النص المفهرس

صفحات 101-120

قوله تعالى (( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا الآية سورة آل عمران ١٠١
الَّذِينَ قَالَ لَهُ النَّاسُ إِنَّالنَّاسَ قَدْ بَعُوْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَ هُمْإِيَّ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ
وَنِعِ الْوَكِيلُ ﴾ فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِوَفَضْلِ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَّهُ وَبَعُوْ رِضْوَانَ اللهِ
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
١٧٤
الإستجابة للرسول وإن بلغ الأمر بهم في الجراحات ما بلغ من بعد أن يتمكنوا معه من
النهوض. الثالث: أحسنوا: فيما أتوا به من طاعة الرسول وَلقره ، واتقوا ارتكاب شيء من
المنهيات بعد ذلك .
المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف ((من)) في قوله ((للذين أحسنوا منهم)) للتبيين
لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا واتقوا كلهم لا بعضهم .
قوله تعالى ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا
حسبنا الله ونعم الوكيل فأنقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو
فضل عظيم ﴾ .
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ هذه الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى ، روى إبن عباس أن أبا
سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى : يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى
فنقتتل بها إن شئت ، فقال عليه الصلاة والسلام لعمر : قل بيننا وبينك ذلك إن شاء الله
تعالى ، فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران ، وألقى الله
تعالى الرعب في قلبه ، فبدا له أن يرجع ، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم نعيم
معتمرا ، فقال يا نعيم إني وعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر ، وإن هذا عام جدب ولا
يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن ، وقد بدا لي أن أرجع ، ولكن إن خرج
محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة ، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الأبل ،
فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم ما هذا بالرأي ، أتوكم في دياركم وقتلوا
أكثركم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد ، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم ، فلما
عرف الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك قال (( والذي نفس محمد بيده لأخرجن اليهم ولو
وحدي)) ثم خرج النبي ◌َّير، ومعه نحو من سبعين رجلاً فيهم ابن مسعود، وذهبوا إلى أن

١٠٢
قوله تعالى ((الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم)) الآية سورة آل عِمْران
وصلوا إلى بدر الصغرى ، وهي ماء لبني كنانة ، وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام
ثمانية أيام، ولم يلق رسول اللّه ◌َ ل#، وأصحابه أحداً من المشركين، ووافقوا السوق ، وكانت
معهم نفقات وتجارات ، فباعوا واشتروا أدما وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين ،
وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش
السويق ، وقالوا : إنما خرجتم لتشربوا السويق ، فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية .
المسألة الثانية) في محل ( الذين) وجوه : احدها : أنه جر ، صفة للمؤمنين
بتقدير : والله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس . الثاني : أنه بدل من قوله
( للذين أحسنوا) الثالث : أنه رفع بالأبتداء وخبره ( فزادهم إيماناً) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ المراد بقوله (الذين) من تقدم ذكرهم، وهم الذين إستجابوا لله
والرسول ، وفي المراد بقوله ( قال لهم الناس ) وجوه : الأول : أن هذا القائل هو نعيم بن
مسعود كما ذكرناه في سبب نزول هذه الآية، وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الأنسان
الواحد ، لأنه إذا قال الواحد قولاً وله أتباع يقولون مثل قوله أو يرضون بقوله ، حسن حينئذ
إضافة ذلك الفعل إلى الكل ، قال الله تعالى ( وإذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها. وإذ قلتم يا موسى
لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وهم لم يفعلوا ذلك وإنما فعله أسلافهم ، إلا أنه أضيف
إليهم متابعتهم لهم على تصويبهم في تلك الأفعال فكذا ههنا يجوز أن يضاف القول إلى الجماعة
الراضين بقول ذلك الواحد . الثاني : وهو قول إِبن عباس ، ومحمد بن إسحاق : أن ركباً من
عبدالقيس مروا بأبي سفيان ، فدسهم إلى المسلمين ليجنبوهم وضمن لهم عليه جعلاً .
الثالث : قال السدى : هم المنافقون ، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بدر لميعاد أبي
سفيان : القوم قد أتوكم في دياركم ، فقتلوا الأكثرين منكم ، فإن ذهبتم إليهم لم يبق منكم
أحد .
المسألة الرابعة ﴾ قوله تعالى (إن الناس قد جمعوا لكم) المراد بالناس هو أبو سفيان
وأصحابه ورؤساء عسكره ، وقوله ( قد جمعوا لكم ) أي جمعوا لكم الجموع ، فحذف المفعول
لأن العرب تسمي الجيش جمعاً ويجمعونه جموعاً، وقوله (فاخشوهم) أي فكونوا خائفين منهم،
ثم أنه تعالى أخبر أن المسلمين لما سمعوا هذا الكلام لم يلتفتوا إليه ولم يقيموا له وزناً، فقال
تعالى (فزادهم إيماناً) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ الضمير في قوله (فزادهم) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول :
عائد إلى الذين ذكروا هذه التخويفات . والثاني : أنه عائد إلى نفس قولهم ، والتقدير :

١٠٣
سورة آل عمران
قوله تعالى ((وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل )) الآية
فزادهم ذلك القول إيماناً ، وإنما حسنت هذه الإضافة لأن هذه الزيادة في الإيمان لما حصلت عند
سماع هذا القول حسنت إضافتها إلى هذا القول وإلى هذا القائل ، ونظيره قوله تعالى ( فلم
يزدهم دعائي إلا فراراً) وقوله تعالى ( فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ المراد بالزيادة في الايمان أنهم لما سمعوا هذا الكلام المخوف لم يلتفتوا
إليه، بل حدث في قلوبهم عزم متأكد على محاربة الكفار، وعلى طاعة الرسول مَعليه، في كل ما يأمر به
وينهي عنه ثقل ذلك أوخف ، لأنه قد كان فيهم من به جراحات عظيمة ، وكانوا محتاجين إلى
المداواة ، وحدث في قلوبهم وثوق بأن الله ينصرهم على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة ، فهذا هو
المراد من قوله تعالى ( فزادهم إيماناً ) .
المسألة الثالثة ﴾ الذين يقولون أن الإيمان عبارة لا عن التصديق بل عن الطاعات،
وإنه يقبل الزيادة والنقصان ، احتجوا بهذه الآية ، فأنه تعالى نص على وقوع الزيادة ، والذين
لا يقولون بهذا القول قالوا: الزيادة إنما وقعت في مراتب الإيمان وفي شعائره، فصح القول
بوقوع الزيادة في الإيمان مجازاً .
المسألة الرابعة ﴾ هذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أن الكل بقضاء الله وقدره ،
وذلك لأن المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد ، والعادة جارية بأنه إذا انهزم أحد
الخصمين عن الآخر فإنه يحصل في قلب الغالب قوة وشدة استيلاء، وفي قلب المغلوب انكسار
وضعف ، ثم أنه سبحانه قلب القضية ههنا ، فأودع قلوب الغالبين وهم المشركون الخوف
والرعب ، وأودع قلوب المغلوبين القوة والحمية والصلابة ، وذلك يدل على أن الدواعي
والصوارف من الله تعالى ، وإنها متى حدثت في القلوب وقعت الأفعال على وفقها .
ثم قال تعالى ﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ والمراد أنهم كلما ازدادوا إيماناً في قلوبهم
أظهروا ما يطابقه فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، قال ابن الأنباري (حسبنا الله ) أي كافينا
الله ، ومثله قول أمرىء القيس :
وحسبك من غنی شبع وري
أي يكفيك الشبع والري ، وأما ( الوكيل ) ففيه أقوال: أحدها : أنه الكفيل . قال
الشاعر :
برد الأمور الماضيات وكيل
ذكرت أبا أروى فبت كأنني
أراد كأنني برد الأمور كفيل . الثاني : قال الفراء : الوكيل: الكافي ، والذي يدل على

١٠٤
قوله تعالى ((انما ذلكم الشيطان يخوف اولياءه )) الآية سورة آل عِمْران
أَمَاذَ لِكُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءُهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُ مُؤْمِنِينَ
١٧٥
صحة هذا القول أن (( نعم)) سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقاً للذي قبلها ، تقول : رازقنا
الله ونعم الرازق ، وخالقنا الله ونعم الخالق ، وهذا أحسن من قول من يقول : خالقنا الله
ونعم الرازق ، فكذا ههنا تقدير الآية : يكفينا الله ونعم الكافي . الثالث : الوكيل ، فعيل
بمعنى مفعول ، وهو الموكول اليه ، والكافي والكفيل يجوز أن يسمى وكيلاً ،لأن الكافي يكون
الأمر موكولاً إليه ، وكذا الكفيل يكون الأمر موكولاً إليه .
ثم قال تعالى ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾ وذلك أن النبي وتقليل خرج والمعنى:
وخرجوا فانقلبوا ، فحذف الخروج لأن الانقلاب يدل عليه ، كقوله ( أن أضرب بعصاك البحر
فانفلق ) أي فضرب فانفلق ، وقوله ( بنعمة من الله وفضل ) قال مجاهد والسدى : النعمة ههنا
العافية ، والفضل التجارة ، وقيل : النعمة منافع الدنيا ، والفضل ثواب الآخرة ، وقوله ( لم
يمسسهم سوء ) لم يصبهم قتل ولا جراح في قول الجميع ( واتبعوا رضوان الله ) في طاعة رسوله
( والله ذو فضل عظيم ) قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا ، وفي ذلك إلقاء الحسرة في قلوب
المتخلفين عنهم وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم مما فاز به هؤلاء ، وروى أنهم
قالوا ؛ هل يكون هذا غزواً ، فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضى عنهم .
واعلم أن أهل المغازي اختلفوا ، فذهب الواقدي إلى تخصيص الآية الأولى بواقعة
حمراء الأسد ، والآية الثانية ببدر الصغرى ، ومنهم من يجعل الآيتين في وقعة بدر الصغرى ،
والأول أولى لأن قوله تعالى ( من بعد ما أصابهم القرح ) كأنه يدل على قرب عهد بالقرح ،
فالمدح فيه أكثر من المدح على الخروج على العدو من وقت إصابة القرح لمسه ، والقول الآخر
أيضاً محتمل . والقرح على هذا القول يجب أن يفسر بالهزيمة ، فكأنه قيل : إن الذين أنهزموا
ثم أحسنوا الأعمال بالتوبة واتقوا الله في سائر أمورهم ثم استجابوا لله وللرسول عازمين على
الثواب موطنين أنفسهم على لقاء العدو ، بحيث لما بلغهم كثرة جموعهم لم يفتروا ولم
يفشلوا ، وتوكلوا على الله ورضوا به كافياً ومعيناً فلهم أجر عظيم لا يحجبهم عنه ما كان منهم
من الهزيمة إذ كانوا قد تابوا عنها والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين ﴾ .
اعلم أن قوله ( الشيطان ) خبر ( ذلكم ) بمعنى : إنما ذلكم المثبط هو الشيطان و( يخوف

١٠٥
قوله تعالى ((ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر)) الآية سورة آل عِمْران
وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسْرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ يَجْعَلَ
ـ
أولياءه ) جملة مستأنفة بيان لتثبيطه، أو ( الشيطان) صفة لإسم الإِشارة و( يخوف)
الخبر ، والمراد بالشيطان الركب ، وقيل : نعيم بن مسعود ، وسمي شيطاناً لعتوه وتمرده في
الكفر ، كقوله ( شياطين الأنس والجن ) وقيل هو الشيطان يخوف بالوسوسة .
أما قوله تعالى ﴿ يخوف اولياءه﴾ ففيه سؤال: وهو أن الذين سماهم اللّه بالشيطان إنما
خوفوا المؤمنين ، فما معنى قوله ( الشيطان يخوف أولياءه ) والمفسرون ذكروا فيه ثلاثة أوجه :
الأول تقدير الكلام : ذلكم الشيطان يخوفكم بأوليائه فحذف المفعول الثاني وحذف الجار ،
ومثال حذف المفعول الثاني قوله تعالى ( فاذا خفت عليه فألقيه في اليم ) أي فاذا خفت عليه
فرعون ، ومثال حذف الجار قوله تعالى ( لينذر بأساً شديداً) معناه : لينذركم ببأس وقوله
( لينذر يوم التلاق) اي لينذركم بيوم التلاق وهذا قول الفراء، والزجاج ، وأبي على . قالوا:
ويدل عليه قراءة أبي بن كعب ( يخوفكم بأوليائه ) .
القول الثاني ﴾ أن هذا على قول القائل : خوفت زيدا عمرا، وتقدير الآية :
يخوفكم أولياءه ، فحذف المفعول الأول ، كما تقول : أعطيت الأموال ، أي أعطيتِ القوم
الأموال ، قال إبن الأنباري وهذا أولى من ادعاء جار لا دليل عليه وقوله ( لينذر بأساً) أي
لينذركم بأساً وقوله ( لينذر يوم التلاق ) أي لينذركم يوم التلاق والتخويف يتعدى إلى مفعولين
من غير حرف جر تقول : خاف زيد القتال ، وخوفته القتال وهذا الوجه يدل عليه قراءة أبن
مسعود ( يخوفكم أولياءه) .
القول الثالث ﴾ أن معنى الآية: يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين،
والمعنى الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره ، فأما أولياء الله ، فإنهم لا يخافونه
إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره ومراده منهم ، وهذا قول الحسن والسدى ، فالقول الأول فيه
محذوفان ، والثاني فيه محذوف واحد ، والثالث لا حذف فيه . وأما الأولياء فهم المشركون
والكفار ، وقوله ( فلا تخافوهم ) الكناية في القولين الأولين عائدة إلى الأولياء ، وفي القول
الثالث عائدة إلى ( الناس ) في قوله ( ان الناس قد جمعوا لكم) ( فلا تخافوهم ) فتقعدوا عن
القتال وتجنبوا ( وخافون ) فجاهدوا مع رسولٍ وسارعوا إلى ما يأمركم به (إن كنتم مؤمنين )
يعني أن الإيمان يقتضى أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس .
قوله تعالى ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً يريد الله ألا يجعل لهم

١٠٦
قوله تعالى (( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر)) الآية
سورة آل عمران
١٧٦
لَهُمْ حَظًّا فِ الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم ﴾ فيه مسائل .
المسألة الأولى) قرأ نافع ( يُحُزَنك ) بضم الياء وكسر الزاي ، وكذلك في جميع ما في
القرآن إلا قوله ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) في سورة الأنبياء ، فإنه فتح الياء وضم الزاي ،
والباقون كلهم بفتح الياء وضم الزاي ، قال الأزهري : اللغة الجيدة : حزنه يحزنه على ما قرأ
به أكثر القراء ، وحجة نافع أنهما لغتان يقال : حزن يحزن كنصر ينصر، وأحزن يحزن كأكرم
يكرم لغتان .
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في سبب نزول الآية على وجوه : الأول: أنها نزلت في كفار
قريش ، والله تعالى جعل رسوله آمناً من شرهم ، والمعنى : لا يحزنك من يسارع في الكفر بأن
يقصد جمع العساكر لمحاربتك ، فإنهم بهذا الصنيع إنما يضرون أنفسهم ولا يضرون ، الله ،
ولا بد من حمل ذلك على أنهم لن يضروا النبي وأصحابه من المؤمنين شيئاً ، واذا حمل على ذلك
فلا بد من حمله على ضرر مخصوص ، لأن من المشهور أنهم بعد ذلك ألحقوا أنواعاً من الضرر
بالنبي عليه الصلاة والسلام ، والأولى أن يكون ذلك محمولاً على أن مقصودهم من جمع
العساكر إيطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة ، وهذا المقصود لا يحصل لهم ، بل يضمحل
أمرهم وتزول شوكتهم ، ويعظم أمرك ويعلو شأنك . الثاني : أنها نزلت في المنافقين ،
ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوفون المؤمنين بسبب وقعة أحد ويؤيسونهم من النصرة والظفر ،
أو بسبب أنهم كانوا يقولون أن محمداً طالب ملك ، فتارة يكون الأمر له ، وتارة عليه ، ولو
كان رسولا من عند الله ما غلب ، وهذا كان ينفر المسلمين عن الإِسلام ، فكان الرسول يحزن
بسببه . قال بعضهم : أن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش فوقع الغم في قلب
الرسول ◌َلة ، بذلك السبب، فإنه عليه السلام ظن أنهم بسبب تلك الردة يلحقون به مضرة .
فبين الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك قال القاضي : ويمكن أن يقوى هذا الوجه
بأمور : الأول : أن المستمر على الكفر لا يوصف بأنه يسارع في الكفر ، وإنما يوصف بذلك ،
من يكفر بعد الإيمان . الثاني : أن ارادته تعالى أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة لا يليق إلا بمن
قد آمن ، فاستوجب ذلك ، ثم أحبط. الثالث : أن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود
فلما قدر النبي ◌َّر الأنتفاع بإيمانهم، ثم كفروا حزن ◌َّله ، عند ذلك لفوات التكثير بهم، فأمنه
الله من ذلك وعرفه أن وجود إيمانهم كعدمه في أن أحواله لا تتغير .

١٠٧
سورة آل عِمْران
قوله تعالى (( انهم لن يضروا الله شيئا )) الآية
القول الرابع ﴾ أن المراد رؤساء اليهود : كعب بن الأشرف وأصحابه الذين كتموا
صفة محمد ◌َّة، لمتاع الدنيا. قال القفال رحمة الله: ولا يبعد حمل الآية على جميع
أصناف الكفار بدليل قوله تعالى ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) إلى قوله
( ومن الذين هادوا) فدلت هذه الآية على أن حزنه كان حاصلاً من كل هؤلاء الكفار .
المسألة الثالثة ﴾ في الآية سؤال: وهو أن الحزن على كفر الكافر ومعصية العاصي
طاعة ، فكيف نهى الله عن الطاعة ؟
والجواب من وجهين : الأول : أنه کان یفرط ویسرف في الحزن علی کفر قومه حتى كاد
يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به ، فنهاه الله تعالى عن الاسراف فيه . ألا ترى إلى قوله تعالى ( فلا
تذهب نفسك عليهم حسرات) الثاني : أن المعنى لا يحزنوك بنخوف أن يضروك ويعينوا
عليك ، ألاترى إلى قوله ( إنهم لن يضروا الله شيئاً) يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر
غير أنفسهم ، ولا يعودو بال ذلك على غيرهم البتة .
ثم قال ﴿ إنهم لن يضروا الله شيئاً﴾ والمعنى أنهم لن يضروا النبي وأصحابه شيئاً، وقال
عطاء : يريد : لن يضروا أولياء الله شيئاً .
ثم قال تعالى ﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أنه رد على المعتزلة، وتنصيص على أن الخير والشر بارادة الله
تعالى ، قال القاضي : المراد أنه يريد الأخبار بذلك والحكم به .
واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين : الأول : أنه عدول عن الظاهر ، والثاني :
بتقدير أن يكون الأمر كما قال ، لكن الأتيان بضدما أخبر الله عنه وحكم به محال ، فيعود
الأشكال .
المسألة الثانية ) قالت المعتزلة : الإرادة لا تتعلق بالعدم ، وقال أصحابنا ذلك جائز ،
والآية دالة على قول أصحابنا لأنه قال ( يريد الله أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة ) فبين أن

١٠٨
قوله تعالى ((ان الذين اشتروا الكفر بالايمان)) الآية
سورة آل عمران
١٤٩٠٠٠٠
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَواْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ لَنْ يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
IWY
ج
إرادته متعلقة بهذا العدم . قالت المعتزلة : المعنی أنه تعالى ما أراد ذلك كما قال ( ولا يريد بكم
العسر) قلنا : هذا عدول عن الظاهر .
﴿المسألة الثالثة﴾ الآية تدل على أن النكرة في موضع النفي نعم إذ لولم يحصل العموم لم
يحصل تهديد الكفار بهذه الآية ثم قال ( ولهم عذاب عظيم ) وهذا كلام مبتدأ والمعنى أنه كما
لاحظ لهم البتة من منافع الآخرة فلهم الحظ العظيم من مضار الآخرة .
قوله تعالى ﴿ان الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم﴾.
اعلم أنه لو حملنا الآية الأولى على المنافقين واليهود ، وحملنا هذه الآية على المرتدين لا يبعد
أيضا حمل الآية الأولى على المرتدين ، وحمل هذه الآية على اليهود ، ومعنى اشتراء الكفر
بالإِيمان منھم ، أنهم كانوا يعرفون النبي گۆ ، ويؤمنون به قبل مبعثه ويستنصرون به على
أعدائهم ، فلما بعث كفروا به وتركوا ما كانوا عليه ، فكأنهم أعطوا الإِيمان وأخذوا الكفر بدلا
عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه ، ولا يبعد أيضاً حمل هذه الآية على
المنافقين ، وذلك لأنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الإيمان ، فاذا خلوا إلى شياطينهم كفروا
وتركوا الإيمان ، فكان ذلك كأنهم أشتروا الكفر بالإيمان .
واعلم أنه تعالى . قال في الآية الأولى ( إن الذين يسارعون في الكفر لن يضروا الله شيئاً )
وقال في هذه الآية ( أن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً) والفائدة في هذا
التكرار أمور : أحدها : أن الذين اشتروا الكفر بالايمان لا شك أنهم كانوا كافرين أولا ، ثم
آمنوا ثم كفروا بعد ذلك ، وهذا يدل على شدة الأضطراب وضعف الرأي وقلة الثبات ، ومثل
هذا الإِنسان لا خوف منه ولا هيبة له ولا قدرة له البتة على الحاق الضرر بالغير . وثانيها : أن أمر
الدين أهم الأمور وأعظمها ، ومثل هذا ممالا يقدم الإنسان فيه على الفعل أو على الترك إلا
بعد إمعان النظر وكثرة الفكر ، وهؤلاء يقدمون على الفعل أو على الترك في مثل هذا المهم

١٠٩
سورة آل عمران
قوله تعالى ((ولا يحسبن الذين كفروا)) الآية
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِ لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمَلِيِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِلَهًا
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ هـ
العظيم بأهون الأسباب وأضعف الموجبات، وذلك يدل على قلة عقلهم وشدة حماقتهم ، فأمثال
هؤلاء لا يلتفت العاقل اليهم . وثالثها: ان اكثرهم انما ينازعونك في الدين، لابناء على
الشبهات ، بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا ، ومن كان عقله هذا القد ، وهو أنه
يبيع بالقليل من الدنيا السعادة العظيمة في الآخرة ، كان في غاية الحماقة ، ومثله لا يقدر في
إلحاق الضرر بالغير ، فهذا هو الفائدة في إعادة هذه الآية والله أعلم بمراده .
قوله تعالى ﴿ ولا يحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً
ولهم عذاب مهين ﴾ .
اعلم أنه تعالى حكى عن الذين ذهبوا إلى المدينة لتثبيط أصحاب النبي وَلتر أنهّم ، إنما
ثبطوهم لأنهم خوفوهم بأن يقتلوا كما قتل المسلمون يوم أحد ، والله تعالى بين أن أقوال هؤلاء
الشياطين لا يقبلها المؤمن ولا يلتفت إليها ، وإنما الواجب على المؤمن أن يعتمد على فضل الله ،
ثم بين في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين ليس خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا بأحد ، لأن
هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم في القيامة ، وقتل أولئك الذين قتلوا
يوم أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، فترغيب أولئك
المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل . فهذا بيان وجه
النظم ، وفي الآية مسائل .
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو (ولا تحسبن الذين كفروا . ولا تحسبن
الذين يبخلون . لا تحسبن الذين يفرحون . فلا تحسبنهم ) في الأربعة بالتاء وضم الباء في قوله
( تحسبنهم ) وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله ( فلا تحسبنهم ) فأنه بالتاء ، وقرأ حمزة كلها
بالتاء ، واختلاف القراء في فتح السين وكسرها قدمناه في سورة البقرة ، أما الذين قرأوا بالياء
المنقطة من تحت : فقوله ( يحسبن ) فعل، وقوله ( الذين كفروا) فاعل يقتضي معولين أو
مفعولا يسد مسد مفعولين نحو حسبت ، وقوله : حسبت أن زيدا منطلق ، وحسبت أن يقوم

١١٠
قوله تعالى (( ولا يحسبن الذين كفروا » الآية
سورة آل عِمْران
عمرو، فقوله في الآية (انما نملى لهم خير لأنفسهم) يسد مسد المفعولين ، ونظيره قوله تعالى ( أم
تحسب أن أكثرهم يسمعون ) وأما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فأحسن ما قيل فيه ما ذكره
الزجاج ، وهو أن ( الذين كفروا ) نصب بأنه المفعول الأول ، و(أنما نملي لهم ) بدل عنه، و
(خير لأنفسهم ) هو المفعول الثاني والتقدير : ولا تحسبن يا محمد إملاء الذين كفروا خيرا لهم .
ومثله مما جعل ( أن ) مع الفعل بدلا من المفعول قوله تعالى ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين
أنها لكم ) فقوله أنها لكم بدل من احدى الطائفتين .
﴿ المسألة الثانية﴾ ((ما)) في قوله (أنما) يحتمل وجهين: أحدهما : أن يكون بمعنى
الذي فيكون التقدير : لا تحسبن الذين كفروا أن الذي نمليه خير لأنفسهم وحذف الهاء من
((نملي)) لأنه يجوز حذف الهاء من صلة الذي كقولك : الذي رأيت زيد، والآخر : أن يقال:
((ما )) مع ما بعدها في تقدير المصدر ، والتقدير : لا تحسبن الذين كفروا أن إملائي لهم خير.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الكشاف (( ما)) مصدرية وإذا كان كذلك فكان حقها في
قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في مصحف عثمان متصلة، واتباع خط
المصاحف لذلك المصحف واجب، وأما في قوله (إنما نملي لهم) فههنا يجب أن تكون متصلة لأنها
كافة بخلاف الأولى .
المسألة الرابعة﴾ معنى ((نغلي)) نطيل ونؤخر، والاملاء الأمهال والتأخير، قال
الواحدي رحمه الله : واشتقاقه من الملوة وهي المدة من الزمان ، يقال ملوت من الدهر ملوة
وملوة وملاوة وملاوة بمعنى واحد ، قال الأصمعي : يقال أملي عليه الزمان أي طال ، وأملي له
أي طول له وأمهله ، قال أبو عبيدة : ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة والملوان الليل
والنهار .
﴿ المسألة الخامسة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر من وجوه:
الأول : أن هذا الأملاء عبارة عن اطالة المدة ، وهي لا شك أنها من فعل الله تعالى ، والآية
نص في بيان أن هذا الإملاء ليس بخير، وهذا يدل على أنه سبحانه فاعل الخير والشر.
الثاني : أنه تعالى نص على أن المقصود من هذا الأملاء هو أن يزدادوا الأثم والبغي والعدوان ،

١١١
سورة آل عِمْران
قوله تعالى (( ولا يحسبن الذين كفروا)) الآية
وذلك يدل على أن الكفر والمعاصي بإرادة الله ، ثم أنه تعالى أكد ذلك بقوله ( ولهم عذاب
مهين ) أي إنما نملي لهم ليزداد وا إثما وليكون لهم عذاب مهين ، الثالث : أنه تعالى أخبر عنهم
أنهم لا خير لهم في هذا الإملاء ، أنهم لا يحصلون إلا على ازدياد البغي والطغيان ، والاتيان
بخلاف مخبر الله تعالى ، مع بقاء ذلك الخير جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا لم يكونوا
قادرين مع ذلك الإملاء على اي الخير والطاعة مع أنهم مكلفون بذلك لزم في نفسه بطلان
مذهب القوم . قالت المعتزلة :
﴿ أما الوجه الأول ﴾ فليس المراد من هذه الآية أن هذا الإملاء ليس بخير، إنما المراد
أن هذا الإملاء ليس خيرا لهم من أن يموتوا كما مات الشهداء يوم أحد ، لأن كل هذه الآيات في
شأن أحد وفي تثبيط المنافقين المؤمنين عن الجهاد على ما تقدم شرحه في الآيات المتقدمة ، فبين
تعالى أن إبقاء الكافرين في الدنيا وإملاءه لهم ليس بخير لهم من أن يموتوا كموت الشهداء، ولا
يلزم من نفي كون هذا الإملاء أكثر خيرية من ذلك القتل ، أن لا يكون هذا الإملاء فينفسه
خيرا .
﴿ وأما الوجه الثاني ﴾ فقد قالوا: ليس المراد من الآية أن الغرض من الإملاء إقدامهم
على الكفر والفسق بدليل كقوله تعالى ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) وقوله ( وما
أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله) بل الآية تحتمل وجوها من التأويل ؛ أحدها : أن تحمل
هذه اللام على لام العاقبة كقوله تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً) وقوله (ولقد
ذر أنا لجهنم ) وقوله (وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله) وهم ما فعلوا ذلك لطلب
الإضلال ، بل لطلب الإهتداء، ويقال : ما كانت موعظتي لك إلا لزيادة في تماديك في الفسق
اذا كانت عاقبة الموعظة ذلك ، وثانيها : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير ، والتقدير :
ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملى لهم خير لأنفسهم وثالثها : أنه تعالى لما
أمهلهم مع علمه بأنهم لا يزدادون عند هذا الامهال إلا تمادياً في الغي والطغيان أشبه هذا حال
من فعل الإملاء لهذا الغرض والمشابهة أحد أسباب حسن المجاز . ورابعها : وهو السؤال
الذي ذكرته للقوم وهو أن اللام في قوله ( ليزدادوا إثما ) غير محمول على الغرض بإجماع الأمة ،
أما على قول أهل السنة فلأنهم يحيلون تعليل أفعال الله بالأغراض ، وأما على قولنا فلأنا لا
نقول بأن فعل الله معلل بغرض التعب والايلام ، بل عندنا أنه تعالى لم يفعل فعلا إلا لغرض
الإحسان ، وإذا كان كذلك فقد حصل الإجماع على أن هذه اللام غير محمولة على التعليل
والغرض ، وعند هذا يسقط ما ذكرتم من الاستدلال، ثم بعد هذا : قول القائل : ما المراد من

١١٢
قوله تعالى (( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله )) الآية
سورة آل عمران
هذه اللام غير ملتفت إليه ، لأن المستقل إنما بنى استدلاله على أن هذه اللام للتعليل ، فاذا
بطل ذلك سقط استدلاله .
وأما الوجه الثالث﴾ وهو الاخبار والعلم فهو معارض بأن هذا لو منع العبد من
الفعل لمنع الله منه ، ويلزم أن يكون الله موجباً لا مختارا ، وهو بالإجماع باطل .
والجواب عن الأول : أن قوله ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ) معناه نفي
الخيرية في نفس الأمر ، وليس معناه أنه ليس خيراً من شيء آخر ، لأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره
إلا عند ذكر الراجح والمرجوح ، فلما لم يذكر الله ههنا إلا أحد الأمرين ، عرفنا أنه لنفي
الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر .
وأما السؤال الثاني﴾ وهو تمسكهم بقوله ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون )
وبقوله تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ).
فجوابه : أن الآية التي تمسكنا بها خاص ، والآية التي ذكرتموها عام ، والخاص مقدم
على العام .
﴿ وأما السؤال الثالث ) وهو حمل اللام على الام العاقبة فهو عدول عن الظاهر ، وأيضا
إن البرهان العقلي يبطله ، لأنه تعالى لما علم أنهم لا بد وأن يصيروا موصوفين ، بازدياد الغي
والطغيان ، كان ذلك واجب الحصول لأن حصول معلوم الله واجب ، وعدم حصوله محال،
وإرادة المحال محال ، فيمتنع أن يريد منهم الإيمان ، ويجب أن يريد منهم أزدياد الغي
والطغيان ، وحينئذ ثبت أن المقصود هو التعليل وأنه لا يجوز المير إلى لام العاقبة .
وأما السؤال الرابع ﴾ وهو التقديم والتأخير.
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها : أن التقديم والتأخير ترك للظاهر . وثانيها :
قال الواحدي رحمه الله : هذا إنما يحسن لو جازت قراءة ( أنما نملى لهم خير لأنفسهم ) بكسر
((إنما)) وقراءة (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) بالفتح ، ولم توجد هذه القراءة البتة . وثالثها : أنا
بينا بالبرهان القاطع العقلي أنه يجب أن يكون مراد الله من هذا الإملاء حصول الطغيان لا
حصول الإيمان ، فالقول بالتقديم والتأخير ترك للظاهر والتزام لما هو على خلاف البرهان
القاطع .

١١٣
سورة آل عمران
قوله تعالى (( ما كان الله ليذر المؤمنين )) الآية
مَّا كَانَ اللّهُلِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ خَتَّى يِيزَ اْحَبِثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ
وأما السؤال الخامس ﴾ وهو قوله: هذه اللام لا يمكن حملها على التعليل .
فجوابه أن عندنا يمتنع تعليل أفعال الله لغرض يصدر من العباد، فأما أن يفعل تعالى
فعلا ليحصل منه شيء آخر فهذا غير ممتنع ، وأيضاً قوله (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) تنصيص
على أنه ليس المقصود من هذا الأملاء إيصال الخير لهم والإِحسان اليهم ، والقوم لا يقولون
بذلك ، فتصير الآية حجة عليهم من هذا الوجه .
وأما الوجه السادس ﴾ وهو المعارضة بفعل الله تعالى .
فالجواب : أن تأثير قدرة الله في إيجاد المحدثات متقدم على تعلق علمه بعدمه ، فلم
يمكن أن يكون العلم مانعاً عن القدرة . أما في حق العبد فتأثير قدرته في إيجاد الفعل متأخر عن
تعلق علم الله بعدمه ، فصلح أن يكون هذا العلم مانعاً للعبد عن الفعل ، فهذا تمام المناظرة
في هذه الآية .
المسألة السادسة ﴾ اتفق أصحابنا أنه ليس لله تعالى في حق الكافر شيء من النعم
الدينية ، وهل له في حقه شيء من النعم الدنيوية ، اختلف فيه قول أصحابنا ، فالذين قالوا
ليس له في حقه شيء من النعم الدنيوية تمسكوا بهذه الآية ، وقالوا هذه الآية دالة على أن اطالة
العمر وإيصاله إلى مراداته في الدنيا ليس شيء منها نعمة ، لأنه تعالى نص على أن شيئاً من ذلك
ليس بخير ، والعقل أيضاً يقرره وذلك لأن من أطعم إنساناً خبيصا مسموما فإنه لا يعد ذلك
الاطعام إنعاماً فاذا كان المقصود من اعطاء نعم الدنيا عقاب الآخرة لم يكن شيء منها نعمة
حقيقة ، وأما الآيات الواردة في تكثير النعم في حق الكفار فهي محمولة على ما يكون نعما في
الظاهر ، وأنه لا طريق الى التوفيق بين هذه الآية وبين تلك الآيات الأ أن نقول : تلك النعم
نعم في الظاهر ولكنها نقم وآفات في الحقيقة الحقيقة والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ما كان الله لیذر المؤمنین علی ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما
کان الله ليطلعکم على الغيب ولكن الله یحتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا
وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴾ .
الفخر الرازي ج٩ م٨

١١٤
قوله تعالى (( ما كان الله ليذر المؤمنين )) الآية
سورة آل عمران
اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ الََّ يَجْتَبِ مِن رُّسُلِهِ، مَن يَشَآءُ فَعَامِنُواْبِاله
وَرُسُلِهِ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَنَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَبْ عَظِيمٌ ﴿١)
اعلم أن هذه الآية من بقية الكلام في قصة أحد ، فأخبر تعالى أن الأحوال التي وقعت
في تلك الحادثة من القتل والهزيمة، ثم دعاء النبي ◌َّر، إياهم مع ما كان بهم من الجراحات الى
الخروج لطلب العدو، ثم دعائه اياهم مرة أخرى ، إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان ،
فأخبر تعالى أن كل هذه الأحوال صار دليلاً على امتياز المؤمن من المنافق ، لأن المنافقين خافوا أو
رجعوا وشمتوا بكثرة القتلى منكم ، ثم ثبطوا وزهدوا المؤمنين عن العهود الى الجهاد ، فأخبر
سبحانه وتعالى أنه لا يجوز في حكمته أن يذركم على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم
وإظهارهم أنهم منكم ومن أهل الإيمان بل كان يجب في حكمته إلقاء هذه الحوادث والوقائع
حتى يحصل هذا الأمتياز ، فهذا وجه النظم ، وفي الآية مسائل .
المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة والكسائي ( حتى يميز الخبيث ) بالتشديد ، وكذلك في
الأفعال والباقون (يميز ) بالتخفيفي وفتح الياء الأولى وكسر الميم وسكون الياء الأخيرة ، قال
الواحدي رحمه الله : وهما لغتان يقال مزت الشيء بعضه من بعض فأنا أميزة ميزا أو اميزه
تمييزاً، ومنه الحديث (( من ماز أذى عن طريق فهو له صدقة)) وحجة من قرأ بالتخفيف وفتح
الياء أن الميز يفيد فائدة التمييز وهو أخف في اللفظ فكان أولى ، وحكى أبو زيد عن أبي
عمرو أنه كان يقول : التشديد للكثرة ، فاما واحد من واحد فيميز بالتخفيف ، والله تعالى قال
( حتى يميز الخبيث من الطيب ) فذكر شيئين ، وهذا كما قال بعضهم في الفرق والتفريق ،
وأيضا قال تعالى (وماتازوا اليوم) وهو مطاوع الميز، وحجة من قرأ بالتشديد : أن التشديد
للتكثير والمبالغة ، وفي المؤمنين والمنافقين كثرة ، فلفظ التمييز ههنا أولى ، ولفظ الطيب
والخبيث وان كان مفرداً إلا أنه للجنس، فالمراد بهما جميع المؤمنين والمنافقين لا اثنان منهما .
المسألة الثانية ﴾ قد ذكرنا أن معنى الآية : ما كان ليذكركم يا معشر المؤمنين على ما
أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق وأشباهه حتى يميز الخبيث من الطيب ، أي المنافق من
المؤمن . واختلفوا بأى شىء ميز بينهم وذكروا وجوها: أحدها : بالقاء المحن والمصائب والقتل

١١٥
سورة آل عِمْران
قوله تعالى ((فآمنوا بالله ورسله )) الآية
والهزيمة ، فمن كان مؤمنا ثبت على إيمانه وعلى تصديق الرسول وَلّة، ومن كان منافقا ظهر نفاقه
وكفره . وثانيها : أن الله وعد بنصرة المؤمنين وإذلال الكافرين ، فلما قوى الإِسلام عظمت
دولته وذل الكفر وأهله ، وعند ذلك حصل هذا الأمتياز ، وثالثها : القرائن الدالة على ذلك ،
مثل أن المسلمين كانوا يفرحون بنصرة الإسلام وقوته ، والمنافقين كانوا يغتمون بسبب ذلك .
المسألة الثالثة ﴾ ههنا سؤال ، وهو أن هذا التمييز إن ظهر وانكشف فقد ظهر كفر
المنافقين ، وظهور الكفر منهم ينفي كونهم منافقين ، وأن لم يظهر لم يحصل موعود الله .
وجوابه : أنه ظهر بحيث يفيد الأمتياز الظني ، لا الأمتياز القطعي .
ثم قال تعالى ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ﴾ معناه أنه سبحانه حكم بأن يظهر هذا
التمييز، ثم بين بهذه الآية أنه لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بأن يطلعكم الله على غيب فيقول
ان فلانا منافق وفلانا مؤمن ، وفلانا من أهل الجنة وفلانا من أهل النار، فأن سنة الله جارية بأنه لا
يطلع عوام الناس على غيبه ، بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الإمتياز إلا بالامتحانات مثل ما
ذكرنا من وقوع المحن والآفات ، حتى يتميز عندها الموافق من المنافق، فأما معرفة ذلك على سبيل
الأطلاع من الغيب فهو من خواص الأنبياء، فلهذا قال ( ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء )
أي ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان
بالأمتحان ، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى : وما كان الله ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث
يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول ، بل الله يخص من يشاء من عباده بالرسالة ؛ ثم
يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل .
ثم قال ( فآمنوا بالله ورسله) والمقصود أن المنافقين طعنوا في نبوة محمد هلال، بوقوع الحوادث
المكروهة في قصة أحد، فبين الله تعالى أنه كان فيها مصالح . منها تمييز الخبيث من الطيب ، فلما
اجاب عن هذه الشبهة التي ذكرتموها قال ( فآمنوا بالله ورسله) يعني لما دلت الدلائل على نبوته
وهذه الشبهة التي ذكرتموها فى الطعن في نبوته فقد أجبنا عنها ، فلم يبق إلا أن تؤمنوا بالله ورسله ،
وإنما قال ( ورسله ) ولم يقل: ورسوله لدقيقة، وهي أن الطريق الذي به يتوصل الى الإقرار
بنبوة أحد من الأنبياء عليهم السلام ليس إلا المعجز وهو حاصل في حق محمد بدير، فوجب الإقرار
بنبوة كل واحد من الأنبياء، فلهذه الدقيقة قال ( ورسله ) والمقصود التنبيه على أن طريق إثبات
نبوة جميع الانبياء واحد ، فمن أقر بنبوة واحد منهم لزمه الاثبات بنبوة الكل ، ولما أمرهم بذلك قرن
به الوعد بالثواب فقال (وأن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) وهو ظاهر .

١١٦
قوله تعالى ((ولا يحسبن الذين يبخلون)) الآية
سورة آل عِمْران
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآءَ اتَّئُهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُم بَلْ هُوَ شَرُّلَهُمْ
سَيُطَوّقُونَ مَا يَخْلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَدَمَةِ وَلِلِّ مِيرَتُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
١٨٠
قوله تعالى ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون
ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات المتقدمة شرع ههنا
في التحريض على بذل المال في الجهاد ، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل ببذل المال في سبيل الله
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾قرأ حمزة (ولا تحسبن) بالتاء والباقون بالياء، أما قراءة حمزة بالتاء
المنقطة من فوق فقال الزجاج : معناه ولا تحسبن بخل الذين يبخلون خيراً لهم ، فحذف
المضاف لدلالة يبخلون عليه ، وأما من قرأ بالياء المنقطة من تحت ففيه وجهان : الأول : أن
يكون فاعل ( يحسبن) ضمير رسول الله ومحمدثر، أو ضمير أحد ، والتقدير ولا يحسبن رسول
الله أو لا يحسبن أحد بخل الذين يبخلون خيراً لهم . الثاني : أن يكون فاعل ( يحسبن ) هم
الذين يبخلون ، وعلى هذا التقدير يكون المفعول محذوفا ، وتقديره : ولا يحسبن الذين
يبخلون بخلهم هو خيراً لهم، وانما جاز حذفه لدلالة يبخلون عليه ، كقوله : من كذب كان شراً
له ، أي الكذب ، ومثله :
إذا نهي السفيه جرى إليه
أي السفه وأنشد الفراء :
هم الملوك وأبناء الملوك هم
والآخذون به والسادة الأول
فقوله به يريد بالملك ولكنه اكتفى عنه بذكر الملوك .
﴿ المسألة الثانية﴾ هو في قوله (هو خيراً لهم) تسميه البصريون فصلاً، والكوفيون
عماداً، وذلك لأنه لما ذكر ((يبخلون)) فهو بمنزلة ما اذا ذكر البخل ، فكأنه قيل : ولا يحسبن

١١٧
سورة آل عِمْران
قوله تعالى (( ولا يحسبن الذين يبخلون )) الآية
الذين يبخلون البخل خيراً لهم ، وتحقيق القول فيه أن للمبتدأ حقيقة ، وللخبر حقيقة ،
وكون حقيقة المبتدا موصوفاً بحقيقة الخبر أمر زائد على حقيقة المبتدا وحقيقة الخبر ، فإذا
كانت هذه الموصوفية أمراً زائداً على الذاتين فلا بد من صيغة ثالثة دالة على هذه الموصوفية وهي
كلمة ((هو)).
المسألة الثالثة ﴾ اعلم أن الآية دالة على ذم البخل بشيء من الخيرات والمنافع ، وذلك
الخير يحتمل أن يكون مالا ، وأن يكون علماً .
فالقول الأول ﴾ أن هذا الوعيد ورد على البخل بالمال ، والمعنى: لا يتوهمن هؤلاء
البخلاء أن بخلهم هو خير لهم ، بل هو شرلهم ، وذلك لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم ،
وهو المراد من قوله ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) مع أنه لا تبقى تلك الأموال عليهم
وهذا هو المراد بقوله ( ولله ميراث السموات والأرض ) .
والقول الثاني ﴾ أن المراد من هذا البخل: البخل بالعلم، وذلك لأن اليهود كانوا.
يكتمون نعت محمد ◌ّ وصفته، فكان ذلك الكتمان بخلاً، يقال فلان يبخل بعلمه ، ولا.
شك أن العلم فضل من الله تعالى قال الله تعالى (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك
عظيماً ) ثم إنه تعالى علم اليهود والنصارى ما في التوراة والإنجيل ، فاذا كتموا ما في هذين
الكتابين من البشارة بمبعث محمد # كان ذلك بخلاً .
واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه تعالى قال ( سيطوقون
ما بخلوا به ) ولو فسرنا الآية بالعلم احتجنا إلى تحمل المجاز في تفسير هذه الآية ، ولو فسرناها
بالمال لم نحتج إلى المجاز فكان هذا أولى . الثاني : أنا لو حملنا هذه الآية على المال كان ذلك
ترغيباً في بذل المال في الجهاد فحينئذ يحصل لهذه الآية مع ما قبلها نظم حسن ، ولو حملناها
على أن اليهود كتموا ما عرفوه من التوراة انقطع النظم . إلا على سبيل التكلف ، فكان الأول
أولى .
﴿ المسألة الرابعة﴾ أكثر العلماء على أن البخل عبارة عن منع الواجب، وأن منع
التطوع لا يكون بخلاً ، واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن الآية دالة على الوعيد الشديد في
البخل ، والوعيد لا يليق إلا الواجب . وثانيها : أنه تعالى ذم البخل وعابه ، ومنع التطوع لا
يجوز أن يذم فاعله وأن يعاب به . وثالثها : وهو أنه تعالى لا ينفك عن ترك التفضل لأنه لا
نهاية لمقدوراته في التفضل ، وكل ما يدخل في الوجود فهو متناه ، فيكون لا محالة تاركاً
التفضل ، فلو كان ترك التفضل بخلا لزم أن يكون الله تعالى موصوفاً بالبخل لا محالة ، تعالى

١١٨
قوله تعالى ((سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة)) الآية
سورة آل عمران
الله عز وجل عنه علواً كبيراً. ورابعها: قال عليه الصلاة والسلام ((وأي داء أدوأ من البخل))
ومعلوم أن تارك التطوع لا يليق به هذا الوصف. وخامسها : أنه كان لو تارك التفضل بخيلاً
لوجب فيمن يملك المال كله العظيم أن لا يتخلص من البخل إلا بإخراج الكل . وسادسها :
أنه تعالى قال ( ومما رزقناهم ينفقون) وكلمة ((من)) للتبعيض ، فكان المراد من هذه الآية :
الذين ينفقون بعض ما رزقهم الله ، ثم إنه تعالى قال في صفتهم ( أولئك على هدى من ربهم
وأولئك هم المفلحون ) فوصفهم بالهدى والفلاح ، ولو كان تارك التطوع بخيلاً مذموماً لما
صح ذلك . فثبت بهذه الآية أن البخل عبارة عن ترك الواجب ، إلا أن الانفاق الواجب
أقسام كثيرة ، منها انفاقه على نفسه وعلى أقاربه الذين يلزمه مؤنتهم ، ومنها ما يتصل بأبواب
الزكاة ، ومنها ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع عدو يقصد قتلهم ومالهم ، فههنا يجب عليهم
انفاق الأموال على من يدفعه عنهم . لأن ذلك يجري مجرى دفع الضرر عن النفس ، ومنها إذا
صار أحد من المسلمين مضطراً فإنه يجب عليه أن يدفع إليه مقدار ما يستبقي به رمقه ، فكل
هذه الانفاقات من الواجبات وتركه من باب البخل والله أعلم .
ثم قال تعالى ﴿ سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ في تفسير هذا الوعيد وجوه : الأول : أن يحمل هذا على ظاهره وهو
أنه تعالى يطوقهم بطوق يكون سبباً لعذابهم . قيل إنه تعالى يصير تلك الأموال في أعناقهم
حيات تكون لهم كالأطواق تلتوي في أعناقهم ، ويجوز أيضاً أن تلتوي تلك الحيات في سائر
أبدانهم . فأما ما يصير من ذلك في أعناقهم فعلى جهة أنهم كانوا التزموا أداء الزكاة ثم امتنعوا
عنها . وأما ما يلتوي منها في سائر أبدانهم فعلى جهة أنهم كانوا يضمون تلك الأموال إلى
أنفسهم ، فعوضوا منها بأن جعلت حيات التوت عليهم كأنهم قد التزموها وضموها إلى
أنفسهم . ويمكن أن يكون الطوق طوقاً من نار يجعل في أعناقهم ، ونظيره قوله تعالى ( يوم
يحمى عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) وعن ابن عباس رضي الله
عنهما : تجعل تلك الزكاة الممنوعة في عنقهم كهيئة الطوق شجاعاً ذا زبيبتين يلدغ بهما خديه
ويقول : أنا الزكاة التي بخلت في الدنيا بي .
القول الثاني ﴾ في تفسير قوله ( سيطوقون) قال مجاهد : سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا
به يوم القيامة ونظيره ما روى عن ابن عباس أنه كان يقرأ ( وعلى الذين يطوقونه فدية ) قال
المفسرون : يكلفونه ولا يطيقونه ، فكذا قوله ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) أي يؤمرون
بأداء ما منعوا حين لا يمكنهم الاتيان به ، فيكون ذلك توبيخاً على معنى : هلا فعلتم ذلك حين
كان ممكناً .

١١٩
سورة آل عِمْران
قوله تعالى ((ولله ميراث السموات والأرض)) الآية
والقول الثالث ﴾ أن قوله ( سيطوقون ما بخلوا به) أي سيلزمون إثمه في الآخرة ،
وهذا على طريق التمثيل لا على أن ثم أطواقاً ، يقال منه : فلان كالطوق في رقبة فلان ،
والعرب يعبرون عن تأكيد الزام الشيء بتصييره في العنق ، ومنه يقال : قلدتك هذا الأمر ،
وجعلت هذا الأمر في عنقك قال تعالى ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) .
القول الرابع ﴾ إذا فسرنا هذا البخل بالبخل بالعلم كان معنى (سيطوقون ) أن الله
تعالى يجعل في رقابهم طوقاً من نار، قال عليه الصلاة والسلام ((من سئل عن علم يعلمه فكتمه
ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة )) والمعنى أنهم عوقبوا في أفواههم وألسنتهم بهذا اللجام
لأنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق .
واعلم أن تفسير هذا البخل بكتمان دلائل نبوة محمد ◌َّ غير بعيد ، وذلك لأن اليهود
والنصارى موصوفون بالبخل في القرآن مذمومون به . قال تعالى في صفتهم ( أم لهم نصيب من
الملك فاذا لا يؤتون الناس نقيراً) وقال أيضاً فيهم ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل )
وأيضاً ذكر عقيب هذه الآية قوله ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء )
وذلك من أقوال اليهود، ولا يبعد أيضاً أن تكون الآية عامة في البخل بالعلم، وفي البخل
بالمال، ويكون الوعيد حاصلاً عليهما معاً .
المسألة الثانية ) قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على القطع بوعيد الفساق ، وذلك
لأن من يلزمه هذه الحقوق ولا تسقط عنه هو المصدق بالرسول وبالشريعة . أما قوله ( بل هو
شرلهم ) فلأنه يؤدي إلى حرمان الثواب وحصول النار ، وأما قوله ( سيطوقون ما بخلوا به يوم
القيامة ) فهو صريح بالوعيد .
واعلم أن الكلام في هذه المسألة تقدم في سورة البقرة .
ثم قال تعالى ﴿ ولله ميراث السموات والأرض﴾ وفيه وجهان : الأول : وله ما فيها مما
يتوارثه أهلهما من مال وغيره . فما لهم يبخلون عليهم بملكه ولا ينفقونه في سبيله ، ونظيره قوله
تعالى (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) والثاني : وهو قول الأكثرين : المراد أنه يفني أهل
السموات والأرض وتبقى الأملاك ولا مالك لها إلا الله، فجرى هذا مجرى الوراثة إذ كان الخلق
يدعون الأملاك ، فلما ماتوا عنها ولم يخلفوا أحداً كان هو الوارث لها ، والمقصود من الآية أنه
يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله سبحانه وتعالى ، فيصير كالميراث . قال ابن الانباري :
يقال ورث فلان علم فلان إذا انفرد به بعد أن كان مشاركاً فيه. وقال تعالى ( وورث سليمان
داود ) وكان المعنى انفراده بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه وغالباً عليه .
ثم قال تعالى ﴿والله بما تعملون خبير﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمر ( بما يعملون ) بالياء على

١٢٠
قوله تعالى (( لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير)) الآية سورة آل عمران
لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيْرُ وَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَكُنُبُ مَا قَالُواْ وَقَتَهُمُ
الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حٍَّّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ٥
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ
١٨١
اللّهَلَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِدِ
المغايبة كناية عن الذين يبخلون ، والمعنى والله بما يعملون خبير من منعهم الحقوق فيجازيهم
عليه ، والباقون قرؤا بالتاء على الخطاب ، وذلك لأن ما قبل هذه الآية خطاب وهو قوله ( وان
تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) والله بما تعملون خبير فيجازيكم عليه . والغيبة أقرب إليه من
الخطاب قال صاحب الكشاف : الياء على طريقة الالتفات وهي أبلغ في الوعيد .
قوله تعالى ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا
وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن اللّه ليس بظلام
للعبيد﴾ .
اعلم أن في كيفية النظم وجهين : الأول : أنه تعالى لما أمر المكلفين في هذه الآيات ببذل
النفس وبذل المال في سبيل الله وبالغ في تقرير ذلك، شرع بعد ذلك في حكاية شبهات القوم في
الطعن في نبوته .
﴿فالشبهة الأولى﴾ أنه تعالى لما أمر بانفاق الأموال في سبيله قالت الكفار: أنه تعالى
لو طلب الانفاق في تحصيل مطلوبه لكان فقيراً عاجزاً ، لأن الذي يطلب المال من غيره يكون
فقيراً ، ولما كان الفقر على الله تعالى محالاً ، كان كونه طالباً للمال من عبيده محالاً ، وذلك يدل
على أن محمداً كاذب في إسناد هذا الطلب إلى الله تعالى .
﴿ الوجه الثاني ﴾ في طريق النظم أن أمة موسى عليه السلام كانوا إذا أرادوا التقرب
بأموالهم إلى الله تعالى، فكانت تجيء نار من السماء فتحرقها ، فالنبي ◌ِيّ لما طلب منهم بذل
الأموال في سبيل الله قالوا له لو كنت نبياً لما طلبت الأموال لهذا الغرض ، فإنه تعالى ليس بفقير
حتى يحتاج في إصلاح دينه إلى أموالنا ، بل لو كنت نبياً لكنت تطلب أموالنا لأجل أن تجيئها نار
من السماء فتحرقها ، فلما لم تفعل ذلك عرفنا أنك لست بنبي ، فهذا هو وجه النظم ، وفي
الآية مسائل .
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه يبعد من العاقل أن يقول إن الله فقير ونحن أغنياء ، بل