النص المفهرس

صفحات 221-240

:٢٢١
سورة آل عِمْران
قوله تعالى: (( إن تمسسكم حسنة )) الآية
إِن تَمْسَسْكُرْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُرْ سَبِئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَّقُواْ لَا يَضُرْكُمْ
كَبْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِطُ (١)
ذلك ، وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم ويجوز أن لا يكون ، ثم قول وأن
يكون قوله ( قل موتوا بغيظكم ) أمر الرسول وت له بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد
الله إياه أنهم يهلكون غيظاً باعزاز الإِسلام وإذلالهم به . كأنه قيل : حدث نفسك بذلك والله
تعالى أعلم .
قوله تعالى ﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا
يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط ﴾ .
واعلم أن هذه الآية من تمام وصف المنافقين ، فبين تعالى أنهم مع مالهم من الصفات
الذميمة والأفعال القبيحة مترقبون نزول نوع من المحنة والبلاء بالمؤمنين ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ المس أصله باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء ( ماساً) على
سبيل التشبيه فيقال : فلان مسه التعب والنصب ، قال تعالى ( وما مسنا من لغوب ) وقال
(وإذا مسكم الضر في البحر ) قال صاحب الكشاف : المس ههنا بمعنى الإصابة ، قال تعالى
( إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة ) وقوله ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما
أصابك من سيئة فمن نفسك ) وقال ( إذا مسه الشرجزوعاً وإذا مسه الخير منوعا) .
﴿ المسألة الثانية﴾ المراد من الحسنة ههنا منفعة الدنيا على اختلاف أحوالها، فمنها
صحة البدن وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على الأعداء وحصول المحبة والألفة
بين الأحباب والمراد بالسيئة أضدادها ، وهي المرض والفقر والهزيمة والانهزام من العدو
وحصول التفرق بين الأقارب ، والقتل والنهب والغارة ، فبين تعالى أنهم يحزنون ويغتمون
بحصول نوع من أنواع الحسنة للمسلمين ويفرحون بحصول نوع من أنواع السيئة لهم .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ يقال ساء الشيء بسوء فهو سيء، والأنثى سيئة أي قبح ، ومنه قوله
تعالى ( ساء ما يعملون ) والسوأى ضد الحسنى .
ثم قال (وإن تصبروا) يعني على طاعة الله وعلى ما ينالكم فيها من شدة وغم (وتتقوا ) كل
ما نهاكم عنه وتتوكلوا في أموركم على الله ( لا يضركم كيدهم شيئاً) وفيه مسائل :

٢٢٢
قوله تعالى: ((ان الله بما يعملون محيط الآية سورة آل عِمْران
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (لا يضركم ) بفتح الباء وكسر الضاد
وسكون الراء ، وهو من ضاره يضيره ، ويضوره ضوراً إذا ضره ، والباقون ( لا يضركم ) بضم
الضاد والراء المشددة وهو من الضر، وأصله يضرركم جزماً ، فادغمت الراء في الراء ونقلت
ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الراء الأخيرة ، اتباعاً لأقرب الحركات وهي ضمة
الضاد، وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير تقديره: ولا يضركم كيدهم شيئاً إن تصبروا
وتتقوا ، قال صاحب الكشاف: وروى المفضل عن عاصم ( لا يضركم ) بفتح الراء .
المسألة الثانية ﴾ الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه ، وابن عباس فسر
الكيد ههنا بالعداوة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ (شيئاً) نصب عل المصدر اي شيئاً من الضر.
﴿ المسألة الرابعة) معنى الآية: أن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى واتقى كل ما
نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره كيد الكافرين ولا حيل المحتالين .
وتحقيق الكلام في ذلك هو أنه سبحانه إنما خلق الخلق للعبودية كما قال ( وما خلقت الجن
والإنس إلا ليعبدون ) فمن وفى بعهد العبودية في ذلك فالله سبحانه أكرم من أن لا يفي بعهد
الربوبية في حفظه عن الآفات والمخافات ، وإليه الإشارة بقوله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً
ويرزقه من حيث لا يحتسب ) إشارة إلى أنه يوصل إليه كل ما يسره ، وقال بعض الحكماء : إذا
أردت أن تكبت من يحسد فاجتهد في اكتساب الفضائل
ثم قال تعالى ( إن الله بما يعملون محيط) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرىء بما يعملون بالياء على سبيل المغايبة بمعنى أنه عالم بما يعملون
في معاداتكم فيعاقبهم عليه ، ومن قرأ بالتاء على سبيل المخاطبة ، فالمعنى أنه عالم محيط بما
تعملون من الصبر والتقوى فيفعل بكم ما أنتم أهله .
﴿ المسألة الثانية﴾ إطلاق لفظ المحيط على الله مجاز، لأن المحيط بالشيء هو الذي يحيط
به من كل جوانبه وذلك من صفات الأجسام ، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء قادراً على
كل الممكنات ، جاز في مجاز اللغة أنه محيط بها ، ومنه قوله ( والله من ورائهم محيط) وقال
( والله محيط بالكافرين) وقال (ولا يحيطون به علما) وقال ( وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء
عدداً ) .
المسألة الثالثة﴾ إنما قال (إن الله بما يعملون محيط) ولم يقل إن الله محيط بما يعملون
لأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه ، أعني وليس المقصود ههنا بيان كونه تعالى عالماً ، بينا
أن جميع أعمالهم معلومة لله تعالى ومجاز بهم عليها فلا جرم قد ذكر العمل والله أعلم.

٢٢٣
سورة آل عمران
قوله تعالى: (( واذ غدوت )) الآية
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ نُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (9) إِذْ هَمَّت
◌َِّفَتَنٍ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلَّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلَيْنَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(
-
قوله تعالى ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم، إذ
همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما قال (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً) أتبعه بما يدلهم على سنة
الله تعالى فيهم في باب النصرة والمعونة ودفع مضار العدو إذا هم صبروا واتقوا ، وخلاف ذلك
فيهم إذا لم يصبروا فقال ( وإذ غدوت من أهلك ) يعنى أنهم يوم أحد كانوا كثيرين للقتال ، فلما
خالفوا أمر الرسول انهزموا ، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين للقتال فلما أطاعوا أمر الرسول
غلبوا واستولوا على خصومهم، وذلك يؤكد قولنا، وفيه وجه آخر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما
حصل بسبب تخلف عبدالله بن أبي بن سلول المنافق ، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ هؤلاء المنافقين
بطانة وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله ( وإذ غدوت من أهلك ) فيه ثلاثة أوجه ( الأول) تقديره
واذکر إذ غدوت ( والثاني ) قال أبو مسلم : هذا کلام معطوف بالواو على قوله ( قد کان لكم
آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ) يقول : قد كان لكم في نصر الله تلك
الطائفة القليلة من المؤمنين على الطائفة الكثيرة من الكافرين موضع اعتبار لتعرفوا به أن اللهناصر
المؤمنين ، وكان لهم مثل ذلك من الآية إذ غدا الرسول له يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال
( والثالث ) العامل فيه محيط : تقديره والله بما يعملون محيط وإذ غدوت.
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن هذا اليوم أي يوم هو؟ فالأكثرون : أنه يوم ،
أحد : وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحاق والربيع والأصم وأبي مسلم وقيل: إنه يوم
بدر ، وهو قول الحسن ، وقيل إنه يوم الأحزاب وهو قول مجاهد ومقاتل ، حجة من قال هذا
اليوم هو يوم أحد وجوه ( الأول ) أن أكثر العلماء بالمغازي زعموا أن هذه الآية نزلت في
وقعة أحد ( الثاني ) أنه تعالى قال بعد هذه الآية ( ولقد نصركم الله ببدر ) والظاهر أنه معطوف
على ما تقدم ، ومن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، وأما يوم الأحزاب ، فالقوم إنما
الفخر الرازي ج ٨ م ١٥

٢٢٤
قوله تعالى: ((واذ غدوت من اهلك الآية سورة آل عِمْران
خالفوا أمر الرسول وي ليه يوم أحد لا يوم الأحزاب ، فكانت قصة أحد أليق بهذا الكلام لأن
المقصود من ذكر هذه القصة تقرير قوله ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً ) فثبت إن
هذا اليوم هو يوم أحد ((الثالث ) أن الانكسار واستيلاء العدو کان في يوم أحد أكثر منه في يوم
الأحزاب لأن في يوم أحد قتلوا جمعاً كثيراً من أكابر الصحابة ولم يتفق ذلك يوم الأحزاب فكان
حمل الآية على يوم أحد أولى .
﴿المسألة الثالثة) روى أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله وليه
أصحابه ودعا عبدالله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال عبدالله وأكثر
الأنصار : يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم والله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب
مناولا دخل عدو علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟ فدعهم فان أقاموا أقامو بشر موضع
وإن دخلو قتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا
خائبين وقال آخرون: أخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لئلا يظنوا أنا قد خفناهم، فقال عليه
الصلاة والسلام (( إني قد رأيت في منامي بقرا تذبح حولي فأولتها خيراً ورأيت في ذباب سيفي
ثلما فأولته هزيمة ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فان رأيتم أن تقيموا
بالمدينة وتدعوهم)) فقال قوم من المسلمين من الذين فاتتهم ( بدر ) وأكرمهم الله بالشهادة يوم
أحد أخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لامته ، فلما لبس ندم القوم ،
وقالوا : بئسما صنعنا نشير على رسول الله والوحي يأتيه ، فقالوا : له اصنع يا رسول الله ما
رأيت، فقال ((لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل)) فخرج يوم الجمعة بعد
صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال ، فمشى على رجليه
وجعل يصف اصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدراً خارجاً قال له تأخر ، وكان
نزوله في جانب الوادي ، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وأمر عبدالله بن جبير على الرماة ،
وقال : ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا ، وقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه :
اثبتوا في هذا المقام ؛ فاذا عاينوكم ولوكم الأدبار ، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا
المقام ، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما خالف رأى عبدالله بن أبي شق عليه ذلك ،
وقال: أطاع الولدان وعصاني ، ثم قال لأصحابه : إن محمداً إنما يظفر بعدوه بكم ، وقد وعد
أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا ، فإن رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعوكم ، فيصير
الأمر على خلاف ما قاله محمد عليه السلام ، فلما التقى الفريقان انهزم عبدالله بالمنافقين ، وكان
جملة عسكر المسلمين ألفاً ، فانهزم عبد الله بن أبي مع ثلثمائة ، فبقيت سبعمائة ، ثم قواهم الله
مع ذلك حتى هزموا المشركين ، فلما رأى المؤمنون انهزام القوم ، وكان الله تعالى بشرهم

٢٢٥
قوله تعالى : (( واذ غدوت من اهلك الآية سورة آل عِمْران
بذلك ، طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر ، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع ،
وخالفوا أمر الرسول _* بعد أن أراهم ما يحبون ، فأراد الله تعالى أن يفطمهم عن هذا الفعل
لئلا يقدموا على مخالفة الرسول عليه السلام وليعلموا أن ظفرهم إنما حصل يوم بدر ببركة
طاعتهم لله ولرسوله ، ومتى تركهم الله مع عدوهم لم يقوموا لهم . فنزع الله الرعب من قلوب
المشركين، فكثر عليهم المشركون وتفرق العسكر عن رسول الله وض ئيل ، كما قال تعالى (إذ
تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم) وشج وجه الرسول صلّ وكسرت
رباعيته وشلت يد طلحة دونه ، ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي العباس وسعد ، ووقعت
الصيحة في العسكر أن محمداً قد قتل ، وكان رجل يكنى أبا سفيان من الأنصار نادى الأنصار
وقال : هذا رسول الله ، فرجع إليه المهاجرون والأنصار ، وكان قتل منهم سبعون وكثر فيهم
الجراح، فقال ◌َّه ((رحم الله رجلا ذب عن إخوانه)) وشد على المشركين بمن معه حتى كشفهم
عن القتلى والجرحى والله أعلم .
والمقصود من القصة أن الكفار كانوا ثلاثة آلاف والمسلمون كانوا ألفاً وأقل ، ثم رجع
عبد الله بن أبي ثلثمائة من أصحابه فبقي الرسول ومسير مع سبعمائة . فأعانهم الله حتى هزموا
الكفار ، ثما لما خالفوا أمر الرسول واستغلوا ا بطلب الغنائم انقلب الأمر عليهم وانهزموا ووقع
ما وقع وكل ذلك يؤكد قوله تعالى (وإن تصيروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً) وان المقبل من
أعانه الله ، والمدبر من خذله الله .
﴿ المسألة الرابعة﴾ يقال: بوأته منزلا وبوأت له منزلا أي أنزلته فيه، والمباءة والباءة
المنزل وقوله (مقاعد للقتال ) أي مواطن ومواضع ، وقد اتسعوا في استعمال المقعد والمقام
بمعنى المكان ، ومنه قوله تعالى ( في مقعد صدق ) وقال ( قبل أن تقوم من مقامك ) أي من
مجلسك وموضع حكمك وإنما عبر عن الأمكنة ههنا بالمقاعد لوجهين ( الأول ) وهو أنه عليه
السلام أمرهم أن يثبتوا في مقاعدهم لا ينتقلوا عنها ، والقاعد في مكان لا ينتقل عنه فسمى
تلك الأمكنة بالمقاعد ، تنبيهاً على أنهم مأمورون بأن يثبتوا فيها ولا ينتقلوا عنها البتة
(والثاني ) أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدو فيقوموا عند الحاجة
إلى المحاربة فسميت تلك الأمكنة بالمقاعد لهذا الوجه .
المسألة الخامسة ﴾ قوله (وإذْ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ) يروى
أنه عليه السلام غدا من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد ، وهذا قول
مجاهد والوافدي، فدل هذا النص على أن عائشة رضي الله عنها كانت أهلا للنبي وَعليه وقال تعالى
(الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) فدل هذا النص على أنها مطهرة مبرأة عن كل قبيح، ألا

٢٢٦
قوله تعالى: ((إذ همت طائفتان الآية
سورة آل عمران
ترى أن ولد نوح لما كان كافراً قال (إنه ليس من أهلك) وكذلك امرأة لوط .
ثم قال تعالى ( والله سميع عليم ) أي سميع لأقوالکم علیم بضا ئرکم ونیاتکم ، فانا
ذكرنا أنه عليه السلام شاوروا أصحابه في ذلك الحرب ، فمنهم من قال له : أقم بالمدينة ،
ومنهم من قال : أخرج إليهم ، وكان لكل أحد غرض آخر فيما يقول ، فمن موافق ، ومن
مخالف فقال تعالى : أنا سميع لما يقولون عليم بما يضمرون .
ثم قال تعالى ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ العامل في قوله (إذ همت طائفتان منكم) فيه وجوه (الأول ) قال
الزجاج : العامل فيه التبوئة ، والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت ( الثاني ) العامل فيه قوله
( سميع عليم ) ( الثالث ) يجوز أن يكون بدلا من ( إذ غدوت ) .
﴿ المسألة الثانية﴾ الطائفتان حيان من الأنصار: بنوسلمة من الخزرج وبنو حارثة من
الاوس لما انهزم عبد الله بن أبي همت الطائفتان باتباعه ، فعصمهم الله ، فثبتوا مع الرسول
وَلجر، ومن العلماء من قال: إن الله تعالى أبهم ذكرهما وستر عليهما، فلا يجوز لنا أن نهتك
ذلك الستر .
﴿ المسألة الثالثة﴾ الفشل الجبن والخور، فان قيل: الهم بالشيء هو العزم، فظاهر
الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل والترك وذلك معصية فكيف بهما أن يقال والله
وليهما ؟.
( والجواب ) الهم قد يراد به العزم ، وقد يراد به الفكر ، وقد يراد به حديث النفس ،
وقد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده ووفور عدده ، لأن أي شيء
ظهر من هذا الجنس صح أن یوصف من ظهر ذلكمنه بأنه هم بأنیفشل من حيث ظهر منه ما
يوجب ضعف القلب ، فكان قوله ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ) لا يدل على أن معصية
وقعت منهما ، وأيضاً فبتقدير أن يقال : إن ذلك معصية لكنها من باب الصغائر لا من باب
الكبائر ، بدليل قوله تعالى ( والله وليهما ) فان ذلك الهم لو كان من باب الكبائر لما بقيت ولاية
الله لهما .
ثم قال تعالى ( والله وليهما ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ عبدالله ( والله وليهما ) كقوله (وإن طائفتان من المؤمنين
اقتتلوا ) .
والسيهم

٢٢٧
سورة آل عمران
قوله تعالى: (( ولقد نصركم الله)) الآية
وَلَقَدْ نَصَرَكُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَةٌ فَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
المسألة الثانية﴾ في المعنى وجوه (الأول) أن المراد منه بيان أن ذلك الهم ما أخرجهما
عن ولاية الله تعالى ( الثاني ) كأنه قيل : الله تعالى ناصرهما ومتولي أمرهما فكيف يليق بهما هذا
الفشل وترك التوكل على الله تعالى؟ ( الثالث ) فيه تنبيه على أن ذلك الفشل إنما لم يدخل في
الوجود لأن الله تعالى وليهما فأمدهما بالتوفيق والعصمة ، والغرض منه بيان أنه لولا توفيقه
سبحانه وتسديده لما تخلص أحد عن ظلمات المعاصي ، ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى
بعد هذه الآية ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) .
فان قيل : ما معنى ما روي عن بعضهم عند نزول هذه الآية أنه قال : والله ما يسرنا أنا
لم نهم بما همت الطائفتان به ، وقد أخبرنا الله تعالى بأنه وليهما ؟ .
قلنا : معنى ذلك فرط الإستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى ، وإنزاله فيهم
آية ناطقة بصحة الولاية ، وأن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى .
ثم قال ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) التوكل : تفعل ، من وكل أمره إلى فلان إذا
اعتمد فيه كفايته عليه ولم يتولى بنفسه ، وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما
يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل .
قوله تعالى ﴿ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ﴾
في كيفية النظم وجهان ( الأول ) أنه تعالى لما ذكر قصة أحد أتبعها بذكر قصة بدر ،
وذلك لأن المسلمين يوم بدر كانوا في غاية الفقر والعجز ، والكفار كانوا في غاية الشدة والقوة ،
ثم أنه تعالى سلط المسلمين على المشركين فصار ذلك من اقوى الدلائل على أن العاقل يجب أن
لا يتوسل إلى تحصيل غرضه ومطلوبه إلا بالتوكل على الله والاستعانة به والمقصود من ذكر هذه
القصة تأكيد قوله ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً ) وتأكيد قوله ( وعلى الله فليتوكل
المؤمنون ) ( الثاني ) أنه تعالى حكى عن الطائفتين أنهما همتا بالفشل .
ثم قال ( والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) يعني من كان الله ناصراً ومعيناً له فكيف
يليق به هذا الفشل والجبن والضعف؟ ثم أكد ذلك بقصة بدر فان المسلمين كانوا في غاية
الضعف ولكن لما كان الله ناصرا لهم فازوا بمطلوبهم وقهروا خصومهم فكذا ههنا، فهذا تقرير
وجه النظم ، وفي الآية مسائل :

٢٢٨
قوله تعالى: ((إذ تقول للمؤمنين )) الآية
سورة آل عِمْران
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم ◌ِثَلَاثَةِ ءَ الَفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ
المسألة الأولى ﴾ في بدر أقوال ( الأول) بدر اسم بئر لرجل يقال له بدر فسميت البئر
باسم صاحبها هذا قول الشعبي ( الثاني ) أنه اسم للبئر كما يسمى البلد باسم من غير أن ينقل
إليه اسم صاحبه وهذا قول الواقدي وشيوخه ، وأنكروا قول الشعبي وهو ماء بين مكة
والمدينة .
المسألة الثانية ﴾ ( أذلة ) جمع ذليل قال الواحدي : الأصل في الفعيل إذا كان صفة
أن يجمع على فعلاء كظريف وظرفاء وكثير وكثراء وشريك وشركاء إلا أن لفظ فعلاء اجتنبوه في
التضعيف لأنهم لو قالوا : قليل وقللاء وخليل وخللاء لاجتمع حرفان من جنس واحد فعدل إلى
أفعلة لأن ، من جموع الفعيل : الأفعلة ، كجريب وأجربة ، وقفيز وأقفزة فجعلوه جمع ذليل
أذلة ، قال صاحب الكشاف : الأذلة جمع قلة ، وإنما ذكر جمع القلة ليدل على أنهم مع ذلهم
كانوا قليلين .
المسألة الثالثة ) قوله ( وأنتم أذلة) في موضع الحال ، وإنما كانوا أذلة لوجوه
( الأول) أنه تعالى قال ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) فلا بد من تفسير هذا الذل بمعنى لا
ينافي مدلول هذه الآية ، وذلك هو تفسيره بقلة العدد وضعف الحال وقلة السلاح والمال وعدم
القدرة على مقاومة العدو ومعنى الذل الضعف عن المقاومة ونقيضه العز وهو القوة والغلبة ،
روي أن المسلمين كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، وما كان فيهم إلا فرس واحد ، وأكثرهم كانوا
رجالة ، وربما كان الجمع منهم يركب جملا واحداً ، والكفار قريبين من ألف مقاتل ومعهم مائة
فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدة الكاملة ( الثاني ) لعل المراد انهم كانوا أذلة في زعم المشركين
واعتقادهم لأجل قلة عددهم وسلاحهم ، وهو مثل ما حكى الله عن الكفار أنهم قالوا
( ليخرجن الأعز منها الأذل ) ( الثالث ) أن الصحابة قد شاهدوا الكفار في مكة في القوة
والثروة وإلى ذلك الوقت ما اتفق لهم استيلاء على أولئك الكفار ، فكانت هيبتهم باقية في
قلوبهم واستعظامهم مقررا في نفوسهم فكانوا لهذا السبب يهابونهم ويخافون منهم .
ثم قال تعالى ( فاتقوا الله ) أي في الثبات مع رسوله ( لعلكم تشكرون ) بتقواكم ما
أنعم به عليكم من نصرته أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها ، فوضع الشكر
موضع الإنعام ، لأنه سبب له .
ثم قال تعالى ﴿ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة

٢٢٩
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((إذ تقول للمؤمنين )) الآية
مُنْزَلِينَ
منزلين ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر، أو يوم أحد
ويتفرع على هذين القولين بيان العامل في (إذ) فان قلنا هذا الوعد حصل يوم بدر كان العامل في
(إذ) قوله ( نصركم الله) والتقدير: إذ نصركم الله ببدر وأنتم أذلة تقول للمؤمنين ، وإن قلنا
إنه حصل يوم أحد كان ذلك بدلا ثانيا من قوله (وإذ غدوت ) .
إذا عرفت هذا فنقول :
القول الأول ﴾ أنه يوم أحد ، وهو مروي عن ابن عباس والكلبي والواحدي ومقاتل
ومحمد بن إسحاق ، والحجة عليه من وجوه :
الحجة الأولى﴾ أن يوم بدر إنما أمد رسول الله لل بألف من الملائكة قال تعالى في
سورة الأنفال ( إذ تستغيثون ربکم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ) فکیفیلیق ما
ذكر فيه ثلاثة آلاف وخمسة آلاف بيوم بدر (الحجة الثانية) أن الكفار كانوا يوم بدر الفا ...
(الحجة الثانية) ان الكفار كانوا يوم بدر الفا .... الفا أو ما يقرب منه والمسلمون كانوا على
الثلث منهم لأنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، فأنزل الله تعالى يوم بدر ألفاً من الملائكة، فصار
عدد الكفار مقابلا بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين فلا جرم وقعت الهزيمة على الكفار
فكذلك يوم أحد كان عدد المسلمين ألفا ، وعدد الكفار ثلاثة آلاف ، فكان عدد المسلمين على
الثلث من عدد الكفار في هذا اليوم، كما في يوم بدر ، فوعدهم الله في هذا اليوم أن ينزل ثلاثة
آلاف من الملائكة ليصير عدد الكفار مقابلا بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين، فيصير ذلك
دليلا على أن المسلمين يهزمونهم في هذا اليوم كما هزموهم يوم بدر ثم جعل الثلاثة آلاف خمسة
آلاف لتزداد قوة قلوب المسلمين في هذا اليوم ويزول الخوف عن قلوبهم ، ومعلوم أن هذا المعنى
إنما يحصل إذا قلنا إن هذا الوعد إنما حصل يوم أحد .
الحجة الثالثة ﴾ أنه تعالى قال في هذه الآية ( ویأتوکم من فورهم هذا يمددكم ربكم
بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) والمراد ويأتوكم أعداؤكم من فورهم ، ويوم أحد هو اليوم
الذي كان يأتيهم الأعداء فأما يوم بدر فالأعداء ما أتوهم ، بل هم ذهبوا إلى الأعداء .
فان قيل : لو جرى قوله تعالى ( ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة )
في يوم احد ، ثم إنه ما حصل هذا الإمداد لزم الكذب .

٢٣٠
قوله تعالى: ((إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم الآية سورة آل عِمْران
( والجواب عنه من وجهين) ( الأول) أن إنزاله خمسة آلاف من الملائكة كان مشروطاً
بشرط أن يصبروا ويتقوا في المغانم ثم أنهم لم يصبروا ولم يتقوا في المغانم بل خالفوا أمر
الرسول مَّة، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط وأما إنزال ثلاثة آلاف من الملائكة فانما وعد
الرسول بذلك للمؤمنين الذين بوأهم مقاعد للقتال وأمرهم بالسكون والثبات في تلك
المقاعد، فهذا يدل على أنه ◌َّ إنما وعدهم بهذا الوعد بشرط أن يثبتوا في تلك المقاعد ، فلما
أهملوا هذا الشرط لا جرم لم يحصل المشروط .
و الوجه الثاني ﴾ في الجواب: لا نسلم أن الملائكة ما نزلت ، روي الواقدي عن
مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أحد ولكنهم لم يقاتلوا، وروي أن الرسول الله وله
أعطى اللواء مصعب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب ، فقال رسول الله
وَّيو تقدم يا مصعب فقال الملك لست بمصعب فعرف الرسول مشر أنه ملك أمد به، وعن سعد
بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال : كنت أرمي السهم يومئذ فيرده على رجل أبيض حسن
الوجه وما كنت أعرفه ، فظننت أنه ملك ، فهذا ما نقوله في تقرير هذا الوجه .
إذا عرفت هذا فنقول : نظم الآية على هذا التأويل أنه تعالى ذكر قصة أحد ، ثم قال
( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) أي يجب أن يكون توكلهم على الله لا على كثرة عددهم وعددهم
فلقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فكذلك هو قادر على مثل هذه النصرة في سائر المواضع ، ثم
بعد هذا أعاد الكلام إلى قصة أحد فقال ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم
بثلاثة آلاف من الملائكة ) .
﴿ القول الثاني﴾ أن هذا الوعد كان يوم بدر، وهو قول أكثر المفسرين، واحتجوا على
صحته بوجوه .
﴿ الحجة الأولى﴾ أن الله تعالى قال ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، إذ تقول
للمؤمنين ألن يكفيكم ) كذا وكذا ، فظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى نصرهم ببدر حينما
قال الرسول للمؤمنين هذا الكلام ، وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام قال هذا الكلام يوم
بدر .

٢٣١
سورة آل عِمْران
الآية
قوله تعالى : ((إذ تقول للمؤمنين
﴿ الحجة الثانية) أن قلة العدد والعدد كانت يوم بدر أكثر وكان الاحتياج إلى تقوية
القلب ذلك اليوم أكثر ، فكان صرف هذا الكلام إلى ذلك اليوم أولى .
الحجة الثالثة ﴾ أن الوعد بانزال ثلاثة آلاف من الملائكة كان مطلقا غير مشروط
بشرط ، فوجب أن يحصل ، وهو إنما حصل يوم بدر لا يوم أحد ، وليس لأحد أن يقول إنهم
نزلوا لكنهم ما قاتلوا لأن الوعد كان بالإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وبمجرد الإنزال لا يحصل
الإمداد بل لا بد من الإعانة ، والإعانة حصلت يوم بدر ولم تحصل يوم أحد ، ثم القائلون
بهذا القول أجابوا عن دلائل الأولين فقالوا .
أما الحجة الأولى﴾ وهي قولكم: الرسول ﴿ إنما أمد يوم بدر بألف من الملائكة.
(فالجواب عنها) من وجهين (الأول) أنه تعالى أمد أصحاب الرسول # بألف ثم زاد
فيهم ألفين فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زاد ألفين آخرين فصاروا خمسة آلاف، فكأنه عليه
الصلاة والسلام قال لهم : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة فقالوا بلى ، ثم
قال : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف فقالوا بلى ، ثم قال لهم: إن تصبروا وتتقوا
يمددكم ربكم بخمسة آلاف، وهو كما روي أنه لم قال لأصحابه ((أيسركم أن تكونوا ربع
أهل الجنة قالوا نعم قال أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة قالوا نعم قال فاني أرجو أن تكونوا
نصف أهل الجنة )) .
﴿ الوجه الثاني في الجواب﴾ أن أهل بدر إنما أمدوا بألف على ما هو مذكور في سورة
الأنفال ، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير فخافوا وشق عليهم ذلك
لقلة عددهم ، فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة ،
ثم إنه لم يأت قريش ذلك المدد ، بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش ، فاستغنى عن إمداد
المسلمين بالزيادة على الألف .
﴿ وأما الحجة الثانية ) وهي قولكم : إن الكفار كانوا يوم بدر ألفا فأنزل الله ألفا من
الملائكة ويوم أحد ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثة آلاف .
( فالجواب ) إنه تقريب حسن ، ولكنه لا يوجب أن لا يكون الأمر كذلك ، بل الله
تعالی قد یزید وقد ینقص في العدد بحسب ما يريد .
وأما الحجة الثالثة ﴾ وهي التمسك بقوله ( ويأتوكم من فورهم).
( فالجواب عنه) أن المشركين لما سمعوا أن الرسول و آله وأصحابه قد تعرضوا للعير ثار

٢٣٢
قوله تعالى: ((إذ تقول للمؤمنين الآية سورة آل عِمْران
الغضب في قلوبهم وأجتمعوا وقصدوا النبي ◌َلقه، ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا
فأخبرهم الله تعالى : أنهم إن يأتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة فهذا
حاصل ما قيل في تقرير هذين القولين ، والله أعلم بمراده .
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في عدد الملائكة ، وضبط الأقوال فيها أن من الناس من ضم
العدد الناقص إلى العدد الزائد ، فقالوا : لأن الوعد بامداد الثلاثة لا شرط فيه ، والوعد بامداد
الخمسة مشروط بالصبر والتقوى ومجيء الكفار من فورهم ، فلا بد من التغاير وهو ضعيف،
لأنه لا يلزم من كون الخمسة مشروطة بشرط أن تكون الثلاثة التي جزؤها مشروطة بذلك الشرط
ومنهم من أدخل العدد الناقص في العدد الزائد ، أما على تقدير الأول : فان حملنا الآية على
قصة بدر كان عدد الملائكة تسعة آلاف لأنه تعالى ذكر الألف، وذكر ثلاثة آلاف، وذكر خمسة
آلاف ، والمجموع تسعة آلاف، وإن حملناها على قصة : أحد فليس فيها ذكر الألف، بل فيها
ذكر ثلاثة آلاف، وخمسة آلاف، والمجموع : ثمانية آلاف، وأما على التقدير الثاني وهو إدخال
الناقص في الزائد فقالوا : عدد الملائكة خمسة آلاف، ثم ضم إليها ألفان آخران ، فلا جرم
وعدوا بالألف ثم ضم إليه ألفان فلا جرم وعدوا بثلاثة آلاف ، ثم ضم إليها ألفان آخران فلا
جرم وعدوا بخمسة آلاف، وقد حكينا عن بعضهم أنه قال أمد أهل بدر بألف فقيل : إن كرز
بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على المسلمين، فقال النبي وصار لهم : ألن
يكفيكم يعني بتقدير أن يجيء المشركين مدد فالله تعالى يمدكم أيضاً بثلاثة آلاف وخمسة آلاف ،
ثم إن المشركين ما جاءهم المدد ، فكذا ههنا الزائد على الألف ما جاء المسلمين فهذه وجوه كلها
محتملة والله أعلم بمراده .
المسألة الثالثة﴾ أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم
قاتلوا الكفار ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم تقاتل الملائكة سوی يوم بدر وفيما سواه
كانوا عدداً ومددا لا يقاتلون ولا يضربون ، وهذا قول الأكثرين ، وأما أبو بكر الأصم ، فانه
أنكر ذلك أشد الإنكار ، واحتج علیه بوجوه :
الحجة الأولى﴾ إن الملك الواحد يكفي في إهلاك الأرض ، ومن المشهور أن جبريل
عليه السلام أدخل جناحه تحت المدائن الأربع لقوم لوط وبلغ جناحه إلى الأرض السابعة ، ثم
رفعها إلى السماء وقلب عاليها سافلها ، فاذ حضر هو يوم بدر ، فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع
الكفار؟ ثم بتقدير حضوره ، فأي فائدة في إرسال الملائكة ؟ .
الحجة الثانية ﴾ أن أكابر الكفار كانوا مشهورين وكل واحد منهم مقابله من الصحابة معلوم

٢٣٣
قوله تعالى : إذا تقول للمؤمنين الآية سورة آل عِمْران
وإذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة .
و الحجة الثالثة ﴾ الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم الناس أو لا
يراهم الناس فان رآهم الناس فاما أن يقال انهم رأوهم في صورة الناس أو في غير صورة
الناس ، فان كان الأول فعلى هذا التقدير صار المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف ، أو
أكثر، ولم يقل أحد بذلك ، ولأن هذا على خلاف قوله تعالى ( ويقللكم في أعينهم ) وإن
شاهدوهم في صورة غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق فان من شاهد
الجن لا شك أنه يشتد فزعه ولم ينقل ذلك البتة .
وأما القسم الثاني ﴾ وهو أن الناس ما رأوا الملائكة فعلى هذا التقدير: إذا حاربوا
وحزوا الرؤس ، ومزقوا البطون وأسقطوا الكفار عن الافراس ، فحينئذ الناس كانوا
يشاهدون حصول هذه الأفعال مع أنهم ما كانوا شاهدوا أحدا من الفاعلين ، ومثل هذا يكون
من أعظم المعجزات ، وحينئذ يجب أن يصير الجاحد لمثل هذه الحالة كافرا متمردا ، ولما لم
يوجد شيء من ذلك عرف فساد هذا القسم أيضاً .
﴿ الحجة الرابعة ﴾ أن هؤلاء الملائكة الذين نزلوا، إما أن يقال: إنهم كانوا أجساما
كثيفة أو لطيفة ، فان كان الأول وجب أن يراهم الكل وأن تكون رؤيتهم كرؤية غيرهم ،
ومعلوم أن الأمر ما كان كذلك ، وإن كانوا أجساما لطيفة دقيقة مثل الهواء لم يكن فيهم صلابة
وقوة ، ويمتنع كونهم راكبين على الخيول وكل ذلك مما ترونه .
وأعلم أن هذه الشبهة إنما تليق بمن ينكر القرآن والنبوة ، فأما من يقر بهما فلا يليق به
شيء من هذه الكلمات ، فما كان يليق بأبي بكر الأصم إنكار هذه الأشياء مع أن نص القرآن
ناطق بها وورودها في الأخبار قريب من التواتر ، روي عبدالله بن عمر قال لما رجعت قريش
من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ، ويقولون : لم نر الخيل البلق ولا الرجال
البيض الذين كنا نراهم يوم بدر والشبهة المذكورة إذا قابلناها بكمال قدرة الله تعالى زالت
وطاحت فانه تعالى يفعل ما يشاء لكونه قادرا على جميع الممكنات ويحكم ما يريد لكونه منزها
عن الحاجات .
المسألة الرابعة ﴾ اختلفوا في كيفية نصرة الملائكة قال بعضهم: بالقتال مع المؤمنين ،
وقال بعضهم : بل بتقوية نفوسهم وإشعارهم بأن النصرة لهم وبالقاء الرعب في قلوب الكفار ،
والظاهر في المدد أنهم يشركون الجيش في القتال إن وقعت الحاجة إليهم ، ويجوز أن لا تقع
الحاجة إليهم في نفس القتال وأن يكون مجرد حضورهم كافيا في تقوية القلب ، وزعم كثير من

٢٣٤
قوله تعالى: ((بلى أن تصبروا أو تتقوا)) الآية
سورة آل عمران
بَّ إِن تَصْبِرُواْ وَنَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةَِالَفٍ
مِنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوْمِينَ (9)
المفسرين أنهم قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا في سائر الأيام .
المسألة الخامسة ) قوله تعالى ( ألن يكفيكم) معنى الكفاية هو سد الخلة والقيام
بالأمر ، يقال كفاه أمر كذا إذا سد خلته ، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالا بعد حال قال
المفضل : ما كان على جهة القوة والإعانة قيل فيه أمده يمده ، وما كان على جهة الزيادة قيل
فيه : مده يمده ومنه قوله ( والبحر يمده ) .
﴿ المسألة السادسة﴾ قرأ ابن عامر (منزلين) مشدد الزاي مفتوحة على التكثير،
والباقون بفتح الزاي مخففة وهما لغتان .
﴿ المسألة السابعة﴾ قال صاحب الكشاف: إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوي
قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله ومعنى ( ألن يكفيكم ) إنكار أن لا يكفيكم
الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء بلن التي هي لتأكيد النفي للاشعار بأنهم كانوا
لقلتهم وضعفهم وكثرة عددهم كالآيسين من النصر .
ثم قال تعالى ﴿ بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف
من الملائكة مسومين ﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ بلى : إيجاب لما بعد (لن) يعني بل يكفيكم الإمداد فأوجب
الكفاية ، ثم قال ( إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا) يعني والمشركون يأتوكم من
فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر من ذلك العدد وهو خمسة آلاف ، فجعل مجيء خمسة آلاف من
الملائكة مشروطة بثلاثة أشياء الصبر والتقوي ومجيء الكفار على الفور ، فلما لم توجد هذه
الشرائط لا جرم لم يوجد المشروط .
المسألة الثانية ﴾ الفور مصدر من: فارت القدر إذا غلت، قال تعالى (حتى إذا جاء
أمرنا وفار التنور ) قيل إنه أول ارتفاع الماء منه ثم جعلوا هذه اللفظة استعارة في السرعة ، يقال
جاء فلان ورجع من فوره ، ومنه قول الأصوليين الأمر للفور أو التراخي ، والمعنى حدة مجيء
العدو وحرارته وسرعته .

قوله تعالى: ((وما جعله الله الا بشري)) الآية سورة آل عِمْران ٢٣٥
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَيْنَّ قُلُوبُكُم بِهِ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ
اَلْعَزِيزِ الْحَكِيِ ﴿ لِبَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْأَوْ يَكْبِهُمْ فَيَنْقَلُواْ خَلِّينَ
١٢٧
المسألة الثالثة﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ( مسومين) بكسر الواو أي معلمين
علموا أنفسهم بعلامات مخصوصة ، وأكثر الأخبار أنهم سوموا خيولهم بعلامات جعلوها
عليها ، والباقون بفتح الواو، أي سومهم الله أو بمعنى أنهم سوموا أنفسهم ، فكان في المراد
من التسويم في قوله ( مسومين) قولان ( الأول ) السومة العلامة التي يعرف بها الشيء من
غيره ، ومضي شرح ذلك في قوله ( والخيل المسومة ) وهذه العلامة يعلمها الفارس يوم اللقاء
ليعرف بها، وفي الخبر أن النبي وَ الر قال يوم بدر ((سوموا فان الملائكة قد سومت)) قال ابن
عباس : كانت الملائكة قد سوموا أنفسهم بالعمائم الصفر ، وخيولهم وكانوا على خيل بلق ،
بأن علقوا الصوف الأبيض في نواصيها وأذنابها ، وروي أن حمزة بن عبد المطلب كان يعلم
بريشة نعامة ، وأن علياً كان يعلم بصوفة بيضاء وأن الزبير كان يتعصب بعصابة صفراء وأن
أبا دجانة كان يعلم بعصابة حمراء .
القول الثاني ﴾ في تفسير المسومين إنه بمعنى المرسلين مأخوذا من الإبل السائمة
المرسلة في الرعي ، تقول أسمت الإبل إذا أرسلتها ، ويقال في التكثير سومت كما تقول
أكرمت وكرمت ، فمن قرأ ( مسومين ) بكسر الواو فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيلها على
الكفار لقتلهم وأسرهم ، ومن قرأ بفتح الواو فالمعنى أن الله تعالى أرسلهم على المشركين
ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات والحشيش .
قوله تعالى ﴿وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله
العزيز الحكيم، ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ﴾ .
الكتابة في قوله ( وما جعله الله ) عائدة على المصدر ، كأنه قال : وما جعل الله المدد
والإمداد ( إلا بشرى لكم ) بأنكم تنصرون فدل ( يمددكم ) على الإمداد فكنى عنه ، كما قال
( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) معناه: وإن أكله لفسق فدل ( تأكلوا ) على
الأكل فكنى عنه وقال الزجاج ( وما جعله الله ) أي ذكر المدد ( إلا بشرى) والبشرى اسم من
الإيشار ومضى الكلام في معنى التبشير في سورة البقرة في قوله ( وبشر الذين آمنوا ) .

٢٣٦
قوله تعالى: ((ليقطع طرفاً من الذين كفروا الآية سورة آل عِمْران
ثم قال ( ولتطمئن قلوبكم به ) وفيه سؤال :
وهو أن قوله ( ولتطمئن) فعل وقوله ( إلا بشرى ) اسم وعطف الفعل على الاسم
مستنكر ، فكان الواجب أن يقال إلا بشرى لكم واطمئنانا ، أو يقال إلا ليبشركم ولتطمئن
قلوبكم به فلم ترك ذلك وعدل عنه إلى عطف الفعل على الاسم
( والجواب عنه من وجهين) ( الأول) في ذكر الإمداد مطلوبان، وأحدهما أقوى في
المطلوبية من الآخر ، فأحدهما إدخال السرور في قلوبهم ، وهو المراد بقوله ( إلا بشرى )
(والثاني ) حصول الطمأنينة على أن إعانة الله ونصرته معهم فلا يجبنوا عن المحاربة ، وهذا هو
المقصود الأصلي ففرق بين هاتين العبارتين تنبيها على حصول التفاوت بين هذين الأمرين في
المطلوبية فكونه بشرى مطلوب ولكن المطلوب الأقوى حصول الطمأنينة ، فلهذا أدخل حرف
التعليل على فعل الطمأنينة ، فقال ( ولتطمئن ) ونظيره قوله ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها
وزينه ) ولما كان المقصود الأصلي هو الركوب أدخل حرف التعليل عليها ، فكذا ههنا ( الثاني )
قال بعضهم في الجواب : الواو زائدة والتقدير وما جعله الله إلا بشرى لكم لتطمئن به
قلوبكم .
ثم قال ( وما النصر إلا من عند الله) والغرض منه أن يكون توكلهم على الله لا على
الملائكة وهذا تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية
على مسبب الأسباب ، وقوله ( العزيز الحكيم ) فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته ، والحكيم
إشارة إلى كمال علمه ، فلا يخفي عليه حاجات العباد ولا يعجز عن إجابة الدعوات ، وكل من
كان كذلك لم يتوقع النصر إلا من رحمته ولا الإعانة إلا من فضله وكرمه .
ثم قال ( ليقطع طرفا من الذين كفروا) واللام في ( ليقطع طرفا ) متعلق بقوله ( وما
النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) والمعنى أن المقصود من نصركم بواسطة إمداد الملائكة هو
أن يقطعوا طرفا من الذين كفروا أي يهلكوا طائفة منهم ويقتلوا قطعة منهم ، قيل : إنه راجع
إلى قوله ( ولتطمئن قلوبكم به ، ليقطع طرفا ) ولكنه ذكر بغير حرف العطف لأنه إذا كان
البعض قريبا من البعض جاز حذف العاطف، وهو كما يقول السيد لعبده : أكرمتك لتخدمنى
لتعيني لتقوم بخدمتي حذف العاطف ، لأن البعض يقرب من البعض ، فكذا ههنا ، وقوله
( طرفا) أي طائفة وقطعة وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف ولم يحسن ذكر الوسط لأنه لا
وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف، وهذا يوافق قوله تعالى ( قاتلوا الذين يلونكم )
وقوله ( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) .

٢٢٧
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((ليس لك من الأمر شيء)) الآية
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَيْهِمْ أَوْ يُعَذَِّهُمْ فَلَهُمْ ظَالِمُونَ
ثم قال ( أو يكبتهم ) الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه ، يقال : كبته فانكبت
هذا تفسيره ، ثم قد يذكر والمراد به الاخزاء والإهلاك واللعن والهزيمة والغيظ والإذلال ، فكل
ذلك ذكره المفسرون في تفسير الكبت ، وقوله ( خائبين ) الخيبة هي الحرمان والفرق بين الخيبة
وبين اليأس أن الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع ، وأما اليأس فانه قد يكون بعد التوقع وقبله ،
فنقيض اليأس الرجاء ، ونقيض الخيبة الظفر ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ﴾.
فى الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ في سبب نزول هذه الآية قولان ( الأول) وهو المشهور: أنها نزلت
في قصة أحد ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على ثلاثة أوجه ( أحدها ) أنه أراد أن يدعو
على الكفار فنزلت هذه الآية والقائلون بهذا ذكروا احتمالات ( أحدها ) روى أن عتبة بن أبي
وقاص شجه وكسر رباعيته فجعل يمسح الدم عن وجهه وسالم مولي ابي حذيفة يغسل عن
وجهه الدم وهو يقول « کیفیفلح قوم خضبوا وجه نبیھم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم)) ثم أراد
أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية ( وثانيها ) ما روي سالم بن عبد الله عن أبيه عبدالله بن عمر
أن النبي ◌ّ لعن أقواما فقال ((اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم
العن صفوان بن أمية )) فنزلت هذه الآية ( أو يتوب عليهم) فتاب الله على هؤلاء وحسن
إسلامهم (وثالثها) أنها نزلت في حمزة ابن عبد المطلب وذلك لأنهم لم لما رآه ورأى ما فعلوا به
من المثلة قال ((لأمثلن منهم بثلاثين))، فنزلت هذه الآية ، قال القفال رحمه الله ، وكل هذه
الأشياء حصلت يوم أحد ، فنزلت هذه الآية عند الكل فلا يمتنع حملها على كل الاحتمالات
( الثاني ) في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت بسبب أنه لو أراد أن يلعن المسلمين الذين
خالفوا أمره والذين انهزموا فمنعه الله من ذلك وهذا القول مروى عن ابن عباس رضي الله
عنهما .
﴿ الوجه الثالث﴾ أنه * أراد أن يستغفر للمسلمين الذين انهزموا وخالفوا أمره ويدعو
عليهم فنزلت الآية ، فهذه الإحتمالات والوجوه كلها مفرعة على قولنا إن هذه الآية نزلت في

٢٣٨
قوله تعالى: ((ليس لك من الأمر شيء الآية سورة آل عِمْران
قصة أحد .
﴿ القول الثاني﴾ أنها نزلت في واقعة أخرى وهي أن النبي ◌َّ بعث جمعاً من خيار
أصحابه إلى أهل بئر معونة ليعلموهن القرآن فذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره
وأخذهم وقتلهم فجزع من ذلك الرسول ◌َ ل جزعا شديداً ودعا على الكفار أربعين يوما ،
فنزلت هذه الآية ، هذا قول مقاتل وهو بعيد لأن أكثر العلماء اتفقوا على أن هذه الآية في قصة
أحد ، وسياق الكلام يدل عليه وإلقاء قصة أجنبية عن أول الكلام وآخره غير لائق .
﴿ المسألة الثانية) ظاهر هذه الآية يدل على أنها وردت في أمر كان النبي ود ليل يفعل فيه
فعلا ، وكانت هذه الآية كالمنع منه ، وعند هذا يتوجه الإشكال ، وهو أن ذلك الفعل إن كان
بأمر الله تعالى ، فكيف منعه الله منه ؟ وإن قلنا إنه ما كان بأمر الله تعالى وبإذنه ، فكيف يصح
هذا مع قوله ( وما ينطق عن الهوى ) وأيضاً دلت الآية على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام فالأمر الممنوع عنه في هذه الآية إن كان حسنا فلم منعه الله ؟ وإن كان قبيحاً ، فكيف
يكون فاعله معصوما ؟ .
( والجواب من وجوه ) ( الأول ) أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع منه كان
مشتغلا به فانه تعالى قال للنبي وَّة (لئن أشركت ليحبطن عملك) وأنه عليه الصلاة والسلام ما
أشرك قط وقال ( يا أيها النبي اتق الله ) فهذا لا يدل على أنه ما كان يتقي الله ، ثم قال (ولا تطع
الكافرين ) وهذا لا يدل على أنه أطاعهم ، والفائدة في هذا المنع أنه لما حصل ما يوجب الغم
الشديد ، والغضب العظيم ، وهو مثلة عمه حمزة ، وقتل المسلمين ، والظاهر أن الغضب يحمل
الإِنسان على ما لا ينبغي من القول والفعل ، فلأجل أن لا تؤدي مشاهدة تلك المكارة إلى ما لا
يليق من القول والفعل نص الله تعالى على المنع تقوية لعصمته وتأكيداً لطهارته ( والثاني ) لعله
عليه الصلاة والسلام إن فعل لكنه كان ذلك من باب ترك الأفضل والأولى ، فلا جرم أرشده
الله إلى اختيار الأفضل والأولى ، ونظيره قوله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن
صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا الله ) كأنه تعالى قال : إن كنت تعاقب ذلك
الظالم فاكتف بالمثل ، ثم قال ثانياً : وإن تركته كان ذلك أولى ، ثم أمره أمراً جازما بتركه ،
فقال ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) .
الوجه الثالث﴾ في الجواب: لعله ير لما مال قلبه إلى اللعن عليهم استأذن ربه فيه ،
فنص الله تعالى على المنع منه ، وعلى هذا التقدير لا يدل هذا النهي على القدح في العصمة .
المسألة الثالثة ﴾ قوله (ليس لك من الأمر شيء ) فيه قولان ( الأول ) أن معناه ليس

قوله تعالى: (( ليس لك من الأمر شيء الآية سورة آل عِمْران ٢٣٩
لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء وعلى هذا فنقل عن المفسرين عبارات
( أحدهما ) ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أوحى إليك ( وثانيها ) ليس لك من مسألة
إهلاكهم شيء ، لأنه تعالى أعلم بالمصالح فربما تاب عليهم ( وثالثها ) ليس لك في أن يتوب الله
عليهم ، ولا في أن يعذبهم شيء .
﴿ والقول الثاني﴾ أن المراد هو الأمر الذي يضاد النهي، والمعنى: ليس لك من أمر
خلقي شيء إلا إذا كان على وفق أمري ، وهو كقوله ( ألا له الحكم ) وقوله ( لله الأمر من قبل
ومن بعد) وعلى القولين فالمقصود من الآية منعه ول# من كل فعل وقول إلا ما كان يأذنه وأمره
وهذا هو الإِرشاد إلى أكمل درجات العبودية، ثم اختلفوا في أن المنع من اللعن لأي معنى كان؟
منهم من قال الحكمة فيه أنه تعالى ربما علم من حال بعض الكفار أنه يتوب ، أو أن لم يتب
لكنه علم أنه سيولد منه ولد يكون مسلماً براً تقياً ، وكل من كان كذلك ، فان اللائق برحمة
الله تعالى أن يمهله في الدنيا وأن يصرف عنه الآفات إلى أن يتوب أو إلى أن يحصل ذلك الولد
فاذا حصل دعاء الرسول عليهم بالإهلاك ، فان قبلت دعوته فات هذا المقصود ، وإن لم تقبل
دعوته كان ذلك كالإستخفاف بالرسول #، فلأجل هذا المعنى منعه الله تعالى من اللعن
وأمره بأن يفوض الكل إلى علم الله تعالى ، ومنهم من قال : المقصود منه إظهار عجز العبودية
وأن لا يخوض العبد في أسرار الله تعالى في ملكه وملكوته ، هذا هو الأحسن عندي والأوفق
لمعرفة الأصول الدالة على حقيقة الربوبية والعبودية .
﴿ المسألة الرابعة﴾ ذكر الفراء والزجاج وغيرهما في هذه الآية قولين ( أحدهما) أن قوله
( أو يتوب عليهم) عطف على ما قبله ، والتقدير: ليقطع طرفًا من الذين كفروا ، أو
يكبتهم ، أو يتوب عليهم ، أو يعذبهم، ويكون قوله ( ليس لك من الأمر شيء ) كالكلام
الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه ، كما تقول : ضربت زيداً، فاعلم ذلك عمراً ،
فعلى هذا القول هذه الآية متصلة بما قبلها .
والقول الثاني﴾ أن معنى ( أو) ههنا معنى حتى، أو إلا أن كقولك : لألزمنك أو
تعطيني حقي والمعنى : إلا أن تعطيني أو حتى تعطيني ، ومعنى الآية ليس لك من أمرهم شيء
إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم ، أو يعذبهم فتتشفى منهم .
المسألة الخامسة ﴾ قوله تعالى ( أو يتوب عليهم ) مفسر عند أصحابنا بخلق التوبة
فيهم وذلك عبارة عن خلق الندم فيهم على ما مضى ، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل
ذلك في المستقبل قال أصحابنا : وهذا المعنى متأكد ببرهان العقل وذلك لأن الندم عبارة عن
حصول إرادة في المضي متعلقة بترك فعل من الأفعال في المستقبل ، وحصول الإرادات

٢٤٠
قوله تعالى: ((ولله ما في السموات وما في الأرض)) الآية سورة آل عِمْران
وَلِلَّ مَافِ السَّمَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ
وو
غَفُورٌ رَّحِيمٌ
والكراهات في القلب لا يكون بفعل العبد ، لأن فعل العبد مسبوق بالإِرادة ، فلو كانت
الإرادات فعلاً للعبد لافتقر العبد في فعل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ويلزم التسلسل وهو
محال ، فعلمنا أن حصول الإرادة والكراهات في القلب ليس إلا بتخليق الله تعالى وتكوينه
إبتداء ، ولما كانت التوبة عبارة عن الندم والعزم ، وكل ذلك من جنس الإرادات والكراهات ،
علمنا أن التوبة لا تحصل للعبد إلا بخلق الله تعالى ، فصار هذا البرهان مطابقاً لما دل عليه
ظاهر القرآن ، وهو قوله ( أو يتوب عليهم ) وأما المعتزلة فانهم فسروا قوله ( أو يتوب
عليهم ) إما بفعل الألطاف ، أو بقبول التوبة .
أما قوله تعالى ( فانهم ظالمون ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ إن كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفر صح الكلام وهو
أنه تعالى سماهم ظالمين ، لأن الشرك ظلم قال تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم ) وإن كان
الغرض منها منعه من الدعاء على المسلمين الذين خالفوا أمره صح الكلام أيضاً ، لأن من
عصى الله فقد ظلم نفسه .
المسألة الثانية ﴾ يحتمل أن يكون المراد من العذاب المذكور في هذه الآية عذاب
الدنيا ، وهو القتل والأسر وأن يكون عذاب الآخرة ، وعلى التقديرين فعلم ذلك مفوض إلى
الله .
﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (فانهم ظالمون) جملة مستقلة ، إلا أن المقصود من ذكرها
تعليل حسن التعذيب ، والمعنى : أو يعذبهم فإنه إن عذبهم إنما يعذبهم لأنهم ظالمون .
قوله تعالى ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور
رحيم ﴾ فيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولا من قوله ( ليس لك من الأمر
شيء ) والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك ، وملك السموات والأرض ليس إلا لله تعالى
فالأمر في السموات والأرض ليس إلا لله ، وهذا برهان قاطع .