النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ قوله تعالى: (( يا أهل الكتاب لم تكفرون )) الآية سورة آل عِمْران اعلم أنه تعالى لما بين حال الطائفة التي لا تشعر بما في التوراة من دلالة نبوة محمد له ، بين أيضاً حال الطائفة العارفة بذلك من أحبارهم . فقال ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ (لم) أصلها لما، لأنها : ما، التي للاستفهام، دخلت عليها اللام فحذفت الألف لطلب الخفة ، ولأن حرف الجر صار كالعوض عنها ولأنها وقعت طرفاً ويدل عليها الفتحة وعلى هذا قوله ( عم يتساءلون ) و( فبم تبشرون ) والوقف على هذه الحروف يكون بالهاء نحو : فبمه ، ولمه . المسألة الثانية﴾ في قوله ( بآيات الله) وجوه (الأول) أن المراد منها الآيات الواردة في التوراة والإنجيل ، وعلى هذا القول فيه وجوه ( أحدها) ما في هذين الكتابين من البشارة بمحمد عليه السلام ، ومنها ما في هذين الكتابين ، أن إبراهيم عليه السلام كان حنيفاً مسلماً ، ومنها أن فيهما أن الدين هو الإسلام . واعلم أن على هذا القول المحتمل لهذه الوجوه نقول : إن الكفر بالآيات يحتمل وجهين : ( أحدهما ) أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة بل كانوا كافرين بما يدل عليه التوراة فأطلق اسم الدليل على المدلول على سبيل المجاز ( والثاني ) أنهم كانوا كافرين بنفس التوراة لأنهم كانوا يحرفونها وكانوا ينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوة محمد خلية . فأما قوله تعالى ( وأنتم تشهدون ) فالمعنى على هذا القول أنهم عند حضور المسلمين ، وعند حضور عوامهم ، كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على نبوة محمد ◌َّةٍ، ثم إذا خلا بعضهم مع بعض شهدوا بصحتها ، ومثله قوله تعالى ( تبغونها عوجاً وأنتم شهداء ) . واعلم أن تفسير الآية بهذا القول ، يدل على اشتمال هذه الآية على الإخبار عن الغيب لأنه عليه الصلاة والسلام أخبرهم بما يكتمونه في أنفسهم ، ويظهرون غيره ، ولا شك أن الإخبار عن الغيب معجز . القول الثاني ﴾ في تفسير آيات الله أنها هي القرآن وقوله ( وأنتم تشهدون ) يعني أنكم تنكرون عند العوام كون القرآن معجزاً ثم تشهدون بقلوبكم وعقولكم كونه معجزاً . القول الثالث ﴾ أن المراد بآيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي مُّل وعلى هذا القول فقوله تعالى (وأنتم تشهدون ) معناه أنكم إنما اعترفتم بدلالة المعجزات التي ١٠٢ قوله تعالى: (( يا أهل الكتاب لم تلبسوا )) الآية سورة آل عِمْران يَأهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبُونَ الْحَقَّ بِالْبَيْطِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلُونَ (٨) ظهرت على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدالة على صدقهم ، من حيث أن المعجز قائم مقام التصديق من الله تعالى فإذا شهدتم بأن المعجز إنما دل على صدق سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هذا الوجه، وأنتم تشهدون حصول هذا الوجه في حق محمد # كان إصرركم على إنكار نبوته ورسالته مناقضاً لما شهدتم بحقيته من دلالة معجزات سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على صدقهم . قوله تعالى ﴿ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ﴾ . اعلم أن علماء اليهود والنصارى كانت لهم حرفتان ( إحداهما ) أنهم كانوا يكفرون بمحمد ◌ّ مع إنهم كانوا يعلمون بقلوبهم أنه رسول حق من عند الله والله تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في الآية الأولى (وثانيتهما ) إنهم كانوا يجتهدون في إلقاء الشبهات ، وفي إخفاء الدلائل والبينات والله تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في هذه الآية الثانية ، فالمقام الأول مقام الغواية والضلالة والمقام الثاني مقام الإغواء والإضلال ، وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى) قرىء (تلبسون) بالتشديد، وقرأ يحيى بن وثاب ( تلبسون ) بفتح الباء ، أي تلبسون الحق مع الباطل، كقوله عليه السلام (( كلابس ثوبي زور)) وقوله. إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا ﴿ المسألة الثانية﴾ اعلم أن الساعي في إخفاء الحق لا سبيل له إلى ذلك إلا من أحد وجهين : إما بإلقاء شبهة تدل على الباطل ، وإما بإخفاء الدليل الذي يدل على الحق ، فقوله ( لم تلبسون الحق بالباطل ) إشارة إلى المقام الأول وقوله ( وتكتمون الحق ) إشارة إلى المقام الثاني أما لبس الحق بالباطل فإنه يحتمل ههنا وجوهاً ( أحدها) تحريف التوراة ، فيخلطون المنزل بالمحرف، عن الحسن وابن زيد ( وثانيها) إنهم تواضعوا على إظهار الإسلام أول النهار، ثم الرجوع عنه في آخر النهار ، تشكيكاً للناس ، عن ابن عباس وقتادة ( وثالثها ) أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته وله من البشارة والنعت والصفة ويكون في التوراة أيضاً ما ١٠٣ قوله تعالى: ((وقالت طائفة من أهل الكتاب)) الأية سورة آل عِمْران وَقَالَتْ طَآئِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَ امِنُواْ بِلَِّّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ اَلنَّهَارِ وَأَكْفُرُوْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يوهم خلاف ذلك ، فيكون كالمحكم والمتشابه فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعله كثير من المشبهة ، وهذا قول القاضي (ورابعها ) أنهم كانوا يقولون محمداً معترف بأن موسى عليه السلام حق ، ثم إن التوراة دالة على إن شرع موسى عليه السلام لا ينسخ وكل ذلك إلقاء للشبهات . أما قوله تعالى ( وتكتمون الحق ) فالمراد أن الآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد ◌َّ كان الإستدلال بها مفتقراً إلى التفكر والتأمل ، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي كان بمجموعها يتم هذا الاستدلال مثل ما أن أهل البدعة في زماننا يسعون في أن لا يصل إلى عوامهم دلائل المحققين . أما قوله ( وأنتم تعلمون ) ففيه وجوه ( أحدها ) إنكم تعلمون أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً وحسداً ( وثانيها) ( وأنتم تعلمون ) أي أنتم أرباب العلم والمعرفة لا أرباب الجهل والخرافة ( وثالثها ) ( وأنتم تعلمون ) أن عقاب من يفعل مثل هذه الأفعال عظيم . ﴿ المسألة الثالثة) قال القاضي: قوله تعالى (لم تكفرون) و(لم تلبسون الحق بالباطل ) دال على أن ذلك فعلهم ، لأنه لا يجوز أن يخلقه فيهم ، ثم يقول : لم فعلتم ؟ وجوابه : أن الفعل يتوقف على الداعية فتلك الداعية إن حدثت لا لمحدث لزم نفي الصانع ، وإن كان محدثها هو العبد افتقر إلى إرادة أخرى وإن كان محدثها هو الله تعالى لزمكم ما ألزمتموه علينا والله أعلم . قوله تعالى ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ﴾ . اعلم أنه تعالى لما حكي عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل أردف ذلك بأن حكى عنهم نوعا واحداً من أنواع تلبيساتهم ، وهو المذكور في هذه الآية وههنا مسائل : المسألة الأولى﴾ قول بعضهم لبعض ( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ) ويحتمل أن يكون المراد كل ما أنزل وأن يكون المراد بعض ما أنزل . ١٠٤ قوله تعالى: ((لعلهم يرجعون )) الآية سورة آل عِمْران أما الإِحتمال الأول ﴾ ففيه وجوه (الأول ) أن اليهود والنصارى استخرجوا حيلة في تشكيك ضعفه المسلمين في صحة الإِسلام، وهو أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد اله من الشرائع في بعض الأوقات ، ثم يظهروا بعد ذلك تكذيبه ، فان الناس متى شاهدوا هذا التكذيب ، قالوا : هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد ، وإلا لما آمنوا به في أول الأمر وإذا لم يكن هذا التكذيب لأجل الحسد والعناد وجب أن يكون ذلك لأجل أنهم أهل الكتاب وقد تفكروا في أمره واستقصوا في البحث عن دلائل نبوته فلاح لهم بعد التأمل التام ، والبحث الوافي أنه كذاب ، فيصير هذا الطريق شبه لضعفه المسلمين في صحة نبوته ، وقيل : تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر على هذا الطريق . وقوله ( لعلهم يرجعون ) معناه أنا متى ألقينا هذه الشبهة فلعل أصحابه يرجعون عن دينه . ﴿ الوجه الثاني﴾ يحتمل أن يكون معنى الآية أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ، ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب ، فان أمر هؤلاء المؤمنين في أضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم ويرجعوا إلى دينكم ، وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني ويدل عليه وجهان ( الأول) أنه تعالى لما قال ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا) أتبعه بقوله (بشر المنافقين) وهو بمنزلة قوله (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذاخلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن ) ( والثاني ) أنه تعالى اتبع هذه الآية بقوله ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) فهذا يدل على أنهم نهوا عن غير دينهم الذي كانوا عليه فكان قولهم ( آمنوا وجه النهار ) أمر بالنفاق . الوجه الثالث ﴾ قال الأصم : قال بعضهم لبعض إن کذبتموه فی جمیع ما جاء به فان عوامكم يعلمون كذبكم ، لأن كثيراً مما جاء به حق ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض حتى يحمل الناس تكذيبكم له على الإنصاف لا على العناد فيقبلوا قولكم . ﴿ الإحتمال الثاني﴾ أن يكون قوله ( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا آخره) بعض ما أنزل الله والقائلون بهذا القول حملوه على أمر القبلة وذكروا فيه وجهين ( الأول ) قال ابن عباس : وجه النهار أوله ، وهو صلاة الصبح واكفروا آخره : يعني صلاة الظهر وتقريره أنه مَله كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ففرح اليهود بذلك وطمعوا أن يكون منهم ، فلما حوله الله إلى الكعبة كان ذلك عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشراف وغيره ( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ) يعني آمنوا بالقبلة التى صلى قوله تعالى: ((ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم)) الآية سورة آل عِمْران ١.٥ وَلَ تُؤْمِنُواْ إِلَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْمُدَى هُدَى الَّهِ أَن يُؤْنَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أَوِيُمْ أَوْ يُحَجُوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ فُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللهُ وَسِعُ عَلِيمُ (﴿ يَخْتَصْ بِرَحْتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٧٤ إليها صلاة الصبح فهي الحق ، واكفروا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الظهر، وهي آخر النهار ، وهي الكفر ( الثاني ) أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم ، فقال بعضهم لبعض صلوا إلى الكعبة في أول النهار، ثم أكفروا بهذه القبلة في آخر النهار وصلوا إلى الصخرة لعلهم يقولون إن أهل الكتاب أصحاب العلم فلولا أنهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما تركوها فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة . المسألة الثانية ﴾ الفائدة في إخبار الله تعالى عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه ( الأول) أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم ، وما أطلعوا عليها أحداً من الأجانب ، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخباراً عن الغيب ، فيكون معجزاً ( الثاني ) أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين ، ولولا هذا الإعلان لكان ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف ( الثالث ) أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس . المسألة الثالثة ﴾ وجه النهار هو أوله ، والوجه في اللغة هو مستقبل كل شيء ، لأنه أول ما يواجه منه ، كما يقال لأول الثوب وجه الثوب ، روى ثعلب عن ابن الأعرابي : أتيته بوجه نهار، وصدر نهار وشباب نهار، أي أول النهار، وأنشد الربيع بن زياد فقال : من كان مسروراً بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار ثم قال تعالى ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن اتبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم، يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ﴾ . اتفق المفسرون على أن هذا بقية كلام اليهود ، وفيه وجهان ( الأول ) المعنى : ولا ١٠٦ قوله تعالى: ((قل إن الهدى هدى الله)) الآية سورة آل عِمْران تصدقوا إلا نبياً يقرر شرائع التوراة ، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه ، وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم ، وعلى هذا التفسير تكون ( اللام) في قوله ( إلا لمن تبع ) صلة زائدة فانه يقال صدقت فلاناً ، ولا يقال صدقت لفلان ، وکون هذه اللام صلة زائدة جائز ، كقوله تعالى (ردف لكم) والمراد ردفكم ( والثاني ) أنه ذكر قبل هذه الآية قوله ( آمنوا وجه النهار واكفروا آخره) . ثم قال في هذه الآية ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) أي لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم ، كأنهم قالوا : ليس الغرض من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم ، فالمعنى ولا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم ، فان مقصود كل واحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته . ثم قال تعالى ( قل إن الهدى هدى الله ) قال ابن عباس رضي الله عنهما . معناه : الدين دين الله ومثله في سورة البقرة ( قل إن هدى الله هو الهدى ) . وأعلم أنه لا بد من بيان أنه كيف صار هذا الكلام جواباً عما حكاه عنهم ؟ فنقول : أما على الوجه الأول وهو قولهم لا دين إلا ما هم عليه ، فهذا الكلام إنما صلح جواباً عنه من حيث أن الذي هم عليه إنما ثبت ديناً من جهة الله ، لأنه تعالى أمر به وأرشد إليه وأوجب الانقياد له وإذا كان كذلك ، فمتى أمر بعد ذلك بغيره ، وأرشد إلى غيره ، وأوجب الانقياد إلى غيره كان نبياً يجب أن يتبع ، وإن كان مخالفاً لما تقدم ، لأن الدين إنما صار ديناً بحكمه وهدايته ، فحيثما كان حكمه وجبت متابعته ، ونظيره قوله تعالى جواباً لهم عن قولهم ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب ) يعني الجهات كلها لله ، فله أن يحول القبلة إلى أي جهة شاء ، وأما على الوجه الثاني فالمعنى أن الهدى هدى الله ، وقد جئتكم به فلن ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف . ثم قال تعالى ( أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ) . واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة ، فنقول هذا إما أن يكون من جملة كلام الله تعالى أو يكون من جملة كلام اليهود ، ومن تتمة قولهم ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذين الإحتمالين قوم من المفسرين . : أما الإحتمال الأول﴾ ففيه وجوه (الأول) قرأ ابن كثير آن يؤتى بمد الألف على الاستفهام والباقون بفتح الألف من غير مد ولا استفهام ، فان أخذنا بقرءة أبن كثير، فالوجه ظاهر وذلك لأن هذه اللفظة موضوعة للتوبيخ كقوله تعالى ( أن كان ذامال وبنين إذا تتلى عليه ١٠٧ سورة آل عِمْران قوله تعالى: (( أن يؤتى أحد مثل ما)) الآية آياتنا قال أساطير الأولين ) والمعنى أمن أجل أن يؤتي أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع ينكرون أتباعه ؟ ثم حذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه ، وتعديده عليه ذنوبه بعد كثرة إحسانه إليه أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت ؟ ونظيره قوله تعالى ( أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ) وهذا الوجه مروي عن مجاهد وعيسى بن عمر أما قراءة من قرأ بقصر الألف من ( أن ) فقد يمكن أيضاً حملها على معنى الاستفهام كما قرىء ( سواء عليهم آنذرتهم أم لم تنذرهم ) بالمد والقصر، وكذا قوله ( أن كان ذا مال وبنين ) قرىء بالمد والقصر، وقال امرؤ القيس : وماذا عليك ولم تنتظر تروح من الحي أم تبتكر ؟ أراد أروح من الحي ؟ فحذف ألف الاستفهام، وإذا ثبت أن هذه القراءة محتملة لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة الأولى . ۔ الوجه الثاني﴾ أن أولئك لما قالوا لأتباعهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أمر الله تعالى نبيه * أن يقول لهم (إن الهدى هدى الله) فلا تنكروا ( أن يؤتى أحد) سواكم من الهدى ( مثل ما أوتيتم) ( أو يحاجوكم) يعني هؤلاء المسلمين بذلك ( عند ربكم ) إن لم تقبلوا ذلك منهم ، أقصى ما في الباب إنه يفتقر في هذا التأويل إلى إضمار قوله فلا تنكروا لأن عليه دلیلا وهو قوله ( إن الهدی هدی الله) فانه لما کان اهدی ھدی الله کان له تعالی أن یؤتیه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار . الوجه الثالث﴾ إن الهدى اسم للبيان كقوله تعالى (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمی علی اهدی ) فقوله ( إن الهدى ) مبتدأ وقوله ( هدی الله ) بدل منه وقوله ( أن یؤتی أحد مثل ما أوتيتم ) خبر باضمار حرف لا ، والتقدير : قل يا محمد لا شك أن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، وهو دين الاسلام الذي هو أفضل الأديان وأن لا يحاجوكم يعني هؤلاء اليهود عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم محقون وأنهم مضلون ، وهذا التأويل ليس فيه إلا أنه لا بد من إضمار حرف ( لا) وهو جائز كما في قوله تعالى ( أن تضلوا) أي أن لا تضلوا . الوجه الرابع ﴾ ( الهدى) اسم و ( هدى الله) بدل منه و ( أن يؤتى أحد) خبره والتقدير : إن هدى الله هو أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، وعلى هذا التأويل فقوله ( أو يحاجوكم عند ربكم ) لا بد فيه من إضمار، والتقدير : أو يحاجوكم عند ربكم فيقضي لكم .. ١٠٨ قوله تعالى: (( أو يحاجوكم عند ربكم)) الآية سورة آل عِمْران عليهم ، والمعنى : أن الهدى هو ما هديتكم به من دين الإسلام الذي من حاجكم به عندي قضيت لكم عليه ، وفي قوله ( عند ربكم ) ما يدل على هذا الإضمار ولأن حكمه بكونه رباً لهم يدل على كونه راضياً عنهم وذلك مشعر بأنه يحكم لهم ولا يحكم عليهم . والإِحتمال الثاني ﴾ أن يكون قوله ( أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ) من تتمة كلام اليهود ، وفيه تقديم وتأخير ، والتقدير : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عندربكم، قل إن الهدى هدى الله، وأن الفضل بيد الله، قالوا . والمعنى لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم ، وأسروا تصديقكم ، بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياءكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً ودون المشركين لئلا يدعوهم ذلك إلى الإسلام . أما قوله ( أو يحاجوكم عند ربكم ) فهو عطف على أن يؤتى ، والضمير في يحاجوكم الأحد ، لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم ، إن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة، وعندي أن هذا التفسير ضعيف، وبيانه من وجوه (الأول) إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد عليه السلام كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم وأشياعهم عنه ، فكيف يليق أن يوصى بعضهم بعضا بالإقرار بما يدل على صحة دين محمد رَّ عند أتباعهم وأشياعهم، وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب ؟ هذا في غاية البعد ( الثاني ) أن على هذا التقدير يختل النظم ويقع فيه تقديم وتأخير لا يليق بكلام الفصحاء (والثالث) إن على هذا التقدير لا بد من الحذف فان التقدير: قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيد الله، ولا بد من حذف (قل) في قوله ( قل إن الفضل بيد الله) (الرابع ) إنه كيف وقع قوله ( قل إن الهدى هدى الله) فيما بين جزأى كلام واحد ؟ فان هذا في غاية البعد عن الكلام المستقيم ، قال القفال : يحتمل أن يكون قوله ( قل إن الهدى هدى الله ) كلام أمر الله نبيه أن يقوله عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى هذا الموضع لأنه لما حكي عنهم في هذا الموضع قولا باطلا لا جرم أدب رسوله و لي بأن يقابلة بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكي المسلم عن بعض الكفار قولا فيه كفر، فيقول : عند بلوغه إلى تلك الكلمة آمنت بالله ، أو يقول لا إله إلا الله ، أو يقول تعالى الله ثم يعود إلى تمام الحكاية فيكون قوله تعالى ( قل إن الهدى هدى الله ) من هذا الباب ، ثم أتى بعده بتمام قول اليهود إلى قوله ( أو يحاجوكم عند ربكم ) ثم أمر النبي ◌َّ بمحاجتهم في هذا وتنبيههم على بطلان قولهم ، فقيل له (قل إن الفضل بيد الله) إلى آخر الآية . الإِشكال الخامس ﴾ في هذه الوجوه: أن الإيمان إذا كان بمعنى التصديق لا يتعدى إلى ١٠٩ قوله تعالى: ((أو يحاجوكم عند ربكم)) الآية سورة آل عِمْران المصدق بحرف اللام لا يقال صدقت لزيد بل يقال : صدقت زيداً ، فكان ينبغي أن يقال : ولا تؤمنوا إلا من تبع دينكم ، وعلى هذا التقدير يحتاج إلى حذف اللام في قوله ( لمن تبع دينكم ) ويحتاج إلى إضمار الباء أو ما يجري مجراه في قوله ( أن يؤتى ) لأن التقدير : ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم ، بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، فقد اجتمع في هذا التفسير الحذف والإضمار وسوء النظم وفساد المعنى ، قال أبو علي الفارسي : لا يبعد أن يحمل الإيمان على الإقرار فيكون المعنى: ولا تقروا بأن يؤتى احد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، وعلى هذا التقدير لا تكون اللام زائدة ، لكن لا بد من إضمار حرف الباء أو ما يجري مجراه على كل حال ، فهذا محصل ما قيل في تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده . ثم قال تعالى ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) . وأعلم أنه تعالى حكي عن اليهود أمرين ( أحدهما ) أن يؤمنوا وجه النهار ، ويكفروا آخره ، ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام . فأجاب عنه بقوله ( قل إن الهدى هدى الله ) والمعنى : أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة ولا أثر ( والثاني ) أنه حكى عنهم أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكم والنبوة . فأجاب عنه بقوله ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) والمراد بالفضل الرسالة ، وهو في اللغة عبارة عن الزيادة ، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان ، والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير ، ثم کثر استعمال الفضل لکل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى الغیر وقوله ( بید الله ) أي إنه مالك له قادر عليه ، وقوله ( يؤتيه من يشاء ) أي هو تفضل موقوف على مشيئته ، وهذا يدل على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق ، لأنه تعالى جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ، ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز وقوله ( والله واسع عليم ) مؤكد لهذا المعنى ، لأن كونه واسعاً ، يدل على كمال القدرة ، وكونه علياً على كمال العلم ، فيصح منه لمكان القدرة أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء ، ويصح منه لمكان كمال العلم أن لا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب . ثم قال ( يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) وهذا كالتأكيد لما تقدم ، والفرق بين هذه الآية وبين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة ، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه ، فبين بقوله ( إن الفضل بيد الله ) إنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها ، ثم قال ( يختص برحمته من يشاء ) والرحمة المضافة ١١٠ قوله تعالى: (( ومن اهل الكتاب من )) الآية سورة آل عمران وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُبِقِنْطَارٍ يُؤَدِّةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ يِدِينَارٍلًا يُؤَدَِّ إِلَيْكَ إِلَّا مَادُمْتَ عَلَيْهِ قَبِمًا ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِ الْأُمِنَ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَ ٧٥ سَبِيلٌ وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ إلى الله سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل ، فان هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف وعلو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم ، بل تكون أعلى وأجل من أن تقاس إلى ما آتاهم ، ويحصل من مجموع الآيتين إنه لا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده ، وأن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة ، وعلى أشخاص معينين جهل بكمال الله في القدرة والحكمة . قوله تعالى ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار یؤدہ إلیك ومنهم من إن تأمنه بدینار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ، بلى من أوفى بعهده واتقى فان الله يحب المتقين اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين ( الأول ) أنه تعالى حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية ، ما لم يؤت أحد غيرهم مثله ، ثم إنه تعالى بين أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان ، وهم مصرون عليها ، فدل هذا على كذبهم ( والثاني ) أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا ( لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس ، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير وههنا مسائل : المسألة الأولى﴾ الآية دالة على انقسامهم الى قسمين: بعضهم أهل الأمانة ، وبعضهم أهل الخيانة وفيه أقوال ( الأول ) أن أهل الأمانة منهم هم الذين أسلموا ، أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين وأخذ أموالهم ونظير هذه الآية قوله تعالى ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) مع قوله ( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) ( الثاني ) أن أهل الأمانة هم النصارى ، وأهل الخيانة هم اليهود ، والدليل عليه ما ذكرنا ، ١١١ قوله تعالى: ((ومن اهل الكتاب) الآية سورة آل عِمْران أن مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان ( الثالث ) قال ابن عباس : أودع رجل عبد الله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأدى إليه ، وأودع آخر فنحاص بن عازوراء ديناراً فخانه فنزلت الآية. ﴿ المسألة الثانية ﴾ يقال أمنته بكذا وعلى كذا ، كما يقال مررت به وعليه ، فمعنى الباء الصاق الأمانة ، ومعنى : على استعلاء الأمانة ، فمن اؤتمن على شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به لقربه منه ، واتصاله بحفظه وحياطته ، وأيضاً صار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة والمستولى عليها ، فلهذا حسن التعبير عن هذا المعنى بكلتا العبارتين ، وقيل إن معنى قولك أمنتك بدينار أي وثقت بك فيه ، وقولك أمنتك عليه ، أي جعلتك أميناً عليه وحافظاً له . ﴿ المسألة الثالثة ﴾ المراد من ذكر القنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل ، يعني إن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها ، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشيء القليل ، فانه يجوز فيه الخيانة ، ونظيره قوله تعالى ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً ) وعلى هذا الوجه فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار وذكروا فيه وجوهاً (الأول) إن القنطار ألف ومائتا أوقية قالوا : لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلام حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب فرده ولم يخن فيه ، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار ( الثاني ) روى عن ابن عباس إنه ملء جلد ثور من المال ( الثالث ) قيل القنطار هو ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم ، وقد تقدم القول في تفسير القنطار. ﴿ المسألة الرابعة ﴾ قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر (يؤده) بسكون الهاء ، وروى ذلك عن أبي عمرو، وقال الزجاج : هذا غلط من الراوي عن أبي عمرو كما غلط في ( بارئكم) بإسكان الهمزة وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة ، واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة بأن قال : الجزاء ليس في الهاء وإنما هو فيما قبل الهاء والهاء اسم المكنى والأسماء لا تجزمٍ في الوصل، وقال الفراء : من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها . فيقول : ضربته ضرباً شديداً كما يسكنون ( ميم) أنتم وقمتم وأصلها الرفع ، وأنشد: لما رأى أن لا دعه ولا شبع وقرى أيضاً باختلاس حركة الهاء اكتفاء بالكسرة من الياء ، وقرى باشباع الكسرة في الفخر الرازي ج ٨ م ٨ ٠٠ .. ١١٢ قوله تعالى: ((ذلك بأنهم قالوا ليس علينا)) الآية سورة آل عِمْران الهاء وهو الأصل . ثم قال تعالى ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ) وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ في لفظ (القائم) وجهان: منهم من حمله على حقيقته، قال السدى : يعني إلا ما دمت قائماً على رأسه بالإجتماع معه والملازمة له ، والمعنى : أنه إنما يكون معترفاً بما دفعت إليه ما دمت قائماً على رأسه ، فان أنظرت وأخرت أنكر ، ومنهم من حمل لفظ ( القائم ) على مجازه ثم ذكروا فيه وجوهاً (الأول) قال ابن عباس المراد من هذا القيام الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة ، قال ابن قتيبة : أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه والتارك له يقعد عنه ، دليل قوله تعالى ( أمة قائمة ) أي عاملة بأمر الله غير تاركة ، ثم قيل : لكل من واظب على مطالبة أمر أنه قام به وإن لم يكن ثم قيام ( الثاني ) قال أبو علي الفارسي : القيام في اللغة بمعنی الدوام والثبات ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى ( یقیمون الصلاة ) ومنه قوله ( دینا قيماً ) أي دائماً ثابتاً لا ينسخ فمعنى قوله ( إلا ما دمت عليه قائماً) أي دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال . المسألة الثانية ﴾ يدخل تحت قوله ( من إن تأمنه بقنطار) و(بدينار ) العين والدين ، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة وليس في الآية ما يدل على التعيين والمنقول عن ابن عباس إنه حمله على المبايعة ، فقال منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك ونقلنا أيضاً أن الآية نزلت في أن رجلاً أودع مالا كثيراً عند عبد الله بن سلام ، ومالا قليلا عند فنحاص بن عازوراء ، فخان هذا اليهودي في القليل ، وعبد الله بن سلام أدى الأمانة ، فثبت أن اللفظ محتمل لكل الأقسام . ثم قال تعالى ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) والمعنى إن ذلك الإستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل . وههنا مسائل: المسألة الأولى﴾ ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الإستحلال وجوهاً ( الأول ) أنهم مبالغون في التعصب لدينهم ، فلا جرم يقولون : يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان وروى في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام ((كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي ، إلا الأمانة فانها مؤداة إلى البر والفاجر)) ( الثاني ) أن اليهود قالوا ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا ١١٣ قوله تعالى: ((ذلك بأنهم قالوا ليس علينا)) الآية سورة آل عِمْران أكلنا أموال عبيدنا ( الثالث ) أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقاً لكل من خالفهم ، بل للعرب الذين آمنوا بالرسول ◌َ ل#، روى أن اليهود بايعوا رجالا في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا : ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم ، وأقول : من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد ، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإِسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة . المسألة الثانية﴾ نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة والإلزام، قال تعالى ( ما على المحسنين من سبيل ) وقال ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) وقال ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ) . ﴿ المسألة الثالثة﴾ (الأمي) منسوب إلى الأم، وسمي النبي ◌ّ أمياً قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب ، وقيل : نسب إلى مكة وهي أم القرى . ثم قال تعالى ( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) وفيه وجوه ( الأول ) أنهم قالوا : إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش ( الثاني ) أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة ( الثالث ) أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم . ثم قال تعالى ( بلى من أوفى بعهده واتقى فان الله يحب المتقين ). اعلم أن في ( بلى) وجهين (أحدهما ) أنه لمجرد نفي ما قبله ، وهو قوله ( ليس علينا في الأميين سبيل ) فقال اله تعالى رادً عليهم ( بلى ) عنيهم سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج ، قال: وعندي وقف التمام على (بلى وبعده استئناف( الثاني) أن كلمة (بلى) كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعده ، وذلك لأن قولهم : ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم : نحن أحباء الله تعالى ، فذكر الله تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقي هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم ، وعلى هذا الوجه فانه لا يحسن الوقف على (بلى) وقوله ( من أوفى بعهده) مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد والضمير في ( بعهده) يجوز أن يعهود على اسم ( الله) في قوله ( ويقولون على الله الكذب ) ويجوز أن يعود على ( من ) لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول وإلى الفاعل وههنا سؤالان : ١١٤ قوله تعالى: ((أن الذين يشترون)) الآية سورة آل عِمْران إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَنْنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُوَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْفِيَئِمَةِ وَلَ يُزَكِيهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (® السؤال الأول﴾ بتقدير (أن) يكون الضمير عائداً إلى الفاعل وهو ( من) فانه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة ، فانهم يكتسبون محبة الله تعالى . ( الجواب ) الأمر كذلك ، فانهم إذا أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الأعظم ، وهو ما أخذ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد ◌ّله ، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة ، لاتقوه في ترك الكذب على الله ، وفي ترك تحريف التوراة . ﴿ السؤال الثاني﴾ أين الضمير الراجع من الجزاء إلى (من)؟. ( الجواب ) عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير . واعلم أن هذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد ، وذلك لأن الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معاً ، لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق ، فهو شفقة على خلق الله ، ولما أمر الله به ، كان الوفاء به تعظيماً لأمر الله ، فثبت أن العبارة مشتملة على جميع أنواع الطاعات والوفاء بالعهد ، كما يمكن في حق الغير يمكن أيضاً في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات ، لأن عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب . قوله تعالى ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ﴾. اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً ( الأول ) أنه تعالى لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس ، ثم من المعلوم أن الخيانة في أموال الناس لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة لا جرم ذكر عقيب تلك الآية هذه الآية المشتملة على وعيد من يقدم على الأيمان الكاذبة ( الثاني ) أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم ( يقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) ولا شك أن عهد الله على كل مكلف أن لا يكذب على الله ولا يخون في دينه ، لا جرم ذكر هذا الوعيد عقيب ذلك (الثالث) أنه تعالى ذكر في الآية السابقة خيانتهم في أموال الناس، ثم ذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد الله ١١٥ سورة آل عمران قوله تعالى: ((أن الذين يشترون)) الآية وخيانتهم في تعظيم أسمائه حين يحلفون بها كذباً ، ومن الناس من قال : هذه الآية ابتداء كلام مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة ، وذلك لأن اللفظ عام والروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على الأيمان الكاذبة ، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاماً في حق كل من يفعل هذا الفعل وإنه غیر مخصوص باليهود ، وفي الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفت الروايات في سبب النزول، فمنهم من خصها باليهود الذين شرح الله أحوالهم في الآيات المتقدمة ، ومنهم من خصها بغيرهم. أما الأول ففيه وجهان ( الأول ) قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود ، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد ◌ّله وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا ، واحتج هؤلاء بقوله تعالى في سورة البقرة ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) ( الثاني ) أنها نزلت في ادعائهم أنه ( ليس علينا في الأميين سبيل ) كتبوا بأيديهم كتاباً في ذلك وحلفوا أنه من عند الله وهو قول الحسن. ﴿ وأما الاحتمال الثاني﴾ ففيه وجوه (الأول) أنها نزلت في الأشعث بن قيس ، وخصم له في أرض، اختصما إلى رسول الله وَّه، فقال للرجل ((أقم بينتك)) فقال الرجل: ليس لي بينة فقال للأشعث ((فعليك اليمين)) فهم الأشعث باليمين فأنزل الله تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد الأرض إلى الخصم واعترف بالحق ، وهو قول ابن جريح ( الثاني ) قال مجاهد : نزلت في رجل حلف يميناً فاجرة في تنفيق سلعته ( الثالث ) نزلت في عبدان وامرىء القيس اختصما إلى الرسول وي ليه في أرض ، فتوجه اليمين على امرىء القيس ، فقال: أنظرني إلى الغد ، ثم جاء من الغد وأفر له بالأرض ، والأقرب الحمل على الكل . فقوله ( إن الذين يشترون بعهد الله ) يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه ما نصب عليه الأدلة ويدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول ، ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه ، لأن كل ذلك من عهد الله الذي يلزم الوفاء به . قال تعالى ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ) الآية وقال ( وأوفوا بالعهد إن العهد کان مسئولا ) وقال ( یوفون بالنذر ) وقال ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الشراء ، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئاً ويعطي شيئاً فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر ، وأما الأيمان فحالها معلوم وهي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد ، أو وعيد ، أو إنكار، أو إثبات . ١١٦ قوله تعالى: ((ولا يكلمهم الله )) الآية سورة آل عمران ثم قال تعالى ( أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) واعلم أنه تعالى فرع على ذلك الشرط وهو الشراء بعهد الله والأيمان ثمناً قليلاً ، خمسة أنواع من الجزاء أربعة منها في بيان صيرورتهم محرومين عن الثواب ( والخامس ) في بيان وقوعهم في أشد العذاب ، أما المنع من الثواب فاعلم أن الثواب عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم . فالأول﴾ وهو قوله (أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ) إشارة إلى حرمانهم عن منافع الآخرة ﴿ وأما الثلاثة الباقية﴾ وهي قوله (ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم) فهو إشارة إلى حرمانهم عن التعظيم والإعزاز. ﴿ وأما الخامس﴾ وهو قوله (ولهم عذاب أليم ) فهو إشارة إلى العقاب ، ولما نبهت لهذا الترتيب فلنتكلم في شرح كل واحد من هذه الخمسة : ( أما الأول) وهو قوله ( لا خلاق لهم في الآخرة) فالمعنى لا نصيب لهم في خير الآخرة ونعيمها واعلم أن هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة ، فانه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع وعلى مذهبنا مشروط أيضاً بعدم العفو فانه تعالى قال ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . ( وأما الثاني ) وهو قوله (ولا يكلمهم الله) ففيه سؤال، وهو أنه تعالى قال ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) وقال ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ، وبين تلك الآية؟ قال القفال في الجواب : المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم ، لأن من منع غيره كلامه في الدنيا ، فانما ذلك بسخط الله عليه وإذا سخط إنسان على آخر، قال له لا أكلمك، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول لا أرى وجه فلان ، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل فثبت أن هذه الكلمات كنايات عن شدة الغضب نعوذ بالله منه . وهذا هو الجواب الصحيح ، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون إسماع الله جل جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفاً عالياً يختص به أولياءه ، ولا يكلم هؤلاء الكفرة والفساق ، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة ومنهم من قال . معنى هذه الآية أنه تعالى لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم والمعتد هو الجواب الأول . ( وأما الثالث ) وهو قوله تعالى ( ولا ينظر إليهم ) فالمراد إنه لا ينظر إليهم بالإِحسان ، يقال فلان لا ينظر إلى فلان ، والمراد به نفي الاعتداد به وترك الإحسان إليه ، والسبب لهذا ١١٧ قوله تعالى: ((أن منهم لفريقا يلوون)) الآية سورة آل عِمْران وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِ يقًا يَلُنَ أَلِنَهُمْ بِلْكِتَبِ لِتَحْسَبُهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنِدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَى اللَِّالْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ المجاز أن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاد نظره إليه مرة بعد أخرى ، فلهذا السبب صار نظر الله عبارة عن الاعتداد والإحسان ، وإن لم يكن ثم نظر ، ولا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية ، لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم ، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام ، وتعالى إلهنا عن أن يكون جسماً ، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف ( إلى ) ليس للرؤية وإلا لزم في هذه الآية أن لا يكون الله تعالى رائياً لهم وذلك باطل . ( وأما الرابع ) وهو قوله ( ولا يزكيهم ) ففيه وجوه ( الأول ) أن لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها ( والثاني ) لا يزكيهم أي لا يثنى عليهم كما يثنى على أوليائه الأزكياء والتزكية من المزكى للشاهد مدح منه له . واعلم أن تزكية الله عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار ) وقال ( وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) وقد تكون بغير واسطة ، أما في الدنيا فكقوله ( التائبون العابدون ) وأما في الآخرة فكقوله ( سلام قولا من رب رحيم ) . ( وأما الخامس) وهو قوله ( ولهم عذاب أليم) فاعلم أنه تعالى لما بين حرمانهم من الثواب بين كونهم في العقاب الشديد المؤلم . قوله تعالى ﴿ وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾. اعلم أن هذه الآية تدل على أن الآية المتقدمة نازلة في اليهود بلا شك لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود وهي معطوفة على ما قبلها فهذا يقتضي كون تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضاً . واعلم أن ( اللي) عبارة عن عطف الشيء ورده عن الإستقامة إلى الاعوجاج ، يقال : ١١٨ قوله تعالى: ((أن منهم لفريقا يلوون)) الآية سورة آل عمران لويت يده ، والتوى الشيء إذا انحرف والتوى فلان على إذا غير أخلاقه عن الاستواء إلى ضده، ولوى لسانه عن كذا إذا غيره، ولوى فلاناً عن رأيه إذا أماله عنه، وفي الحديث (( لي الواجد ظلم)) وقال تعالى ( وراعنا لياً بألسنتهم وطعنا في الدين ) . إذا عرفت هذا الأصل ففي تأويل الآية وجوه ( الأول ) قال القفال رحمه الله قوله ( يلوون ألسنتهم ) معناه وأن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى ، وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية ، فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى ( يلوون ألسنتهم) وهذا تأويل في غاية الحسن ( الثاني ) نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن النفر الذين لا يكلمهم الله القيامة ولا ينظر إليهم كتبوا كتاباً شوشوا فيه نعت محمد عليه وخلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمد ◌َّ ثم قالوا ( هذا من عند الله ) . إذا عرفت هذا فنقول : إن لي اللسان تثنية بالتشدق والتنطع والتكلف وذلك مذموم فعبر الله تعالى عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلى اللسان ذماً لهم وعيباً ولم يعبر عنها بالقراءة ، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ، فيقولون في المدح : خطيب مصقع ، وفی الدم : مکثار ثرثار . فقوله ( وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب ) المراد قراءة ذلك الكتاب الباطل ، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله ( فویل للذین یکتبون الکتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) ثم قال ( وما هو من الكتاب ) أي وما هو الكتاب الحق المنزل من عند الله ، بقي ههنا سؤالان : السؤال الأول ﴾ إلى ما يرجع الضمير في قوله (لتحسبوه) ؟. ( الجواب ) إلى ما دل عليه قوله ( يلوون السنتهم ) وهو المحرف . ﴿ السؤال الثاني﴾ كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس ؟ : ( الجواب ) لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل ، يجوز عليهم التواطؤ على التحريف، ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام وعلى هذا التقدير يكون هذا التحريف ممكناً ، والأصوب عندي في تفسير الآية وجه آخر وهو أن الآيات الدالة على نبوة محمد يلي كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتأمل القلب ، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة والاعتراضات ١١٩ قوله تعالى: ((ويقولون هو من عند الله)) الآية سورة آل عِمْران المظلمة فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين ، واليهود كانوا يقولون : مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم ، فكان هذا هو المراد بالتحريف وبلى الألسنة وهذا مثل ما أن المحق في زماننا إذا استدل بآية من كتاب الله تعالى ، فالمبطل يورد عليه الأسئلة والشبهات ويقول : ليس مراد الله ما ذكرت ، فكذا في هذه الصورة . ثم قال تعالى ( ويقولون هو من عند الله ) واعلم أن من الناس من قال : إنه لا فرق بين قوله ( لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ) وبين قوله ( ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) وكرر هذا الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد ، أما المحققون فقالوا : المغايرة حاصلة ، وذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله ، فان الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب ، وتارة بالسنة ، وتارة بالإجماع ، وتارة بالقياس والكل من عند الله . فقوله ( لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ) هذا نفي خاص ، ثم عطف عليه النفي العام فقال ( ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) وأيضاً يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة ، ويكون المراد من قولهم : هو من عند الله، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل أشعياء ، وأرمياء ، وحيقوق ، وذلك لأن القوم في نسبة ذلك التحريف إلى الله كانوا متحيرين ، فان وجدوا قوماً من الأغمار والبله الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة ، وإن وجدوا قوماً عقلاء أذکیاء زعموا أنه موجود في کتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام ، واحتج الجبائي والكعبي به على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى فقالا : لو كان لي اللسان بالتحريف والكذب خلقا لله تعالى لصدق اليهود في قولهم : إنه من عند الله ولزم الكذب في قوله تعالى : إنه ليس من عند الله، وذلك لأنهم أضافوا إلى الله ما هو من عنده ، والله ينفي عن نفسه ما هو من عنده ، ثم قال : وكفى خزيا لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من الله قال : ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم ( لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ) وبين قوله ( ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) فرق ، وإذا لم يبق الفرق لم يحسن العطف، وأجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضاً من وجهين آخرين ( الأول ) أن كون المخلوق من عند الخالق أو كد من كون المأمور به من عند الآمر به ، وحمل الكلام على الوجه الأقوی أولی ( والثاني ) أن قوله ( وما هو من عند الله ) نفي مطلق لكونه من عند الله وهذا ينفي كونه من عند الله بوجه من الوجوه ، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم. ( والجواب ) أما قول الجبائي لو حملنا قوله تعالى ( ويقولون هو من عند الله ) على أنه كلام الله لزم التكرار ، فجوابه ما ذكرنا أن قوله ( وما هو من الكتاب ) معناه أنه غير موجود في ١٢٠ قوله تعالى: (( ما كان لبشر)) الآية سورة آل عِمْران مَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُؤْيَهُ اللّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالْبُوََّ ثُمَ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِمِنْ دُوِ اللهِوَكِنِ كُونُواْ رَبَِِّّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلُونَ الْكِتَبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (3) وَلَ يَأْمُرَ كُمْ أَنْ تَُّواْ الْمَئِكَةَ وَالَِّنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُهُ مُ بِالْكُفْرٍ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ ٠٤ مُسْلِمُونَ ٨٠ الكتاب وهذا لا يمنع من كونه حكماً لله تعالى ثابتاً بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال ( وما هو من عند الله ) ثبت نفي كونه حكماً لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار. وأما الوجه الأول ﴾ من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه، أن الجواب لا بد وأن يكون منطبقاً على السؤال ، والقوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه وفعلوه خلق الله تعالى ، بل كانوا يدعون أنه حكم الله ونازل في كتابه . فوجب أن يكون قوله ( وما هو من عند الله ) عائداً إلى هذا المعنى لا إلى غيره ، وبهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني والله أعلم . ثم قال تعالى ( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) والمعنى أنهم يتعمدون ذلك الكذب مع العلم . واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة ، وإعراب ألفاظها ، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب وإن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد له بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق الخلق الكثير عليه والله أعلم . قوله تعالى ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ، ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذا أنتم مسلمون ﴾ . اعلم أنه تعالى لما بين أن عادة علماء أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه بما يدل على أن من جملة ما حرفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي الإلهية ، وأنه كان يأمر قومه بعبادته فلهذا قال ( ما كان لبشر) الآية ، وههنا مسائل :