النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ قوله تعالى ((اذ تصعدون ولا تلوون على احد)) الآية سورة آل عِمْران لِكَيْلَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَافَتَكُمْ وَلَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٥٣ .3 بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون ﴾. فيه قولان : أحدهما ﴾ أنه متعلق بما قبله ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : أحدها : كأنه قال وعفا عنكم إذ تصعدون ، لأن عفوه عنهم لا بد وان يتعلق بأمر اقترفوه ، وذلك الأمر هو ما بينه بقوله ( إذ تصعدون ) والمراد به ما صدر عنهم من مفارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين لا يلوون على أحد وثانيها : التقدير :، ثم صرفكم عنهم إذ تصعدون . وثالثها : التقدير: ليبتليكم إذ تصعدون . والقول الثانى ﴾ أنه ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله، والتقدير: اذكر إذا تصعدون وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: قرأ الحسن (إذا تصعدون في الجبل ) ، وقرأ أبي ( إذ تصعدون في الوادي ) وقرأ أبو حيوة ( إذ تصعدون ) بفتح التاء وتشديد العين ، من تصعد في السلم . المسألة الثانية﴾ الاصعاد : الذهاب في الأرض والابعاد فيه ، يقال صعد في الجبل، وأصعد في الأرض ، ويقال أصعدنا من مكة إلى المدينة ، قال أبو معاذ النحوي : كل شيء له . أسفل وأعلى مثل الوادي والنهر والازقة، فانك تقول: صعد فلان يصعد في الوادي إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم فإنه يقال صعدت . المسألة الثالثة ﴾ ولا تلوون على أحد : أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب ، وأصله أن المعرج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته ، فإذا مضى ولم يعرج قيل لم يلوه ، ثم استعمل اللي في ترك التعريج على الشيء وترك الالتفات إلى الشيء ، يقال فلان لا يلوي على شيء ، أي لا يعطف عليه ولا يبالي به . ثم قال تعالى ﴿ والرسول يدعوكم﴾ كان يقول ((إلى عباد الله أنا رسول اللّه من كر فله الجنة)) فيحتمل أن يكون المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا ٤٢ قوله تعالى ((فاثابكم غماً بغم )) الآية سورة آل عِمْران عنده ، ولا يتفرقوا ، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يدعوهم إلى المحاربة مع العدو . ثم قال ﴿ في أخراكم﴾ أي آخركم، يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم. كما يقال: في أولهم وأولاهم، ويقال : جاء فلان في أخريات الناس ، أي آخرهم ، والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم ، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه . ثم قال ﴿ فاثابكم غماً بغم ﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب الا في الخير، ويجوز أيضاً استعماله في الشر، لأنه مأخوذ من قولهم : ثاب إليه عقله ، أي رجع إليه ، قال تعالى ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ) والمرأة تسمى ثيباً لأن الواطىء عائد إليها ، وأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيراً أوشراً، إلا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير ، فان حملنا لفظ الثواب ههنا على أصل اللغة استقام الكلام ، وان حملناه على مقتضى العرف كان ذلك وارداً على سبيل التهكم ، كما يقال تحيتك الضرب ، وعتابك السيف ، أي جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب قال تعالى ( فبشرهم بعذاب أليم ) . ﴿ المسألة الثانية ﴾ الباء في قوله (غماً بغم) يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة، كما يقال هذا بهذا أي هذا عوض عن ذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى ((مع)) والتقدير: أثابهم غما مع غم ، أما على التقدير الأول ففيه وجوه : الأول : وهو قول الزجاج أنكم لما أذقتم الرسول غما بسبب أن عصيتم أمره ، فالله تعالى إذاقكم هذا الغم ، وهو الغم الذي حصل لهم بسبب الانهزام وقتل الأحباب ، والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم . الثاني : قال الحسن : يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين ، والمقصود منه أن لا يبقى في قلبكم التفات إلى الدنيا ، فلا تفرحوا باقبالها ولا تحزنوا بادبارها ، وهو المعنى بقوله ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ) في واقعة أحد ( ولا تفرحوا بما آتاكم ) في واقعة بدر ، طعن القاضي في هذا الوجه وقال : إن غمهم يوم أحد إنما كان من جهة استيلاء الكفار ، وذلك كفر ومعصية ، فكيف يضيفه اللّه إلى نفسه ؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في تسليط الكفار على المسلمين نوع مصلحة ، وهو أن لا يفرحوا باقبال الدنيا ولا يحزنوا بادبارها ، فلا يبقى في قلوبهم اشتغال بغير الله . الثالث: يجوز أن يكون الضمير في قوله ( فأثابكم ) يعود للرسول ، والمعنى أن الصحابة لما رأوا أن النبي ﴾ شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه ، اغتموا لأجله ، والرسول عليه السلام لما رأى أنهم عصوا ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محر ومين من الغنيمة ، وقتل أقاربهم اغتم لأجلهم ، فكان المراد من قوله ( فاثابكم غما بغم ) هو هذا ، ٤٣ قوله تعالى ((فاثابكم غماً بغم)) الآية سورة آل عِمْران أما على التقدير الثاني وهو أن تكون الباء في قوله ( غما بغم) بمعنى ((مع )) أي غما مع غم ، أو غما على غم ، فهذا جائز لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض ، تقول: ما زلت به حتى فعل ، وما زلت معه حتى فعل ، وتقول : نزلت ببني فلان ، وعلى بني فلان . واعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة : فأحدها : غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس والأموال . وثانيها : غمهم بما لحق سائر المؤمنين من ذلك ، وثالثها : غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة وكسر الرباعية، ورابعها : ما أرجف به من قتل الرسول ، وخامسها : بما وقع منهم من المعصية وما يخافون من عقابها ، وسادسها : غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم ، وذلك لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الانهزام ، وذلك من أشق الأشياء ، لأن الانسان بعد صيرورته منهزما يصير ضعيف القلب جباناً ، فاذا أمر بالمعاودة ، فان فعل خاف القتل ، وإن لم يفعل خاف الكفر أو عقاب الآخرة ، وهذا الغم لا شك أنه أعظم الغموم والأحزان ، وإذا عرفت هذه الجملة فكل واحد من المفسرين فسرهذه الآية بواحد من هذه الوجوه ونحن نعدها : ﴿ الوجه الأول ﴾ أن الغم الأول ما أصابهم عند الفشل والتنازع ، والغم الثاني ما حصل عند الهزيمة . الوجه الثاني ﴾ أن الغم الأول ما حصل بسبب فوت الغنائم ، والغم الثاني ما حصل بسبب أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً . ﴿ الوجه الثالث ﴾ أن الغم الأول ما كان عند توجه أبي سفيان وخالد بن الوليد عليهم بالقتل والغم الثاني هو أن المشركين لما رجعوا خاف الباقون من المسلمين من أنهم لو رجعوا لقتلوا الكل فصار هذا الغم بحيث أذهلهم عن الغم الأول . والوجه الرابع ﴾ أن الغم الأول ما وصل إليهم بسبب أنفسهم وأموالهم ، والغم الثاني ما وصل إليهم بسبب الارجاف بقتل النبي حية ، وفي الآية قول ثالث اختاره القفال رحمه الله تعالى قال: وعندنا أن الله تعالى ما أراد بقوله ( غما بغم) اثنين ، وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها ، أي أن الله عاقبكم بغموم كثيرة ، مثل قتل إخوانكم وأقاربكم ، ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك اكثركم ، ومثل إقدامكم على المعصية ، فكأنه تعالى قال : أثابكم هذه الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زاجراً لكم عن الاقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله تعالى . ١٤ قوله تعالى (( ثم انزل عليكم من بعد الغم أمنة )) الآية سورة آل عمران ثمّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ الْغَمِ أَمَنَّةً نُعَاسًا يَغْشَى طَآَبِفَةٌ مِنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتُهُمْ المسألة الثالثة ﴾ معنى أن الله أثابهم غما بغم : أنه خلق الغم فيهم ، وأما المعتزلة فهذا لا يليق بأصولهم ، فذكروا في علة هذه الاضافة وجوهاً: الأول : قال الكعبي : ان المنافقين لما أرجفوا أن محمداً عليه الصلاة والسلام قد قتل ولم يبين الله تعالى كذب ذلك القائل ، صار كأنه تعالى هو الذي فعل ذلك الغم ، وهذا كالرجل الذي يبلغه الخبر الذي يغمه ويكون معه من يعلم أن ذلك الخبر كذب ، فإذا لم يكشفه له سريعاً وتركه يتفكر فيه ثم أعلمه فإنه يقول له : لقد غممتني وأطلت حزني وهو لم يفعل شيئاً من ذلك ، بل سكت وكف عن أعلامه ، فكذا ههنا . الثاني : أن الغم وان كان من فعل العبد فسببه فعل الله تعالى ، لأن الله طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب التي تنالهم وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون . الثالث : أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى الغم في قلب بعض المكلفين لرعاية بعض المصالح . ثم قال تعالى ﴿لكيلا تحزنوا﴾ وفيه وجهان: الأول: انها متصلة بقوله (ولقد عفا عنكم) كأنه قال: ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا، لأن في عفوه تعالى ما يزيل كل غم وحزن، والثاني : أن اللام متصلة بقوله ( فأثابكم ) ثم على هذا اقول وجوها : الأول : قال الزجاج : المعنى أثابكم غم الهزيمة من غمكم النبي ◌َّ بسبب مخالفته ، ليكون غمكم بأن خالفتموه فقط ، لا بأن فاتتكم الغنيمة وأصابتكم الهزيمة ، وذلك لأن الغم الحاصل بسبب الاقدام على المعصية ينسى الغم الحاصل بسبب مصائب الدنيا . الثاني : قال الحسن : جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلتموهم مغمومين يوم بدر ، لأجل أن يسهل أمر الدنيا في أعينكم فلا تحزنوا بقواتها ولا تفرحوا بإقبالها ، وهذان الوجهان مفرعان على قولنا الباء في قوله (غما بغم ) للمجازاة، أما إذا قلنا إنها بمعنى ((مع)) فالمعنى أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا أمر الرسول لوقعنا في غم فوات الغنيمة ، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في هذه الغموم العظيمة التي كل واحد منها أعظم من ذلك الغم أضعافاً مضاعفة ، والعاقل إذا تعارض عنده الضرران ، وجب أن يخص أعظمهما بالدفع ، فصارت إثابة الغم على الغم مانعاً لكم من أن تحزنوا بسبب فوات الغنيمة ، وزاجراً لكم عن ذلك ، ثم كما زجرهم عن تلك المعصية بهذا الزجر الحاصل في الدنيا ، زجرهم عنها بسبب الزواجر الموجودة في الغنيمة فقال ( والله خبير بما تعملون ) أي هو عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم ، قادر على مجازاتها ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وذلك من أعظم الزواجر للعبد عن الاقدام على المعصية والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم وطائفة قد ٤٥ قوله تعالى ((ثم انزل عليكم من بعد الغم أمنة)) الآية سورة آل عِمْران أَنْفُسُمْ يَطُونَ بِلِّ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُ لِِّ يُحْفُونَ فِىَ أَنْفُسِهِ مََّيُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىٌْ مَّ ◌ُتِلْنَا هَنهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِ يُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُمَا فِ صُدُورِكُمْ وَلِيُعَّحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ه ١٥٤ أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ﴾ في كيفية النظم وجهان : الأول : أنه تعالى لما وعد نصر المؤمنين على الكافرين ، وهذا النصر لا بد وأن يكون مسبوقاً بازالة الخوف عن المؤمنين ، بين في هذه الآية أنه تعالى أزال الخوف عنهم ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين . الثاني : أنه تعالى بين أنه نصر المؤمنين أولاً ، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم ، ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلب من كان صادقاً في إيمانه مستقراً على دينه بحيث غلب النعاس عليه . واعلم أن الذين كانوا مع الرسول ◌َ ل# يوم أحد فريقان: أحدهما : الذين كانوا جازمين بأن محمداً عليه الصلاة والسلام ثبي حق من عند الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وكانوا قد سمعوا من النبي ◌َّ أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان ، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال ، فلا جرم كانوا آمنين ، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس ، فإن النوم لا يجيء مع الخوف ، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية ، فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً) وقال في قصة بدر ( إذ يغشاكم النعاس أمنة منه ) ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس ، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة ، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا ٤٦ قوله تعالى (( يغشى طائفة منكم)) الآية سورة آل عِمْران شاكين في نبوته عليه الصلاة والسلام ، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة ، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم ، ثم انه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين ، فقال في صفة المؤمنين ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قال الواحدى ((الأمنة)) مصدر كالامن ، ومثله من المصادر : العظمة والغلبة ، وقال الجبائي : يقال : أمن فلان يأمن أمناً وأمنة وأماناً . المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف: قرىء ( أمنة ) بسكون الميم ، لأنها المرة من الأمن . المسألة الثالثة ﴾ في قوله تعالى ( نعاساً) وجهان : أحدهما : أن يكون بدلا من أمنة ، والثاني : أن يكون مفعولاً ، وعلى هذا التقدير ففي قوله ( أمنة ) وجوه : أحدها : أن تكون حالا منه مقدمة عليه ، كقولك : رأيت راكباً رجلاً، وثانيها : أن يكون مفعولاً له بمعنى نعستم أمنة ، وثالثها : أن يكون حالاً من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة . ثم قال تعالى ﴿ يغشى طائفة منكم ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ قد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة ، غشينا النعاس ونحن في مصافنا ، فكان السیف یسقط من ید أحدنا فيأخذه . ثم يسقط فيأخذه ، وعن الزبير قال كنت مع النبي ◌ّ حين اشتد الخوف، فأرسل الله علينا النوم، وإني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا وقال عبد الرحمن بن عوف: ألقى النوم علينا يوم أحد ، وعن ابن مسعود : النعاس في القتال أمنة ، والنعاس في الصلاة من الشيطان ، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا ، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله . واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد: أحدها أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي وَّر، ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيماناً مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن الله منجز وعده، وثانيها: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال، والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة، وثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم ٤٧ قوله تعالى ((وطائفة قد اهمتهم انفسهم)) الآية سورة آل عِمْران على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم، فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم، ورابعها: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى، ومن الناس من قال: ذكر النعاس في هذا الموضع كناية عن غاية الأمن ، وهذا ضعيف لأن صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا عند قيام الدليل المعارض، فكيف يجوز ترك حقيقة اللفظ مع اشتمالها على هذه الفوائد والحكم . المسألة الثانية ﴾ قرأ حمزة والكسائي (تغشى) بالتاء رداً إلى الأمنة ، والباقون بالياء رداً، إلى النعاس ، وهو اختيار أبي حاتم وخلف وأبي عبيد . واعلم أن الأمنة والنعاس كل واحد منهما يدل على الآخر ، فلا جرم يحسن رد الكناية إلى أيهما شئت ، كقوله تعالى ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون ) وتغلي ، إذا عرفت جوازهما فنقول : مما يقوي القراءة بالتاء أن الأصل الأمنة ، والنعاس بدل ، ورد الكناية إلى الأصل أحسن ، وأيضاً الأمنة هي المقصود ، وإذا حصلت الأمنة حصل النعاس لأنها سببه، فإن الخائف لا يكاد ينعس، وأما من قرأ بالياء فحجته أن النعاس هو الغاشي، فان العرب يقولون غشينا النعاس، وقلما يقولون غشيني من النعاس أمنة، وأيضاً فان النعاس مذكور بالغشيان في قوله ( إذ يغشاكم النعاس أمنة منه ) وأيضاً : النعاس يلي الفعل ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذكر الغشيان من الأمنة فالتذكير أولى . ثم قال تعالى ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ هؤلاء هم المنافقون عبد الله بن أبي ومعتب بن اقشير وأصحابهما، كان همهم خلاص أنفسهم ، يقال همني الشيء أي كان من همي وقصدي ، قال أبو مسلم : من عادة العرب أن يقولوا لمن خاف، قد أهمته نفسه ، فهؤلاء المنافقون لشدة خوفهم من القتل طار النوم عنهم ، وقيل المؤمنون ، كان همهم النبي ◌َّ وإخوانهم من المؤمنين ، والمنافقون كان همهم أنفسهم وتحقيق القول فيه : أن الانسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه ، صار غافلاً عما سواه ، فلما كان أحب الأشياء إلى الإِنسان نفسه ، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلاً عن كل ما سواها ، فهذا هو المراد من قوله ( أهمتهم أنفسهم ) وذلك لأن أسباب الخوف وهي قصد الأعداء كانت حاصلة والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ووعد رسوله ما كان معتبراً عندهم ، لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم ، فلا جرم عظم الخوف في قلوبهم . ٤٨ قوله تعالى (( وطائفة قد اهمتهم انفسهم )) الآية سورة آل عِمْران المسألة الثانية﴾ ((طائفة)) رفع بالابتداء وخبره ((يظنون)) وقيل خبره ((أهمتهم أنفسهم)) ثم أنه تعالى وصف هذه الطائفة بأنواع من الصفات . الصفة الأولى ﴾ من صفاتهم قوله تعالى ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ في هذا الظن احتمالان: أحدهما : وهو الأظهر: هو أن ذلك الظن أنهم كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقاً في دعواه لما سلط الكفار عليه وهذا ظن فاسد ، أما على قول أهل السنة والجماعة ، فلأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه ، فان النبوة خلعة من الله سبحانه يشرف عبده بها ، وليس يجب في العقل أن المولى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى ، بل له الأمر والنهي كيف شاء بحكم الالهية، وأما على قول من يعتبر المصالح في أفعال الله وأحكامه ، فلا يبعد أن يكون الله تعالى في التخلية بين الكافر والمسلم ، بحيث يقهر الكافر المسلم ، حكم خفية وألطاف مرعية ، فان الدنيا دار الامتحان والابتلاء ، ووجوه المصالح مستورة عن العقول ، فربما كانت المصلحة في التخلية بين الكافر والمؤمن حتى يقهر الكافر المؤمن ، وربما كانت المصلحة في تسليط الفقر والزمانة على المؤمنين . قال القفال : لو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن يضطر الناس إلى معرفة المحق بالجبر ، وذلك ينافي التكليف واستحقاق الثواب والعقاب ، بل الإِنسان إنما يعرف كونه محقاً بما معه من الدلائل والبينات ، فأما القهر فقد يكون من المبطل للمحق ، ومن المحق للمبطل ، وهذه جملة كافية في بيان أنه لا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة على أن صاحبها على الحق . الثاني : أن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون إله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ، وينكرون النبوة والبعث ، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي ◌َّ في أن الله يقويهم وينصرهم . المسألة الثانية﴾ ((غير الحق)) في حكم المصدر، ومعناه: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به ( وظن الجاهلية ) بدل منه ، والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق : أديان كثيرة ، وأقبحها مقالات أهل الجاهلية ، فذكر أولاً أنهم يظنون بالله غير الظن الحق ، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي غير حقة أركها وأكثرها بطلانا، وهو ظن أهل الجاهلية ، كما يقال فلان دينه ليس بحق ، دينه دين الملاحدة . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ في قوله ( ظن الجاهلية) قولان: أحدهما : أنه كقولك: حاتم الجود ، وعمر العدل ، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية ، والثاني : المراد ظن أهل الجاهلية . ٤٩ سورة آل عِمْران قوله تعالى (( هل لنا من الأمر شيء)) الآية الصفة الثانية ﴾ من الصفات التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء المنافقين قوله تعالى ( يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله ) . واعلم أن قوله ﴿ هل لنا من الأمر من شيء﴾ حكاية للشبهة التي تمسك أهل النفاق بها، وهو يحتمل وجوهاً: الأول: أن عبدالله بن أبي لما شاوره النبي ◌ّ في هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة ، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي ◌َّر في أن يخرج إليهم ، فغضب عبدالله بن أبي من ذلك ، فقال عصاني وأطاع الولدان ، ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجعٍ عبدالله بن أبي قيل له : قتل بنو الخزرج ، فقال هل لنا من الأمر من شيء ، يعني أن محمداً لم يقبل قولي حين أمرته بأن يسكن في المدينة ولا يخرج منها ، ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا ( لو أطاعونا ما قتلوا ) والمعنى : هل لنا من أمر يطاع وهو استفهام على سبيل الانكار . الوجه الثاني في التأويل﴾ أن من عادة العرب أنه كانت الدولة لعدوه قالوا عليه الأمر ، فقوله ( هل لنا من الأمر من شيء ) أي هل لنا من الشيء الذي كان يعدنا به محمد ، وهو النصرة والقوة شيء وهذا استفهام على سبيل الانكار ، وكان غرضهم منه الاستدلال بذلك على أن محمدً ◌ّ كان كاذباً في ادعاء النصرة أو العصمة من الله تعالى لأمته ، وهذا استفهام على سبيل الانكار . الثالث : أن يكون التقدير : أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء ، والغرض منه تصبير المسلمين في التشديد في الجهاد والحرب مع الكفار ، ثم إن الله سبحانه أجاب عن هذه الشبهة بقوله ( قل إن الأمر كله لله ) وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمرو ( كله) برفع اللام ، والباقون بالنصب ، أما وجه الرفع فهو أن قوله ( كله) مبتدأ وقوله ( الله ) خبره ، ثم صارت هذه الجملة خبراً لأن، وأما النصب فلأن لفظة ((كل)) للتأكيد، فكانت كلفظة أجمع ، ولو قيل : ان الأمر أجمع ، لم يكن إلا النصب، فكذا إذا قال ((كله)). المسألة الثانية﴾ الوجه في تقرير هذا الجواب ما بينا: انا إذا قلنا بمذهب أهل السنة لم يكن على الله اعتراض في شيء من أفعاله في الأمانة والاحياء ، والفقر والأغناء والسراء والضراء ، وإن قلنا بمذهب القائلين برعاية المصالح ، فوجوه المصالح مخفية لا يعلمها إلا الله تعالى ، فربما كانت المصلحة في إيصال السرور واللذة ، وربما كانت في تسليط الأحزان والآلام ، فقد اندفعت شبهة المنافقين من هذا الوجه . المسألة الثالثة ﴾ أحتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع المحدثات بقضاء الله الفخر الرازي ج٩ م٤ ٥٠ قوله تعالى ((يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك )) الآية سورة آل عِمْران وقدره ، وذلك لأن المنافقين قالوا ان محمداً لو قبل منا رأينا ونصحنا ، لما وقع في هذه المحنة ، فأجاب الله عنه بأن الأمر كله لله ، وهذا الجواب : إنما ينتظم لو كانت أفعال العباد بقضاء الله وقدره ومشيئته إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعا لشبهة المنافقين : فثبت أن هذه الآية دالة على ما ذكرنا . وأيضاً فظاهر هذه الآية مطابق للبرهان العقلي ، وذلك لأن الموجود ، إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الأنتهاء إلى الواجب لذاته ، فثبت أن كل ما سوى الله تعالى مستند إلى إيجاده وتكوينه ، وهذه القاعدة لا أختصاص لها بمحدث دون محدث ، أو ممكن دون ممكن ، فتدخل فيه أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم ، وذلك هو المراد بقوله ( قل إن الأمر كله لله) وهذا كلام في غاية الظهور لمن وفقه الله للانصاف. ثم أنه تعالى قال : ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ﴾ وأعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : هل لنا من الأمر من شيء ، وهذا الكلام محتمل . فلعل قائله كان من المؤمنين المحقين ، وكان غرضه منه إظهار الشفقة ، وأنه متى يكون الفرج ؟ ومن أين تحصل النصرة ؟ ولعله كان من المنافقين ، وإنما قاله طعنا في نبوة محمد ◌َّ وفي الإِسلام فبين تعالى في هذه الآية أن غرض هؤلاء من هذا الكلام هذا القسم الثاني ، والفائدة في هذا التنبيه أن يكون النبي وم له متحرزاً عن مكرهم وكيدهم . ﴿ النوع الثالث﴾ من الأشياء التي حكى الله عن المنافقين، قولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ، وفيه إشكال ، وهو أن لقائل أن يقول : ما الفرق بين هذا الكلام وبين ما تقدم من قوله ( هل لنا من الأمر من شيء ) ويمكن أن يجاب عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى لما حكى عنهم قولهم ( هل لنا من الأمر من شيء) فأجاب عنه بقوله ( الأمر كله لله ) واحتج المنافقون على الطعن في هذا الجواب بقولهم : لو كان لنا من الأمر شيء لما خرجنا من المدينة وما قتلنا ههنا ، فهذا يدل على أنه ليس الأمر كما قلتم من أن الأمر كله لله ، وهذا هو بعينه المناظرة الدائرة بين أهل السنة وأهل الأعتزال فأن السني يقول : الأمر كله في الطاعة والمعصية والأيمان والكفر بيد الله ، فيقول المعتزلي: ليس الأمر كذلك ، فأن الأنسان مختار مستقل بالفعل ، إن شاء آمن ، وإن شاء كفر ، فعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة مستقلة بنفسها ، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله الله تعالى جواباً عن الشبهة الأولى . ﴿ والوجه الثاني ﴾ أن يكون المراد من قوله ( هل لنا من الأمر من شيء) هو أنه هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد شيء، ويكون المراد من قوله ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ٥١ قوله تعالى ((يخفون في انفسهم ما لا يبدون لك)) الآية سورة آل عِمْران ههنا) وهو ما كان يقوله عبدالله بن أبي من أن محمداً لو أطاعني وما خرج من المدينة ما قتلنا ههنا. وأعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه . : الوجه الأول من الجواب ﴾ قوله ( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم) والمعنى أن الحذر لا يدفع القدر ، والتدبير لا يقاوم التقدير ، فالذين قدر الله عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا على جميع التقديرات ، لأن الله تعالى لما أخبر أنه يقتل ، فلو لم يقتل لانقلب علمه جهلاً ، وقد بينا أيضا أنه ممكن فلا بد من أنتهائه إلى إيجاد الله تعالى ، فلو لم يوجد لأنقلبت قدرته عجزاً، وكل ذلك محال ، ومما يدل على تحقيق الوجوب كما قررنا قوله ( الذين كتب عليهم القتل ) وهذه الكلمة تفيد الوجوب ، فإن هذه الكلمة في قوله ( كتب عليكم الصيام . كتب عليكم القصاص ) تفيد وجوب الفعل ، وها هنا لا يمكن حملها على وجوب الفعل ، فوجب حملها على وجوب الوجود وهذا كلام في غاية الظهور لمن أيده الله بالتوفيق ، ثم نقول للمفسرين : فيه قولان : الأول : لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل إلى مضاجعهم ومصارعهم حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد . والثاني : كأنه قيل للمنافقين لوجلستم في بيوتكم وتخلفتم عن الجهاد لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار إلى مضاجعهم ، ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم . الوجه الثاني في الجواب عن تلك الشبة ﴾ قوله ( وليبتلي الله ما في صدوركم) وذلك لأن القوم زعموا أن الخروج إلى تلك المقاتلة كان مفسدة ، ولو كان الأمر إليهم لما خرجوا إليها ، فقال تعالى : بل هذه المقاتلة مشتملة على نوعين من المصلحة : أن يتميز الموافق من المنافق ، وفي المثل المشهور : لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين ، ومعنى الأبتلاء في حق الله تعالى قد مر تفسيره مراراً كثيرة فإن قيل : لم ذكر الأبتلاء وقد سبق ذكره في قوله ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) . قلنا : لما طال الكلام أعاد ذكره ، وقيل الأبتلاء الأول هزيمة المؤمنين ، والثاني سائر الأحوال . الوجه الثالث في الجواب ﴾ قوله ( وليمحص ما في قلوبكم ) وفيه وجهان : احدهما : أن هذه الواقعة تمحص قلوبكم عن الوساوس والشبهات ، والثاني : أنها تصير كفارة لذنوبكم فتمحصكم عن تبعات المعاصي والسيآت ، وذكر في الأبتلاء الصدور ، وفي قوله تعالى ((ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان)) الآية سورة آل عِمْران إِنَّ الَّذِينَ تَلَّوْاْ مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا أَسْتَُّمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَ اللهُ عَنْهُمَّ إِنَّ اللَّ غَفُورُ حَلِيْمٌ التمحيص القلوب ، وفيه بحث ثم قال ( والله عليم بذات الصدور ) . وأعلم أن ذات الصدور هي الأشياء الموجودة في الصدور ، وهي الأسرار والضمائر ، وهي ذات الصدور ، لأنها حالة فيها مصاحبة لها ، وصاحب الشيء ذوه وصاحبته ذاته ، وإنما ذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفى عليه ما في الصدور ، أو غير ذلك ، لأنه عالم بجميع المعلومات وإنما ابتلاهم اما لمحض الألهية ، أو للأستصلاح . وقوله تعالى ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم، إن الله غفور حليم﴾. وأعلم أن المراد : أن القوم الذين تولوا يوم أحد عند التقاء الجمعين ، وفارقوا المكان وانهزموا قد عفا الله عنهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى ﴾ اختلفت الأخبار فيمن ثبت ذلك اليوم وفيمن تولى ، فذكر محمد بن إسحاق أن ثلث الناس كانوا مجروحين ، وثلثهم انهزموا ، وثلثهم ثبتوا ، وأختلفوا في المنهزمين ، فقيل: أن بعضهم ورد المدينة وأخبر أن النبي مخ لة وسلم قتل ، وهو سعد بن عثمان، ثم ورد بعده رجال دخلوا على نسائهم، وجعل النساء يقلن: عن رسول اللّه ◌ِمخليه تفرون ! وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن : هاك المغزل أغزل به ، ومنهم قال : أن المسلمين لم يعدوا الجبل ، قال القفال والذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً منهم تولوا وأبعدوا ، فمنهم من دخل المدينة ، ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب ، وأما الأكثرون فأنهم نزلوا عند الجبل وأجتمعوا هناك ، ومن المنهزمين عمر ، إلا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي وتثير ، ومنهم أيضاً عثمان أنهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما سعد وعقبة ، انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام ، فقال لهم النبي ◌ِّ: ((لقد ذهبتم فيها عريضة)) وقالت فاطمة لعلي : ما فعل عثمان؟ فنقصه ، فقال النبي ◌َ : ((يا على أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا)) وأما الذين ثبتوا مع الرسولبل# فكانوا أربعة عشر رجلاً ، سبعة من المهاجرين ، وسبعة من الأنصار ، فمن المهاجرين أبو بكر ، وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وأبو عبيدة بن ٥٣٠ قوله تعالى ((ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، الآية سورة آل عمران الجراح والزبير بن العوام ، ومن الأنصار الخباب بن المنذروأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحرث بن الصمة وسهل بن حنيف وأسيد بن حضير وسعد أبن معاذ ، وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذ على الموت ثلاثة من المهاجرين : علي وطلحة والزبير ، وخمسة من الأنصار : أبو دجانة والحرث بن الصمة وخباب بن المنذر وعاصم بن ثابت وسهل أبن حنيف، ثم لم يقتل منهم احد . وروى ابن عيينة أنه أصيب مع رسول الله بعثة نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويحثو بين يديه ويقول : وجهي لوجهك الفداء ، ونفسي لنفسك الفداء ، وعليك السلام غير مودع . المسألة الثانية ﴾ قوله : ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ) هذا خطاب للمؤمنين خاصة يعني الذين انهزموا يوم أحد ( إنما استزلهم الشيطان ) أي حملهم على الزلة . وأزل واستزل بمعنى واحد ، قال تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها ) وقال ابن قتيبة : استزلهم طلب زلتهم ، كما يقال استعجلته أي طلبت عجلته ، واستعملته طلبت عمله . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الكعبي: الآية تدل على أن المعاصي لا تنسب إلى الله، فإن تعالى نسبها في هذه الآية إلى الشيطان وهو كقوله تعالى عن موسى ( هذا من عمل الشيطان ) وكقول يوسف ( من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي ) وكقول صاحب موسى ( وما انسانية إلا الشيطان ) . المسألة الرابعة ) أنه تعالى لم يبين أن الشيطان في أي شيء أستزلهم ، وذلك لأن مع العفو لا حاجة إلى تعيين المعصية ، لكن العلماء جوزوا أن يكون المراد بذلك تحولهم عن ذلك الموضع ، بأن يكون رغبتهم في الغنيمة ، وأن يكون فشلهم في الجهاد ؛ وعدو لهم عن الأخلاص ، وأي ذلك كان ، فقد صح أن الله تعالى عفا عنهم ، وروي أن عثمان عوتب في هزيمته يوم أحد ، فقال إن ذلك وإن كان خطأ لكن الله عفا عنه ، وقرأ هذه الآية . أما ما قوله تعالى ﴿ ببعض ما كسبوا﴾ ففيه وجهان: أحدهما : أن الباء للالصاق كقولك : كتبت بالقلم ، وقطعت بالسكين ، والمعنى أنه كان قد صدرت عنهم جنايات ، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه ، الأول : قال الزجاج: أنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا ، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوبا كانت لهم ، فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها ، وإلا بعد الاخلاص في التوبة ، فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطئين فيه . والثاني : انهم لما أذنبوا بسبب مفارقة ذلك المكان أزلهم الشيطان بشؤم هذه المعصية وأوقعهم في الهزيمة ، لأن الذنب يجر إلى الذنب ، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة . ويكون لطفا فيها . الثالث : لما أذنبوا ٥٤ قوله تعالى (( يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا)) الآية" سورة آل عمران وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَكُونُواْ كَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَتِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِ اَلْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُرَّى لَوْ كَانُواْ عِندَنَا مَامَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللهُذَلِكَ حَسْرَةً فِ قُلُوبِهِمْ وَالهُ بسبب الفشل ومنازعة بعضهم مع بعض وقعوا في ذلك الذنب . والوجه الثاني ﴾ أن يكون المعنى: استزلهم الشيطان في بعض ما كسبوا ، لا في كل ما كسبوا ، والمراد منه بيان انهم ما كفروا وما تركوا دينهم ، بل هذه زلة وقعت لهم في بعض أعمالهم. ثم قال تعالى ﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾. واعلم أن هذه الآية دلت على أن تلك الزلة ما كانت بسبب الكفر ، فأن العفو عن الكفر لا يجوز لقوله تعالى ( أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ثم قالت المعتزلة : ذلك الذنب أن كان من الصغائر جاز العفو عنه من غير توبة ، وأن كان من الكبائر لم يجز إلا مع التوبة ، فههنا لا بد من تقدم التوبة منهم ، وأن كان ذلك غير مذكور في الآية ، قال القاضي : والأقرب أن ذلك الذنب كان من الصغائر ويدل عليه وجهان: الأول : أنه لا يكاد في الكبائر يقال أنها زلة ، إنما يقال ذلك في الصغائر . الثاني : أن القوم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق ألى ثباتهم في ذلك المكان حاجة ، فلا جرم انتقلوا عنه وتحولوا لطلب الغنيمة ، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مدخلا ، وأما على قول أصحابنا فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز ، فلا حاجة الى هذه التكلفات . ثم قال تعالى ﴿ أن الله غفور حليم﴾ أي غفور لمن تاب وأناب، حليم لا يعجل بالعقوبة . وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ذلك الذنب كان من الكبائر، لأنه لو كان من الصغائر لوجب على قوله المعتزلة أن يعفو عنه، ولو كان العفو عنه واجبا لما حسن التمدح به، لأن من يظلم أنساناً فإنه لا يحسن أن يمتدح بأنه عفا عنه وغفر له، فلما ذكر هذا التمدح علمنا أن ذلك الذنب كان من الكبائر، ولما عفا عنه علمنا أن العفو عن الكبائر واقع والله أعلم . قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لأخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزاً لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ٥٥ قوله تعالى (( يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا)) الآية سورة آل عِمْران يُحْءٍ وَيُِتٌ وَاللهُبِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وَلَنْ قُتِلْتُمْ فِ سَبِيلِ اللهِ أَوْ ◌ُمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَحْمَةُ خَيْرٌّ ◌ِمَا يَجْمَعُونَ ﴿َ وَن ◌ُّمْ أَوْ قُتِتُمْ لَإِلَى اللَّهِتْشَرُونَ هـ ويميت والله بما تعملون بصير ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لالى اللّه تحشرون ﴾. أعلم أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار بقولهم : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، ثم أنه لما ظهر عه بغض المؤمنين فتور وفشل في الجهاد حتى وقع يوم أحد ما وقع وعفا الله بفضله عنهم ، ذكر في هذه الآية ما يدل على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين مثل مقالتهم فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لمن يريد الخروج إلى الجهاد : لو لم تخرجوا لما متم وما قتلتم فأن اللّه هو المحي والمميت ، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد ، ومن قدر له الموت لم يبق وأن لم يجاهد ، وهو المراد من قوله ( والله يحيي ويميت ) وأيضاً الذي قتل في الجهاد ، لو أنه ما خرج إلى الجهاد لكان يموت لا محالة ، فاذا كان لا بد من الموت فلأن يقتل في الجهاد حتى يستوجب الثواب العظيم ، كان ذلك خيراً له من أن يموت من غير فائدة ، وهو المراد من قوله ( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ) فهذا هو المقصود من الكلام ، وفي الآية مسائل . المسألة الأولى﴾ اختلفوا في المراد بقوله ( كالذين كفروا) فقال بعضهم : هو على إطلاقه، فيدخل فيه كل كافر يقول مثل هذا القول سواء كان منافقاً أو لم يكن وقال آخرون: انه مخصوص بالمنافقين لأن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مختصة بشرح أحوالهم وقال آخرون: هذا مختص بعبدالله بن أبي بن سلول، ومتعب بن قشير، وسائر أصحابه ، وعلى هذين القولين فالآية تدل على أن الأيمان ليس عبارة عن الأقرار باللسان، كما تقول الكرامية : إذ لو كان كذلك لكان المنافق مؤمناً، ولو كان مؤمناً لما سماه الله كافراً. ﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف: قوله (وقالوا لأخوانهم ) أي لأجل إخوانهم كقوله ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ) وأقول : تقرير هذا الوجه أنهم لما قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فهذا يدل على أن أولئك الأخوان كانوا ميتين ومقتولين عند هذا القول ، فوجب أن يكون المراد من قوله ( وقالوا لأخوانهم ) هو أنهم قالوا ذلك لأجل إخوانهم ، ولا يكون المراد هو أنهم ذكروا هذا القول مع اخوانهم . ٥٦ قوله تعالى (( يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا » الآية سورة آل عمران المسألة الثالثة﴾ قوله ( أخوانهم ) يحتمل أن يكون المراد منه الأخوة في النسب وإن كانوا مسلمين ، كقوله تعالى (وإلى عاد أخاهم هودا . وإلى ثمود أخاهم صالحاً) فإن الأخوة في هذه الآيات أخوة النسب لا أخوة الدين ، فلعل أولئك المقتولين من المسلمين كانوا من أقارب المنافقين ، فالمنافقون ذكروا هذا الكلام ، ويحتمل أن يكون المراد من هذه الأخوة المشاكلة في الدين ، وأتفق إلى أن صار بعض المنافقين مقتولاً في بعض الغزوات فالذين بقوا من المنافقين قالوا ذلك . ﴿ المسألة الرابعة﴾المنافقون كانوا يظنون أن الخارج منهم لسفر بعيد، وهو المراد بقوله. ( إذا ضربوا في الأرض ) والخارج إلى الغزو، وهو المراد بقوله ( أو كانوا غزاً ) إذا نالهم موت أو قتل فذلك إنما نالهم بسبب السفر والغزو ، وجعلوا ذلك سبباً لتنفير الناس عن الجهاد ، وذلك لأن في الطباع محبة الحياة وكراهية الموت والقتل ، فاذا قيل للمرء : إن تحرزت من السفر والجهاد فأنت سليم طيب العيش ، وان تقحمت أحدهما وصلت إلى الموت أو القتل ، فالغالب أنه ينفر طبعه عن ذلك ويرغب في ملازمة البيت ، وكان ذلك من مكايد المنافقين في تنفير المؤمنين عن الجهاد . فإن قيل: فلماذا ذكر بعد الضرب في الأرض الغزو وهو داخل فيه ؟ قلنا : لأن الضرب في الأرض يراد به الأبعاد في السفر ، لا ما يقرب منه ، وفي الغزو لا فرق بين بعيده وتقريبه ، اذ الخارج من المدينة إلى جبل أحد لا يوصف بأنه ضارب في الأرض مع قرب المسافة وان كان غازيا ، فهذا فائدة إفراد الغزو عن الضرب في الأرض . ﴿ المسألة الخامسة﴾ في الآية إشكال وهو أن قوله: (وقالوا لأخوانهم) يدل على الماضي ، وقوله ( إذا ضربوا ) يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما ؟ بل لو قال : وقالوا الأخوانهم إذ ضربوا في الأرض ، أي حين ضربوا لم يكن فيه إشكال . والجواب عنه من وجوه : الأول : أن قوله ( قالوا ) تقديره : يقولون فكأنه قيل : لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لاخوانهم كذا وكذا ، وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين : أحدهما : أن الشيء الذي يكون لازم الحصول في المستقبل فقد يعبر عنه بأنه حدث أو هو حادث قال تعالى ( أتى أمر اللّه ) وقال ( إنك ميت ) فهنا لو وقع التعبير عنه بلفظ المستقبل لم يكن فيه مبالغة أما لما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي ، دل ذلك على أن جدهم واجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، وصار بسبب ذلك الجد هذا المستقبل كالكائن الواقع . ٥٧ قوله تعالى ((ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم)) الآية سورة آل عمران الفائدة الثانية ﴾ أنه تعالى لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل ذلك على أنه ليس المقصود الاخبار عن صدور هذا الكلام ، بل المقصود الاخبار عن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة ، فهذا هو الجواب المعتمد عندي والله أعلم . الوجه الثاني في الجواب) أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية ، والمعنى أن اخوانهم إذا ضربوا في الأرض ، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد وأن يقول : قالوا ، فهذا هو المراد بقولنا : خرج هذا الكلام على سبيل حكاية الحال الماضية . ﴿الوجه الثالث﴾ قال قطرب: كلمة ((إذ)) وإذا، يجوز اقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى ، وأقول : هذا الذي قاله قطرب كلام حسن ، وذلك لأنا اذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائلٍ مجهول ، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم ، كان ذلك أولى ، أقصى ما في الباب أن يقال ((إذ)) حقيقة في المستقبل، ولكن لم لا يجوز استعماله في الماضي على سبيل المجاز لما بينه وبين كلمة ((اذ)) من المشابهة الشديدة ؟ وكثيراً أرى النحويين يتحيرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم، فأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته ، فلأن يجعلوا . ورود القرآن به دليلاً على صحته كان أولى . وساجد، ومثله من الناقص ((عفا)) ويجوز أيضاً: غزاة، مثل قضاة ورماة في جمع القاضي والرامي ، ومعنى الغزو في كلام العرب قصد العدو ، والمغزي المقصد . ﴿ المسألة السابعة ﴾ قال الواحدي: في الآية محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير: اذا ضربوا في الأرض فماتوا او كانوا غزاة فقتلوا ، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فقوله (ما ماتوا وما قتلوا) يدل على موتهم وقتلهم . ثم قال تعالى ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾ وفيه وجهان: الأول: أن التقدير أنهم قالوا ذلك الكلام ليجعل الله ذلك الكلام حسرة في قلوبهم ، مثل ما يقال : ربيته ليؤذيني ونصرته ليقهرني ومثله قوله تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً) إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في بيان أن ذلك القول كيف أستعقب حصول الحسرة في قلوبهم وجوهاً: الأول : أن أقارب ذلك المقتول اذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في قلوبهم ، لأن أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في منعه عن ذلك السفر وعن ذلك الغزولبقى ، فذلك الشخص إنما مات أو قتل بسبب أن هذا الأنسان قصر في منعه ، فيعتقد السامع لهذا الكلام ، أنه هو الذي ، ٥٨ قوله تعالى (( والله يحيي ويميت )) الأية سورة آل عمران تسبب إلى موت ذلك الشخص العزيز عليه أو قتله ، ومتى أعتقد في نفسه ذلك فلا شك أنه تزداد حسرته وتلهفه ، أما المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكون إلا بتقدير الله وقضائه ، لم يحصل ألبتة في قلبه شيء من هذا النوع من الحسرة ، فثبت أن تلك الشبهة التي ذكرها المنافقون لا تفيدهم إلا زيادة الحسرة . الوجه الثاني ﴾ إن المنافقين إذا ألقوا هذه الشبهة إلى أخوانهم تثبطوا عن الغزو والجهاد وتخلفوا عنه ، فأذا اشتغل المسلمون بالجهاد والغزو، ووصلوا بسببه إلى الغنائم العظيمة والأستيلاء على الأعداء والفوز بالأماني ، بقى ذلك المتخلف عند ذلك في الخيبة والحسرة . ﴿ الوجه الثالث﴾ إن هذه الحسرة إنما تحصل يوم القيامة في قلوب المنافقين إذا رأوا تخصيص الله المجاهدين بمزيد الكرامات واعلاء الدرجات ، وتخصيص هؤلاء المنافقين بمزيد الخزي واللعن والعقاب . ﴿ الوجه الرابع﴾ أن المنافقين إذا أوردوا هذه الشبهة على ضعفة المسلمين ووجدوا منهم قبولا لها ، فرحوا بذلك ، من حيث أنه راج كيدهم ومكرهم على أولئك الضعفة ، فالله تعالى يقول إنه سيصير ذلك حسرة في قلوبهم إذا علموا أنهم كانوا على الباطل في تقرير هذه الشبهة . الوجه الخامس ﴾ أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات وإلقاء الضلالات يعمي قلوبهم فيقعون عند ذلك في الحيرة والخيبة وضيق الصدر ، وهو المراد بالحسرة ، كقوله ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً) . الوجه السادس ﴾ أنهم متى ألقوا هذه الشبهة على أقوياء المسلمين لم يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم . ﴿ والقول الثاني في تفسير الآية﴾ أن اللام في قوله (ليجعل الله) متعلقة بما دل عليه النهي ، والتقدير : لا تكونوا مثلهم حتى يجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغيظهم . ثم قال تعالى ﴿ والله يحيي ويميت﴾ وفيه وجهان : الأول: أن المقصود منه بيان الجواب عن هذه الشبهة ، وتقريره أن المحي والمميت هو الله ، ولا تأثير لشيء آخر في الحياة والموت ، وأن علم الله لا يتغير ، وأن حكمه لا ينقلب ، وأن قضاءه لا يتبدل ، فكيف ينفع الجلوس في البيت من الموت ؟ ٠ ٥٩ قوله تعالى ((ولئن قتلتم في سبيل اللّه)) الآية سورة آل عِمْران فإن قيل : إن كان القول بأن قضاء الله لا يتبدل يمنع من كون الجد والاجتهاد مفيداً في الحذر عن القتل والموت ، فكذا القول بأن قضاء الله لا يتبدل وجب أن يمنع من كون العمل مفيداً في الأحتراز عن عقاب الآخرة ، وهذا يمنع من لزوم التكليف، والمقصود من هذه الآيات تقرير الأمر بالجهاد والتكليف، وإذا كان الجواب يفضي بالآخرة إلى سقوط التكليف كان هذا الكلام يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلاً . الجواب : إن حسن التكليف عندنا غير معلل بعلة ورعاية مصلحة ، بل عندنا أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . ﴿ والوجه الثاني﴾ في تأويل الآية: أنه ليس الغرض من هذا الكلام الجواب عن تلك الشبهة بل المقصود أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن أن يقولوا مثل قول المنافقين ، قال ( والله يحبي ويميت ) يريد : يحيي قلوب أوليائه وأهل طاعته بالنور والفرقان ، ويميت قلوب اعدائه من المنافقين . ثم قال تعالى ﴿والله بما تعلمون بصير﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ المقصود منه الترغيب والترهيب فيما تقدم ذكره من طريقة المؤمنين وطريقة المنافقين . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ أبن كثير وحمزة والكسائي ( يعملون ) كناية عن الغائبين، والتقدير ( ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما يعملون بصير ) والباقون بالتاء على الخطاب ليكون وفقا لما قبله في قوله ( لا تكونوا كالذين كفروا) ولما بعده في قوله ( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم) . ثم قال تعالى ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما تجمعون﴾. وأعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين ، وتقريره أن هذا الموت لا بد واقع ولا محيص للانسان من أن يقتل أو يموت ، فأذا وقع هذا الموت أو القتل في سبيل الله وفي طلب رضوانه ، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا ولذاتها التي لا ينتفع الأنسان بها بعد الموت ألبتة ، وهذا جواب في غاية الحسن والقوة ، وذلك لأن الأنسان إذا توجه إلى الجهاد أعرض قلبه عن الدنيا وأقبل على الآخرة ، فاذا مات فكأنه تخلص عن العدو ووصل إلى المحبوب ، وإذا جلس في بيته خائفاً من الموت حريصاً على جمع الدنيا ، فاذا مات فكأنه حجب عن المعشوق وألقى في دار الغربة ، ولا شك في كمال سعادة الأول ، وكمال شقاوة الثانى . وفي الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وحمزة والكسائي (متم) بكسر الميم والباقون بضم الميم ، ٦٠ قوله تعالى (( ولئن قتلتم في سبيل اللّه)) الآية - سورة آل عِمْران والأولون أخذوه من: مات يمات مت، مثل هاب يهاب هبت ، وخاف يخاف خفث ، وروي المبرد هذه اللغة فإن صح فقد صحت هذه القراءة ، وأما قراءة الجمهور فهو مأخوذ من، مات يموت مت : مثل قال يقول قلت . المسألة الثانية ﴾ قال الواحدي رحمه الله: اللام في قوله (ولئن قتلتم ) لام القسم ، بتقدير والله لئن قتلتم في سبيل الله ، واللام في قوله ( لمغفرة من الله ورحمة ) جواب القسم ، ودال على أن ما هو داخل عليه جزاء والاصوب عندي أن يقال : هذه اللام للتأكيد ، فيكون المعنى أن وجب أن تموتوا وتقتلوا في سفركم وغزوكم ، فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة أيضاً ، فلماذا تحترزون عنه كأنه قيل : أن الموت والقتل غير لازم الحصول ، ثم بتقدير أن يكون لازما فأنه يستعقب لزوم المغفرة ، فكيف يليق بالعاقل أن يحترز عنه ؟ المسألة الثالثة ﴾ قرأ حفص عن عاصم (يجمعون) بالياء على سبيل الغيبة ، والباقون بالتاء على وجه الخطاب ، أما وجه الغيبة فالمعنى أن مغفرة الله خير مما يجمعه هؤلاء المنافقون من الحطام الفاني ، وأما وجه الخطاب فالمعنى أنه تعالى كأنه يخاطب المؤمنين فيقول لهم مغفرة الله خير لكم من الأموال التي تجمعونها في الدنيا . ﴿ المسألة الرابعة﴾ إنما قلنا: أن رحمة الله ومغفرته خير من نعيم الدنيا لوجوه : أحدها : أن من يطلب المال فهو في تعب من ذلك الطلب في الحال ، ولعله لا ينتفع به غدا لأنه يموت قبل الغد وأما طلب الرحمة والمغفرة فأنه لا بد وأن ينتفع به لأن الله لا يخلف وعده ، وقد قال ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرايره ) وثانيها : هب أنه بقى إلى الغد لكن لعل ذلك المال لا يبقى إلى الغد ، فكم من أنسان اصبح أميراً وأمسى أسيراً، وخيرات الآخرة لا تزول لقوله ( والباقيات الصالحات خير عند ربك) ولقوله ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) وثالثها : . بتقدير أن يبقى إلى الغد ويبقى المال إلى الغد ، ولكن لعله يحدث حادث يمنعك عن الانتفاع به مثل مرض وألم وغيرها ، ومنافع الآخرة ليست كذلك . ورابعها : بتقدير انه في الغد يمكنك الأنتفاع بذلك المال ، ولكن لذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وذلك مما لا يخفي، وأما منافع الآخرة فليست كذلك. وخامسها: هب أن تلك المنافع تحصل في الغد خالصة عن الشوائب ولكنها لا تدوم ولا تستمر ، بل تنقطع وتفنى، وكلما كانت اللذة أقوى وأكمل، كان التأسف والتحسر عن فواتها أشد وأعظم، ومنافع الآخرة مصونة عن الأنقطاع والزوال . وسادسها : أن منافع الدنيا حسية ومنافع الآخرة عقلية، والحسية خسيسة، والعقلية شريفة ، أترى أن أنتفاع الحمار بلذة بطنه وفرجه يساوي ابتهاج الملائكة المقربين عند