأنهم اختاروا خدمة الرسول عليه السلام وملازمته على الاختيار ، فكانوا أفضل وقوله
( وأوذوا في سبيلي ) أي من أجله وسبيه ( وقاتلوا وقتلوا) لأن المقاتلة تكون قبل القتال ، قرأ
نافع وعاصم وأبو عمرو ( وقاتلوا ) بالالف أولا (أو قتلوه) مخففة، والمعنى أنهم قاتلوا معه
حتى قتلوا ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ( وقاتلوا ) أولاً ( وقتلوا ) مشددة قيل : التشديد
للمبالغة وتكرر القتل فيهم كقوله ( مفتحة لهم الأبواب ) وقيل : قطعوا عن الحسن ، وقرأ
حمزة والكسائي ( وقتلوا ) بغير ألف أولا ( وقاتلوا ) بالألف بعده وفيه وجوه : الأول : أن الواو
لا توجب الترتيب كما في قوله ( واسجدي واركعي ) والثاني : على قولهم : قتلنا ورب
الكعبة ، إذا ظهرت أمارات القتل، أو إذا قتل قومه وعشائره. والثالث: بإضمار ((قد )) أي
قتلوا وقد قاتلوا .
ثم إن الله تعالى وعد من فعل هذا بأمور ثلاثة : أولها : محو السيئات وغفران الذنوب
وهو قوله ( لأكفرن عنهم سيئاتهم ) وذلك هو الذي طلبوه بقولهم ( فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا

١٩٧
قوله تعالى (( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد )) الآية سورة آل عمران ١٥٧
لَا يَغُرَنَّكَ تَقُلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوْ فِ الْنِلَِ(٦) مَتَعُ قَلِلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَّمُ وَبِئْسَ أَلْمِهَادُ
سيئاتنا ) وثانيها اعطاء الثواب العظيم وهو قوله ( ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار )
وهو الذي طلبوه بقولهم : وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وثالثها : أن يكون ذلك الثواب ثواباً
عظيماً مقروناً بالتعظيم والاجلال وهو قوله ( من عند الله ) وهو الذي قالوه ( ولا تحزنا يوم
القيامة ) لأنه سبحانه هو العظيم الذي لا نهاية لعظمته ، وإذا قال السلطان العظيم لعبده :
إني أخلع عليك خلعة من عندي دل ذلك على كون تلك الخلعة في نهاية الشرف وقوله ( ثواباً )
مصدر مؤكد ، والتقدير : لأتينهم ثواباً من عند اللّه ، أي لأثيبنهم إثابة أو تثويباً من عند
الله، لأن قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم . ثم قال ( والله عنده حسن
الثواب ) وهو تأكيد ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف لأنه تعالى لما كان قادراً على كل
المقدورات ، عالمً بكل المعلومات ، غنياً عن الحاجات ، كان لا محالة في غاية الكرم والجود
والإِحسان ، فكان عنده حسن الثواب . روى عن جعفر الصادق أنه قال : من حزبه أمر فقال
خمس مرات : ربنا ، أنجاه اللّه مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية ، قال : لأن الله
حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات : ربنا ، ثم أخبر أنه استجاب لهم .
قوله تعالى ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس
المهاد ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما وعد المؤمنين بالثواب العظيم ، وكانوا في الدنيا في نهاية الفقر
والشدة ، والكفار كانوا في النعم ، ذكر الله تعالى في هذه الآية ما يسليهم ويصبرهم على تلك
الشدة ، فقال ( لا يغرنك ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قد ذكرنا أن الغرور مصدر قولك: غررت الرجل بما يستحسنه في
الظاهر ثم يجده عند التفتيش على خلاف ما يحبه ، فيقول : غرني ظاهره أي قبلته على غفلة
عن امتحانه ، وتقول العرب في الثوب إذا نُشرثم أعيد إلى طيه : رددته على غرة .
٠
﴿ المسألة الثانية﴾ المخاطب في قوله (لا يغرنك) من هو؟ فيه قولان: الأول : أنه
الرسول بية ولكن المراد هو الأمة. قال قتادة: والله ما غروا نبي الله به حتى قبضه الله،
والخطاب وإن كان له إلا أن المراد غيره ، ويمكن أن يقال : السبب لعدم إغرار الرسول عليه
السلام بذلك هو تواتر هذه الآيات عليه ، كما قال ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً
قليلاً ) فسقط قول قتادة ، ونظيره قوله ( ولا تكن من الكافرين . ولا تكونن من المشركين .
ولا تطع المكذبين ) والثاني : وهو أن هذا خطاب لكل من سمعه من المكلفين ، كأنه قيل : لا
يغرنك أيها السامع .

١٥٨
قوله تعالى ((لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات)) الآية سورة آل عمران
لَنْكِنِ الَّذِينَ آَتَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَخِهَا الْأَنْهُ خَدِينَ فِيَهَا نُلًا مِنْ
٩٨
عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللَهِ خَيْرٌلِلْأَ بْرَارٍ
المسألة الثالثة﴾ تقلب الذين كفروا في البلاد، فيه وجهان: الأول : نزلت في
مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين : إن أعداء الله فيما نرى من الخير
وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية . والثاني : قال الفراء : كانت اليهود تضرب في
الأرض فتصيب الأموال فنزلت هذه الآية ، والمراد بتقلب الذين كفروا في البلاد ، تصرفهم في
التجارات والمكاسب ، أي لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاؤًا ،
وأنتم معاشر المؤمنين خائفون محضورون ، فإن ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى
أشد العذاب .
ثم قال تعالى ﴿ متاع قليل ﴾ قيل : أي تقلبهم متاع قليل، وقال الفراء : ذلك متاع
قليل ، وقال الزجاج : ذلك الكسب والربح متاع قليل ، وإنما وصفه الله تعالى بالقلة لأن نعيم
الدنيا مشوب بالآفات والحسرات ، ثم إنه بالعاقبة ينقطع وينقضى ، وكيف لا يكون قليلاً وقد
كان معدوماً من الأزل إلى الآن ، وسيصير معدوماً من الأزل إلى الأبد ، فإذا قابلت زمان
الوجود بما مضى وما يأتي وهو الأزل والأبد ، كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل .
ثم قال تعالى ﴿ ثم مأواهم جهنم ﴾ يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد
الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سبباً للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة ، وهو كقوله ( إنما نملي
لهم ليزدادوا إثماً) وقوله ( وأملي لهم أن كيدي متين ) .
ثم قال ﴿ وبئس المهاد ﴾ أي الفراش، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى (لهم
من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ) فهم بين أطباق النيران ، ومن فوقهم غواش
يأكلون النار ويشربون النار .
قوله تعالى ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من
عند الله وما عند الله خير للأبرار ﴾ .
إعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد بالنزل ، والنزل ما يهيأ للضيف وقوله ( لكن
الذين اتقوا ربهم) يتناول جميع الطاعات ، لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات ، وعن
ترك المأمورات . واحتج بعض أصحابنا بهذه الآية على الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها
نزلاً ، فلا بد من الرؤية لتكون خلعة ، ونظيره قوله تعالى ( ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات
"كانت لهم جنات الفردوس نزلا ) وقوله ( نزلا ) نصب على الحال من ( جنات ) لتخصيصها

قوله تعالى ((اولئك لهم أجرهم عند ربهم ان الله سريع)) الآية سورة آل عِمْران ١٥٩
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ
خَشِيَ لِلَّ لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَنْتِ اللََِّنَا قَلِيلًا أُوْلَبْكَ لَهُمْ أَبْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ
بالوصف ، والعامل اللام ، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد ، لأن خلودهم فيها إنزالهم
فيها أو نزولهم ، وقال الفراء : هو نصب على التفسير كما تقول : هولك هبة وبيعاً وصدقة ثم
قال ( وما عند الله ) من الكثير الدائم ( خير للأبرار ) مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل ،
وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش ( نزلاً ) بسكون الزاي ، وقرأ يزيد بن القعقاع ( لكن الذين
اتقوا ) بالتشديد .
قوله تعالى ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله
لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم ان الله سريع الحساب ﴾.
إعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار من قبل ، بأن مصيرهم إلى النار
بين في هذه الآية أن من آمن منهم كان داخلاً في صفة الذين اتقوا فقال (وإن من أهل
الكتاب ) واختلفوا في نزولها ، فقال ابن عباس وجابر وقتادة : نزلت في النجاشي حين مات
وصلى عليه النبي مية ، فقال المنافقون إنه يصلي على نصراني لم يره قط، وقال ابن جريج وابن
زيد : نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه : وقيل : نزلت في أربعين من أهل نجران ،
واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا . وقال
مجاهد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم
إلى العقاب ، بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب .
واعلم إنه تعالى وصفهم بصفات : أولها : الإِيمان بالله ، وثانيها : الإِيمان بما أنزل الله
على محمد ◌ٍّ. وثالثها : الإيمان بما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد عليه الصلاة
والسلام . ورابعها : كونهم خاشعين لله وهو حال من فاعل ( يؤمن ) لأن ( من يؤمن ) في معنى
الجمع . وخامسها : أنهم لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً كما يفعله أهل الكتاب ممن كان
يكتم أمر الرسول وصحة نبوته .
ثم قال تعالى في صفتهم ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ﴾ والفائدة

١٦٠
قوله تعالى (( يا ايها الذين آمنوا » الآية
سورة آل عمران
◌ِ يَأَيُّهَا الّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُوا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ
إِنَّ اللَّ سَرِ يعُ الْحِسَابِ (
وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
في كونه سريع الحساب كونه عالماً بجميع المعلومات ، فيعلم ما لكل واحد من الثواب
والعقاب .
قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تلفحون
٠
واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعاً كثيرة من علوم الأصول والفروع ، أما
الأصول ففيما يتعلق بتقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وأما الفروع ففيما يتعلق بالتكاليف
والأحكام نحو الحج والجهاد وغيرهما ، ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع
الآداب ، وذلك لأن أحوال الإِنسان قسمان : منها ما يتعلق به وحده ، ومنها ما يكون مشتركاً
بينه وبين غيره ، أما القسم الأول فلا بد فيه من الصبر . وأما القسم الثاني فلا بد فيه من
المصابرة .
أما الصبر فيندرج تحته أنواع : أولها : أن يصير على مشقة النظر والاستدلال في معرفة
التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات المخالفين . وثانيها :
أن يصبر على مشقة أداء الواجبات والمندوبات . وثالثها : أن يصبر على مشقة الاحتراز عن
المنهيات . ورابعها : الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف ،
فقوله ( اصبروا ) يدخل تحته هذه الأقسام ، وتحت كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أنواع لا
نهاية لها ، وأما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير، ويدخل فيه
تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب ، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء
إليك كما قال ( وأعرض عن الجاهلين ) وقال ( وإذا مروا باللغو مروا كراماً) ويدخل فيه
الايثار على الغير كما قال ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) ويدخل فيه العفو
عمن ظلمك كما قال ( وأن تعفو أقرب للتقوى ) ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن