النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
قوله تعالى: (( ما كان لبشر. الآية سورة آل عِمْران
المسألة الأولى﴾ في سبب نزول هذه الآية وجوه (الأول) قال ابن عباس: لما قالت
اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله نزلت هذه الآية ( الثاني ) قيل إن أبا
رافع القرظي من اليهود ورئيس وفد نجران من النصارى قالا لرسول الله وعليه: أتريد أن
نعبدك ونتخذك رباً، فقال عليه الصلاة والسلام ((معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير
عبادة الله فما بذلك بعثني ؛ ولا بذلك أمرني)) فنزلت هذه الآية ( الثالث ) قال رجل يا رسول
الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، أفلا نسجد لك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام
(( لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله))
( الرابع ) أن اليهود لما ادعوا أن أحداً لا ينال من درجات الفضل والمنزلة ما نالوه ، فالله تعالى
قال لهم : إن كان الأمر كما قلتم ، وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم ولكن
يجب أن تأمروا الناس بالطاعة لله والانقياد لتكاليفه وحينئذ يلزمكم أن تحثوا الناس على الإقرار
بنبوة محمد ◌َّ، لأن ظهور المعجزات عليه يوجب ذلك، وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فأن قوله
( ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ) مثل قوله ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من
دون الله ).
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في المراد بقوله ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم
والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ) على وجوه ( الأول ) قال الأصم : معناه ،
أنهم لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الدليل عليه قوله تعالى ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل
لأخذنا منه باليمين ) قال ( لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف
الممات) ( الثاني ) أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام موصوفون بصفات لا يحسن مع تلك
الصفات ادعاء الآلهية والربوبية منها أن الله تعالى آتاهم الكتاب والوحي وهذا لا يكون إلا في
النفوس الطاهرة والأرواح الطيبة ، كما قال الله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالاته ) وقال
( ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) وقال الله تعالى ( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن
الناس ) والنفس الطاهرة يمتنع أن يصدر عنها هذه الدعوى ، ومنها أن إيتاء النبوة لا يكون إلا
بعد كمال العلم وذلك لا يمنع من هذه الدعوى، وبالجملة فللانسان قوتان : نظرية وعملية ،
وما لم تكن القوة النظرية كاملة بالعلوم والمعارف الحقيقية ولم تكن القوة العملية مطهرة عن
الأخلاق الذميمة لا تكون النفس مستعدة لقبول الوحي والنبوة ، وحصول الكمالات في القوة
النظرية والعملية يمنع من مثل هذا القول والاعتقاد ، ( الثالث ) أن الله تعالى لا يشرف عبده
بالنبوة والرسالة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل هذا الكلام ( الرابع ) أن الرسول ادعى أنه
يبلغ الأحكام عن الله تعالى ، واحتج على صدقه في هذه الدعوى فلو أمرهم بعبادة نفسه فحينئذ

١٢٢
قوله تعالى : ((ولكن كونوا ربانيين . الآية
سورة آل عمران
تبطل دلالة المعجزة على كونه صادقا ، وذلك غير جائز ، واعلم أنه ليس المراد من قوله ( ما كان
لبشر) ذلك أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق ، وظاهر الآية يدل على أنه
إنما لم يكن له ذلك لأجل أن الله آتاه الكتاب والحكم والنبوة ، وأيضاً لو كان المراد منه التحريم
لما كان ذلك تكذيباً للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح عليه السلام لأن من ادعى على رجل
فعلا فقيل له إن فلان لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن تكذيباً له فيما ادعى عليه وإنما أراد في
ادعائهم أن عيسى عليه السلام قال لهم : اتخذوني إلهاً من دون الله فالمراد إذن ما قدمناه ،
ونظيره قوله تعالى ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) على سبيل النفي لذلك عن نفسه ، لا على
وجه التحريم والحظر، وكذا قوله تعالى ( ما كان لنبي أن يغل ) والمراد النفي لا النهي والله
أعلم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قوله (أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة) إشارة إلى ثلاثة أشياء
ذكرها على ترتب في غاية الحسن ، وذلك لأن الكتاب السماوي ينزل أولا ثم إنه يحصل في عقل
النبي فهم ذلك الكتاب وإليه الإشارة بالحكم ، فإن أهل اللغة والتفسير اتفقوا على أن هذا
الحكم هو العلم ، قال تعالى ( وآتيناه الحكم صبياً) يعني العلم والفهم ، ثم إذا حصل فهم
الكتاب ، فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق وهو النبوة فما أحسن هذا الترتيب .
ثم قال تعالى ( ثم يقول للناس كونوا عباداً لِي من دون الله ) وفيه مسألتان ؛
المسألة الأولى ﴾ القراءة الظاهرة ، ثم يقول بنصب اللام ، وروى عن أبي عمرو
برفعها ، أما النصب فعلى تقدير : لا تجتمع النبوة وهذا القول ، والعامل فيه ( أن ) وهو
معطوف عليه بمعنى ثم أن يقول وأما الرفع فعلى الاستئناف .
﴿المسألة الثانية﴾ حكى الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى
( كونوا عباداً لِي ) إنه لغة مزينة يقولون للعبيد عباداً .
ثم قال ( ولكن كونوا ربانيين ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ في هذه الآية إضمار، والتقدير: ولكن يقول لهم كونوا ربانيين
فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه ،
ونظيره قوله تعالى ( وأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ) أي فيقال لهم ذلك .
المسألة الثانية﴾ ذكروا في تفسير (الرباني ) أقوالا (الأول ) قال سيبويه : الرباني
المنسوب إلى الرب ، بمعنى كونه عالما به ، ومواظباً على طاعته ، كما يقال : رجل إلهي إذا كان

١٢٣
قوله تعالى: (( بما كنتم تعلمون الكتاب)) الآية سورة آل عِمْران
مقبلاً على معرفة الإله وطاعته وزيادة الألف والنون فيه للدلالة على كمال هذه الصفة ، كما
قالوا : شعراني ولحياني ورقباني إذا وصف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة ، فإذا
نسبوا إلى الشعر قالوا : شعري وإلى الرقبة رقبي وإلى اللحية لحيى (والثاني) قال المبرد
( الربانيون ) أرباب العلم وأحدهم رباني ، وهو الذي يرب العلم ويرب الناس أي :
يعلمهم ويصلحهم ويقوم بأمرهم ، فالألف والنون للمبالغة كما قالوا : ريان وعطشان وشبعان
وعريان ، ثم ضمت إليه ياء النسبة كما قيل : لحياني ورقباني قال الواحدي : فعلى قول سيبويه
الرباني : منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بمعرفة الرب وبطاعته ، وعلى قول المبرد
( الرباني ) مأخوذ من التربية ( الثالث ) قال ابن زيد : الرباني . هو الذي يرب الناس ،
فالربانيون هم ولاة الأمة والعلماء ، وذكر هذا أيضاً في قوله تعالى ( لولا ينهاهم الربانيون
والأحبار ) أي الولاة والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ومعنى الآية على هذا التقدير : لا
أدعوكم إلى أن تكونوا عباداً لي ، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر
الله تعالى ومواظبتكم على طاعته ، قال القفال رحمه الله: ويحتمل أن يكون الوالي سمي
ربانياً ، لأنه يطاع كالرب تعالى ، فنسب إليه ( الرابع ) قال أبو عبيدة أحسب أن هذه الكلمة
ليست بعربية إنما هي عبرانية ، أو سريانية ، وسواء كانت عربية أو عبرانية ، فهي تدل على
الإنسان الذي علم وعمل بما علم ، واشتغل بتعليم طرق الخير .
ثم قال تعالى ( بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله (بما كنتم تعلمون الكتاب) قراءتان (إحداهما )
( تعلمون) من العلم، وهي قراءة عبدالله بن كثير، وأبي عمرو، ونافع ( والثانية )
(تعلمون) من التعليم وهي قراءة الباقين من السبعة وكلاهما صواب ، لأنهم كانوا يعلمونه في
أنفسهم ويعلمونه غيرهم ، واحتج أبو عمرو على أن قراءته أرجح بوجهين ( الأول ) أنه قال
( تدرسون) ولم يقل (تدرسون ) بالتشديد ( الثاني ) أن التشديد يقتضي مفعولين والمفعول
ههنا واحد ، وأما الذين قرؤا بالتشديد فزعموا أن المفعول الثاني محذوف تقديره : بما كنتم
تعلمون الناس الكتاب، أو غيركم الكتاب وحذف، لأن المفعول به قد يحذف من الكلام
كثيراً، ثم احتجوا على أن التشديد أولى بوجهين ( الأول ) أن التعليم يشتمل على العلم ولا
ينعكس فكان التعليم أولى ( الثاني ) أن الربانيين لا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم
الله تعالى ألا ترى أنه تعالى أمر محمداً وَله بذلك فقال: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة
الحسنة ) ويدل عليه قول مرة بن شراحيل : كان علقمة من الربانيين الذين يعلمون الناس
القرآن .

١٢٤
قوله تعالى: (( ولا يأمركم أن تتخذوا)) الآية
سورة آل عِمْران
المسألة الثانية ﴾ نقل ابن جنى في المحتسب ، عن أبي حيوة أنه قرأ ( تدرسون )
بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء ، قال ابن جنى : ينبغي أن يكون هذا منقولا من درس
هو، أو درس غيره ، وكذلك قرأ وأقرأ غيره ، وأكثر العرب على درس ودرس ، وعليه جاء
المصدر على التدريس .
المسألة الثالثة﴾ ( ما) في القراءتين ، هي التي بعمنى المصدر مع الفعل.،
والتقدير : كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب ، ومثل هذا
من كون ( ما ) مع الفعل بمعنى المصدر قوله تعالى ( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا)
وحاصل الكلام أن العلم والتعليم والدراسة توجب على صاحبها كونه ربانيا والسبب لا محالة
مغاير للمسبب ، فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانيا ، أمراً مغايراً لكونه عالماً ، ومعلماً ،
ومواظباً على الدراسة ، وما ذاك إلا أن يكون بحيث يكون تعلمه لله ، وتعليمه ودراسته لله ،
وبالجملة أن يكون الداعي له إلى جميع الأفعال طلب مرضاة الله ، والصارف له عن كل الأفعال
الهرب عن عقاب الله ، وإذا ثبت أن الرسول يأمر جميع الخلق بهذا المعنى ثبت إنه يمتنع منه أن
يأمر الخلق بعبادته ، وحاصل الحرف شيء واحد ، وهو أن الرسول هو الذي يكون منتهى
جهده وجده صرف الأرواح والقلوب عن الخلق إلى الحق ، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن أن
يصرف عقول الخلق عن طاعة الحق إلى طاعة نفسه . وعند هذا يظهر أنه يمتنع في أحد من
الأنبياء صلوات الله عليهم أن يأمر غيره بعبادته .
المسألة الرابعة ﴾ دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان
ربانياً ، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه وخاب عمله وكان مثله مثل
من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بمثرها ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ((نعوذ
بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع)).
ثم قال تعالى ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة وابن عامر (ولا يأمركم) بنصب الراء ، والباقون
بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفا على ( ثم يقول ) وفيه وجهان ( أحدهما ) أن تجعل
( لا) مزيدة والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس كونوا
عباداً لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، كما تقول : ما كان لزيد أن
أكرمه ثم يهينني ويستخف بي ( والثاني) أن تجعل (لا) غير مزيدة، والمعنى أن النبي ◌ِّ
كان ينهي قريشا عن عبادة الملائكة ، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح ، فلما
قالوا : أتريد أن نتخذك ربا؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يجعله الله نبيٍ ثم يأمر الناس بعبادة

١٢٥
قوله تعالى: ((واذا أخذ الله ميثاق النبيين)) الآ ية سورة آل عِمْران
وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِفَقَ النَّبِنَ لَمَآءَ اتَيْنُكُم مِّنْ كِتَبٍ وَحِكَةٍ ثُمَّ جَ كُمْ رَسُولٌ
مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى
نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء ، وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر
لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام ، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روى عن ابن مسعود
أنه قرأ ( ولن يأمركم ) .
المسألة الثانية ﴾ قال الزجاج : ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج : لا يأمركم
محمد ، وقيل : لا يأمركم الأنبياء بأن تتخذوا الملائكة أربابا كما فعلته قريش .
المسألة الثالثة﴾ إنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا من أهل الكتاب
بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح وعزير، فلهذا المعنى خصهما
بالذكر .
ثم قال تعالى ( أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ الهمزة في (أيأمركم ) استفهام بمعنى الإنكار ، أي لا يفعل ذلك.
المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف قوله ( بعد إذ أنتم مسلمون ) دليل على أن
المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا الرسول صل# في أن يسجدوا له.
المسألة الثالثة ﴾ قال الجبائي: الآية دالة على فساد قول من يقول : الكفر بالله هو
الجهل به والإيمان بالله هو المعرفة به ، وذلك لأن الله تعالى حكم بكفر هؤلاء ، وهو قوله تعالى
( أيأمركم بالكفر ) ثم إن هؤلاء كانوا عارفين بالله تعالى بدليل قول ( ثم يقول للناس كونوا
عباداً لي من دون الله) وظاهر هذا يدل على معرفتهم بالله فلما حصل الكفر ههنا مع المعرفة
بالله دل ذلك على أن الإيمان به ليس هو المعرفة والكفر به تعالى ليس هو الجهل به .
( والجواب ) أن قولنا الكفر بالله هو الجهل به لا نعنى به مجرد الجهل بكونه موجوداً بل
نعني به الجهل بذاته وبصفاته السلبية وصفاته الإضافية أنه لا شريك له في المعبودية ، فلما جهل
هذا فقد جهل بعض صفاته .
قوله تعالى ( وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول

١٢٦
قوله تعالى: ((فاذا اخذ الله ميثاق )) الآية
سورة آل عمران
قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ ﴾ فَنَ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْفَاسِقُونَ
مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال
فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ، فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ .
اعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل
على نبوة محمد ◌ّل قطعاً لعذرهم وإظهاراً لعنادهم ومن جملتها ما ذكره الله تعالى في هذه الآية
وهو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم الكتاب والحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول
مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه ، وأخبر أنهم قبلوا ذلك وحكم تعالى بأن من رجع عن ذلك
كان من الفاسقين ، فهذا هو المقصود من الآية فحصل الكلام أنه تعالى أوجب على جميع
الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقاً لما معهم إلا أن هذه المقدمة الواحدة لا تكفي في إثبات
نبوة محمد ◌َّ ما لم يضم إليها مقدمة أخرى، وهي أن محمداً رسول الله جاء مصدقاً لما
معهم ، وعند هذا لقائل أن يقول : هذا إثبات للشيء بنفسه ، لأنه إثبات لكونه رسولا بكونه
رسولا .
( والجواب ) أن المراد من كونه رسولا ظهور المعجز عليه ؛ وحينئذ يسقط هذا السؤال
والله أعلم ، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ :
أما قوله ( وإذ أخذ الله ) فقال ابن جرير الطبري : معناه واذكروا يا أهل الكتاب إذ
أخذ الله ميثاق النبيين ، وقال الزجاج : واذكر يا محمد في القرآن ( إذ أخذ الله ميثاق النبيين ).
أما قوله ( ميثاق النبيين ) فاعلم أن المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل وإلى المفعول ،
فيحتمل أن يكون الميثاق مأخوذاً منهم ، ويحتمل أن يكون مأخوذاً لهم من غيرهم ، فلهذا
السبب اختلفوا في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين .
أما الاحتمال الأول﴾ وهو أنه تعالى أخذ الميثاق منهم في أن يصدق بعضهم بعضاً،
وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس رحمهم الله ، وقيل : إن الميثاق هذا مختص بمحمد
وَلّر، وهو مروى عن علي وابن عباس وقتادة والسدي رضوان الله عليهم، واحتج أصحاب
هذا القول على صحته من وجوه ( الأول ) أن قوله تعالى ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) يشعر

١٢٧
قوله تعالى: ((واذا أخذ الله ميثاق النبيين)) الآية سورة آل عِمْران
بأن آخذ الميثاق هو الله تعالى ؛ والمأخوذ منهم هم النبيون ، فليس في الآية ذكر الأمة ، فلم
يحسن صرف الميثاق إلى الأمة ، ويمكن أن يجاب عنه من وجوه ( الأول ) أن على الوجوه الذي
قلتم يكون الميثاق مضافاً إلى الموثق عليه، وعلى الوجه الذي قلنا يكون إضافته إليهم اضافة الفعل
إلى الفاعل، وهو الموثق له، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل أقوى من إضافته إلى المفعول ،
فإن لم يكن فلا أقل من المساواة ، وهو كما يقال ميثاق الله وعهده ، فيكون التقدير : وإذ أخذ
الله الميثاق الذي وثقه الله للأنبياء على أممهم ( الثاني ) أن يراد ميثاق أولاد النبيين ، وهم بنو
إسرائيل على حذف المضاف وهو كما يقال : فعل بكر بن وائل كذا ، وفعل معد بن عدنان كذا ،
والمراد أولادهم وقومهم ، فكذا ههنا ( الثالث) أن يكون المراد من لفظ ( النبيين ) أهل
الكتاب وأطلق هذا اللفظ عليهم تهكماً بهم على زعمهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة
من محمد عليه الصلاة والسلام لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون ( الرابع ) أنه كثيراً ورد في
القرآن لفظ النبي والمراد منه أمته قال تعالى ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) .
الحجة الثانية﴾ لأصحاب هذا القول: ماروى أنه عليه الصلاة والسلام قال ((لقد
جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا أتباعي)).
﴿ الحجة الثالثة﴾ ما نقل عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الله تعالى ما بعث آدم عليه
السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد عليه
الصلاة والسلام وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، فهذا يمكن نصرة هذا القول به والله أعلم .
الاحتمال الثاني ﴾ إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يأخذون
الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد ◌ّ فانه يجب عليهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه ، وهذا قول
كثير من العلماء ، وقد بينا أن اللفظ محتمل له وقد احتجوا على صحته بوجوه ( الأول ) ما ذكره
أبو مسلم الأصفهاني فقال : ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم
الإيمان بمحمد ◌َّ عند مبعثه ، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد
وسلّ من زمرة الأموات، والميت لا يكون مكلفاً فلما كان الذين أخذ الميثاق عليهم يجب عليهم
الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه ولا يمكن إيجاب الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه
السلام، علمنا أن الذين أخذ الميثاق عليهم ليسوا هم النبيين بل هم أمم النبيين قال : وما
يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق إنهم لو تولوا لكانوا فاسقين وهذا
الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما يليق بالأمم ، أجاب القفال رحمه الله فقال لم لا
يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه
الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) وقد علم الله تعالى أنه لا
الفخر الرازي چ ٨ م ٩

١٢٨
قوله تعالى: (( لما آتيتكم من كتاب)) الآية سورة آل عِمْران
يشرك قط ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض فكذا ههنا ، وقال ( ولو تقول
علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ) وقال في صفة الملائكة ( ومن
يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ) مع أنه تعالى أخبر عنهم
بأنهم لا يسبقونه بالقول وبأنهم يخافون ربهم من فوقهم ، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض
والتقدير فكذا ههنا ، ونقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي فإن اسم الفسق ليس أقبح
من اسم الشرك ، وقد ذكر تعالى ذلك على سبيل الفرض والتقدير في قوله ( لئن أشركت
ليحبطن عملك ) فكذا ههنا .
﴿ الحجة الثانية) أن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول عليه ،
وإذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على
الأنبياء عليهم السلام ، وقد أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام ، أعلى وأشرف
من درجات الأمم ، فإذا دلت هذه الآية على أن الله تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا
بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء ، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين فلأن
يكون الإيمان بمحمد له واجباً على أممهم لو كان ذلك أولى ، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء
أقوى في تحصيل المطلوب من هذا الوجه .
﴿ الحجة الثالثة﴾ ما روى عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبدالله يقرؤن (وإذ
أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) ونحن نقرأ (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) فقال ابن عباس
رضي الله عنهما : إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم .
الحجة الرابعة ﴾ أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي
التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) وبقوله تعالى ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين
أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) فهذا جملة ما قيل في هذا الموضوع والله أعلم
بمراده .
وأما قوله تعالى ( لما آتيتكم من كتاب وحكمة ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرا الجمهور (لما) بفتح اللام وقرأ حمزة بكسر اللام وقرأ سعيد بن
جبير (لما) مشددة ، أما القراءة بالفتح فلها وجهان ( الأول ) أن ( ما) اسم موصول والذي
بعده صلة له وخبره قوله ( لتؤمنن به ) والتقدير : للذي آتيتكم من كتاب وحكمة ، ثم
جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ، وعلى هذا التقدير ( ما ) رفع بالابتداء والراجع إلى
لفظة ( ما ) وصلتها محذوف والتقدير : لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله ( أهذا

١٢٩
قوله تعالى: (( ثم جاءكم رسول مصدق)) الآية سورة آل عِمْران
الذي بعث الله رسولا ) وعليه سؤالان :
السؤال الأول﴾ إذا كانت ( ما) موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة على
الصلة ذكر إلى الموصول وإلا لم يجز، ألا ترى أنك لوقلت : الذي قام أبوه ثم انطلق زيد لم
يجز .
وقوله ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ) ليس فيه راجع إلى الموصول . قلنا : يجوز
إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى ( إنه من يتق ويصبر فإن الله لا
يضيع أجر المحسنين ) ولم يقل : فإن الله لا يضيع أجره ، وقال ( إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) ولم يقل : إنا لا نضيع أجرهم وذلك لأن المظهر
المذكور قائم مقام المضمر فكذا ههنا .
﴿ السؤال الثاني﴾ ما فائدة اللام في قوله ( لما) قلنا : هذه اللام هي لام الابتداء بمنزلة
قولك : لزيد أفضل من عمرو، ويحسن إدخالها على ما يجري مجرى المقسم عليه لأن قوله
(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) بمنزلة القسم والمعنى استحلفهم ، وهذه اللام المتلقية للقسم ،
فهذا تقرير هذا الكلام .
الوجه الثاني ﴾ وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج أن ( ما) ههنا هي المتضمنة
لمعنى الشرط والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ،
فاللام في قوله ( لتؤمنن به ) هي المتلقية للقسم ، أما اللام في ( لما ) هي لام تحذف تارة ، وتذكر
أخرى، ولا يتفاوت المعنى ونظيره قولك : والله لو أن فعلت ، فعلت . فلفظة ( أن ) لا
يتفاوت الحال بين ذكرها وحذفها فكذا ههنا ، وعلى هذا التقدير كانت ( ما ) في موضع نصب
بآتيتكم (وجاءكم ) جزم بالعطف على ( آتيتكم) و( لتؤمنن به ) هو الجزاء ، وإنما لم يرض
سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر ، وأما الوجه في قراءة ( لما ) بكسر
اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل : أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فان
اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل ( وما ) على هذه القراءة
تكون موصوله وتمام البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول ، وأما قراءة ( لما ) بالتشديد فذکر
صاحب الكشاف فيه وجهين ( الأول ) أن المعنى : حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ، ثم
جاءكم رسول مصدق له ، وجب عليكم الإيمان به ونصرته ( والثاني ) أن أصل ( لما) لمن ما
فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات ، وهي الميمان والنون المتقلبة مياً بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها
فصارت ( لما) ومعناه : لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به ، وهذا قريب من قراءة حمزة في المعنى .

١٣٠
قوله تعالى: (( ثم جاءكم رسول مصدق)) الآية سورة آل عِمْران
المسألة الثانية ﴾ قرأ نافع (آتيناكم) بالنون على التفخيم ، والباقون بالتاء على
التوحيد ، حجة نافع قوله ( وآتينا داود زبوراً) ( وآتيناه الحكم صبياً) ( وآتيناهما الكتاب
المستبين ) ولأن هذا أدل على العظمة فكان أكثر هيبة في قلب السامع ، وهذا الموضع يليق به
هذا المعنى، وحجة الجمهور قوله ( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ) و( الحمد لله
الذي أنزل على عبده الكتاب ) وأيضاً هذه القراءة أشبه بما قبل هذه الآية وبما بعدها لأنه تعالى
قال قبل هذه الآية ( وإذ أخذ الله ) وقال بعدها ( إصرى ) وأجاب نافع عنه بأن أحد أبواب
الفصاحة تغيير العبارة من الواحد إلى الجمع ومن الجمع إلى الواحد قال تعالى ( وجعلناه هدى
لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني) ولم يقل من دوننا كما قال (وجعلناه ) والله أعلم.
﴿ المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى ذكر النبيين على سبيل المغايبة ثم قال ( آتيتكم) وهو مخاطبة
إضمار والتقدير : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين فقال مخاطبا لهم لما آتيتكم من كتاب وحكمة ،
والإضمار باب واسع في القرآن ، ومن العلماء من التزم في هذه الآية إضمارا آخر وأراح نفسه
عن تلك التكلفات التي حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين
لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة ، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن
لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصاراً ثم قال
تعالى بعده ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) وهو محمد دية (لتؤمنن به ولتنصرنه) وعلى هذا
التقدير يستقيم النظم ولا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات ، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار
فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظماً بينا جلياً أولى من تلك التكلفات .
المسألة الرابعة﴾ في قوله ( لما آتيتكم من كتاب ) إشكال ، وهو أن هذا الخطاب إما
أن يكون مع الأنبياء أومع الأمم ، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب ، وإنما
أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم ، فالإشكال أظهر، والجواب عنه من وجهين ( الأول ) أن
جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب ، بمعنى كونه مهتدياً به داعياً إلى العمل به، وإن لم
ينزل عليه ( والثاني ) أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب ، فوصف الكل
بوصف أشرف الأنواع .
المسألة الخامسة ﴾ الكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف
المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها .
المسألة السادسة﴾ كلمة (من) في قوله ( من كتاب ) دخلت تبييناً لما كقولك: ما
عندي من الورق دانقان .

١٣١
قوله تعالى: (( ثم جاءكم رسول مصدق )) الآية سورة آل عِمْران
أما قوله تعالى ( ثم جاءکم رسول مصدق لما معكم ) ففیه سؤالات :
السؤال الأول﴾ ما وجه قوله (ثم جاءكم) والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء
الى الأمم؟ .
(والجواب ) إن حملنا قوله (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) على أخذ ميثاق أممهم فقد زال
السؤال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيين أنفسهم كان قوله ( ثم جاءكم ) أي جاء في زمانكم .
السؤال الثاني﴾ كيف يكون محمد بشير مصدقاً لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم،
قلنا : المراد به حصول الموافقة في التوحيد ، والنبوات ، وأصول الشرائع ، فأما تفاصيلها وإن
وقع الخلاف فيها ؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون
على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد مليار ليس إلا
شرعه ، فهذا وإن كان يوهم الخلاف، إلا أنه في الحقيقة وفاق ، وأيضاً فالمراد من قوله ( ثم
جاءكم رسول مصدق لما معكم) هو محمد ◌َّه، والمراد بكونه مصدقاً لما معهم هو أن وصفه
وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل ، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكوراً في
تلك الكتب ، كان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم ، فهذا هو المراد بكونه مصدقاً لما معهم .
﴿ السؤال الثالث﴾ حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا
بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم فما معنى ذلك الميثاق .
( والجواب ) يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن
الانقياد لأمر الله واجب ، فاذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولا عند ظهور المعجزات الدالة
على صدقه فاذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه ، فتقدير
هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق ، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه
تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين ، فاذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب
الإلهية المتقدمة وجب الانقياد له ، فقوله تعالى ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ) يدل على
هذين الوجهين ، أما على الوجه الأول ، فقوله ( رسول ) وأما على الوجه الثاني ، فقوله
( مصدق لما معكم ) .
أما قوله ( لتؤمنن به ولتنصرنه ) فالمعنى ظاهر ، وذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به
أولا ، ثم الاشتغال بنصرته ثانياً، واللام في ( لتؤمنن به) لام القسم ، كأنه قيل : والله
لتؤمنن به .

١٣٢
-
قوله تعالى: ((قال أأقررتم وأخذتم)) الآية سورة آل عِمْران
ثم قال تعالى ( قالأ أقر رتم وأخذتم على ذلكم إصرى ) وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ إن فسرنا قوله تعالى(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) بأنه تعالى أخذ المواثيق
على الأنبياء كان قوله تعالى (أ أقررتم) معناه: قال الله تعالى للنبيين أ أقررتم بالإيمان به والنصرة له
وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى
قوله ( قال أ أقررتم) أي قال كل نبي لأمته أأقررتم، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى
نفسه ، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم ، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن
وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى
وتأكيده ، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم ، بل طالبوهم بالإقرار بالقول ، وأكدوا
ذلك بالإشهاد .
المسألة الثانية ﴾ الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر، إذا ثبت ولزم
مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته .
أما قوله تعالى (وأخذتم على ذلكم إصري ) أي قبلتم عهدي ، والأخذ بمعنى القبول
كثير في الكلام قال تعالى ( ولا يؤخذ منها عدل ) أي يقبل منها فدية وقال ( ويأخذ الصدقات )
أي يقبلها والإِصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل قال تعالى (ولا تحمل علينا
إصراً) فسمى العهد إصراً لهذا المعنى ، قال صاحب الكشاف : سمي العهد إصراً لأنه مما يؤصر
أي يشد ويعقد ، ومنه الإصار الذي يعقد به وقرىء ( إصري) ويجوز أن يكون لغة في إصر.
ثم قال تعالى (قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) وفي تفسير قوله
( فاشهدوا ) وجوه ( الأول ) فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ، وأنا على إقراركم وإشهاد
بعضكم بعضاً ( من الشاهدين ) وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله
وشهادة بعضهم على بعض ( الثاني ) أن قوله ( فاشهدوا ) خطاب للملائكة ( الثالث ) أن قوله
(فاشهدوا ) أي ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه ونظيره قوله ( وأشهدهم على أنفسهم
ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) على أنفسنا وهذا من باب المبالغة ( الرابع ) ( فاشهدوا ) أي
بينوا هذا الميثاق الخاص والعام ، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به ، وأصله أن الشاهد هو
الذي يبين صدق الدعوى ( الخامس ) ( فاشهدوا ) أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا
الميثاق ، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له ( السادس ) إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من
الأمم فقوله ( فاشهدوا ) خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا شاهدين عليهم.
وأما قوله تعالى ( وأنا معكم من الشاهدين ) فهو للتأكيد وتقوية الإلزام ، وفيه فائدة

١٣٣
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((أفغير دين الله يبغون)) الآية
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ ◌َ أَنْلَمَ مَن فِ السَّمَنَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْنَاً وَكَرْهاً وَ إِلَيْهِ
مُرْجَعُونَ
أخرى وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره ، فليس محتاجاً إلى ذلك الإشهاد ، لأنه تعالى لا يخفى
عليه خافية لكن لضرب من المصلحة لأنه سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى ، ثم أنه تعالى ضم
إليه تأكيداً آخر فقال ( فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) يعني من أعرض عن الإيمان
بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوم ،
وقوله ( فمن تولى بعد ذلك ) هذا شرط، والفعل الماضي ينقلب مستقبلا في الشرط والجزاء ،
والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه
يرجعون ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام شرع شرعه
الله وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم ، لزم أن كل من كره ذلك فانه يكون طالباً
ديناً غير دين الله ، فلهذا قال بعده ( أفغير دين الله يبغون ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قرأ حفص عن عاصم (يبغون) و(يرجعون) بالياء المنقطة من
تحتها ، لوجهين ( أحدهما ) رداً لهذا إلى قوله (وأولئك هم الفاسقون ) (والثاني ) أنه تعالى
إنما ذكر حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد سيئة ، فلما
أصروا على كفرهم قال على جهة الاستنكار ( أفغير دين الله يبغون ) وقرأ أبو عمرو ( تبغون )
بالتاء خطاباً لليهود وغيرهم من الكفار و( يرجعون ) بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين
في قوله ( وله أسلم من في السموات والأرض ) وقرأ الباقون فيهما بالتاء على الخطاب ، لأن ما
قبله خطاب كقوله (أأقررتم وأخذتم) وأيضاً فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر ولكل أحد :
أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم له من في السموات والأرض ، وأن مرجعكم إليه
وهو كقوله ( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ) .
المسألة الثانية﴾ الهمزة للاستفهام والمراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو تقرير أنهم
يفعلونه ، وموضع الهمزة هو لفظة ( يبغون) تقديره : أيبغون غير دين الله ؟ لأن الاستفهام إنما
يكون عن الأفعال والحوادث ، إلا أنه تعالى قدم المفعول الذي هو ( غير دين الله ) على فعله ،

١٣٤
قوله تعالى: ((وله أسلم من في السموات)) الآية سورة آل عِمْران
لأنه أهم من حيث أن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل وأما الفاء فلعطف
جملة على جملة وفيه وجهان ( أحدهما ) التقدير : فأولئك هم الفاسقون ، فغير دين الله
يبغون .
واعلم أنه لو قيل أو غير دين الله يبغون جاز إلا أن في الفاء فائدة زائدة كأنه قيل :
أفبعد أخذ هذا الميثاق المؤكد بهذه التأكيدات البليغة تبغون؟ .
المسألة الثالثة ﴾ روى أن فريقين من أهل الكتاب اختصموا إلى الرسول صلي فيما
اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام ، وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به ، فقال
عليه الصلاة والسلام : كلا الفريقين برىء من دين إبراهيم عليه السلام ، فقالوا : ما نرضى
بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت هذه الآية ، ويبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب لأن
على هذا التقدير تكون هذه الآية منقطعة عما قبلها ، والاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي
تعلقها بما قبلها ، فالوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم وهم كانوا عارفين
بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد ر ◌ّل في النبوة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد
فصاروا كأبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر ، فاعلمهم الله تعالی أنهم متی کانوا طالبین دينا
غير دين الله ، ومعبوداً سوى الله سبحانه ، ثم بين أن التمرد على الله تعالى والإعراض عن
حكمه مما لا يليق بالعقلاء فقال ( وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه
ترجعون ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ الإسلام، هو الاستسلام والانقياد والخضوع.
إذا عرفت هذا ففي خضوع كل من في السموات والأرض لله وجوه ( الأول ) وهو
الأصح عندي أن كل ما سوى الله سبحانه ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده
ولا یعدم إلا باعدامه فإذن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله في طر في وجوده وعدمه ،
وهذا هو نهاية الانقياد والخضوع ، ثم إن في هذا الوجه لطيفة أخرى وهي أن قوله ( وله
أسلم ) يفيد الحصر أي وله أسلم كل من في السموات والأرض لا لغيره ، فهذه الآية تفيد أن
واجب الوجود واحد وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه ولا يفنى إلا بإِفنائه سواء كان
عقلا أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلا، ونظير هذه الآية في
الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى ( ولله يسجد من في السموات والأرض ) وقوله ( وإن من شيء
إلا يسبح بحمده ) .
﴿الوجه الثاني﴾ في تفسير هذه الآية أنه لا سبيل لأحد إلى الامتناع عليه في مراده ،

١٣٥
سورة آل عمران
قوله تعالى: (( قل آمنا بالله وما انزل)) الآية
قُلْ ءَامَنَّا بِلّهِ وَمَا أَنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِنْخَقَ وَيَعْقُوبَ
وَاْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَحْنُ
لَهُمْ مُسْلِمُونَ
٨٤
وإما أن ينزلوا عليه طوعاً أو كرهاً، فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين ،
وينقادون له كرهاً فيما يخالف طباعهم من المرض والفقر والموت وأشباه ذلك ، وأما الكافرون
فهم ينقادون لله تعالى على كل حال كرهاً لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين ، وفي غير ذلك
مستسلمون له سبحانه كرهاً ، لأنه لا يمكنهم دفع قضائه وقدره ( الثالث ) أسلم المسلمون
طوعاً ، والكافرون عند موتهم كرهاً لقوله تعالى ( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا )
( الرابع ) أن كل الخلق منقادون لإِهيته طوعاً بدليل قوله تعالى ( ولئن سألتهم من خلق
السموات والأرض ليقولن الله) ومنقادون لتكاليفه وإيجاده للآلام كرها ( الخامس ) أن انقياد
الكل إنما حصل وقت أخذ الميثاق وهو قوله تعالى ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم
ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) ( السادس ) قال الحسن : الطوع
لأهل السموات خاصة ، وأما أهل الأرض فبعضهم بالطوع وبعضهم بالكره ، وأقول : إنه
سبحانه ذكر في تخليق السموات والأرض هذا وهو قوله ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرهاً
قالتا آتينا طائعين ) وفيه اسرار عجيبة .
أما قوله ( وإليه ترجعون ) فالمراد أن من خالفه في العاجل فسيكون مرجعه إليه ، والمراد
إلى حيث لا يملك الضر والنفع سواه هذا وعيد عظيم لمن خالف الدين الحق.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الواحدي رحمه الله: الطوع الانقياد، يقال: طاعه يطوعه
طوعاً إذا انقاد له وخضع ، وإذا مضى لأمره فقد أطاعه ، وإذا وافقه فقد طاوعه ، قال ابن
السكيت : يقال طاع له وأطاع ، فانتصب طوعاً وكرهاً على أنه مصدر وقع موقع الحال ،
وتقديره طائعاً وكارهاً، كقولك أتاني راكضاً ، ولا يجوز أن يقال : أتاني كلاماً أي متكلماً ،
لأن الكلام ليس بضرب للاتيان والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزال على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق
ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له
مسلمون ﴾.
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق
ئے

١٣٦
قوله تعالى: (( قل آمنا بالله)) الآية
سورة آل عِمْران
الرسول الذي يأتي مصدق لما معهم بين في هذه الآية أن من صفة محمد # كونه مصدقاً لما معهم
فقال ( قل آمنا بالله ) إلى آخر الآية وههنا مسائل:
ة المسألة الأولى﴾ وحد الضمير في (قل) وجمع في ( آمنا) وفيه وجوه (الأول ) إنه
تعالى حين خاطبه ، إنما خاطبه بلفظ الوحدان ، وعلمه إنه حين يخاطب القوم يخاطبهم بلفظ
الجمع على وجه التعظيم والتفخيم ، مثل ما يتكلم الملوك والعظماء ( والثاني ) أنه خاطبه أولا
بخطاب الوحدان ليدل هذا الكلام على أنه لا مبلغ لهذا التكليف من الله إلى الخلق إلا هو ، ثم
قال ( آمنا ) تنبيهاً على أنه حين يقول هذا القول فان أصحابه يوافقونه عليه ( الثالث ) إنه تعالى
عينه في هذا التكليف بقوله ( قل ) ليظهر به كونه مصدقاً لما معهم ثم قال ( آمنا ) تنبيهاً على أن
هذا التكليف ليس من خواصه بل هو لازم لكل المؤمنين كما قال ( والمؤمنين كل آمن بالله
وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ) .
المسألة الثانية﴾ قدم الإيمان بالله على الإيمان بالأنبياء، لأن الإيمان بالله أصل الإيمان
بالنبوة ، وفي المرتبة الثانية ذكر الإيمان بما أنزل عليه ، لأن كتب سائر الأنبياء حرفوها وبدلوها
فلا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بما أنزله الله على محمد مر، فكان ما أنزل على محمد كالأصل لما
أنزل على سائر الأنبياء فلهذا قدمه عليه، وفي المرتبة الثالثة ذكر بعض الأنبياء وهم الأنبياء الذين
يعترف أهل الكتاب بوجودهم ، ويختلفون في نبوتهم ( والأسباط) هم أسباط يعقوب عليه
السلام الذين ذكر الله أممهم الأثني عشر في سورة الأعراف، وإنما أوجب الله تعالى الإقرار بنبوة
كل الأنبياء عليهم السلام لفوائد ( إحداها ) إثبات كونه عليه السلام مصدقاً لجميع الأنبياء ،
لأن هذا الشرط كان معتبراً في أخذ الميثاق ( وثانيها ) التنبيه على أن مذاهب أهل الكتاب
متناقضة ، وذلك لأنهم إنما يصدقون النبي الذي يصدقونه لمكان ظهور المعجزة عليه ، وهذا
يقتضي أن كل من ظهرت المعجزة عليه كان نبياً ، وعلى هذا يكون تخصيص البعض بالتصديق
والبعض بالتكذيب متناقضاً ، بل الحق تصديق الكل والاعتراف بنبوة الكل ( وثالثها ) إنه قال
قبل هذه الآية ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض ) وهذا تنبيه على أن
إصرارهم على تكذيب بعض الأنبياء إعراض عن دين الله ومنازعة مع الله ، فههنا أظهر الإيمان
بنبوة جميع الأنبياء ، ليزول عنه وعن أمته ما وصف أهل الكتاب به من منازعة الله في الحكم
والتكليف (ورابعها ) أن في الآية الأولى ذكر أنه أخذ الميثاق على جميع النبيين ، أن يؤمنوا بكل
من أتى بعدهم من الرسل ، وههنا أخذ الميثاق على محمد پ # بأن يؤمن بكل من أتى قبله من
الرسل ، ولم يأخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده من الرسل ، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه
على أنهٍ لا نبي بعده البتة ، فان قيل : لم عدي ( أنزل ) في هذه الآية بحرف الاستعلاء ، وفيما

١٣٧
قوله تعالى: ((ومن يبتغ غير الإسلام)) الآية سورة آلْ عِمْران
تقدم من مثلها بحرف الانتهاء ؟ قلنا : لوجود المعنيين جميعاً ، لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي
إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر ، وقيل أيضاً إنما قيل ( علينا ) في حق
الرسول ، لأن الوحي ينزل عليه ( وإلينا ) في حق الأمة لأن الوحي يأتيهم من الرسول على وجه
الانتهاء وهذا تعسف، ألا ترى إلى قوله ( بما أنزل إليك ) ( وأنزل إليك الكتاب ) وإلى قوله
( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ) .
المسألة الثانية ﴾ اختلف العلماء في أن الإيمان بهؤلاء الأنبياء الذين تقدموا ونسخت
شرائعهم كيف يكون ؟ وحقيقة الخلاف، أن شرعه لما صار منسوخاً ، فهل تصير نبوته
منسوخة ؟ فمن قال إنها تصير منسوخة قال : نؤمن أنهم كانوا أنبياء ورسلا ، ولا نؤمن بأنهم
الآن أنبياء ورسل ، ومن قال إن نسخ الشريعة لا يقتضي نسخ النبوة قال : نؤمن أنهم أنبياء
ورسل في الحال فتنبه لهذا الموضع .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قوله ( لا نفرق بين أحد منهم) فيه وجوه (الأول ) قال الأصم :
التفرق قد يكون بتفضيل البعض على البعض ، وقد يكون لأجل القول بأنهم ما كانوا على سبيل
واحد في الطاعة لله والمراد من هذا الوجه يعني : نقر بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في
الدعوة إلى الله وفي الانقياد لتكاليف الله ( الثاني ) قال بعضهم المراد ( لا نفرق بين أحد منهم )
بان نؤمن ببعض دون بعض كما تفرقت اليهود والنصارى ( الثالث ) قال أبو مسلم ( لا نفرق
بين أحد منهم ) أي لا نفرق ما أجمعوا عليه ، وهو كقوله ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا
تفرقوا ) وذم قوماً وصفهم بالتفرق فقال ( لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) .
أما قوله ( ونحن له مسلمون ) ففيه وجوه ( الأول ) إن إقرارنا بنبوة هؤلاء الأنبياء إنما
كان لأجل كوننا منقادين لله تعالى مستسلمين لحكمه وأمره ، وفيه تنبيه على أن حاله على خلاف
الذين خاطبهم الله بقوله ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض )
( والثاني ) قال أبو مسلم (ونحن له مسلمون ) أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة
وتلك صفة المؤمنين بالله وهم أهل السلم والكافرون يوصفون بالمحاربة لله كما قال ( إنما جزاء
الذين يحاربون الله ورسوله) (الثالث ) أن قوله ( ونحن له مسلمون ) يفيد الحصر والتقدير :
له أسلمنا لا لغرض آخر من سمعة ورياء وطلب مال ، وهذا تنبيه على أن جالهم بالضد من
ذلك فانهم لا يفعلون ولا يقولون إلا للسمعة والرياء وطلب الأموال والله أعلم.
ه
-٣

١٣٨
قوله تعالى: ( کیف یهدي الله قوماً كفروا )» الآية
سورة آل عمران
وَمَنْ يَبْتَ غَيْرَالْإِسْلِ دِينًا فَ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآخِرَةِ مِنَ اَلْحَسِرِينَ (8)
كَيْفَ يَهْدِى اله فَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَ هُمُ
الْبِنَتُ وَاللهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِينَ ه أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ
وَالْمَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَنْعِينَ ﴾ خَلِينَ فِيهَا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ هُمْ يُنْظُرُونَ
M
قوله تعالى ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.
اعلم أنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة ( ونحن له مسلمون ) اتبعه بأن بين في هذه
الآية أن الدين ليس إلا الإِسلام ، وأن كل دين سوى الإِسلام فانه غير مقبول عند الله ، لأن
القبول للعمل هو أن يرضي الله ذلك العمل ، ويرضي عن فاعله ويثيبه عليه ، ولذلك قال
تعالى ( إنما يتقبل الله من المتقين ) ثم بين تعالى أن كل من له دين سوى الإِسلام فكما أنه لا
يكون مقبولا عند الله ، فكذلك يكون من الخاسرين ، والخسران في الآخرة يكون بحرمان
الثواب ، وحصول العقاب ، ويدخل فيه ما يلحقه من التأسف والتحسر على ما فاته في الدنيا
من العمل الصالح وعلى ما تحمله من التعب والمشقة في الدنيا في تقريره ذلك الدين الباطل
واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان الإيمان غير الإسلام لوجب
أن لا يكون الإيمان مقبولا لقوله تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ) إلا أن ظاهر
قوله تعالى ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) يقتضى كون الإِسلام مغايراً
للايمان ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي ، والآية الثانية على
الوضع اللغوي.
قوله تعالى ﴿ كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم
البينات والله لا يهدي القوم الظالمين، أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنت الله والملائكة والناس أجمعين
1
٨

١٣٩
قوله تعالى: ((كيف يهدي الله قوماً)) الآية سورة آل عِمْران
٨
إلّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ، إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فان الله
غفور رحيم ﴾ .
اعلم أنه تعالى لماعظم أمر الإسلام والإيمان بقوله ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل
منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) أكد ذلك التعظيم بأن بين وعيد من ترك الإسلام ، فقال
( كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ في سبب النزول أقوال ( الأول) قال ابن عباس رضي الله عنهما :
نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب
المنون فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ، وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله ( إلا
الذين تابوا) ( الثاني ) نقل أيضاً عن ابن عباس أنه قال : نزلت في يهود قريظة والنضير ومن
دان بدينهم كفروا بالنبي والر بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه ، وكانوا يشهدون له بالنبوة ، فلما
بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بغياً وحسداً ( والثالث ) نزلت في الحرث بن سويد
وهو رجل من الأنصار حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن اسألوا لي هل لي من توبة ؟ فأرسل
إليه أخوه بالآية، فأقبل إلى المدينة وتاب على يد الرسول و لم وقبل الرسول ◌َليه توبته، قال
القفال رحمه الله : للناس في هذه الآية قولان : منهم من قال إن قوله تعالى ( ومن يبتغ غير
الإسلام دينا ) وما بعده من قوله ( كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ) إلى قوله ( وأولئك
هم الضالون ) نزل جميع ذلك في قصة واحدة ، ومنهم من جعل ابتداء القصة من قوله ( إن
الذين كفروا وماتوا وهم كفار) ثم على التقديرين ففيها أيضاً قولان (أحدهما ) أنها في أهل
الكتاب ( والثاني ) أنها في قوم مرتدين عن الاسلام آمنوا ثم ارتدوا على ما شرحناه .
المسألة الثانية ﴾ اختلف العقلاء في تفسير قوله ( كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد
إيمانهم) أما المعتزلة فقالوا : أن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى جميع الخلق إلى الدين بمعى
التعريف، ووضع الدلائل وفعل الألطاف، إذ لو يعم الكل بهذه الأشياء لصار الكافر والضال
معذوراً ، ثم إنه تعالى حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار ، فلا بد من تفسير هذه الهداية بشيء آخر
سوى نصب الدلائل ، ثم ذكروا فيه وجوهاً ( الأول ) المراد من هذه إلآية منع الألطاف التي
يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال تعالى ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) وقال
٢

١٤٠
قوله تعالى: ((كيف يهدي الله قوماً)) الآية سورة آل عِمْران
تعالی ( ویزید الله الذین اهتدوا هدی ) وقال تعالى ( والذین اهتدوا زادهم هدی ) وقال ( یہدی
به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) فدلت هذه الآيات على أن المهتدي قد يزيده الله هدى
( الثاني ) أن المراد أن الله تعالى لا يهديهم إلى الجنة قال تعالى ( إن الذين كفروا وظلموا لم يكن
الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم ) وقال ( يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم
الأنهار ) ( والثالث ) أنه لا يمكن أن يكون المراد من الهداية خلق المعرفة فيه لأن على هذا
التقدير يلزم أن يكون أيضاً من الله تعالى لأنه تعالى إذا خلق المعرفة كان مؤمنا مهتدياً ، وإذا لم
يخلقها كان كافراً ضالا ، ولو كان الكفر من الله تعالى لم يصح أن يذمهم الله على الكفر ولم
يصح أن يضاف الكفر إليهم ، لكن الآية ناطقة بكونهم مذمومين بسبب الكفر وكونهم فاعلين
للكفر فانه تعالى قال ( كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ) فضاف الكفر إليهم وذمهم على
ذلك الكفر فهذا جملة أقوالهم في هذه الآية ، وأما أهل السنة فقالوا : المراد من الهداية خلق
المعرفة ، قالوا : وقد جرت سنة الله في دار التكليف أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فان الله
تعالى يخلقه عقيب قصد العبد ، فكأنه تعالى قال : كيف يخلق الله فيهم المعرفة وهم قصدوا
تحصيل الكفر أو أرادوه والله أعلم.
المسألة الثالثة ﴾ قوله ( واشهدوا ) فيه قولان :
( الأول) أنه عطف والتقدير بعد أن آمنوا وبعد أن شهدوا أن الرسول حق، لأن عطف
الفعل على الاسم لا يجوز فهو في الظاهر وإن اقتضى عطف الفعل على الاسم لكنه في المعنى
عطف الفعل على الفعل ( الثاني ) أن الواو للحال بإضمار (قد ) والتقدير : كيف يهدي الله
قوماً كفروا بعد إيمانهم حال ما شهدوا أن الرسول حق .
المسألة الرابعة ﴾ تقدير الآية : كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم ، وبعد الشهادة
بأن الرسول حقٍ ، وقد جاءتهم البينات ، فعطف الشهادة بأن الرسول حق ، على الإيمان ،
والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فيلزم أن الشهادة بأن الرسول حق مغاير للايمان ( وجوابه )
إن مذهبنا أن الإيمان هو التصديق بالقلب ، والشهادة هو الاقرار باللسان ، وهما متغايران
فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أن الايمان مغاير للاقرار باللسان وأنه معنى قائم
بالقلب .
﴿ المسألة الخامسة﴾ اعلم أنه تعالى استعظم كفر القوم من حيث أنه حصل بعد خصال
ثلاث ( أحدها) بعد الايمان (وثانيها ) بعد شهادة كون الرسول حقاً ( وثالثها ) بعد مجيء
البينات ، وإذا كان الأمر كذلك كان ذلك الكفر صلاحاً بعد البصيرة وبعد إظهار الشهادة ،
فيكون الكفر بعد هذه الأشياء أقبح لأن مثل هذا الكفر يكون كالمعاندة والجحود ، وهذا يدل