النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
قوله تعالى ((لقد من الله على المؤمنين)) الآية سورة آل عِمْران
خطر ببالهم شك أو شبهة أزالها وأجاب عنها . والثاني : أن الخلق وأن كانوا يعلمون أنه لا
بدلهم من خدمة مولاهم ، ولكنهم ما كانوا عارفين بكيفية تلك الخدمة ، فهو شرح تلك الكيفية
لهم حتى يقدموا على الخدمة آمنين من الغلط ومن الأقدام على ما لا ينبغي . والثالث : أن الخلق
جبلوا على الكسل والغفلة والتواني والملالة فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات حتى
أنه كلما عرض لهم كسل أو فتور نشطهم للطاعة ورغبهم فيها. الرابع: أن أنوار عقول الخلق
تجري مجرى أنوار البصر، ومعلوم أن الأنتفاع بنور البصر لا يكمل الا عند سطوع نور
الشمس ، ونوره عقلي إلهي يجري مجرى طلوع الشمس ، فيقوي العقول بنور عقله ، ويظهر
لهم من لوائح الغيب ما كان مستترا عنهم قبل ظهوره ، فهذا إشارة حقيقية إلى فوائد أصل
البعثة .
وأما المنافع الحاصلة بسبب ما كان في محمد # من الصفات ، فأمور ذكرها الله تعالى في
هذه الآية أو لها قوله ( من أنفسهم ) .
وأعلم أن وجه الأنتفاع بهذا من وجوه : الأول : أنه عليه السلام ولد في بلدهم ونشأ فيما
بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله مطلعين على جميع أفعاله وأقواله ، فما شاهدوا منه من أول
عمره إلى آخره إلا الصدق والعفاف، وعدم الالتفات إلى الدنيا والبعد عن الكذب ، والملازمة
على الصدق ، ومن عرف من أحواله من أول العمر إلى آخره ، ملازمته الصدق والأمانة ،
وبعده عن الخيانة والكذب ، ثم ادعى النبوة والرسالة التي يكون الكذب في مثل هذه الدعوى
أقبح أنواع الكذب ، يغلب على ظن كل أحد أنه صادق في هذه الدعوى . الثاني : أنهم
كانوا عالمين بأنه لم يتلمذ لأحد ولم يقرأ كتاباً ولم يمارس درساً ولا تكراراً، وأنه إلى تمام
الأربعين لم ينطق البتة بحديث النبوة والرسالة ، ثم أنه بعد الأربعين أدعى الرسالة وظهر على
لسانه من العلوم ما لم يظهر على أحد من العالمين ، ثم انه يذكر قصص المتقدمين وأحوال
الأنبياء الماضين على الوجه الذي كان موجوداً في كتبهم ، فكل من له عقل سليم علم أن هذا لا
يتأتى إلا بالوحي السماوي والألهام الالهي ، الثالث : أنه بعد ادعاء النبوة عرضوا عليه الأموال
الكثيرة والأزواج ليترك هذه الدعوى فلم يلتفت إلى شيء من ذلك ، بل قنع بالفقر وصبر على
المشقة ، ولما علا أمره وعظم شأنه وأخذ البلاد وعظمت الغنائم لم يغير طريقه في البعد عن
الدنيا والدعوة إلى الله ، والكاذب إنما يقدم على الكذب ليجد الدنيا ، فاذا وجدها تمتع بها
وتوسع فيها ، فلما لم يفعل شيئاً من ذلك علم أنه كان صادقاً . الرابع : أن الكتاب الذي جاء
به ليس فيه الا تقرير التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة وإثبات المعاد وشرح العبادات وتقرير
الطاعات ، ومعلوم أن كمال الأنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، ولما
الفخر الرازي ج٩ م٦

٨٢
قوله تعالى ((اولما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها)) الآية سورة آل عِمْران
أَوَلَمَّا أَصَنَتْكُ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ
كان كتابه ليس إلا في تقرير هذين الأمرين علم كل عاقل أنه صادق فيما يقوله . الخامس : أن
قبل مجيئه كان دين العرب أرذل الأديان وهو عبادة الأوثان ، وأخلاقهم أرذل الأخلاق وهو
الغارة والنهب والقتل وأكل الأطعمة الرديئة . ثم لما بعث الله محمداً له نقلهم الله ببركة مقدمة
من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أن صاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة
وعدم الالتفات إلى الدنيا وطيباتها . ولا شك أن فيه أعظم المنة .
إذا عرفت هذه الوجوه فنقول: أن محمد ◌ً ◌ٍّ ولد فيهم ونشأ فيما بينهم وكانوا مشاهدين
لهذه الأحوال ، مطلعين على هذه الدلائل ، فكان إيمانهم مع مشاهدة هذه الأحوال أسهل مما
إذا لم يكونوا مطلعين على هذه الأحوال، فلهذه المعاني من الله عليهم بكونه مبعوثاً منهم فقال
( إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ) وفيه وجه آخر من المنة وذلك لأنه صار شرفاً للعرب وفخراً
لهم ، كما قال ( وإنه لذكر لك ولقومك) وذلك لأن الأفتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا
فيه بين اليهود والنصارى والعرب ، ثم أن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى
والتوراة والأنجيل ، فما كان للعرب ما يقابل ذلك ، فلما بعث الله محمداً عليه السلام وأنزل
القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم ، فهذا هو وجه الفائدة في قوله ( من
أنفسهم ) .
ثم قال تعالى بعد ذلك ﴿ يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ .
واعلم أن كمال حال الأنسان في أمرين : في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ،
وبعبارة أخرى : للنفس الأنسانية قوتان ، نظرية وعملية ، والله تعالى أنزل الكتاب على محمد عليه
السلام ليكون سببا لتكميل الخلق في هاتين القوتين ، فقوله ( يتلو عليهم آياته ) إشارة إلى كونه
مبلغاً لذلك الوصي من عند الله إلى الخلق، وقوله (ويزكيهم ) إشارة إلى تكميل القوة النظرية
بحصول المعارف الآلهية (والكتاب) إشارة إلى معرفة التويل وبعبارة أخرى (الكتاب) إشارة الى
ظواهر الشريعة والحكمة اشارة الى محاسن الشريعة وأسرارها وعللها ومنافعها، ثم بين تعالى ما
تتكمل به هذه النعمة، وهو أنهم كانوا من قبل في ضلال مبين ، لأن النعمة اذا أوردت بعد
المحنة كان توقعها اعظم، فاذا كان وجه النعمة العلم والاعلام عقيب الجهل والذهاب عن
الدين، كان اعظم ونظيره قوله (ووجدك ضالا فهدى ) .
قوله تعالى ﴿ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند أنفسكم

قوله تعالى ((اولما أصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها)) الآية سورة آل عِمْران ٨٣
اللَّهَ عَلَى كُلٍ شَىْءٍ قَدِيْرُ
إن الله على كل شيء قدير ﴾
أعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم طعنوا في الرسول وَلا ير، بأن نسبوه إلى الغلول
والخيانة ، حكى عنهم شبهة أخرى في هذه الآية وهي قولهم : لو كان رسولاً من عند الله لما
انهزم عسكره من الكفار في يوم أحد : وهو المراد من قولهم : أنى هذا ، وأجاب الله عنه
بقوله : قل هو من عند أنفسكم) أي هذا الأنهزام إنما حصل بشؤم عصيانكم فهذا بيان وجه
النظم وفي الآية مسائل .
المسألة الأولى ﴾ تقرير الآية (أولما أصابتكم مصيبة) المراد منها واقعة أحد ، وفي
قوله ( قد أصبتم مثليها ) قولان : الأول : وهو قول الأكثرين أن معناه قد أصبتم يوم بدر ،
وذلك لأن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين ، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين
وأسروا سبعين . والثاني : أن المسلمين هزموا الكفار يوم بدر ، وهزموهم أيضاً في الأول يوم
أحد ، ثم لما عصوا هزمهم المشركون ، فأنهزام المشركين حصل مرتين ، وانهزام المسلمين حصل
مرة واحدة ، وهذا اختيار الزجاج : وطعن الواحدي في هذا الوجه ، فقال : كما أن المسلمين
نالوا من المشركين يوم بدر ، فكذلك المشركون نالوا من المسلمين يوم أحد ، ولكنهم ما هزموا
المسلمين البتة ، أما يوم أحد ، فالمسلمون هزموا المشركين أولاً ثم أنقلب الأمر .
المسألة الثانية ﴾ الفائدة في قوله ( قد أصبتم مثليها) هو التنبيه على أن أمور الدنيا لا
تبقى على نهج واحد، فلما هزمتموهم مرتين فأي أستبعاد في أن يهزموكم مرة واحدة ، أما قوله
( قلتم أنى هذا) ففيه مسألتان :
و المسألة الأولى﴾ سبب تعجبهم أنهم قالوا نحن ننصر الإسلام الذي هو دين الحق ،
ومعنا الرسول ، وهم ينصرون دين الشرك بالله والكفر ، فكيف صاروا منصورين علينا !
واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين : الأول : ما أدرجه عند حكاية
السؤال وهو قوله ( قد أصبتم مثليها) يعني أن أحوال الدنيا لا تبقى على نهج واحد ، فأذا
أصبتم منهم مثلي هذه الواقعة .. فكيف تستبعدون هذه الواقعة ؟ والثاني : قوله قل ( هو من
عند أنفسكم ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ تقرير هذا الجواب من وجهين : الأول : أنكم إنما وقعتم في هذه

٨٤
قوله تعالى ((ان الله على كل شيء قدير)) الآية ، سورة آل عِمْران
المصيبة بشؤم معصيتكم وذلك لأنهم عصوا الرسول في أمور: أولها : أن الرسول عليه السلام
قال : المصلحة في أن لا نخرج من المدينة بل نبقى ههنا ، وهم أبوا إلا الخروج ، فلما خالفوه
توجه إلى أحد . وثانيها : ما حكى الله عنهم من فشلهم . وثالثها : ما وقع بينهم من المنازعة .
ورابعها : أنهم فارقوا المكان وفرقوا الجمع . وخامسها : اشتغالهم بطلب الغنيمة وإعراضهم
عن طاعة الرسول عليه السلام في محاربة العدو ، فهذه الوجوه كلها ذنوب ومعاصي ، والله
تعالى إنما وعدهم النصر بشرط ترك المعصية ، كما قال ( إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم
هذا يمددكم ربكم ) فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط .
الوجه الثاني ﴾ في التأويل : ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : جاء جبريل
عليه السلام إلى النبي وَّ يوم بدر، فقال : يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم
الفداء من الأسارى ، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم ، وبين
أن يأخذوا الفداء على أن تقتل منهم عدتهم ، فذكر رسول الله وَّر ذلك لقومه ، فقالوا : يا
رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم ، فنتقوى به على قتال العدو ، ونرضى أن
يستشهد منا بعددهم ، فقتل يوم أحد سبعون رجلاً عدد أسارى أهل بدر ، فهو معنى قوله
( قل هو من عند أنفسكم ) أي بأخذ الفداء وأختياركم القتل .
المسألة الثانية ﴾ استدلت المعتزلة على أن أفعال العبد غير مخلوقة لله تعالى بقوله ( قل
هو من عند أنفسكم ) من وجوه : أحدها : أن بتقدير أن يكون ذلك حاصلاً بخلق الله ولا
تأثير لقدرة العبد فيه ، كان قوله ( من عند أنفسكم ) كذباً، وثانيها : أن القوم تعجبوا أن الله
كيف يسلط الكافر على المؤمن ، فالله تعالى أزال التعجب بأن ذكر أنكم إنما وقعتم في هذا المكروه
بسبب شؤم فعلكم ، فلو كان فعلهم خلفاً لله لم يصح هذا الجواب . وثالثها : أن القوم قالوا
( انى هذا) أي من أين هذا فهذا طلب لسبب الحدوث ، فلو لم يكن المحدث لها هو العبد لم
يكن الجواب مطابقاً للسؤال .
والجواب : أنه معارض بالآيات الدالة على كون أفعال العبد بإيجاد الله تعالى .
ثم قال تعالى ﴿ إن الله على كل شيء قدير﴾ أي أنه قادر على نصركم لو ثبتم وصبرتم ،
كما أنه قادر على التخلية إذا خالفتم وعصيتم ، واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد
مخلوق لله تعالى قالوا : إن فعل العبد شيء فيكون مخلوقاً لله تعالى قادراً عليه ، وإذا كان الله

قوله تعالى ((وما اصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله)) الآية سورة آل عِمْران ٨٥
وَمَا أَصَبَكُمْ يَوْمَ الْنَفَى الْجَمْعَانِ فَإِذْنِ الهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ
وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَئِلُواْ فِى سَبِيلِ الهِ أَوِ أَدْفَعُواْ قَالُوْلَوْنَعْلَمُ مِثَلًّا لََّتْبَعْنَكُمْ هُمْ
لِلْكُفْرِ يَوْمَذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيَنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّالَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَهُ أَعْلَمْ
◌ِمَا يَكْتُمُونَ
قادراً على إيجاده ، فلو اوجده العبد امتنع كونه تعالى قادراً على إيجاده لأنه لما أوجده العبد امتنع
من الله إيجاده ، لأن إيجاد الموجود محال فلما كان كون العبد موجداً له يفضي إلى هذا المحال ،
وجب أن لا يكون العبد موجداً له والله أعلم .
قوله تعالى ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين
نافقوا ، وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم هم للكفر يومئذ
أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ﴾ .
إعلم أن هذا متعلق بما تقدم من قوله ( أو لما أصابتكم مصيبة ) فذكر في الآية الأولى
أنها أصابتهم بذنبهم ومن عند أنفسهم ، وذكر في هذه الآية أنها أصابتهم لوجه آخر ، وهو أن
يتميز المؤمن عن المنافق ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله ( يوم التقى الجمعان) المراد يوم أحد، والجمعان: أحدهما
جمع المسلمين أصحاب محمد ◌َّ، والثاني جمع المشركين الذين كانوا مع أبي سفيان .
﴿ المسألة الثانية﴾ في قوله (فبأذن الله) وجوه: الأول : أن أذن الله عبارة عن التخلية
وترك المدافعة ، استعار الاذن لتخلية الكفار فإنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم ، لأن الاذن في
الشيء لا يدفع المأذون عن مراده ، فلما كان ترك المدافعة من لوازم الاذن أطلق لفظ الاذن على
ترك المدافعة على سبيل المجاز .
الوجه الثاني ﴾ فبإذن الله: أي بعلمه كقوله (وأذان من الله ) أي إعلام ، وكقولة
( أذناك ما منا من شهيد) وقوله ( فأذنوا بحرب من الله ) وكل ذلك بمعنى العلم . طعن
الواحدي فيه فقال : الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ولا تقع التسلية إلا إذا كان واقعاً بعلمه ،
لأن علمه عام في جميع المعلومات بدليل قوله تعالى ( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) .

٨٦
قوله تعالى ((وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا)) الآية ٠ سورة آل عِمْران
﴿ الوجه الثالث﴾ أن المراد من الاذن الأمر، بدليل قوله ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم)
والمعنى أنه تعالى لما أمر بالمحاربة ، ثم صارت تلك المحاربة مؤدية إلى ذلك الانهزام ، صح
على سبيل المجاز أن يقال حصل ذلك بأمره .
﴿ الوجه الرابع﴾ وهو المنقول عن ابن عباس: أن المراد من الاذن قضاء الله بذلك
وحكمه به وهذا أولى لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ، والتسلية إنما تحصل إذا قيل أن
ذلك وقع بقضاء الله وقدره ، فحينئذ يرضون بما قضى الله .
ثم قال ﴿ وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا ﴾ والمعنى ليميز المؤمنين عن المنافقين وفي
الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال الواحدي: يقال: نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر كلمة
الإيمان وأضمر خلافها ، والنفاق اسم إسلامي اختلف في اشتقاقه على وجوه : الأول : قال
أبو عبيدة : هو من نافقاء اليربوع ، وذلك لأن جحر اليربوع له بابان : القاصعاء والنافقاء ،
فإذا طلب من أيهما كان خرج من الآخر فقيل للمنافق إنه منافق ، لأنه وضع لنفسه طريقين ،
إظهار الإِسلام وإضمار الكفر ، فمن أيهما طلبته خرج من الآخر : الثاني : قال ابن
الأنباري : المنافق من النفق وهو السرب ، ومعناه أنه يتستر بالإِسلام كما يتستر الرجل في
السرب ، الثالث : أنه مأخوذ من النافقاء ؛ لكن على غير هذا الوجه الذي ذكره أبو عبيدة ،
وهو أن النافقاء جحر يحفره اليربوع في داخل الأرض ، ثم إنه يرقق مما فوق الجحر ، حتى إذا
رابه ريب دفع التراب برأسه وخرج ، فقيل للمنافق منافق لأنه يضمر الكفر في باطنه ، فإذا
فتشته رمى عنه ذلك الكفر وتمسك بالإسلام .
﴿ المسألة الثانية) قوله (وليعلم المؤمنين) ظاهره يشعر بأنه لأجل أن يحصل له هذا
العلم أذن في تلك المصيبة ، وهذا يشعر بتجدد علم الله ، وهذا محال في حق علم الله تعالى ،
فالمراد ههنا من العلم المعلوم ، والتقدير : ليتبين المؤمن من المنافق ، وليتميز أحدهما عن
الآخر حصل الاذن في تلك المصيبة ، وقد تقدم تقرير هذا المعنى في الآيات المتقدمة والله
أعلم .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ في الآية حذف، تقديره : وليعلم إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين.
فإن قيل : لم قال ( وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا) ولم يقل : وليعلم
المنافقين .
قلنا : الاسم يدل على تأكيد ذلك المعنى ، والفعل يدل على تجدده ، وقوله ( وليعلم

قوله تعالى ((وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله)) الآية سورة آل عِمْران ٨٧
المؤمنين ) يدل على كونهم مستقرين على إيمانهم متثبتين فيه ، وأما ( نافقوا ) فيدل على كونهم إنما
شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت .
ثم قال تعالى ﴿ وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ﴾ وفيه مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ في أن هذا القائل من هو؟ وجهان: الأول: قال الأصم: أنه الرسول
عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى القتال . الثاني: روى أن عبدالله بن أبي سلول لما
خرج بعسكره إلى أحد قالوا: لم نلق أنفسنا في القتل، فرجعوا وكانوا ثلثمائة من جملة الألف
الذين خرج بهم رسول الله وَّر، فقال لهم عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبد الله
الأنصاري : أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو ، فهذا هو المراد من قوله
تعالى ( وقيل لهم ) يعني قول عبد الله هذا .
﴿ المسألة الثانية )قوله (قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) يعني إن كان في قلبكم حب
الدين والإِسلام فقاتلوا للدين والإِسلام ، وإن لم تكونوا كذلك ، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم
وأهليكم وأموالكم ، يعني كونوا إما من رجال الدين ، أو من رجال الدنيا . قال السدي وابن
جريج : أدفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا ، قالوا : لأن الكثرة أحد أسباب
الهيبة والعظمة والأول هو الوجه .
المسألة الثالثة )قوله تعالى ( قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) تصريح بأنهم قدموا طلب
الدين على طلب الدنيا ، وذلك يدل على أن المسلم لا بد وأن يقدم الدين على الدنيا في كل
المهمات .
ثم قال تعالى ﴿ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ﴾ وهذا هو
الجواب الذي ذكره المنافقون وفيه وجهان : الأول: أن يكون المراد أن الفريقين لا يقتتلان
ألبتة ، فلهذا رجعنا . الثاني : أن يكون المعنى لو نعلم ما يصلح أن يسمى قتالاً لأتبعناكم ،
يعني أن الذي يقدمون عليه لا يقال له قتال ، وإنما هو إلقاء النفس في التهلكة لأن رأي عبد الله
كان في الأقامة بالمدينة ، وما كان يستصوب الخروج .
واعلم أنه إن كان المراد من هذا الكلام هو الوجه الأول فهو فاسد ، وذلك لأن الظن في
احوال الدنيا قائم مقام العلم ، وأمارات حصول القتال كانت ظاهرة في ذلك اليوم ، ولو قيل
لهذا المنافق الذي ذكر هذا الجواب : فينبغي لك لو شاهدت من شهر سيفه في الحرب أن لا
تقدم على مقاتلته لأنك لا تعلم منه قتالاً ، وكذا القول في سائر التصرفات في أمور الدنيا ، بل
الحق أن الجهاد واجب عند ظهور أمارات المحاربة ، ولا أمارات أقوى من قربهم من المدينة
عند جبل أحد ، فدل ذكر هذا الجواب على غاية الخزي والنفاق ، وإنه كان غرضهم من ذكر

٨٨
قوله تعالى ((والله اعلم بما يكتمون)) الآية سورة آل عِمْران
هذا الجواب إما التلبيس ، وإما الأستهزاء . وأما إن كان مراد المنافق هو الوجه الثاني فهو أيضاً
باطل ، لأن الله تعالى لما وعدهم بالنصرة والاعانة لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء للنفس
في التهلكة .
ثم أنه تعالى بين حالهم عندما ذكروا هذا الجواب فقال : ﴿ هم للكفر يومئذ أقرب منهم
للإيمان ﴾ وفيه مسائل .
المسألة الأولى ﴾ في التأويل وجهان : الأول: أنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون
الإيمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم ، فلما رجعوا عن عسكر المؤمنين
تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين .
واعلم أن رجوعهم عن معاونة المسلمين دل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وأيضاً قولهم
( لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ) يدل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وذلك لأنا بينًا أن هذا الكلام
يدل إما على السخرية بالمسلمين ، وإما على عدم الوثوق بقول النبي ◌َّيه، وكل واحد منهما
كفر .
﴿ الوجه الثاني﴾ في التأويل أن يكون المراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل
الإيمان ، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالأنعزال يجر إلى تقوية المشركين .
المسألة الثانية ﴾ قال أكثر العلماء : أن هذا تنصيص من الله تعالى على أنهم كفار ،
قال الحسن اذا قال الله تعالى ( أقرب ) فهو اليقين بأنهم مشركون، وهو مثل قوله (مائة الف أو
يزيدون ) فهذه الزيادة لا شك فيها ، وأيضاً المكلف لا يمكن أن ينفك عن الإيمان والكفر ،
فلما دلت الآية على القرب لزم حصول الكفر. وقال الواحدي في البسيط : هذه الآية دليل
على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ولم يطلق القول بتكفيره ، لأنه تعالى لم يطلق القول
بكفرهم مع أنهم كانوا كافرين ، لأظهارهم القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله .
ثم قال تعالى ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ والمراد أن لسانهم مخالف لقلبهم ،
فهم وإن كانوا يظهرون الإيمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر .
ثم قال (والله اعلم بما يكتمون ﴿فإن قيل: إن المعلوم اذا علمه عالمان لا يكون أحدهما
أعلم به من الآخر، فما معنى قوله ( والله أعلم بما يكتمون ) .
قلنا : المراد أن الله تعالى يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره .

٨٩
قوله تعالى ((الذين قالوا لأخوانهم )) الآية سورة آلَ عِمْران
الَّذِينَ قَالُوْ لِإِخْوَبِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُئِلُواْ قُلْ فَادْرَهُ وأَعَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن
كُنْهُمْ صَدِقِينَ ﴾
قوله تعالى ﴿ الذين قالوا لأخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فأدرؤا عن أنفسكم
﴾.
الموت إن كنتم صادقين
إعلم أن الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا ( لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) وصفهم الله تعالى
بأنهم كما قعدوا واحتجوا لقعودهم، فكذلك ثبطوا غيرهم وأحتجوا لذلك ، فحكى الله تعالى
عنهم أنهم قالوا لأخوانهم إن الخارجين لو أطاعونا ماقتلوا ، فخوفوا من مراده موافقة الرسول
وَالر ، في محاربة الكفار بالقتل لما عرفوا ما جرى يوم أحد من الكفار على المسلمين من القتل ،
لأن المعلوم من الطباع محبة الحياة فكان وقوع هذه الشبهة في القلوب يجري مجرى ما يورده
الشيطان من الوسواس ، وفي الآية مسائل .
﴿ المسألة الأولى﴾ في محل ( الذين) وجوه: أحدها: النصب على البدل من ( الذين نافقوا)
وثانيها : الرفع على البدل من الضمير في ( يكتمون ) وثالثها : الرفع على خبر الابتداء بتقدير : هم الذين ،
ورابعها : أن يكون نصباً على الذم .
المسألة الثانية ﴾ قال المفسرون : المراد (بالذين قالوا ) عبد الله بن أبي وأصحابه ،
وقال الأصم : هذا لا يجوز لأن عبدالله بن أبي خرج مع النبي وَلّ في الجهاديوم أحد ، وهذا
القول فهو واقع فيمن قد تخلف لأنه قال ( الذين قالوا لأخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ) أي في
القعود ما قتلوا فهو كلام متأخر عن الجهاد ، قاله لمن خرج إلى الجهاد ولمن هو قوي النية في ذلك
ليجعله شبهة فيما بعده صارفا لهم عن الجهاد .
المسألة الثالثة﴾ قالوا لأخوانهم : أي قالوا لأجل إخوانهم ، وقد سبق بيان المراد من
هذه الأخوة ، الأخوة في النسب ، أو الأخوة بسبب المشاركة في الدار ، أو في عداوة الرسول
وَسير، أو في عبادة الأوثان؟ والله أعلم.
﴿المسألة الرابعة﴾ قال الواحدي: الواوفي قوله (وقعدوا) للحال ومعنى هذا القعود
القعود عن الجهاد يعني من قتل بأحد لو قعدوا كما قعدنا وفعلوا كما فعلنا لسلموا ولم يقتلوا ،
ثم أجاب الله عن ذلك بقوله ( قل فادرؤا عن أنفسكم الموت أن كنتم صادقين .
فأن قيل : ماوجه الأستدلال بذلك مع أن الفرق ظاهر فإن التحرز عن القتل ممكن ،

٩٠
قوله تعالى ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله)) الآية سورة آل عِمْران
وَلَا تَحْسَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَا بَلْ أَحْيَاءٍ عِندَ رَبِهِمْ ◌ُرْزَقُونَ (3) فَرِحِينَ
بِمَآ ءَ اتَّئُهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا
خَوْفٌّ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣)
ما التحرز عن الموت فهو غير ممكن البتة .
والجواب : هذا الدليل الذى ذكره الله تعالى لا يتمشى إلا إذا اعترفنا بالقضاء والقدر ،
وذلك لأنا إذا قلنا لا يدخل الشيء في الوجود إلا بقضاء الله وقدره ، أعترفنا بأن الكافر لا
يقتل المسلم إلا بقضاء الله ، وحينئذ لا يبقى بين القتل وبين الموت فرق ، فيصح الأستدلال .
أما إذا قلنا بأن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه ، كان الفرق بين الموت والقتل ظاهراً من
الوجه الذي ذكرتم ، فتفضى إلى فساد الدليل الذي ذكره الله تعالى ، ومعلوم أن المفضي إلى ذلك
يكون باطلاً ، فثبت أن هذه الآية دالة على أن الكل بقضاء الله . وقوله ( إن كنتم صادقين )
يعني : إن كنتم صادقين في كونكم مشتغلين بالحذر عن المكاره ، والوصول إلى المطالب .
قوله تعالى ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين
بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم
يحزنون ﴾.
أعلم أن القوم لما ثبطوا الراغبين في الجهاد بأن قالوا ؛ الجهاد يفضي إلى القتل ، كما قالوا
في حق من خرج إلى الجهاد يوم أحد ، والقتل شيء مكروه ، فوجب الحذر عن الجهاد ، ثم أن
الله تعالى بين أن قولهم : الجهاد يفضي إلى القتل باطل ، بأن القتل إنما يحصل بقضاء الله وقدره
كما أن الموت يحصل بقضاء الله وقدره، فمن قدر الله له القتل لا يمكنه الأحتراز عنه،ومن لم يقدر
له القتل لا خوف عليه من القتل ، ثم أجاب عن تلك الشبهة في هذه الآية بجواب آخر وهوّ انا
لا نسلم أن القتل في سبيل الله شيء مكروه ، وكيف يقال ذلك والمقتول في سبيل الله أحياه الله
بعد القتل وخصه بدرجات القربة والكرامة ، وأعطاه أفضل أنواع الرزق وأوصله إلى أجل
مراتب الفرح والسرور ؟ فأي عاقل يقول أن مثل هذا القتل يكون مكروها ، فهذا وجه النظم
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ هذه الآية واردة في شهداء بدر وأحد، لأن في وقت نزول هذه الآية
لم يكن أحد من الشهداء إلا من قتل في هذين اليومين المشهورين ، والمنافقون إنما ينفرون

قوله تعالى ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله)) الآية سورة آل عِمْران ٩١
المجاهدين عن الجهاد لئلا يصيروا مقتولين مثل من قتل في هذين اليومين من المسلمين ، والله
تعالى بين فضائل من قتل في هذين اليومين ليصير ذلك داعياً للمسلمين إلى التشبه بمن جاهد في
هذين اليومين وقتل ، وتحقيق الكلام أن من ترك الجهاد فربما وصل إلى نعيم الدنيا وربما لم
يصل ، وبتقدير أن يصل اليه فهو حقير وقليل ، ومن أقبل على الجهاد فاز بنعيم الآخرة قطعاً
وهو نعيم عظيم ، ومع كونه عظيماً فهو دائم مقيم ، واذا كان الأمر كذلك ظهر أن الأقبال على
الجهاد أفضل من تركه .
المسألة الثانية﴾ أعلم أن ظاهر الآية يدل على كون هؤلاء المقتولين أحياء ، فأما أن
يكون المراد منه حقيقة أو مجازاً، فإن كان المراد منه هو الحقيقة ، فأما أن يكون المراد أنهم
سيصيرون في الآخرة أحياء ، أو المراد أنهم أحياء في الحال ، وبتقدير أن يكون هذا هو
المراد ، فأما أن يكون المراد اثبات الحياة الروحانية أو إثبات الحياة الجسمانية ، فهذا ضبط الوجوه
التي يمكن ذكرها في هذه الآية .
﴿ الأحتمال الأول﴾ أن تفسير الآية بأنهم سيصيرون في الآخرة أحياء قد ذهب إليه جماعة
من متكلمي المعتزلة ، منهم أبو القاسم الكعبي قال : وذلك لأن المنافقين الذين حكى الله
عنهم ما حكى، كانوا يقولون: أصحاب محمد ◌ّ: يعرضون أنفسهم للقتل فيقتلون
ويخسرون الحياة ولا يصلون إلى خير، وإنما كانوا يقولون ذلك لجحدهم البعث والميعاد ،
فكذبهم الله تعالى وبين بهذه الآية أنهم يبعثون ويرزقون ويوصل إليهم أنواع الفرح والسرور
والبشارة .
واعلم أن هذا القول عندنا باطل ، ويدل عليه وجوه :
﴿ الحجة الأولى﴾ إن قوله ( بل أحياء) ظاهره يدل على كونهم أحياء عند نزول الآية ،
فحمله على أنهم سيصيرون أحياء بعد ذلك عدول عن الظاهر .
الحجة الثانية ﴾ أنه لا شك أن جانب الرحمة والفضل والأحسان أرجح من جانب
العذاب والعقوبة ، ثم إنه تعالى ذكر في أهل العذاب أنه أحياهم قبل القيامة لأجل التعذيب
فانه تعالى قال: ( اغرقوا فأدخلوا ناراً) والفاء للتعقيب ، والتعذيب مشروط بالحياة ، وأيضاً
قال تعالى ( النار يعرضون عليها غدوا وعشياً) واذا جعل الله اهل العذاب أحياء قبل قيام القيامة
لأجل التعذيب ، فلأن يجعل أهل الثواب أحياء قبل القيامة لأجل الأحسان والأثابة كان ذلك
أولى .

٩٢
قوله تعالى ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله)) الآية سورة آل عِمْران
﴿ الحجة الثالثة﴾ أنه لو أراد أنه سيجعلهم أحياء عند البعث في الجنة لما قال للرسول
عليه الصلاة والسلام ( ولا تحسبن ) مع علمه بأن جميع المؤمنين كذلك ، أما إذا حملناه على
ثواب القبر حسن قوله ( ولا تحسبن ) لأنه عليه الصلاة والسلام لعله ما كان يعلم أنه تعالى يشرف
المطيعين والمخلصين بهذا التشريف، وهو أنه يحييهم قبل قيام القيامة لأجل إيصال الثواب
إليهم .
فإن قيل : أنه عليه الصلاة والسلام وإن كان عالما بأنهم سيصيرون أحياء عند ربهم
عند البعث ولكنه غير عالم بأنهم من أهل الجنة ، فجاز أن يبشره الله بأنهم سيصيرون أحياء
ويصلون إلى الثواب والسرور .
قلنا : قوله ( ولا تحسبن) إنما يتناول الموت لأنه قال ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
امواتا ) فالذي يزيل هذا الحسبان هو كونهم أحياء في الحال لأنه لا حسبان هناك في صيرورتهم
أحياء يوم القيامة وقوله ( يرزقون فرحين ) فهو خبر مبتدأ ولا تعلق له بذلك الحسبان فزال هذا
السؤال .
﴿الحجة الرابعة ) قوله تعالى (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) والقوم
الذين لم يلحقوا بهم لا بد وأن يكونوا في الدنيا . فأستبشارهم بمن يكون في الدنيا لا بد وأن
يكون قبل قيام القيامة ، والاستبشار لا بد وأن يكون مع الحياة ، فدل هذا على كونهم أحياء
قبل يوم القيامة، وفي هذا الأستدلال بحث سيأتي ذكره .
الحجة الخامسة) ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ثمّ قال في صفة
الشهداء (( أن أرواحهم في أجواف طير خضر وأنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح
حيث شاءت وتأوى إلى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم
ومشربهم قالوا يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله تعالى بنا كي يرغبوا في
.الجهاد فقال الله تعالى أنا مخبر عنكم ومبلغ اخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى
هذه الآية)) وسئل إبن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية ، فقال : سألنا عنها فقيل لنا أن
الشهداء على نهر بباب الجنة في قبة خضراء ، وفي رواية في روضة خضراء ، وعن جابر بن عبدالله
قال: قال رسول الله عليه، ((ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله ثم قال ما تريد يا
عبدالله بن عمر وأن أفعل بك فقال يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى))
والروايات في هذا الباب كأنها بلغت حد التواتر ، فکیفیمکن انکارها ؟ طعن الکعبي في هذه
الروايات وقال : إنها غير جائزة لأن الأرواح لا تتنعم ، وإنما يتنعم الجسم إذا كان فيه روح لا
الروح ، ومنزلة الروح من البدن منزلة القوة ، وأيضاً : الخبر المروي ظاهرة يقتضى أن هذه

قوله تعالى ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله)) الآية سورة آلْ عِمْران ٩٣
الارواح في حواصل الطير ، وأيضاً ظاهره يقتضى أنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها
وتسرح ، وهذا يناقض كونها في حواصل الطير .
والجواب : أما الطعن الأول : فهو مبني على أن الروح عرض قائم بالجسم ، وسنبين
أن الأمر ليس كذلك ، وأما الطعن الثاني : فهو مدفوع لأن القصد من أمثال هذه الكلمات .
الكنايات عن حصول الراحات والمسرات وزوال المخافات والآفات ، فهذا جملة الكلام في هذا
الأحتمال .
﴿وأما الوجه الثاني﴾ من الوجوه المحتملة في هذه الآية هو أن المراد أن الشهداء أحياء
في الحال ، والقائلون بهذا القول منهم من أثبت هذه الحياة للروح ، ومنهم من أثبتها للبدن ،
وقبل الخوض في هذا الباب يجب تقديم مقدمة ، وهي أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه
البنية ، ويدل عليه أمران : أحدهما : أن أجزاء هذه البنية في الذوبان والأنحلال ،
والتبدل ، والأنسان المخصوص شيء باق من أول عمره إلى آخره ، والباقي مغاير للمتبدل ،
والذي يؤكد ما قلناه : أنه تارة يصير سميناً وأخرى هزيلاً ، وأنه يكون في أول الأمر صغير
الجثة ، ثم أنه يكبر وينمو ، ولا شك أن كل انسان يجد من نفسه أنه شىء واحد من أول عمره
إلى آخره فصح ما قلناه ، الثاني : أن الأنسان قد يكون عالماً بنفسه حال ما يكون غافلاً عن
جميع أعضائه وأجزائه ، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، فثبت بهذين الوجهين أنه شيء مغاير
لهذا البدن المحسوس ، ثم بعد ذلك يحتمل أن يكون جسماً مخصوصاً سارياً في هذه الجثة سريان
النار في الفحم . والدهن في السمسم ، وماء الورد في الورد . ويحتمل أن يكون جوهراً قائماً
بنفسه ليس بجسم ولا حال في الجسم ، وعلى كلا المذهبين فإنه لا يبعد أنه لما مات البدن
أنفصل ذلك الشيء حيا ، وإن قلنا أنه أماته الله إلا أنه تعالى يعيد الحياة إليه ، وعلى هذا
التقدير تزول الشبهات بالكلية عن ثواب القبر ، كما في هذه الآية ، وعن عذاب القبر كما في
قوله ( أغرقوا فأدخلوا ناراً) فثبت بما ذكرناه أنه لا إمتناع في ذلك ، فظاهر الآية دال عليه ،
فوجب المصير إليه ، والذي يؤكد ما ذكرناه القرآن والحديث والعقل . أما القرآن فايات :
إحداها ( يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وأدخلي
جنتي ) ولا شك أن المراد من قوله ( إرجعي إلى ربك ) الموت . ثم قال ( فادخلي في عبادي )
وفاء التعقيب تدل على أن حصول هذه الحالة يكون عقيب الموت ، وهذا يدل على ما ذكرناه ،
وثانيها ( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ) وهذا عبارة عن موت
البدن .
ثم قال : ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) فقوله ( ردوا) ضمير عنه . وإنما هو بحياته

٩٤
قوله تعالى ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله)) الآية
سورة آل عمران
وذاته المخصوصة ، فدل على أن ذلك باق بعد موت البدن ، وثالثها : قوله ( فأما إن كان من
المقربين فروح وريحان وجنة نعيم ) وفاء التعقيب تدل على أن هذا الروح والريحان والجنة
حاصل عقيب الموت، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام ((من مات فقد قامت قيامته))
والفاء فاء التعقيب تدل على أن قيامة كل أحد حاصلة بعد موته ، وأما القيامة الكبرى فهي
حاصلة في الوقت المعلوم عند الله، وأيضاً قوله عليه الصلاة والسلام ((القبر روضة من رياض
الجنة أو حفرة من حفر النار)) وأيضاً روى أنه عليه الصلاة والسلام يوم بدر كان ينادي المقتولين
ويقول ((هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً)) فقيل له يا رسول الله إنهم أموات ، فكيف تناديهم ،
فقال عليه الصلاة والسلام ((إنهم أسمع منكم)) أو لفظاً هذا معناه ، وأيضاً قال عليه الصلاة
والسلام ((أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار)) وكل ذلك يدل على أن النفوس
باقية بعد موت الجسد .
وأما المعقول فمن وجوه : الأول : وهو أن وقت النوم يضعف البدن ، وضعفه لا يقتضى
ضعف النفس ، بل النفس تقوى وقت النوم فتشاهد الأحوال وتطلع على المغيبات ، فاذا كان
ضعف البدن لا يوجب ضعف النفس ، فهذا يقوي الظن في أن موت البدن لا يستعقب موت
النفس . الثاني : وهو أن كثرة الأفكار سبب لجفاف الدماغ ، وجفافه يؤدي الى الموت ، وهذه
الأفكار سبب لأستكمال النفس بالمعارف الالهية ، وهو غاية كمال النفس ، فما هو سبب في كمال
النفس فهو سبب لنقصان البدن ، وهذا يقوي الظن في أن النفس لا تموت بموت البدن .
الثالث : أن أحوال النفس على ضد أحوال البدن ، وذلك لأن النفس أنما تفرح وتبتهج
بالمعارف الآلهية ، والدليل عليه قوله تعالى ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) وقال عليه الصلاة
والسلام، ((أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)) ولا شك أن ذلك الطعام والشراب ليس إلا
عبارة عن المعرفة والمحبة والأستنارة بأنوار عالم الغيب وأيضاً ، فإنّا نرى أن الأنسان اذا غلب
عليه الأستبشار بخدمة سلطان ، أو بالفوز بمنصب ، أو بالوصول إلى معشوقه ، قد ينسى
الطعام والشراب ، بل يصير بحيث لودعى إلى الأكل والشرب لوجد من قلبه نفرة شديدة منه ،
والعارفون المتوغلون في معرفة الله تعالى قد يجدون من أنفسهم أنهم إذا لاح لهم شيء من تلك
الأنوار ، وانكشف لهم شيء من تلك الأسرار ، لم يحسوا البتة بالجوع والعطش وبالجملة
فالسعادة النفسانية كالمضادة للسعادة الجسمانية ، وكل ذلك يغلب على الظن أن النفس مستقلة
بذاتها ولا تعلق لها بالبدن ، وإذا كان كذلك وجب أن لا تموت النفس بموت البدن ، ولتكن
هذه الأقناعيات كافية في هذا المقام .
واعلم أنه متى تقررت هذه القاعدة زالت الأشكالات والشبهات عن كل ما ورد في

٩٥
قوله تعالى ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله)) الآية سورة آل عِمْران
القرآن من ثواب القبر وعذابه ، واذا عرفت هذه القاعدة فنقول : قال بعض المفسرين :
أرواح الشهداء أحياء وهي تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش الى يوم القيامة ، والدليل عليه
ما روي أن النبي ◌ّي قال ((إذا نام العبد في سجوده باهى اللّه تعالى به ملائكته ويقول انظروا إلى
عبدي روحه عندي وجسده في خدمتي )) .
واعلم أن الآية دالة على ذلك وهي قوله ( أحياء عند ربهم) ولفظ ((عند)) فكما أنه
مذكور ههنا فكذا في صفة الملائكة مذکور وهو قوله ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ) فاذا
فهمت السعادة الحاصلة للملائكة بكونهم عند الله ، فهمت السعادة الحاصلة للشهداء بكونهم
عند الله ، وهذه كلمات تفتح على العقل أبواب معارف الآخرة .
الوجه الثالث ﴾ في تفسيرهذه الآية عند من يثبت هذه الحياة للأجساد، والقائلون
بهذا القول اختلفوا ، فقال بعضهم : أنه تعالى يصعد أجساد هؤلاء الشهداء إلى السموات
وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادة والكرامات إليها ، ومنهم من قال : يتركها في
الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها ، ومن الناس من طعن فيه وقال : أنا نرى
أجسادا هؤلاء الشهداء قد تأكلها السباع، فإما أن يقال إن الله تعالى يحييها حال كونها في بطون
هذه السباع ويوصل الثواب اليها ، أو يقال ان تلك الأجزاء بعد أنفصالها من بطون السباع
يركبها الله تعالى ، ويؤلفها ويرد الحياة اليها ويوصل الثواب اليها، وكل ذلك مستبعد، ولأنا قد
نرى الميت المقتول باقياً أياماً إلى أن تنفسخ أعضاؤه وينفصل القيح والصديد ، فان جوزنا
كونها حية متنعمة عاقلة عارفة لزم القول بالسفسطة .
الوجه الرابع ﴾ في تفسير هذه الآية أن نقول : ليس المراد من كونهم احياء حصول
الحياة فيهم . بل المراد بعض المجازات وبيانه من وجوه : الأول : قال الأصم البلخي : إن
الميت إذا كان عظيم المنزلة في الدين ، وكانت عاقبته يوم القيامة البهجة والسعادة والكرامة ،
صح أن يقال : إنه حي وليس بميت ، كما يقال في الجاهل الذي لا ينفع نفسه ولا ينتفع به
أحد : إنه ميت وليس بحي ، وكما يقال للبليد : إنه حمار ، وللمؤذي إنه سبع ، وروى أن
عبدالملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال له : ما مات من خلف مثلك ،
حسناً ، فأنه يقال على
وبالجملة فلا شك أن الإنسان إذا مات وخلف ثناء جميلاً
سبيل المجاز إنه مامات بل هو حي . الثاني : قال بعضهم مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية

٩٦
قوله تعالى (( يرزقون فرحين بما آتاهم الله)) الآية
في قبورهم ، وإنها لا تبلى تحت الأرض البتة . واحتج هؤلاء بما روى أنه لما أراد معاوية أن
يجري العين على قبور الشهداء ، أمر بأن ينادي : من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع ،
قال جابر فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان ، فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم
فقطرت دماً . والثالث : أن المراد بكونهم أحياء أنهم لا يغسلون كما تغسل الأموات ، فهذا
مجموع ما قيل في هذه الآية والله أعلم بأسرار المخلوقات .
المسألة الثالثة ﴾ قال صاحب الکشاف( ولا تحسبن ) الخطاب لرسول الله ێ أو لكل
أحد وقرىء بالياء ، وفيه وجوه : أحدها : ولا يحسبن رسول الله . والثاني : ولا يحسبن
حاسب ، والثالث : ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً قال وقرىء ( تحسبن ) بفتح
السين ، وقرأ أبن عامر ( قتلوا) بالتشديد والباقون بالتخفيف .
المسألة الرابعة ﴾ قوله (بل أحياء) قال الواحدي: التقدير : بل هم أحياء ، قال
صاحب الكشاف: قرىء ( أحياء) بالنصب على معنى بل أحسبهم أحياء . وأقول : إن
الزجاج قال : ولوقرىء ( أحياء ) بالنصب لجاز على معنى بل أحسبهم أحياء ، وطعن أبو علي
الفارسي فيه فقال : لا يجوز ذلك لأنه أمر بالشك والأمر بالشك غير جائز على الله ، ولا يجوز
تفسير الحسبان بالعلم لأن ذلك لم يذهب إليه أحد من علماء أهل اللغة ، وللزجاج أن يجيب
فيقول : الحسبان ظن لا شك ، فلم قلتم أنه لا يجوز أن يأمر الله بالظن ، أليس أن تكليفه في
جميع المجتهدات ليس إلا بالظن .
وأقول : هذه المناظرة من الزجاج وأبي علي الفارسي تدل على أنه ما قرىء ( أحياء )
بالنصب بل الزجاج كان يدعى أن لها وجها في اللغة ، والفارسي نازعه فيه ، وليس كل ماله
وجه في الأعراب جازت القراءة به .
أما قوله تعالى ﴿ عند ربهم﴾ ففيه وجوه: أحدها : بحيث لا يملك لهم أحد نفعاً ولا
ضراً إلا الله تعالى . والثاني : هم أحياء عند ربهم ، أي هم أحياء في علمه وحكمه ، كما
يقال : هذا عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة بخلافه . والثالث : أن ( عند) معناه القرب
والاكرام ، كقوله ( ومن عنده لا يستكبرون ) وقوله ( فالذين عند ربك ) .
أما قوله ﴿ يرزقون فرحين بما آتاهم الله ﴾ فأعلم أن المتكلمين قالوا الثواب منفعة خالصة
دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله ( يرزقون ) إشارة إلى المنفعة ، وقوله ( فرحين ) إشارة إلى

٩٧
قوله تعالى ((ويستبشر بالذين لم يلحقوا بهم)) الآية سورة آل عِمْران
الفرح الحاصل بسبب ذلك التعظيم ، وأما الحكماء ، فانهم قالوا : إذا أشرقت جواهر الأرواح
القدسية بالأنوار الألهية كانت مبتهجة من وجهين : أحدهما : أن تكون ذواتها منيرة مشرقة
متلألئة بتلك الجلايا القدسية والمعارف الالهية . والثاني : بكونها ناظرة إلى ينبوع النور ومصدر
الرحمة والجلالة ، قالوا وابتهاجها بهذا القسم الثاني أتم من أبتهاجها بالأول ، فقوله
( يرزقون ) إشارة إلى الدرجة الأولى وقوله ( فرحين ) إشارة إلى الدرجة الثانية ، ولهذا قال
( فرحين بما آتاهم الله من فضله ) يعني أن فرحهم ليس بالرزق ، بل بإيتاء الرزق لأن المشغول
بالرزق مشغول بنفسه ، والناظر إلى إيتاء الرزق مشغول بالرازق ، ومن طلب الحق لغيره فهو
محجوب .
ثم قال تعالى ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم
يحزنون ﴾ .
واعلم أن قوله ( ألا خوف) في محل الخفض بدل من ( الذين ) والتقدير : ويستبشرون
بأن لا خوف ولا حزن بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، وفي الآية مسائل .
المسألة الأولى ﴾ الاستبشار السرور الحاصل بالبشارة، وأصل الأستفعال طلب
الفعل ، فالمستبشر بمنزلة من طلب السرور فوجده بالبشارة .
المسألة الثانية ﴾ إعلم أن الذين سلموا كون الشهداء أحياء قبل قيام القيامة ذكروا
لهذه الآية تأويلات أُخر .
أما الأول : فهو أن يقال : ان الشهداء يقول بعضهم لبعض : تركنا إخواننا فلانا وفلانا
في صف المقاتلة مع الكفار فيقتلون إن شاء الله فيصيبون من الرزق والكرامة ما أصبنا ، فهو
قوله ( ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ) .
وأما الثاني : فهو أن يقال : أن الشهداء إذا دخلوا الجنة بعد قيام القيامة يرزقون فرحين
بما آتاهم الله من فضله ، والمراد بقوله ( لم يلحقوا بهم من خلفهم ) هم إخوانهم من المؤمنين
الذين ليس لهم مثل درجة الشهداء يدخلون الجنة قبلهم ، دليله قوله تعالى ( وفضل الله
المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة ) فيفرحون بما يرون من مأوى
المؤمنين والنعيم المعدلهم ، وبما يرجونه من الاجتماع بهم وتقر بذلك أعينهم ، هذا اختيار أبي
مسلم الأصفهاني والزجاج .
واعلم أن التأويل الأول أقوى من الثاني، وذلك لأن حاصل الثاني يرجع إلى استبشار
الفخر الرازي ج٩ ٧٣

٩٨
قوله تعالى (( يستبشرون بنعمة من الله وفضل)) الآية سورة آل عمران
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّ لَا يُضِيعُ أَبْرَ الْمُؤْمِنِينَ
بعض المؤمنين ببعض بسبب اجتماعهم في الجنة ، وهذا أمر عام في حق كل المؤمنين ، فلا معنى
لتخصيص الشهداء بذلك ، وأيضاً : فهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ،
فكذلك يستبشرون بمن تقدمهم في الدخول، لأن منازل الأنبياء والصديقين فوق منازل.
الشهداء ، قال تعالى (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين) وعلى هذا التقدير لا يبقى فائدة في التخصيص . أما إذا فسرنا الآية بالوجه الأول
ففي تخصيص المجاهدين بهذه الخاصية أعظم الفوائد فكان ذلك أولى والله اعلم .
المسألة الثالثة ﴾ الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في المستقبل ، والحزن يكون
بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في المناضي ، فبين سبحانه أنه لا خوف عليهم فيما
سيأتيهم من أحوال القيامة ، ولا حزن لهم فيما فاتهم من نعيم الدنيا .
قوله تعالى ﴿ يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أنه تعالى بين أنهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم على ما ذكر
فهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم ، وإنما أعاد لفظ ( يستبشرون ) لأن الأستبشار
الأول كان بأحوال الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، والاستبشار الثاني كان بأحوال أنفسهم
خاصة .
فإن قيل: أليس أنه ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الاستبشار ؟
قلنا : الجواب من وجهين : الأول : أن الاستبشار هو الفرح التام فلا يلزم التكرار .
والثاني : لعل المراد حصول الفرح بما حصل في الحال ، وحصول الأستشار بما عرفوا أن
النعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة .
المسألة الثانية﴾ قوله ( بنعمة من الله وفضل ) النعمة هي الثواب والفضل هو التفضل
الزائد .
المسألة الثالثة ) الآية تدل على أن استبشارهم بسعادة اخوانهم أتم من استبشارهم
بسعادة أنفسهم ، لأن الاستبشار الأول في الذكر هو بأحوال الأخوان ، وهذا ، تنبيه من الله

قوله تعالى ((الذين استجابوا الله والرسول)) الآية سورة آل عِمْران ٩٩
الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَلَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْاْ
أَبْرٌ عَظِيمُ (10)
تعالى على أن فرح الإنسان بصلاح أحوال اخوانه ومتعلقيه ، يجب أن يكون أتم وأكمل من
فرحه بصلاح أحوال نفسه .
ثم قال ﴿ وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ الكسائي (وإن الله) بكسر الألف على الإستئناف. وقرأ الباقون
بفتحها على معنى : وبأن الله ، والتقدير : يستبشرون بنعمة من الله وفضل وبأن الله لا يضيع
أجر المؤمنين والقراءة الأولى أتم وأكمل لأن على هذه القراءة يكون الإستبشار بفضل الله
وبرحمته فقط، وعلى القراءة الثانية يكون الأستبشار بالفضل والرحمة وطلب الأجر ، ولا شك
أن المقام الأول أكمل لأن كون العبد مشتغلاً بطلب الله أتم من اشتغاله بطلب أجر عمله .
﴿المسألة الثانية ﴾ المقصود من الآية بيان أن الذي تقدم من إيصال الثواب والسرور
العظيم إلى الشهداء ليس حكماً مخصوصاً بهم ، بل كل مؤمن يستحق شيئاً من الأجر
والثواب ، فإن الله سبحانه يوصل إليه ذلك الأجر والثواب ولا يضيعه ألبتة.
المسألة الثالثة ) الآية عندنا دالة على العفو عن فساق أهل الصلاة لأنه بإيمانه استحق
الجنة فلو بقى بسبب فسقه في النار مؤبداً مخلداً لما وصل إليه أجر إيمانه ، فحينئذ يضيع أجر
المؤمنين على إيمانهم وذلك خلاف الآية .
قوله تعالى ﴿ الذين استجابوالله والرسول من بعد ما أصابهم الفرح للذين أحسنوا منهم
وأتقوا أجر عظيم ﴾ .
اعلم أن الله تعالى مدح المؤمنين على غزوتين ، تعرف احداهما بغزوة حمراء الأسد ،
والثانية ، بغزوة بدر الصغرى ، وكلاهما متصلة بغزوة أحد ، أما غزوة حمراء الأسد فهي المراد
من هذه الآية على ما سنذكره إن شاء الله تعالى ، وفي الآية مسائل .
﴿ المسألة الأولى﴾ في محل (الذين) وجوه: الأول: وهو قول الزجاج أنه رفع بالإبتداء
وخبره ( للذين أحسنوا منهم ) إلى آخر هذه الآية . الثاني : أن يكون محله هو الخفض على

١٠٠
قوله تعالى ((للذين أحسنوا منهم واتقوا اجر عظيم)) الآية سورة آل عِمْران
النعت للمؤمنين الثالث : أن يكون نصباً على المدح .
﴿ المسألة الثانية ﴾ في سبب نزول هذه الآية قولان: الأول: وهو الأصح أن أبا سفيان
وأصحابه لما إنصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ندموا ، وقالوا إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا
القليل فلم تركناهم ؟ بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم ، فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول
الله ◌َّ، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة، فندب أصحابه إلى
الخروج في طلب أبي سفيان وقال : لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال ،
فخرج الرسول ◌َّر، مع قوم من أصحابه ، قيل كانوا سبعين رجلاً حتى بلغوا حمراء الأسد.
وهو من المدينة على ثلاثة أميال ، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فإنهزموا ، وروى أنه كان
فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة ، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى ، وكان
كل ذلك لأثخان الجراحات فيهم ، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صامحبه
ساعة. والثاني: قال أبو بكر الأصم: نزلت هذه الآية في يوم أحد لما رجع الناس إليه ◌َلآ،
بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم ، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنها بعد أن
مثلوا بحمزة ، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا، وصلى عليهم، ريَّ، ودفنهم بدمائهم،
وذكروا أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال عليه الصلاة والسلام للزبير: ردها لئلا
تجزع من مثلة أخيها ، فقالت قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله تعالى، فقال
الزبير: فدعها تنظر إليه ، فقالت خيراً واستغفرت له، وجاءت امرأة قد قتل زوجها وأبوها
وأخوها وابنها فلما رأت النبي ◌ََّ، وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر، فهذا ما قيل في
سبب نزول هذه الآية ، وأكثر الروايات على الوجه الأول .
المسألة الثالثة ﴾ أستجاب: بمعنى أجاب، ومنه قوله (فليستجيبوا لي) وقيل :
أجاب فعل الأجابة واستجاب طلب أن يفعل الأجابة، لأن الأصل في الإستفعال طلب الفعل،
والمعنى أجابوا واطاعوا الله في أوامره وأطاعوا الرسول من بعدما أصابهم الجراحات القوية .
أما قوله تعالى ﴿ للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ﴾ ففيه مسألتان .
المسألة الأولى ﴾ في قوله ( للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ) وجوه : الأول
(أحسنوا) دخل تحته الإنتمار بجميع المأمورات ، وقوله (واتقوا) دخل تحته الإنتهاء عن جميع
المنهيات ، والمكلف عند هذين الأمرين يستحق الثواب العظيم . الثاني : أحسنوا في طاعة
الرسول في ذلك الوقت ، واتقوا الله في التخلف عن الرسول ، وذلك يدل على أنه يلزمهم