النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
قوله تعالى: ((ضربت عليهم الذلة)) الآية سورة آل عِمْران
نصر هذا القول . أجاب عن هذا السؤال بأن قال : إن هذا الاستثناء منقطع ، وهو قول محمد
بن جرير الطبري ، فقال : اليهود قد ضربت عليهم الذلة ، سواء كانوا على عهد من الله أولم
يكونوا فلا يخرجون بهذا الاستثناء من الذلة إلى العزة ، فقوله ( إلا بحبل من الله) تقدیرہ لکن
قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس ، وأعلم أن هذا ضعيف لأن حمل لفظ ( إلا ) على
( لكن) خلاف الظاهر ، وأيضاً إذا حملنا الكلام على أن المراد : لكن قد يعتصمون بحبل من
الله وحبل من الناس لم يتم هذا القدر فلا بد من إضمار الشيء الذي يعتصمون بهذه الأشياء
لأجل الحذر عنه والإضمار خلاف الأصل ، فلا يصار إلى هذه الأشياء إلا عند الضرورة فاذا كان
لا ضرورة ههنا إلى ذلك كان المصير إليه غير جائز ، بل ههنا وجه آخر وهو أن يحمل الذلة على
كل هذه الأشياء أعني : القتل ، والأسر، وسبي ، الذراري ، وأخذ المال ، وإلحاق
الصغار ، والمهانة ، ويكون فائدة الاستثناء هو أنه لا يبقى مجموع هذه الأحكام ، وذلك لا
ينافي بقاء بعض هذه الأحكام ، وهو أخذ القليل من أموالهم الذي هو مسمى بالجزية ، وبقاء
المهانة والحقارة والصغار فيهم ، فهذا هو القول في هذا الموضع ، وقوله ( أينما ثقفوا ) أي
وجدوا وصودفوا، يقال : ثقفت فلاناً في الحرب أي أدركته ، وقد مضى الكلام فيه عند قوله
( حيث ثقفتموهم ) .
المسألة الثالثة﴾ قوله ( إلا بحبل من الله) فيه وجوه ( الأول ) قال الفراء : التقدير
إلا أن يعتصموا بحبل من الله ، وأنشد على ذلك :
رأتني بحبلها فصدت مخافة
وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق .
واعترضوا عليه ، فقالوا : لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته ، لأن الموصول هو
الأصل والصلة فرع فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه ، أما حذف الأصل وابقاء الفرع
فهو غير جائز ( الثاني ) أن هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى ، لأن معنى ضرب الذلة لزومها
إياهم على أشد الوجوه بحيث لا تفارقهم ولا تنفك عنهم ، فكأنه قيل : لا تنفك عنهم الذلة ،
ولن يتخلصوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ( الثالث ) أن تكون الباء بمعنى ( مع )
كقولهم : أخرج بنا نفعل كذا ، أي معنا ، والتقدير : إلا مع حبل من الله .
﴿ المسألة الرابعة﴾ المراد من حبل الله عهده، وقد ذكرنا فيما تقدم أن العهد إنما سمي
بالحبل لأن الإنسان لما كان قبل العهد خائفاً ، صار ذلك الخوف مانعاً له من الوصول إلى
مطلوبه ، فاذا حصل العهد توصل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه ، فصار ذلك شبيها
بالحبل الذى من تمسك به تخلص من خوف الضرر .

٢٠٢
قوله تعالى: ((وضربت عليهم المسكنة)) الآية سورة آل عِمْران
فان قيل : إنه عطف على حبل الله حبلاً من الناس وذلك يقتضى المغايرة فكيف هذه المغايرة ؟
قلنا : قال بعضهم : حبل الله هو الإِسلام ، وحبل الناس هو العهد والذمة ، وهذا بعيد
لأنه لو كان المراد ذلك لقال : أو حبل من الناس ، وقال آخرون : المراد بكلام الحبلين العهد
والذمة والأمان ، وإنما ذكر تعالى الحبلين لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بأذن
الله وهذا عندي أيضاً ضعيف، والذي عندي فيه أن الأمان الحاصل للذمى قسمان ( أحدهما )
الذي نص الله عليه وهو أخذ الجزية ( والثاني ) الذي فوض إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة
وينقص بحسب الاجتهاد ( فالأول ) هو المسمى بحبل الله ( والثاني ) هو المسمى بحبل المؤمنين
والله أعلم .
ثم قال ( وباؤا بغضب من الله ) وقد ذكرنا أن معناه : أنهم مكثوا ، ولبثوا وداموا في
غضب الله ، وأصل ذلك مأخوذ من البوء وهو المكان ، ومنه : تبوأ فلان منزل كذا وبوأته إياه،
والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا فيه ، وسواء قولك: حل بهم الغضب وحلوابه .
ثم قال ( وضربت عليهم المسكنة ) والأكثرون حملوا المسكنة على الجزية وهو قول الحسن
قال وذلك لأنه تعالى أخرج المسكنة عن الاستثناء وذلك يدل على أنها باقية عليهم غير زائلة
عنهم ، والباقي عليهم ليس إلا الجزية ، وقال آخرون : المراد بالمسكنة أن اليهودى يظهر من
نفسه الفقر وإن كان غنيا موسراً، وقال بعضهم : هذا إخبار من الله سبحانه بأنه جعل اليهود
أرزاقا للمسلمين فيصيرون مساكين ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأنواع من الوعيد قال ( ذلك
بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ) والمعنى : أنه تعالى ألصق باليهود
ثلاثة أنواع من المكروهات ( أولها ) جعل الذلة لازمة لهم ( وثانيها ) جعل غضب الله لازما لهم
(وثالثها ) جعل المسكنة لازمة لهم ، ثم بين في هذه الآية أن العلة لإلصاق هذه الأشياء
المكروهة بهم هي : أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ، وهنا سؤالات :
السؤال الأول ﴾ هذه الذلة والمسكنة إنما التصقت باليهود بعد ظهور دولة الإسلام،
والذين قتلوا الأنبياء بغير حق هم الذين كانوا قبل محمد ◌َّله بأدوار وأعصار، فعلى هذا :
الموضع الذي حصلت فيه العلة وهو قتل الأنبياء لم يحصل فيه المعلول الذي هو الذلة
والمسكنة ، والموضع الذي حصل فيه هذا المعلول لم تحصل فيه العلة ، فكان الإشكال لازما .
( والجواب عنه) أن هؤلاء المتأخرين وإن كان لم يصدر عنهم قتل الأنبياء عليهم
السلام لكنهم كانوا راضين بذلك ، فان أسلافهم هم الذين قتلوا الأنبياء وهؤلاء المتأخرون
كانوا راضين بفعلَ أسلافهم ، فنسب ذلك الفعل إليهم من حيث كان ذلك الفعل القبيح فعلا

قوله تعالى: (( ليسوا اسوأ من اهل الكتاب)) الآية سورة آل عِمْران ٢٠٣
الَّيْلِ وَهُمْ
لَيْسُوْ سَوَاءٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَتِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَِّءَ انَآءُ
تَسْجُدُونَ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ آلْأَخِ
١٣
الْمُنكٍَّ وَيُسْرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَأَوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (13) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خٍْ
قَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَالله عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (
١١٥
لآبائهم وأسلافهم مع أنهم كانوا مصوبين لاسلافهم في تلك الافعال .
السؤال الثاني ﴾ لم كرر قوله ( ذلك بما عصوا) وما الحكمة فيه ولا يجوز أن يقال
التكرير للتأكید ، لأن التأکید يجب أن يكون بشيء أقوى من المؤكد ، والعصيان أقل حالا من
الكفر فلم يجز تأكيد الكفر بالعصيان ؟ .
( والجواب ) من وجهين ( الأول) أن علة الذلة والغضب والمسكنة هي الكفر وقتل
الأنبياء ، وعلة الكفر وقتل الأنبياء هي المعصية ، وذلك لأنهم لما توغلوا في المعاصي والذنوب
فكانت ظلمات المعاصي تتزايد حالا فحالا ، ونور الإيمان يضعف حالا فحالا ، ولم يزل كذلك
إلى أن بطل نور الإيمان وحصلت ظلمة الكفر ، وإليه الإشارة بقوله ( كلا بل ران على قلوبهم
ما كانوا يكسبون ) فقوله ( ذلك بما عصوا) إشارة إلى علة العلة ولهذا المعنى قال أرباب
المعاملات ، من ابتلى بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك
الفريضة ، ومن ابتلى بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة ، ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر
( الثاني ) يحتمل أن يريد بقوله ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون ) من تقدم منهم ، ويريد بقوله
( ذلك بماعصوا) من حضر منهم في زمان الرسول وليه، وعلى هذا لا يلزم التكرار، فكأنه تعالى
بين علة عقوبة من تقدم ، ثم بين أن من تأخر لما تبع من تقدم كان لأجل معصيته وعداوته
مستوجبا لمثل عقوبتهم حتى يظهر للخلق أن ما أنزله الله بالفريقين من البلاء والمحنة ليس إلا
من باب العدل والحكمة .
قوله تعالى ﴿ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم
يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات
وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين

٢٠٤
قوله تعالى: ((ليسوا أسوأ)) الآية
سورة آل عمران
في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ أعلم أن في قوله ( ليسوا سواء ) قولين ( أحدهما ) أن قوله ( ليسوا
سواء) كلام تام ، وقوله ( من أهل الكتاب أمة قائمة ) كلام مستأنف لبيان قوله ( ليسوا سواء )
كما وقع قوله ( تأمرون بالمعروف) بيانا لقوله ( كنتم خير أمة ) والمعنى أن أهل الكتاب الذين
سبق ذكرهم ليسوا سواء ، وهو تقرير لما تقدم من قوله ( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) ثم
ابتدأ فقال ( من أهل الكتاب أمة قائمة ) وعلى هذا القول إحتمالان ( أحدهما ) أنه لما قال
( من أهل الكتاب أمة قائمة ) كان تمام الكلام أن يقال : ومنهم أمة مذمومة ، إلا أنه أضمر
ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر
وتحقيقه أن الضدين يعلمان معاً، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما ، فلا جرم يحسن
إهمال الضد الآخر .
قال أبو ذؤيب :
دعاني إليها القلب إني لا مرؤ
مطيع فلا أدري أرشد طلابها
أراد ( أم غي ) فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي ، وهذا قول الفراء وابن الأنباري ،
وقال الزجاج : لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة ، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه
الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى ، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معاً كان
ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر ، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل دين
زكي ، فيغني هذا عن أن يقال : وعبد الله ليس كذلك ، فكذا ههنا لما تقدم قوله ( ليسوا
سواء ) أغنى ذلك عن الإضمار.
والقول الثاني ﴾ أن قوله ( ليسوا سواء ) كلام غير تام ولا يجوز الوقف عنده ، بل هو
متعلق بما بعده ، والتقدير : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة ، فأمة رفع
بليس وإنما قيل ( ليسوا) على مذهب من يقول : أكلوني البراغيث ، وعلى هذا التقدير لا بد
من إضمار الأمة المذمومة وهو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق
الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ يقال فلان وفلان سواء ، أي متساويان وقوم سواء ، لأنه مصدر لا
يثنى ولا يجمع ومضى الكلام في ( سواء ) في أول سورة البقرة .
المسألة الثالثة﴾ في المراد بأهل الكتاب قولان ( الأول) وعليه الجمهور : أن المراد

٢٠٥
قوله تعالى: ((ليسوا اسوأ من اهل الكتاب)) الآية سورة آل عِمْران
منه الذین آمنوا بموسی وعیسی علیھما السلام ، روی أنه لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه
قال لهم بعض كبار اليهود : لقد كفرتم وخسرتم ، فأنزل الله تعالى لبيان فضلهم هذه الآية ،
وقيل : إنه تعالى لما وصف أهل الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان
أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك ، بل فيهم من يكون موصوفاً بالصفات الحميدة والخصال
المرضية ، قال الثوري : بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء ، وعن
عطاء : أنها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثلاثة من الروم كانوا
على دين عيسى وصدقوا بمحمد عليه الصلاة والسلام .
﴿ والقول الثاني ﴾ أن يكون المراد بأهل الكتاب كل من أوتى الكتاب من أهل
الأديان ، وعلى هذا القول يكون المسلمون من جملتهم ، قال تعالى ( ثم أوئتا الكتاب الذين
اصطفينا من عبادنا) ومما يدل على هذا ما روى ابن مسعود أن النبي ◌ّ أخر صلاة العشاء ثم
خرج إلى المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة ، فقال ((أما إنه ليس من أهل الأديان أحد
يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم)) وقرأ هذه الآية ، قال القفال رحمه الله : ولا يبعد أن
يقال : أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب ، فقيل ليس يستوي من أهل
الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد ◌ٍ فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرهم من
أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا ، ولم يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد ◌ّ فسماهم
الله بأهل الكتاب ، كأنه قيل : أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك
الخصال الذميمة والمسلمون الذين سماهم الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا ، يستويان؟
فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإِسلام تأكيداً لما تقدم من قوله ( كنتم خير
أمة) وهو كقوله ( أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون) ,
ثم اعلم أنه تعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمانية.
الصفة الأولى﴾ أنها قائمة وفيها أقوال (الأول) أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات
الله آناء الليل فعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل وهو كقوله ( والذين يبيتون
لربهم سجداً وقياماً) وقوله ( إن ربك یعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ) وقوله (قم الليل)
وقوله ( وقوموا لله قانتين) والذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله ( وهم
يسجدون ) والظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة .
والقول الثاني ﴾ في تفسير كونها قائمة : أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة
له غير مضطربة في التمسك به كقوله ( إلا ما دمت عليه قائماً) أي ملازماً للاقتضاء ثابتاً على

٢٠٦
قوله تعالى: ((وهم يسجمرة)) الآ ية
سورة آل عِمْران
المطالبة مستقصياً فيها ، ومنه قوله تعالى ( قائماً بالقسط ) .
وأقول : إن هذه الآية دلت على كون المسلم قائماً بحق العبودية وقوله ( قائماً بالقسط)
يدل على أن المولى قائم بحق الربوبية في العدل والإِحسان فتمت المعاهدة بفضل الله تعالى كما
قال ( أوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) وهذا قول الحسن البصري ، واحتج عليه بما روى أن عمر
بن الخطاب قال يا رسول الله : إن أناساً من أهل الكتاب يحدثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه ،
فغضب وَّ وقال: أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود ، قال الحسن : متحيرون
مترددون (( أما والذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية)) وفي رواية أخرى قال عند ذلك،
إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة والإنجيل وإنما أمرتم أن تؤمنوا بهما وتفوضوا علمهما
إلى الله تعالى ، وكلفتم أن تؤمنوا بما أنزل علي في هذا الوحي غدوة وعشياً والذي نفس محمد
بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى لآمنوا بي واتبعوني)) فهذا الخبر يدل على أن الثبات على
هذا الدين واجب وعدم التعلق بغيره واجب ، فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال
( من أهل الكتاب أمة قائمة ) .
القول الثالث﴾ ( أمة قائمة) أي مستقيمة عادلة من قولك: أقمت العود فقام
بمعنى استقام ، وهذا كالتقرير لقوله ( كنتم خير أمة ) .
الصفة الثانية) قوله تعالى ( يتلون آيات الله آناء الليل ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ (يتلون ويؤمنون) في محل الرفع صفتان لقوله (أمة) أي أمة قائمة
تالون مؤمنون .
المسألة الثانية ﴾ التلاوة القراءة وأصل الكلمة من الاتباع فكأن التلاوة هي اتباع
اللفظ اللفظ .
﴿ المسألة الثالثة﴾ آيات الله قد يراد بها آيات القرآن، وقديراد بها أصناف مخلوقاته التي
هي دالة على ذاته وصفاته والمراد ههنا الأولى .
المسألة الرابعة﴾ ( آناء الليل ) أصلها في اللغة الأوقات والساعات وواحدها إنا ،
مثل : معي وأمعاء وإني مثل نحي وإنحاء ، مكسور الأول ساكن الثاني ، قال القفال رحمه
الله، كأن الثاني مأخوذ منه لأنه انتظار الساعات والأوقات، وفي الخبر أن النبي مَّ قال للرجل
الذي أخر المجيء إلى الجمعة ((آذيت وآنيت)) أي دافعت الأوقات.
﴿ الصفة الثالثة ) قوله تعالى (وهم يسجدون) وفيه وجوه ( الأول ) يحتمل أن يكون

٢٠٧
سورة آل ◌ِمْران
قوله تعالى: ((وينهون عن المنكر)) الآية
حالا من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع والخشوع إلا أن القفال
رحمه الله روي في تفسيره حديثاً: أن ذلك غير جائز، وهو قوله عليه السلام ((ألا إني نهيت أن
أقرأ راكعا وساجدا)) (الثاني) يحتمل أن يكون كلاما مستقلا والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون
الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله (والذين يبيتون
لربهم سجداً وقياما) وقوله (آمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائما يحذر الآخرةويرجورحمة ربه) قال
الحسن : يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه ، وهذا على معنى إرادة الراحة وإزالة التعب
وإحداث النشاط ( الثالث ) يحتمل أن يكون المراد بقوله ( وهم يسجدون ) أنهم يصلون
وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجودا وسجدة وركوعا وركعة وتسبيحاً وتسبيحة ،
قال تعالى ( واركعوا مع الراكعين ) أي صلوا وقال ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون )
والمراد الصلاة ( الرابع ) يحتمل أن يكون المراد بقوله ( وهم يسجدون ) أي يخضعون
ويخشعون لله لأن العرب تسمى الخشوع سجوداً كقوله ( ولله يسجد ما في السموات وما في
الأرض ) وكل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه الله .
الصفة الرابعة ﴾ قوله ( يؤمنون بالله واليوم الآخر ) وأعلم أن اليهود كانوا أيضاً
يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة ، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك
بقوله (يؤمنون بالله واليوم الآخر) وقد بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله
والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولا يحترزون
عن معاصي الله ، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد .
وأعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وأفضل
الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله ، وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، فقوله
( يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم وقوله
( يؤمنون بالله واليوم الآخر ) إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى
كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية ، وذلك أكمل أحوال الإنسان ، وهي المرتبة
التي يقال لها : إنها آخر درجات الإنسانية وأول درجات الملكية .
الصفة الخامسة ﴾ قوله (ويأمرون بالمعروف) .
الصفة السادسة ﴾ قوله ( ينهون عن المنكر ) وأعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن
يكون تاما وفوق التمام فكون الإنسان تاما ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم
. الفخر الرازي ج ٨ م ١٤

٢٠٨
قوله تعالى: (( وما يفعلوا من خير)) الآية
سورة آل عِمْران
ذكره ، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين ، وذلك بطريقين ، إما بارشادهم إلى
ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف، أو بمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر ، قال ابن عباس
رضي الله عنهما: (يأمرون بالمعروف) أي بتوحيد الله وبنبوة محمد ◌ّه (وينهون عن المنكر)
أي ينهون عن الشرك بالله، وعن إنكار نبوة محمد ◌ّة، وأعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق
فلم يجز تخصيصه بغير دليل ، فهو يتناول كل معروف وكل منكر .
الصفة السابعة ﴾ قوله ( ويسارعون في الخيرات ) وفيه وجهان ( أحدهما ) أنهم
يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت ، والآخر : يعملونها غير متثاقلين . فان قيل : أليس أن
العجلة مذمومة قال عليه الصلاة والسلام ((العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن)) فما الفرق
بين السرعة وبين العجلة ؟ قلنا : السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه ، والعجلة
مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه ، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين ، لأن
من رغب في الأمر، آثر الفور على التراخي ، قال تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة ربكم ) وأيضاً
العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى ( وعجلت إليك رب لترضى ) .
الصفة الثامنة ) قوله (وأولئك من الصالحين) والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا
به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم ، وأعلم أن الوصف
بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن ، فهو أن الله تعالى مدح بهذا
الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال : بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل
وغيرهم ( وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين ) وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه
قال ( وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) وقال ( فان الله هو مولاه وجبريل وصالح
المؤمنين ) وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد ، سواء
كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال ، فاذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون ، فقد
حصل الصلاح ، فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات .
ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال ( وما يفعلوا من خير فلن يكفر وه والله عليم
بالمتقين ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (وما يفعلوا من خير فلن
يكفروه) بالياء على المغايبة ، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمنى أهل الكتاب ، يتلون
ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون ، ولن يضيع لهم ما يعلمون ، والمقصود أن
جهال اليهود لما قالوا : لعبد الله بن سلام إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان ، قال تعالى بل فازوا

٢٠٩
سورة آل عمران
قوله تعالى : وما يفعلوا من خير)) الآية
بالدرجات العظمى ، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال ،
ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب ، فإن سائر
الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلة .
وأما الباقون فانهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على
معنى أن أفعال مؤمنى أهل الكتاب ذكرت ، ثم قال : وما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين
من جملتكم هؤلاء ، فلن تكفروه ، والفائدة أن يكون حكم هذه الآية عاما بحسب اللفظ في
حق جميع المكلفين ، ومما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير
تخصيص بقوم دون قوم كقوله ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) ( وما تفعلوا من خير يوف
إليكم ) ( وما تفعلوا من خير تجدوه عند الله ) وأما أبو عمر وفالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه
الآية بالقراءتين .
المسألة الثانية ﴾ ( فلن تكفروه) أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع الجزاء كفر
لوجهين (الأول) أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكراً قال الله تعالى ( فان الله شاكر عليم ) وقال
( فأولئك كان سعيهم مشكوراً ) فلما سمي إيصال الجزاء شكراً سمي منعه كفرا ( والثاني ) أن
الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفراً ، لأنه بمنزلة الجحد والستر .
فان قيل : لم قال ( فلن تكفروه) فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان إلا
إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها .
قلنا : لأنا بينا أن معنى الكفر ههنا هو المنع والحرمان ، فكان كأنه قال : فلن تحرموه ،
ولن تمنعوا جزاءه .
المسألة الثالثة﴾ احتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه الآية فقال:
صريح هذه الآية يدل على أنه لا بد من وصول أثر فعل العبد إليه ، فلو انحبط ولم ينحبط من
المحبط بمقداره شيء لبطل مقتضى هذه الآية ، ونظير هذه الآية قوله تعالى ( فمن يعمل مثقال ذرة
خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) .
ثم قال ( والله عليم بالمتقين ) والمعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم الحرمان والجزاء أقام ما
يجري مجرى الدليل عليه وهو أن عدم إيصال الثواب والجزاء إما أن يكون للسهو والنسيان
وذلك محال في حقه لأنه عليم بكل المعلومات ، وإما أن يكون للعجز والبخل والحاجة وذلك
محال لأنه إله جميع المحدثات ، فاسم الله تعالى يدل على عدم العجز والبخل والحاجة ، وقوله

٢١٠
قوله تعالى: ((إن الذين كفروا)) الآية
سورة آل عمران
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْلَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ
أَعَْبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ (
( عليم) يدل على عدم الجهل ، وإذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع من الجزاء ، لأن منع
الحق لا بد وأن يكون لأجل هذه الأمور والله أعلم ، إنما قال (عليم بالمتقين ) مع أنه عالم
بالكل بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوي .
قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك
أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ .
أعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآيات مرة أحوال الكافرين في كيفية العقاب ، وأخرى
أحوال المؤمنين في الثواب جامعاً بين الزجر والترغيب والوعد والوعيد ، فلما وصف من آمن من
الكفار بما تقدم من الصفات الحسنة أتبعه تعالى بوعيد الكفار ، فقال ( إن الذين كفروا لن
تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ) وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله (إن الذين كفروا) قولان (الأول ) المراد منه بعض الكفار
ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها ( أحدها ) قال ابن عباس : يريد قريظة والنضير ،
وذلك لأن مقصود رؤساء اليهود في معاندة الرسول ما كان إلا المال والدليل عليه قوله تعالى في
سورة البقرة ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) ( وثانيها ) أنها نزلت في مشركي قريش ، فان أبا
جهل كان كثير الإفتخار بماله ولهذا السبب نزل فيه قوله ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم
أحسن أثاثاً ورئيا) وقوله ( فليدع نادية سندع الزبانية ) ( وثالثها ) أنها نزلت في أبي سفيان ،
فانه انفق مالا كثيرا على المشركين يوم بدر وأحد في عداوة النبي ◌َّ.
﴿ والقول الثاني﴾ أن الآية عامة في حق جميع الكفار، وذلك لأنهم كلهم كانوا
يتعززون بكثرة الأموال ، وكانوا يعيرون الرسول له وأتباعه بالفقر، وكان من جملة شبههم
أن قالوا : لو كان محمد على الحق لما تركه ربه في هذا الفقر والشدة ، ولأن اللفظ عام ، ولا
دليل يوجب التخصيص فوجب إجراؤه على عمومه ، وللأولين أن يقولوا : إنه تعالى قال بعد
هذه الآية ( مثل ما ينفقون ) فالضمير في قوله ( ينفقون ) عائد إلى هذا الموضع ، وهو قوله ( إن
الذين كفروا) ثم إن قوله ( ينفقون) مخصوص ببعض الكفار ، فوجب أن يكون هذا أيضاً
مخصوصاً .

قوله تعالى: ((مثل ما ينفقون في هذه الحياة)) الآية سورة آل عِمْران ٢١١
مَثَلُ مَا يُنِقُونَ فِ هَذِهِ الْحَيَزِ الدُّنْيَا كَلِ رِيحٍ فِيَهَا صِرُ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوٍْ ظَلَّمُواْ
أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلُونَ (9)
﴿ المسألة الثانية﴾ إنما خص تعالى الأموال والأولاد بالذكر لأن أنفع الجمادات هو
الأموال وأنفع الحيوانات هو الولد ، ثم بين تعالى أن الكافر لا ينتفع بهما البتة في الآخرة ،
وذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى ، ونظيره قوله تعالى ( يوم لا ينفع مال
ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) وقوله ( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئاً) الآية
وقوله ( فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ) وقوله ( وما أموالكم ولا
أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ) ولما بين تعالى أنه لا انتفاع لهم بأموالهم ولا بأولادهم ، قال
( وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .
وأحتج أصحابنا بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة لا يبقون في النار أبداً فقالوا قوله
( وأولئك أصحاب النار ) كلمة تفيد الحصر فانه يقال : أولئك أصحاب زيد لا غيرهم وهم
المنتفعون به لا غيرهم ولما أفادت هذه الكلمة معنى الحصر ثبت أن الخلود في النار ليس إلا
للكافر .
قوله تعالى ﴿ مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم
ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ﴾ .
أعلم أنه تعالى لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً ، ثم أنهم ربما أنفقوا أموالهم
في وجوه الخيرات ، فيخطر ببال الإنسان أنهم ينتفعون بذلك ، فأزال الله تعالى بهذه الآية تلك
الشبهة ، وبين أنهم لا ينتفعون بتلك الإنفاقات ، وإن كانوا قد قصدوا بها وجه الله .
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ المثل الشبه الذي یصیر کالعلم لكثرة استعماله فيما يشبه به وحاصل
الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم ، كما أن الريح الباردة تهلك الزرع .
فان قيل : فعلى هذا التقدير مثل إنفاقهم هو الحرث الذي هلك ، فكيف شبه الإنفاق

٢١٢
قوله تعالى: ((مثل ما ينفقون)) الآية
سورة آل عمران
بالريح الباردة المهلكة .
قلنا : المثل قسمان منه ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين وإن لم
تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين ، وهذا هو المسمى بالتشبيه المركب ، ومنه ما حصلت
المشابهة فيه بين المقصود من الجملتين ، وبين أجزاء كل واحدة منهما ، فاذا جعلنا هذا المثل من
القسم الأول زال السؤال ، وإن جعلناه من القسم الثاني ففيه وجوه ( الأول ) أن يكون
التقدير : مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون ، كمثل الريح المهلكة للحرث ( الثاني ) مثل ما
ينفقون ، كمثل مهلك ريح ، وهو الحرث ( الثالث ) لعل الإشارة في قوله ( مثل ما ينفقون )
إلى ما أنفقوا في إيذاء رسول الله ◌َّه في جمع العساكر عليه، وكان هذا الإنفاق مهلكا لجميع ما
أتوا به من أعمال الخير والبر وحينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى إضمار وتقديم وتأخير ،
والتقدير : مثل ما ينفقون في كونه مبطلا لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر كمثل ريح فيها صر
في كونها مبطلة للحرث ، وهذا الوجه خطر ببالي عند كتابتي على هذا الموضع ، فان إنفاقهم في
إيذاء الرسول 18 من أعظم أنواع الكفر ومن أشدها تأثيرا في إبطال آثار أعمال البر .
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في تفسير هذا الإنفاق على قولين (الأول ) أن المراد بالإنفاق
ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة سماه الله إنفاقا كما سمي ذلك بيعاً
وشراء في قوله ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) إلى قوله ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم
به) ومما يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) والمراد به
جميع أعمال الخير وقوله تعالى ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) والمراد جميع أنواع
الإنتفعات .
والقول الثاني ﴾ وهو الأشبه أن المراد إنفاق الأموال ، والدليل عليه ما قبل هذه الآية
وهو قوله ( لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ) .
﴿ المسألة الثالثة) قوله (مثل ما ينفقون) المراد منه جميع الكفار أو بعضهم، فيه
قولان : ( الأول) المراد الإخبار عن جميع الكفار، وذلك لأن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع.
الدنيا أو لمنافع الآخرة فان كان لمنافع الدنيا لم يبقَ منه أثر البتة في الآخرة في حق السلم فضلا
عن الكافر وإن کان لمنافع الآخرة لم ينتفع به فى الآخرة لأن الكفر مانع من الانتفاع به، فثبت أن
جميع نفقات الكفار لا فائدة فيها في الآخرة ، ولعلهم أنفقوا أموالهم في الخيرات نحو بناء
الرباطات والقناطر والإِحسان إلى الضعفاء والآيتام والأرامل ، وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك
الإنفاق خيرا كثيرا فاذا قدم الاخرة رأى كفره مبطلا لاثار الخيرات ، فكان كمن زرع زرعا

٢١٣
قوله تعالى: ((مثل ما ينفقون)) الآية
وتوقع منه نفعا كثيرا فأصابته ريح فأحرقته فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف ، هذا إذا أنفقوا
الأموال في وجوه الخيرات أما إذا أنفقوها فيما ظنوه أنه الخيرات لكنه كان من المعاصي مثل إنفاق
الأموال في إيذاء الرسول ( وفي قتل المسلمين وتخريب ديارهم، فالذي قلناه فيه أسد وأشد ،
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً) وقال : ( إن
الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ) وقوله :
( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ) فكل ذلك يدل على الحسنات من الكفار لا تستعقب
الثواب ، وكل ذلك مجموع في قوله تعالى : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) وهذا القول هو الأقوى
والأصح .
وأعلم أنا فسرنا الآية بخيبة هؤلاء الكفار في الآخرة ولا يبعد أيضاً تفسيرها بخيبتهم في
الدنيا ، فانهم أنفقوا الأموال الكثيرة في جمع العساكر وتحملوا المشاق ثم أنقلب الأمر عليهم ،
وأظهر الله الإِسلام وقواه فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الخيبة والحسرة .
﴿ والقول الثاني ﴾ المراد منه الإخبار عن بعض الكفار، وعلى هذا القول ففي الآية
وجوه ( الأول ) أن المنافقين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولكن على سبيل التقية والخوف
من المسلمين وعلى سبيل المداراة لهم فالآية فيهم ( الثاني ) نزلت هذه الآية في أبي سفيان
وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على الرسول عليه السلام ( الثالث ) نزلت في إنفاق سفلة
اليهود على أحبارهم لأجل التحريف ( والرابع ) المراد ما ينفقون ويظنون أنه تقرب إلى الله
تعالی مع أنه ليس كذلك .
﴿ المسألة الرابعة﴾ اختلفوا في (الصر) على وجوه (الأول) قال أكثر المفسرين وأهل
اللغة : الصر البرد الشديد وهو قول ابن عباس وقتادة والسدى وابن زيد (والثاني ) أن الصر:
هو السموم الحارة والنار التي تغلي ، وهو اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر بن الأنباري ، قال
أبن الأنباري : وإنما وصفت الناز بأنها ( صر) لتصويتها عند الالتهاب ، ومنه صرير الباب ،
والصرصر مشهور ، والصرة الصيحة ومنه قوله تعالى ( فأقبلت امرأته في صرة) وروى ابن
الأنباري باسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في ( فيها صر) قال فيها نار ، وعلى القولين
فالمقصود من التشبيه حاصل ، لأنه سواء كان بردا مهلكا أو حراً محرقا فانه يصير مبطلا للحرث
والزرع فيصح التشبيه به .
المسألة الخامسة﴾ المعتزلة احتجوا بهذه الآية على صحة القول بالإحباط ، وذلك لأنه
كما أن هذه الريح تهلك الحرث فكذلك الكفر يهلك الإنفاق ، وهذا إنما يصح إذا قلنا : إنه
لولا الكفر لكان ذلك الإنفاق موجبا لمنافع الآخرة وحينئذ يصح القول بالإحباط، وأجاب

٢١٤
قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا)) الآية سورة آل عِمْران
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَِّذُ واْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَيَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْمَا عَنِثُمْ قَدْ
بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُحْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبُرُ قَدْ بَيِّنَّا لَكُ الْآَيَتِ إِن كُنتُمْ
تَعْقِلُونَ
أصحابنا عنه بأن العمل لا يستلزم الثواب إلا بحكم الوعد ، والوعد من الله مشروط بحصول
الإيمان ، فاذا حصل الكفر فات المشروط لفوات شرطه لأن الكفر أزاله بعد ثبوته ، ودلائل
بطلان القول بالاحباط قد تقدمت في سورة البقرة .
ثم قال تعالى ( أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ) وفيه سؤال : وهو أن يقال : لم لم
يقتصر على قوله ( أصابت حرث قوم) وما الفائدة في قوله ( ظلموا أنفسهم ) .
قلنا : في تفسير قوله (ظلموا أنفسهم) وجهان ( الأول ) أنهم عصوا الله فاستحقوا
هلاك حرثهم عقوبة لهم ، والفائدة في ذكره هي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب
بالكلية حتى لا يبقى منه شيء ، وحرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب بالكلية ولا يحصل
منه منفعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب بالكلية لأنه وإن كان
يذهب صورة فلا يذهب معنى ، لأن الله تعالى يزيد في ثوابه لأجل وصول تلك الأحزان إليه
( والثاني ) أن يكون المراد من قوله ( ظلموا أنفسهم) هو أنهم زرعوا في غير موضع الزرع أو
في غير وقته ، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وعلى هذا التفسير يتأكد وجه التشبيه ،
فان من زرع لا في موضعه ولا في وقته يضيع ، ثم إذا أصابته الريح الباردة كان أولى بأن يصير
ضائعا ، فكذا ههنا الكفار لما أتوا بالإنفاق لا في موضعه ولا في وقته ثم أصابه شؤم كفرهم امتنع
أن لا يصير ضائعا والله أعلم .
ثم قال تعالى ( وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) والمعنى أن الله تعالى ما ظلمهم
حيث لم يقبل نفقاتهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث أتوا بها مقرونة بالوجوه المانعة من كونها
مقبولة لله تعالى قال صاحب الكشاف : قرىء ( ولكن ) بالتشديد بمعنى ولكن أنفسهم
يظلمونها ، ولا يجوز أن يراد ، ولكنه أنفسهم يظلمون على إسقاط ضمير الشأن ، لأنه لا يجوز
إلا في الشعر .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونکم لا یألونکم خبالا ودواما عنتم قد
بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ .

٢١٥
قوله تعالى: ((يا ايها الذين آمنوا لا)) الآية سورة آل عِمْران
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين عن مخالطة
الكافرين في هذه الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ اختلفوا في أن الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟ على
أقوال : ( الأول ) أنهم هم اليهود ذلك لأن المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم
ويؤانسونهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظناً منهم أنهم وإن خالفوهم في الدين فهم
ينصحون لهم في أسباب المعاش فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه ، وحجة أصحاب هذا القول
أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مخاطبة مع اليهود فتكون هذه الآية أيضاً كذلك ( الثاني )
أنهم هم المنافقون ، وذلك لأن المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين ويظنون أنهم
صادقون فيفشون إليهم الأسرار ويطلعونهم على الأحوال الخفية ، فالله تعالى منعهم عن
ذلك ، وحجة أصحاب هذا القول أن ما بعد هذه الآية يدل على ذلك وهو قوله ( وإذا لقوكم
قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) ومعلوم أن هذا لا يليق باليهود بل هو
صفة المنافقين ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى
شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن ) ( الثالث ) المراد به جميع أصناف الكفار
والدليل عليه قوله تعالى ( بطانة من دونكم) فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين
فيكون ذلك نهياً عن جميع الكفار وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم
أولياء ) ومما يؤكد ذلك ما روى أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : ههنا رجل من أهل
الحيرة نصراني لا يعرف أقوى حفظاً ولا أحسن خطا منه ، فإن رأيت أن نتخذه كاتباً ، فامتنع
عمر من ذلك وقال : إذن اتخذت بطانة من غير المؤمنين ، فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه
الآية دليلا على النهي عن اتخاذ بطانة ، وأما ما تمسكوا به من أن ما بعد الآية مختص بالمنافقين
فهذا لا يمنع عموم أول الآية ، فإنه ثبت في أصول الفقه أن أول الآية إذا كان عاماً وآخرها إذا
كان خاصاً لم يكن خصوص آخر الآية مانعاً من عموم أولها .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال أبو حاتم عن الأصمعي: بطن فلان بفلان يبطن به بطوناً
وبطانة ، إذا كان خاصاً به داخلاً في أمره ، فالبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع ، وبطانة
الرجل خاصته الذين يبطنون أمره وأصله من البطن خلاف الظهر ، ومنه بطانة الثوب خلاف
ظهارته ، والحاصل إن الذي يخصه الإنسان بمزيد التقريب يسمى بطانة لأنه بمنزلة ما يلي بطنه
في شدة القرب منه .
﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (لا تتخذوا بطانة ) نكرة في سياق النفي فيفيد العموم.

٢١٦
قوله تعالى: ((لا يألونكم خبالا)) الآية سورة آل عِمْران
أما قوله ( من دونكم ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ من دونكم أي من دون المسلمين ومن غير أهل ملتكم ولفظ ( من
دونكم ) يحسن حمله على هذا الوجه كما يقول الرجل : قد أحسنتم إلينا وأنعمتم علينا ، وهو
يريد أحسنتم إلى إخواننا ، وقال تعالى ( ويقتلون النبيين بغير حق ) أي آباؤهم فعلوا ذلك .
المسألة الثانية ﴾ في قوله ( من دونكم) احتمالان (أحدهما ) أن يكون متعلقاً بقوله
( لا تتخذوا ) أي لا تتخذوا من دونكم بطانة ( والثاني ) أن يجعل وصفاً للبطانة والتقدير :
بطانة كائنات من دونكم
فإن قيل : ما الفرق بين قوله : لا تتخذوا من دونكم بطانة ، وبين قوله ( لا تتخذوا
بطانة من دونكم ) ؟
قلنا : قال سيبويه : انهم يقدمون الاهم والذي هم بشأنه أعني وههنا ليس المقصود
اتخاذ البطانة إنما المقصود أن يتخذ منهم بطانة فكان قوله : لا تتخذوا من دونكم بطانة أقوى في
إفادة المقصود .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قيل (من) زائدة، وقيل للنبيين: لا تتخذوا بطانة من دون أهل
ملتكم . فإن قيل : هذه الآية تقتضي المنع من مصاحبة الكفار على الإطلاق ، وقال تعالى ( لا
ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم) (إنما
ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم ) فكيف الجمع بينهما ؟ قلنا : لا شك أن الخاص يقدم على
العام .
واعلم أنه تعالى لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذكر علة هذا النهي
وهي أمور ( أحدها ) قوله تعالى ( لا يألونكم خبالا ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال صاحب الكشاف: يقال ( ألا) في الأمر يألوا إذا قصرفيه ، ثم
استعمل معدي إلى مفعولين في قولهم : لا آلوك نصحاً ، ولا آلوك جهداً على التضمين ، والمعنى
لا امنعك نصحاً ولا أنقصك جهداً .
المسألة الثانية ﴾ الخبال الفساد والنقصان ، وأنشدوا :
لستم بيد إلا يداً مخبولة العضد
أي فاسدة العضد منقوضتها ، ومنه قيل : رجل مخبول ومخبل ومختبل لمن كان ناقص

٢١٧
قوله تعالى: ((لا يألونكم خبالا)) الآية سورة آل عِمْران
العقل ، وقال تعالى: (لو خرجوا، فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) أي فساداً وضرراً .
﴿ المسألة الثالثة) قوله ( لا يألونكم خبالا) أي لا يدعون جهدهم في مضرتكم
وفسادكم ، يقال : ما ألوته نصحاً، أي ما قصرت في نصيحته ، وما ألوته شراً مثله .
﴿ المسألة الرابعة﴾ انتصب الخبال بلا يألونكم لأنه يتعدى إلى مفعولين كما ذكرنا وإن
شئت نصبته على المصدر ، لأن معنى قوله ( لا يألونكم خبالا ) لا يخبلونكم خبالا ( وثانيها )
قوله تعالى ( ودوا ما عنتم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ يقال وددت كذا، أي أحببته و(العنت) شدة الضرر والمشقة قال
تعالى ( ولول شاء الله لأعنتكم ) .
المسألة الثانية﴾ ما مصدرية كقوله (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما
كنتم تمرحون ) أي بفرحكم ومرحكم وكقوله ( والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ) أي
بنائه إياها وطحيه إياها .
المسألة الثالثة﴾ تقدير الآية : أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر .
المسألة الرابعة ﴾ قال الواحدي رحمه الله : لا محل لقوله ( ودوا ما عنتم ) لأنه استئناف
بالجملة وقيل : إنه صفة لبطانة ، ولا يصح هذا لأن البطانة وقد وصفت بقوله ( لا يألونكم
خبالا ) فلو كان هذا صفة أيضاً لوجب إدخال حرف العطف بينهما .
المسألة الخامسة﴾ الفرق بين قوله ( لا يألونكم خبالا ) وبين قوله ( ودوا ماعنتم ) في
المعنى من وجوه ( الأول ) لا يقصرون في إفساد دينكم ، فان عجزوا عنه ودوا إلقاءکم في أشد
أنواع الضرر (الثاني) لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا ، فاذا عجزوا عنه لم يزل عن
قلوبهم حب إعناتكم ( والثالث ) لا يقصرون في إفساد أموركم ، فإن لم يفعلوا ذلك لمانع من
خارج ، فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم ( وثالثها ) قوله تعالى ( قد بدت البغضاء من
أفواههم ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ البغضاء أشد البغض ، فالبغض مع البغضاء كالضرمع الضراء.
﴿ المسألة الثانية ﴾ الأفواه جمع الفم والفم أصله فوه بدليل أن جمعه أفواه ، يقال : فوه
وأفواه كسوط وأسواط ، وطوق وأطواق ، ويقال رجل مفوه إذا أجاد القول ، وأفوه إذا كان

٢١٨
قوله تعالى: ((ها انتم اولاء تحبونهم)) الآية
سورة آل عِمْران
هَدْتُمْ أُوْلَاءِ نُونَهُمْ وَلَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْ مِنُونَ بِلْكِتَبِ كُلِّ وَ إِذَالَقُوكُمْ قَالُواْءَامَنَّا وَ إِذَا
خَلُواْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِه
واسع الفم ، فثبت أن أصل الفم فوه بوزن سوط ، ثم حذفت الهاء تخفيفاً ثم أقيم الميم مقام
الواو لانهما حرفان شفويان .
المسألة الثالثة) قوله ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) إن حملناه على المنافقين ففي
تفسيره وجهان ( الأول ) أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقة
لطريق المخالصة في الود والنصيحة ، ونظيره ، قوله تعالى ( ولتعرفنهم في لحن القول )
( الثاني ) قال قتادة : قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضا
على ذلك ، أما إن حملناه على اليهود فتفسير قوله ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) فهو أنهم
يظهر ون تكذيب نبيكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق، ومن اعتقد في غيره الإصرار
على الجهل والحمق امتنع أن يحبه ، بل لا بد وان يبغضه ، فهذا هو المراد بقوله ( قد بدت
البغضاء من أفواههم ) .
ثم قال تعالى ( وما تخفي صدورهم أكبر ) يعني الذي يظهر على لسان المنافق من
علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة ، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما
في قلبه من الحقد ، ثم بين تعالى أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم ، فقال( قد
بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) أي من أهل العقل والفهم والدراية ، وقيل ( إن كنتم
تعقلون ) الفصل بين ما يستحقه العدو والولي ، والمقصود بعثهم على استعمال العقل في تأمل
هذه الآية وتدبر هذه البينات ، والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا
آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات
الصدور ﴾ .
واعلم أن هذا نوع آخر من تحذير المؤمنين عن مخالطة المنافقين ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال السيد السرخسي سلمه الله (ها) للتنبيه و(أنتم ) مبتدأ

٢١٩
سورة آل عمران
قوله تعالى: (( ها انتم اولاء تحبونهم » الآية
و ( أولاء) خبره و( تحبونهم ) في موضع النصب على الحال من اسم الاشارة ، ويجوز أن
تكون ( أولاء ) بمعنى الذين و( تحبونهم ) صلة له ، والموصول مع الصلة خبر ( أنتم ) وقال
الفراء ( أولاء ) خبر و ( تحبونهم ) خبر بعد خبر .
المسألة الثانية﴾ أنه تعالى ذكر في هذه الآية أموراً ثلاثة ، كل واحد منها على أن.
المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه ( فالأول ) قوله ( تحبونهم ولا يحبونكم ) وفيه
وجوه : ( أحدها) قال المفضل ( تحبونهم ) تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ( ولا
يحبونكم ) لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر ، ولا شك أنه يوجب الهلاك ( الثاني ) ( تحبونهم)
بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة ( ولا يحبونكم ) بسبب كونكم مسلمين
( الثالث) ( تحبونهم ) بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان (ولا يحبونكم ) بسبب أن الكفر
مستقر في باطنهم ( الرابع ) قال أبو بكر الأصم ( تحبونهم ) بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في
الآفات والمحن (ولا يحبونكم ) بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون
بكم الدوائر ( الخامس ) ( تحبونهم ) بسبب أنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب
محبوب ( ولا يحبونكم) لأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول وهم يبغضون الرسول ومحب المبغوض
مبغوض ( السادس ) ( تحبونهم ) أي تخالطونهم ، وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم
( ولا يحبونكم ) أي لا يفعلون مثل ذلك بكم .
واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم
ولكونهم يبغضون المؤمنين ، فالكل داخل تحت الآية ، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين
للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعياً من حيث الطبع ، ومن حيث
الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين .
والسبب الثاني لذلك ﴾ قوله تعالى ( وتؤمنون بالكتاب كله ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية إضمار، والتقدير: وتؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون
به ، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معاً فكان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر .
﴿ المسألة الثانية﴾ ذكر ( الكتاب ) بلفظ الواحد لوجوه ( أحدها ) أنه ذهب به مذهب
الجنس كقولهم : كثر الدرهم في أيدي الناس ( وثانيها ) أن المصدر لا يجمع إلا على التأويل ،
فلهذا لم يقل الكتب بدلا من الكتاب ، وإن كان لو قاله لجاز توسعاً .
﴿ المسألة الثالثة) تقدير الكلام: أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ذلك يبغضونكم
فما بالكم مع ذلك تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ، وفيه توبيخ شديد بأنهم في

٢٢٠
قوله تعالى: (إن الله عليم بذات الصدور)) الآية سورة آل عِمْران
باطلهم اصلب منكم في حقكم ، ونظيره قوله تعالى ( فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله
ما لا يرجون ) .
السبب الثالث لقبح هذه المخالطة﴾ قوله تعالى (وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا
عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) والمعنى : أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهر واشدة العداوة ،
وشدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل ، كما يفعل ذلك أحدنا إذا
اشتد غيظه وعظم حزنه على فوات مطلوبه ، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان ، صار ذلك كناية
عن الغضب حتى يقال في الغضبان : إنه يعض يده غيظاً وإن لم يكن هناك عض ، قال
المفسرون : وإنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم
وصلاح ذات بينهم .
ثم قال تعالى ( قل موتوا بغيظكم ) وهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به ،
والمراد من ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإِسلام وعزة أهله وما لهم في
ذلك من الذل والخزي .
فان قيل :
( قوله ( قل موتوا بغيظكم ) أمر لهم بالإقامة على الغيظ ، وذلك الغيظ كفر ، فكان هذا أمراً
بالإقامة على الكفر وذلك غير جائز .
قلنا : قد بينا إنه دعاء بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإِسلام فسقط السؤال :
وأيضاً فإنه دعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون .
ثم قال ( إن الله عليم بذات الصدور ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ (ذات) كلمة وضعت لنسبة المؤنث كما أن (ذو) كلمة وضعت
النسبة المذكر والمراد بذلك الصدور الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه
وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات الصدور ، والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما
حصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث والصوارف .
المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في جملة
المقول وأن لا تكون ( أما الأول) فالتقدير : أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا
خلوا وقل لهم : إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم ، وهو مضمرات الصدور ، فلا
تظنوا أن شيئاً من اسراركم يخفى عليه ( أما الثاني ) وهو أن لا يكون داخلا في المقول فمعناه :
قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من اطلاعي إياك على ما يسرون ، فإني أعلم ما هو أخفى من