النص المفهرس

صفحات 81-100

قوله تعالى: ((ذلك نتلوه عليك من الآيات)) الآية سورة آل عِمْران ٨١
٥٨
ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
تقدم من قوله ( فأحكم ، فأعذبهم ) وهو الأولى لأنه نسق الكلام .
المسألة الثانية﴾ ذكر الذين آمنوا، ثم وصفهم بأنهم عملوا الصالحات، وذلك يدل
على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان ، وقد تقدم ذكر هذه الدلالة مراراً .
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج من قال بأن العمل علة للجزاء بقوله ( فتوفيهم أجورهم)
فشبههم في عبادتهم لأجل طلب الثواب بالمستأجر ، والكلام فيه أيضاً قد تقدم والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ المعتزلة احتجوا بقوله (والله لا يحب الظالمين) على أنه تعالى لا يريد
الكفر والمعاصي، قالوا : لأن مريد الشيء لا بد وأن يكون محبا له ، إذا كان ذلك الشيء من
الأفعال وإنما تخالف المحبة الإرادة إذا علقنا بالأشخاص ، فقد يقال : أحب زيدا ، ولا يقال:
أريده ، وأما إذا علقنا بالأفعال : فمعناهما واحد إذا استعملتا على حقيقة اللغة ، فصار قوله
( والله لا يحب الظالمين) بمنزلة قوله ( لا يريد ظلم الظالمين ) هكذا قرره القاضي ، وعند
أصحابنا أن المحبة عبارة عن إرادة إيصال الخير إليه فهو تعالى وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لا
يريد إيصال الثواب إليه ، وهذه المسألة قد ذكرناها مراراً وأطواراً .
ثم قال تعالى ﴿ ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ﴾ وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من نبأ عيسى وزكريا وغيرهما، وهو
مبتدأ ، خبره ( نتلوه ) و( من الآيات ) خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون
ذلك بمعنى الذي ، و( نتلوه ) صلته ، و( من الآيات ) الخبر .
المسألة الثانية ﴾ التلاوة والقصص واحد في المعنى، فان كلا منهما يرجع معناه إلى
شيء يذكر بعضه على إثر بعض ، ثم إنه تعالى أضاف التلاوة إلى نفسه في هذه الآية ، وفي قوله
(نتلو عليك من نبأ موسى) وأضاف القصص إلى نفسه فقال ( نحن نقص عليك أحسن
القصص ) وكل ذلك يدل على إنه تعالى جعل تلاوة الملك جارية مجرى تلاوته سبحانه وتعالى ،
وهذا تشريف عظيم للملك ، وإنما حسن ذلك لأن تلاوة جبريل وَليه لما كان بأمره من غير تفاوت
أصلا أضيف ذلك إليه سبحانه وتعالى .
﴿ المسألة الثانية ) قوله ( من الآيات ) يحتمل أن يكون المراد منه ، أن ذلك من آيات
القرآن ويحتمل أن يكون المراد منه أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك ، لأنها أخبار لا

٨٢
قوله تعالى: ((إن مثل عيسى عند الله)) الآية سورة آل عِمْران
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الهِ كَلِ ءَادَ خَلَقَهُ، مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُو كُنْ فَيَكُونُ
يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحي إليه ، فظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن ذلك من
الوحي .
﴿ المسألة الرابعة﴾ (والذكر الحكيم) فيه قولان ( الأول) المراد منه القرآن وفي وصف
القرآن بكونه ذكرا حكيما وجوه ( الأول ) إنه بمعنى الحاكم مثل القدير والعليم ، والقرآن حاكم
بمعنى أن الأحكام تستفاد منه ( والثاني ) معناه ذو الحكمة في تأليفه ونظمه وكثرة علومه
(والثالث ) أنه بمعنى المحكم ، فعيل بمعنى مفعل ، قال الأزهري : وهو شائع في اللغة ، لأن
حكمت يجري مجرى أحكمت في المعنى ، فرد إلى الأصل ، ومعنى المحكم في القرآن أنه
أحكم عن تطرق وجوه الخلل إليه قال تعالى ( أحكمت آياته ) ( والرابع ) أن يقال القرآن
لكثرة حكمه إنه ينطق بالحكمة ، فوصف بكونه حكيما على هذا التأويل .
القول الثاني ﴾ أن المراد بالذكر الحكيم ههنا غير القرآن، وهو اللوح المحفوظ الذي
منه نقلت جميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام ، أخبر أنه تعالى أنزل هذا القصص مما
كتب هنالك ، والله أعلم بالصواب .
قوله تعالى ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ .
أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول صل# ، وكان
من جملة شبههم أن قالوا : يا محمد ، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو
الله تعالى ، فقال : إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابنا الله تعالى ، فكذا القول
في عيسى عليه السلام ، هذا حاصل الكلام ، وأيضاً إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب
فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم ؟ بل هذا أقرب إلى العقل ، فان تولد الحيوان من الدم
الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده التراب اليابس ، هذا تلخيص الكلام .
ثم ههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ (مثل عيسى عند الله كمثل آدم) أي صفته كصفة آدم ونظيره قوله
تعالى ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) أي صفة الجنة .

٨٣
قوله تعالى: ((إن مثل عيسى عند الله)) الآية سورة آل عِمْران
المسألة الثانية ) قوله تعالى ( خلقه من تراب ) ليس بصلة لآدم ولا صفة ولكنه خبر
مستأنف على جهة التفسير بحال آدم ، قال الزجاج : هذا كما تقول في الكلام مثلك كمثل
زيد، تريد أن تشبهه به في أمر من الأمور، ثم تخبر بقصة زيد فتقول فعل كذا وكذا .
﴿ المسألة الثالثة) اعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول ، وإلا لزم أن
يكون كل ولد مسبوق بوالد لا إلى أول وهو محال ، والقرآن دل على أن ذلك الوالد الأول هو
آدم عليه السلام كما في هذه الآية ، وقال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس
واحدة وخلق منها زوجها ) وقال ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ) ثم
إنه تعالى ذكر في كيفية خلق آدم عليه السلام وجوها كثيرة ( أحدها ) أنه مخلوق من التراب كما
في هذه الآية ( والثاني ) أنه مخلوق من الماء ، قال الله تعالى ( وهو الذي خلق من الماء بشراً
فجعله نسباً وصهراً) ( والثالث ) أنه مخلوق من الطين قال الله تعالى ( الذي أحسن كل شيء
خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) ( والرابع ) أنه
مخلوق من سلالة من طين قال تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في
قرار مكين) ( الخامس ) أنه مخلوق من طين لازب قال تعالى ( إنا خلقناهم من طين لازب )
( السادس ) إنه مخلوق من صلصال قال تعالى ( إني خالق بشراً من صلصال من حما مسنون )
( السابع) أنه مخلوق من عجل ، قال تعالى ( خلق الإنسان من عجل) ( الثامن ) قال تعالى
( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) ، أما الحكماء فقالوا : إنما خلق آدم عليه السلام من تراب
لوجوه : ( الأول) ليكون متواضعا (الثاني ) ليكون ستاراً (الثالث ) ليكون أشد التصاقا
بالأرض ، وذلك لأنه إنما خلق لخلاقة أهل الأرض ، قال تعالى ( إني جاعل في الأرض خليفة )
( الرابع ) أراد إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم
بظلمات الضلالة ، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام وأعطاهم كمال الشدة
والقوة ، وخلق آدم عليه السلام من التراب الذي هو أكتف الأجرام ، ثم أعطاه المحبة والمعرفة
والنور والهداية ، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الهواء حتى يكون
خلقه هذه الأجرام برهانا باهرا ودليلا ظاهرا على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج ، والخالق بلا
مزاج وعلاج. ( الخامس ) خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئا لنار الشهوة ، والغضب ،
والحرص ، فان هذه النيران لا تطفأ إلا بالتراب وإنما خلقه من الماء ليكون صافيا تتجلى فيه
صور الأشياء ، ثم إنه تعالى مزج بين الأرض والماء ليمتزج الکثیف فیصیر طينا وهو قوله ( إني
خالق بشراً من طين ) ثم إنه في المرتبة الرابعة قال ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين )
والسلالة بمعنى المفعولة لأنها هي التي تسل من ألطف أجزاء الطين ، ثم إنه في المرتبة السادسة
أثبت له من الصفات ثلاثة أنواع :

٨٤
قوله تعالى: ((إن مثل عيسى عند الله)) الآية سورة آل عمران
( أحدها ) أنه من صلصال والصلصال: اليابس الذي إذا حرك تصلصل كالخزف الذي
يسمع من داخله صوت . ( والثاني ) الحمأ وهو الذي استقر في الماء مدة ، وتغير لونه إلى
السواد .
( والثالث ) تغير رائحته قال تعالى ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) أي لم
يتغير .
فهذه جملة الكلام في التوفيق بين الآيات الواردة في خلق آدم عليه السلام .
﴿ المسألة الرابعة﴾ في الآية إشكال، وهو أنه تعالى قال ( خلقه من تراب ثم قال له كن
فيكون ) فهذا يقتضى أن يكون خلق آدم متقدما على قول الله له ( كن ) وذلك غير جائز .
وأجاب عنه من وجوه ( الأول) قال أبو مسلم : قد بينا أن الخلق هو التقدير
والتسوية ، ويرجع معناه إلى علم الله تعالى بكيفية وقوعه وإراداته لإيقاعه على الوجه المخصوص
وكل ذلك متقدم على وجود آدم عليه السلام تقديما من الأزل إلى الأبد، وأما قوله ( كن ) فهو
عبارة عن إدخاله في الوجود فثبت أن خلق آدم متقدم على قوله ( كن ) .
﴿ والجواب الثاني ﴾ وهو الذي عول عليه القاضي أنه تعالى خلقه من الطين ثم قال له
(كن) أي احياه كما قال ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) فان قيل الضمير في قوله خلقه راجع إلى آدم
وحين كان ترابا لم يكن آدم عليه السلام موجودا .
أجاب القاضي وقال : بل كان موجوداً وإنما وجد بعد حياته ، وليست الحياة نفس آدم
وهذا ضعيف لأن آدم عليه السلام ليس عبارة عن مجرد الأجسام المشكلة بالشكل المخصوص ،
بل هو عبارة عن هوية أخرى مخصوصة وهي : إما المزاج المعتدل ، أو النفس ، وينجز الكلام
من هذا البحث إلى أن النفس ما هي ، ولا شك أنها من أغمض المسائل .
( الجواب ) الصحيح أن يقال لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم
عليه السلام قبل ذلك ، تسمية لما سيقع بالواقع .
والجواب الثالث﴾ أن قوله ( ثم قال له كن فيكون) يفيد تراخي هذا الخبر عن ذلك
الخبر كما في قوله تعالى ( ثم كان من الذين آمنوا ) ويقول القائل : أعطيت زيدا اليوم ألفا ثم
أعطيته أمس ألفين ، ومراده : أعطيته اليوم ألفا ، ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين
فكذا قوله ( خلقه من تراب ) أي صيره خلقا سويا ثم إنه يخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له
( كن ) .
المسألة الخامسة﴾ في الآية إشكال آخر وهو أنه كان ينبغي أن يقال : ثم قال له كن

٨٥
قوله تعالى: ((الحق من ربك فلا تكن)) الآية سورة آل عِمْران
٦٠
اٌلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِنَ الْمُمْتَرِينَ(
فکان فلم يقل کذلك بل قال ( کن فیکون ) .
( والجواب ) تأويل الكلام ، ثم قال له ( كن فيكون ) فكان .
واعلم يا محمد أن ما قال له ربك ( كن ) فانه يكون لا محالة .
قوله تعالى ﴿ الحق من ربك فلا تكن من الممترين ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال الفراء، والزجاج قوله ( الحق ) خبر مبتدأ محذوف، والمعنى:
الذي أنبأنك من قصة عيسى عليه السلام ، أو ذلك النبأ في أمر عيسى عليه السلام ( الحق )
فحذف لكونه معلوما ، وقال أبو عبيدة هو استئناف بعد انقضاء الكلام ، وخبره قوله ( من
ربك) وهذا كما تقول الحق من الله، والباطل من الشيطان ، وقال آخرون : الحق ، رفع
باضمار فعل أي جاءك الحق .
وقيل : أيضاً إنه مرفوع بالصفة وفيه تقديم وتأخير ، تقديره : من ربك الحق فلا
تكن .
﴿ المسألة الثانية﴾ الامتراء الشك، قال ابن الأنباري: هو مأخوذ من قول العرب
مريت الناقة والشاة إذا حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن الذي يجتذب عند
الحلب ، يقال قد مارى فلان فلانا إذا جادله ، كأنه يستخرج غضبه ، ومنه قيل الشكر يمتري
المزيد أي يجلبه .
المسألة الثالثة﴾ في الحق تأويلان (الأول) قال أبو مسلم المراد أن هذا الذي أنزلت
عليك هو الحق من خبر عيسى عليه السلام لا ما قالت النصارى واليهود ،
فالنصارى قالوا : إن مريم ولدت إلها ، واليهود رموا مريم عليها السلام بالإِفك ونسبوها إلى
يوسف النجار ، فالله تعالى بين أن هذا الذي أنزل في القرآن هو الحق ثم نهى عن الشك فيه ،
ومعنى ممتري مفتعل من المرية وهي الشك .
﴿ والقول الثاني﴾ أن المراد أن الحق في بيان هذه المسألة ما ذكرناه من المثل وهو قصة
آدم عليه السلام فانه لا بيان لهذه المسألة ولا برهان أقوى من التمسك بهذه الواقعة والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة ) قوله تعالى ( فلا تكن من الممترين ) خطاب في الظاهر مع النبي

٨٦
قوله تعالى: ((فمن حاجك فيه )) الآية سورة آل عِمْران
◌َنْ حَجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُرْ
وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَ كُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (١٦)
وَ ﴿ ، وهذا بظاهره يقتضي أنه كان شاكا في صحة ما أنزل عليه، وذلك غير جائز، واختلف
الناس في الجواب عنه ، فمنهم من قال : الخطاب وإن كان ظاهره مع النبي عليه الصلاة
والسلام إلا أنه في المعنى مع الأمة قال تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) ( والثاني ) أنه
خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والمعنى : فدم على يقينك ، وعلى ما أنت عليه من ترك
الامتراء .
قوله تعالى ﴿ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم
ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ﴾ .
أعلم أن الله تعالى بين في أول هذه السورة وجوها من الدلائل القاطعة على فساد قول
النصارى بالزوجة والولد ، وأتبعها بذكر الجواب عن جميع شبههم على سبيل الاستقصاء
التام ، وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم ، وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب
والأم البشريين لآدم عليه السلام أن يكون ابنا لله تعالى لم يلزم من عدم الأب البشرى لعيسى
عليه السلام أن يكون ابنا لله تعالى الله عن ذلك ولما لم يبعد إنخلاق آدم عليه السلام من التراب
لم يبعد أيضاً إنخلاق عيسى عليه السلام من الدم الذي كان يجتمع في رحم أم عيسى عليه
السلام، ومن أنصف وطلب الحق ، علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى ، فعند ذلك
قال تعالى ( فمن حاجك) بعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم
وعاملهم بما يعامل به المعابد ، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة فقال ( فقل تعالوا ندع أبناءنا
وأبناءكم) إلى آخر الآية ، ثم ههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اتفق أني حين كنت بخوارزم، أخبرت أنه جاء نصراني يدعى
التحقيق والتعمق في مذهبهم ، فذهبت إليه وشرعنا في الحديث وقال لي : ما الدليل على نبوة
محمد ◌ّه، فقلت له كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء
عليهم السلام ، نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد هلال، فان رددنا التواتر ، أو قبلناه لكن

٨٧
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((فمن حاجك فيه )) الآية
قلنا : إن المعجزة لا تدل على الصدق ، فحينئذ بطلت نبوة سائر الأنبياء عليهم السلام ، وإن
اعترفنا بصحة التواتر ، واعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق ، ثم أنهما حاصلان في حق محمد
وجب الاعتراف قطعاً بنبوة محمد عليه السلام ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لا بد من
الاستواء في حصول المدلول ، فقال النصراني : أنا لا اقول في عیسی علیه السلام إنه كان نبيا
بل أقول إنه كان إلها ، فقلت له الكلام في النبوة لا بد وأن يكون مسبوقا بمعرفة الإله وهذا
الذي تقوله باطل ويدل عليه أن الإله عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته ، يجب أن لا يكون
جسما ولا متحيزاً ولا عرضاً وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد
أن كان معدوما وقتل بعد أن كان حياً على قولكم وكان طفلا أولا ، ثم صار مترعرعا ، ثم صار
شاباً ، وكان يأكل ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ، وقد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا
يكون قديماً والمحتاج لا يكون غنياً والممكن لا يكون واجباً والمتغير لا يكون دائما .
والوجه الثاني ﴾ في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه وصلبوه
وتركوه حياً على الخشبة ، وقد مزقوا ضلعه ، وأنه كان يحتال في الهرب منهم ، وفي الإختفاء
عنهم ، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد ، فان كان إلها أو كان الإله حالا
فيه أو كان جزءا من الإله حاك فيه ، فلم لم يدفعهم عن نفسه ؟ ولم لم يهلكهم بالكلية ؟ وأي
حاجة به إلى إظهار الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهم ! وبالله أنني لأتعجب جداً ! إن
العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول ويعتقد صحته ، فتكاد أن تكون بديهة العقل شاهدة
بفساده .
( والوجه الثالث) وهو أنه : إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني
المشاهد ، أو يقال حل الإله بكليته فيه ، أو حل بعض الإله وجزء منه فيه والأقسام الثلاثة
باطلة ( أما الأول ) فلأن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم ، فحين قتله اليهود كان ذلك قولا
بأن اليهود قتلوا إله العالم ، فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إله ! ثم إن أشد الناس ذلا
ودناءة اليهود ، فالإله الذي تقتله اليهود إله في غاية العجز! (وأما الثاني) وهو أن الإله بكليته
حل في هذا الجسم ، فهو أيضاً فاسد ، لأن الإله لم يكن جسماً ولا عرضاً امتنع حلوله في
الجسم ، وإن كان جسماً ، فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزائه
بأجزاء ذلك الجسم ، وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله ، وإن كان عرضاً كان
محتاجاً إلى المحل ، وكان الإله محتاجاً إلى غيره ، وكل ذلك سخف، ( وأما الثالث ) وهو أنه
حل فيه بعض من أبعاض الإله ، وجزء من أجزائه ، فذلك أيضاً مجال لأن ذلك الجزء إن كان
معتبراً في الإلهية ، فعند انفصاله عن الإله، وجب أن لا يبقى الإِله إلهاً ، وإن لم يكن معتبر في

٨٨
قوله تعالى: (( فمن حاجك فيه )) الآية
سورة آل عِمْران
تحقق الإلهية ، لم يكن جزأ من الإله، فثبت فساد هذه الأقسام ، فكان قول النصارى باطلاً .
﴿ الوجه الرابع ﴾ في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه السلام كان
عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله تعالى، ولو كان إلهاً لاستحال ذلك ، لأن الإله لا يعبد
نفسه ، فهذه وجوه في غاية الجلاء والظهور ، دالة على فساد قولهم ، ثم قلت للنصراني : وما
الذي دلك على كونه إلهاً ؟ فقال الذي دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء الموتى وإبراء
الأكمة والأبرص ، وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإِله تعالى ، فقلت له هل تسلم إنه لا يلزم
من عدم الدليل عدم المدلول أم لا ؟ فان لم تسلم لزمك من نفي العالم في الأزل نفي الصانع ،
وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول ، فأقول : لما جوزت حلول الإله في بدن
عيسى عليه السلام ، فكيف عرفت أن الإله ما حل في بدني وبدنك وفي بدن كل حيوان ونبات
وجماد ؟ فقال: الفرق ظاهر، وذلك لأني إنما حكمت بذلك الحلول ، لأنه ظهرت تلك
الأفعال العجيبة عليه ، والأفعال العجيبة ما ظهرت على يدي ولا على يدك ، فعلمنا أن ذلك
الحلول مفقود ههنا فقلت له : تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي إنه لا يلزم من عدم الدليل
عدم المدلول ، وذلك لأن ظهور تلك الخوارق دالة على حلول الإله في بدن عيسى : فعدم
ظهور تلك الخوارق مني ومنك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل ، فاذا ثبت أنه لا يلزم من
عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي
وفي حقك ، وفي حق الكلب والسنور والفأر ثم قلت : إن مذهباً يؤدي القول به إلى تجويز
حلول ذات الله في بدن الكلب والذباب لفي غاية الخسة والركاكة .
﴿ الوجه الخامس﴾ أن قلب العصاحية، أبعد في العقل من إعادة الميت حياً، لأن
المشاكلة بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين بدن الثعبان ، فاذا لم
يوجب قلب العصاحية كون موسى إلهاً ولا ابناً للاله ، فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلهية كان
ذلك أولى، وعند هذا انقطع النصراني ولم يبق له كلام والله أعلم.
﴿ المسألة الثانية﴾ روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم
إنهم أصروا على جهلهم، فقال عليه السلام ((إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم))
فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في أمر ناثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب : وكان ذا
رأيهم ، يا عبد المسيح ما ترى ، فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي
مرسل ، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم
ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لكان الاستئصال فان أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على
ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم وكان رسول الله وَل خرج وعليه مرط من

٨٩
سورة آل عمران
قوله تعالى: (( فمن حاجك فيه)) الآية
شعر أسود ، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعلي رضي
الله عنه خلفها ، وهو يقول ، إذا دعوت فأمنوا ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ،
إني لأرى وجوهاً لوسألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى
على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، ثم قالوا : يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نباهلك وأن
نقرك على دينك فقال صلوات الله عليه : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا ، يكن لكم ما
للمسلمين ، وعليكم ما على المسلمين ، فأبوا ، فقال : فاني أناجزكم القتال ، فقالوا ما لنا
بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك
في كل عام ألفي حلة : الفا في صفر، وألفا في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ،
فصالحهم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلي على أهل نجران ، ولو
لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله ،
حتی الطير على رؤس الشجر ، ولما حال الحول على النصاری کلهم حتی یہلکوا ، وروى أنه
عليه السلام لما خرج في المرط الأسود ، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله ، ثم جاء الحسين
رضي الله عنه فأدخله ثم فاطمة ، ثم على رضى الله عنهما ثم قال ( إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل
التفسير والحديث .
﴿ المسألة الثالثة﴾ (فمن حاجك فيه) أي في عيسى عليه السلام، وقيل : الهاء تعود
إلى الحق ، في قوله ( الحق من ربك - من بعد ما جاءك من العلم ) بأن عيسى عبد الله ورسوله
عليه السلام وليس المراد ههنا بالعلم نفس العلم لأن العلم الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك ، بل
المراد بالعلم ما ذكره بالدلائل العقلية ، والدلائل الواصلة إليه بالوحي والتنزيل ، فقل تعالوا :
أصله تعاليوا ، لأنه تفاعلوا من العلو، فاستثقلت الضمة على الياء ؛ فسكنت ، ثم حذفت
لاجتماع الساكنين ، وأصله العلو والارتفاع، فمعنى تعالى ارتفع ، إلا أنه كثر في الاستعمال
حتى صار لكل مجيء ، وصار بمنزلة هلم .
المسألة الرابعة ﴾ هذه الآية دالة على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني
رسول الله عليه، وعد أن يدعو أبناءه، فدعا الحسن والحسين، فوجب أن يكونا ابنيه، ومما
يؤكد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام ( ومن ذريته داود وسليمان ) إلى قوله ( وزكريا ويحيى
وعيسى ) ومعلوم أن عيسى عليه السلام إنما انتسب إلى ابراهيم عليه السلام بالأم لا بالأب ،
فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابناً والله أعلم .
المسألة الخامسة كان في الري رجل يقال له : محمود بن الحسن الحمصي ، وكان معلم

٩٠
قوله تعالى: (( فمن حاجك فيه من بعد)) الآية
سورة آل عمران
الاثني عشرية ، وكان يزعم أن علياً رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد عليه
السلام، قال : والذي يدل عليه قوله تعالى ( وأنفسنا وأنفسكم ) وليس المراد بقوله
(وأنفسنا) نفس محمد ◌ّ لأن الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره، وأجمعوا على أن ذلك
الغير كان على بن أبي طالب رضي الله عنه ، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد ،
ولا يمكن أن يكون المراد منه ، أن هذه النفس هي عين تلك النفس ، فالمراد أن هذه النفس
مثل تلك النفس ، وذلك يقتضى الاستواء في جميع الوجوه ، ترك العمل بهذا العموم في حق
النبوة ، وفي حق الفضل لقيام الدلائل على أن محمداً عليه السلام كان نبياً وما كان على كذلك ،
ولانعقاد الإجماع على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من علي رضي الله عنه ، فيبقى فيما وراءه
معمولا به ، ثم الإجماع دل على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من سائر الأنبياء عليهم
السلام فيلزم أن يكون على أفضل من سائر الأنبياء ، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية ،
ثم قال : ويؤيد الاستدلال بهذه الآية ، الحديث المقبول عند الموافق والمخالف، وهو قوله عليه
السلام (( من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحا في طاعته ، وإبراهيم في خلته ، وموسى في
هيبته ، وعيسى في صفوته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه)) فالحديث دل على أنه
اجتمع فيه ما كان متفرقاً فيهم ، وذلك يدل على أن علياً رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء
سوى محمد ◌َّة، وأما سائر الشيعة فقد كانوا قديماً وحديثاً يستدلون بهذه الآية على أن علياً
رضي الله عنه مثل نفس محمد عليه السلام إلا فيما خصه الدليل ، وكان نفس محمد أفضل من
الصحابة رضوان الله عليهم ، فوجب أن يكون نفس على أفضل أيضاً من سائر الصحابة ،
هذا تقدير كلام الشيعة ، والجواب : أنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً عليه
السلام أفضل من علي ، فكذلك انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإِنسان ، على أن النبي
أفضل ممن ليس بنبي ، وأجمعوا على أن علياً رضي الله عنه ما كان نبياً، فلزم القطع بأن ظاهر
الآية كما أنه مخصوص في حق محمد هلال، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء عليهم
السلام .
المسألة السادسة) قوله ( ثم نبتهل ) أي نتباهل ، كما يقال اقتتل القوم وتقاتلوا
واصطحبوا وتصاحبوا ، والابتهال فيه وجهان ( أحدهما ) أن الابتهال هو الاجتهاد في الدعاء ،
وإن لم يكن باللعن ، ولا يقال : ابتهل في الدعاء إلا إذا كان هناك اجتهاد ( والثاني ) أنه
مأخوذ من قولهم عليه بهلة الله ، أي لعنته وأصله مأخوذ مما يرجع إلى معنى اللعن ، لأن معنى
اللعن هو الإبعاد والطرد وبهله الله ، أي لعنه وأبعده من رحمته من قولك أبهله إذا أهمله وناقة
باهل لا صرار عليها ، بل هي مرسلة مخلاة ، كالرجل الطريد المنفى ، وتحقيق معنى الكلمة :
أن البهل إذا كان هو الإرسال والتخلية فكان من بهله الله فقد خلاه الله ووكله إلى نفسه ومن

٩١
سورة آل عمران
قوله تعالی: « فمن حاجك فیه» الایة
، وكله إلى نفسه فهو هالك لا شك فيه فمن باهل إنساناً ، فقال : على بهلة الله إن كان كذا ،
يقول : وكلني الله إلى نفسي، وفرضني إلى حولي وقوتي ، أي من كلاءته وحفظه ، كالناقة
الباهل التي لا حافظ لها في ضرعها ، فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة لها في الدفع عن
نفسها ، ويقال أيضاً : رجل باهل ، إذا لم يكن معه عصاً، وإنما معناه أنه ليس معه ما يدفع
عن نفسه ، والقول الأول أولى ، لأنه يكون قوله ( ثم نبتهل ) أي ثم نجتهد في الدعاء ،
ونجعل اللعنة على الكاذب وعلى القول الثاني يصير التقدير : ثم نبتهل ، أي ثم نلتعن
( فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) وهي تكرار ، بقي في الآية سؤالات أربع.
﴿ السؤال الأول﴾ الأولاد إذا كانوا صغاراً لم يجز نزول العذاب بهم وقد ورد في الخبر
إنه صلوات الله عليه أدخل في المباهلة الحسن والحسين عليهما السلام فما الفائدة فيه؟ .
( والجواب ) إن عادة الله تعالى جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلكت معهم
الأولاد والنساء ، فيكون ذلك في حق البالغين عقاباً، وفي حق الصبيان لا يكون عقاباً ، بل
يكون جارياً مجرى إماتتهم وإيصال الآلام والأسقام إليهم ومعلوم أن شفقة الإنسان على
أولاده وأهله شديدة جداً فربما جعل الإنسان نفسه فداء لهم وجنة لهم ، وإذا كان كذلك فهو
عليه السلام أحضر صبيانه ونساءه مع نفسه وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك ليكون ذلك أبلغ في
الزجر وأقوى في تخويف الخصم وأدل على وثوقه صلوات الله عليه وعلى آله بأن الحق معه .
﴿ السؤال الثاني﴾ هل دلت هذه الواقعة على صحة نبوة محمد ليه؟.
( الجواب ) أنها دلت على صحة نبوته عليه السلام من وجهين ( أحدهما ) وهو إنه عليه
السلام خوفهم بنزول العذاب عليهم ، ولو لم يكن واثقاً بذلك ، لكان ذلك منه سعياً في
إظهار کذب نفسه لأن بتقدیر : أن یرغبوا في مباهلته ، ثم لا ینزل العذاب ، فحينئذ کان یظهر
كذبه فيما أخبر ومعلوم أن محمداً ◌ّ وعلى آله وسلم كان من أعقل الناس ، فلا يليق به أن
يعمل عملا يفضي إلى ظهور كذبه فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصرعليه لكونه واثقاً بنزول
العذاب عليهم ( وثانيهما ) إن القوم لما تركوا مباهلته ، فلولا أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل
ما يدل على نبوته ، وإلا لما أحجموا عن مباهلته.
فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنهم كانوا شاكين ، فتركوا مباهلته خوفاً من أن يكون
صادقاً فينزل بهم ما ذكر من العذاب؟ .
قلنا هذا مدفوع من وجهين ( الأول ) أن القوم كانوا يبذلونه النفوس والأموال في

٩٢
قوله تعالى: ((إن هذا لهو القصص الحق)) الآية سورة آل عِمْران
إِنَّ هَذَا لَهُوَ أَلْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
٦٣
اَلْحَكِيمُ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (
المنازعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك ( الثاني ) أنه قد نقل
عن أولئك النصارى إنهم قالوا : إنه والله هو النبي المبشر به في التوراة والإنجيل ، وإنكم لو
باهلتموه لحصل الاستئصال فكان ذلك تصريحاً منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم
بأنه نبي مرسل من عند الله تعالى.
﴿ السؤال الثالث﴾ أليس إن بعض الكفار اشتغلوا بالمباهلة مع محمد مر؟ حيث قالوا
( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ) ثم إنه لم ينزل العذاب
بهم البتة ، فكذا ههنا ، وأيضاً فبتقدير نزول العذاب ، كان ذلك مناقضاً لقوله ( وما كان الله
ليعذبهم وأنت فيهم).
( والجواب ) الخاص مقدم على العام، فلما أخبر عليه السلام بنزول العذاب في هذه
السورة على التعيين وجب أن يعتقد أن الأمر كذلك .
﴿ السؤال الرابع﴾ قوله (إن هذا لهو القصص الحق ) هل هو متصل بما قبله أم لا؟.
( والجواب ) قال أبو مسلم : إنه متصل بما قبله ولا يجوز الوقف على قوله ( الكاذبين )
وتقدير الآية ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) بأن هذا هو القصص الحق وعلى هذا التقدير كان
حق ( إن ) أن تكون مفتوحة ، إلا أنها کسرت لدخول اللام في قوله ( هو ) كما في قوله ( إن
ربهم بهم يومئذ لخبير ) وقال الباقون : الكلام تم عند قوله ( على الكاذبين ) وما بعده جملة
أخرى مستقلة غير متعلقة بما قبلها والله أعلم.
قوله تعالى ﴿إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم، فان
تولوا فان الله عليم بالمفسدين ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قوله (إن هذا) إشارة إلى ما تقدم ذكره من الدلائل ، ومن الدعاء
إلى المباهلة ( لهو القصص الحق ) والقصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى
الدين ، ويرشد إلى الحق ويأمر بطلب النجاة فبين تعالى إن الذي أنزله على نبيه هو القصص
الحق ليكون على ثقة من أمره ، والخطاب وإن كان معه فالمراد به الكل.

٩٣
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((إن هذا لهو القصص الحق)) الآية
﴿ المسألة الثانية﴾ ( هو) في قوله ( لهو القصص الحق ) فيه قولان ( أحدهما ) أن
يكون فصلا وعماداً، ويكون خبر ( إن ) هو قوله ( القصص الحق ) .
فان قيل : فكيف جاز دخول اللام على الفصل؟ .
قلنا : إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجود ، لأنه أقرب إلى المبتدأ
منه ، وأصلها أن تدخل على المبتدأ .
والقول الثاني ﴾ إنه مبتدأ، والقصص خبره، والجملة خبر (إن ).
المسألة الثالثة) قرىء ( لهو) بتحريك الهاء غلى الأصل ، وبالسكون لأن اللام
ینزل من ( هو) منزلة بعضه فخفف کما خفف عضد.
﴿ المسألة الرابعة ﴾ يقال: قص فلان الحديث يقصه قصاً وقصصاً، وأصله اتباع
الأثر ، يقال : خرج فلان قصصاً ، في أثر فلان ، وقصاً، وذلك إذا اقتص أثره ، ومنه قوله
تعالى (وقالت لأخته قصيه ) وقيل للقاص إنه قاص ، لاتباعه خبراً بعد خبر ، وسوقه الكلام
سوقاً ، فمعنى القصص الخبر المشتمل على المعاني المتتابعة .
ثم قال ( وما من إله إلا الله ) وهذا يفيد تأكيد النفي ، لأنك لو قلت عندي من الناس
أحد ، أفاد أن عندك بعض الناس ، فاذا قلت ما عندي من الناس من أحد ، أفاد أنه ليس
عندك بعضهم ، وإذا لم يكن عندك بعضهم ، فبأن لا يكون عندك كلهم أولى فثبت أن قوله
( وما من إله إلا الله) مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى.
ثم قال ( وإن الله لهو العزيز الحكيم ) وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النصارى ،
وذلك لأن اعتمادهم على أمرين ( أحدهما ) أنه قدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ،
فكأنه تعالى قال : هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية ، بل لا بد وأن يكون عزيزاً غالباً لا
يدفع ولا يمنع ، وأنتم قد اعترفتم بأن عيسى ما كان كذلك ، وكيف وأنتم تقولون إن اليهود
قتلوه ؟ ( والثاني ) أنهم قالوا : إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها ، فيكون إلهاً ، فكأنه تعالى
قال : هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلهية ، بل لا بد وأن يكون حكيماً ، أي عالماً بجميع
المعلومات وبجميع عواقب الأمور ، فذكر ( العزيز الحكيم ) ههنا إشارة إلى الجواب عن هاتين
الشبهتين ونظير هذه الآية ما ذكره تعالى في أول السورة من قوله ( هو الذي يصوركم في الأرحام
كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) .
ثم قال ( فان تولوا فان الله عليم بالمفسدين ) والمعنى : فإن تولوا عما وصفت من أن الله
هو الواحد ، وأنه يجب أن يكون عزيزاً غالباً قادراً على جميع المقدورات ، حكيماً عالماً بالعواقب

٩٤
قوله تعالى: ((قل يا أهل الكتاب)) الآية سورة آل عِمْران
قُلْ يَدْأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءِ، بَيْنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ
◌ِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابً مِّنِ دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّواْ فَقُولُواْ أَشْهُواْ بِأنَّا
مُسْلِمُونَ
٦٤
والنهايات مع أن عيسى عليه السلام ما كان عزيزاً غالباً، وما كان حكياً عالماً بالعواقب
والنهايات . فاعلم أن توليهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم
وفوض أمرهم إلى الله ، فان الله عليم بفساد المفسدين ، مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض
الفاسدة ، قادر على مجازاتهم.
قوله تعالى ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا
نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ .
واعلم أن النبي ◌َّ لما أورد على نصارى نجران أنواع الدلائل وانقطعوا، ثم دعاهم إلى
المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا الصغار بأداء الجزية ، وقد كان عليه السلام حريصاً على
إيمانهم ، فكأنه تعالى قال : يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد
كل عقل سليم وطبع مستقيم أنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال ، و(قل يا أهل
الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) أي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا
لبعض ، ولا ميل فيه لأحد على صاحبه ، وهي ( أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شياً) هذا هو
المراد من الكلام ولنذكر الآن تفسير الألفاظ.
أما قوله تعالى ( يا أهل الكتاب ) ففيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) المراد نصارى نجران
( والثاني ) المراد يهود المدينة ( والثالث ) أنها نزلت في الفريقين ، ويدل عليه وجهان ( الأول )
أن ظاهر اللفظ يتناولهما (والثاني ) روي في سبب النزول ، أن اليهود قالوا للنبي عليه الصلاة
والسلام ، ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى ! وقالت النصارى : يا محمد
ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزبر! فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعندي أن
الأقرب حمله على النصارى ، لما بينا أنه لما أورد الدلائل عليهم أولا ، ثم باهلهم ثانياً ، فعدل
في هذا المقام إلى الكلام المبني على رعاية الإنصاف، وترك المجادلة ، وطلب الإِفحام والإلزام ،
ومما يدل عليه، أنه خاطبهم ههنا بقوله تعالى ( يا أهل الكتاب ) وهذا الاسم من أحسن الأسماء

٩٥
قوله تعالى: ((قل يا أهل الكتاب )) الآية سورة آل عِمْران
وأكمل الألقاب حيث جعلهم أهلا لكتاب الله ، ونظيره ، ما يقال لحافظ القرآن يا حامل كتاب
الله ، وللمفسريا مفسر كلام الله ، فان هذا اللقب يدل على أن قاتله أراد المبالغة في تعظيم
المخاطب وفي تطبيب قلبه ، وذلك إنما يقال عند عدول الإنسان مع خصمه عن طريقة الدجاج
والنزاع إلى طريقة طلب الإنصاف.
أما قوله تعالى (تعالوا) فالمراد تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالا
من مكان إلى مكان لأن أصل اللفظ مأخوذ من التعالي وهو الارتفاع من موضع هابط إلى مكان
عال ، ثم كثر استعماله حتى صار دالا على طلب التوجه إلى حيث يدعى إليه .
أما قوله تعالى ( إلى كلمة سواء بيننا) فالمعنى هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا
لبعض ، لا ميل فيه لأحد على صاحبه ، والسواء هو العدل والإنصاف، وذلك لأن حقيقة
الإنصاف إعطاء النصف، فان الواجب في العقول ترك الظلم على النفس وعلى الغير ، وذلك لا
يحصل إلا باعطاء النصف، فاذا أنصف وترك ظلمه أعطاه النصف فقد سوى بين نفسه وبين
غيره وحصل الاعتدال ، وإذا ظلم وأخذ أكثر مما أعطى زال الاعتدال فلما كان من لوازم
العدل والإنصاف التسوية جعل لفظ التسوية عبارة عن العدل .
ثم قال الزجاج ( سواء ) نعت للكلمة يريد : ذات سواء ، فعلى هذا قوله ( كلمة
سواء ) أي كلمة عادلة مستقيمة مستوية ، فإِذا آمنا بها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة ،
ثم قال ( أن لا نعبد إلا الله ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ محل (أن) في قوله أن لا نعبد، فيه وجهان (الأول ) إنه رفع
باضمار، هي : كان قائلا قال : ما تلك الكلمة ؟ فقيل هي أن لا نعبد إلا الله ( والثاني )
خفض على البدل من : كلمة .
﴿ المسألة الثانية﴾ إنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء (أولها) ( أن لا نعبد إلا الله) ( وثانيها )
أن ( لا نشرك به شيئاً) (وثالثها) أن ( لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ) وإنما ذكر هذه
الثلاثة لأن النصارى جمعوا بين هذه الثلاثة فيعبدون غير الله وهو المسيح ، ويشركون به غيره
وذلك لأنهم يقولون إنه ثلاثة : أب وابن وروح القدس ، فأثبتوا ذوات ثلاثة قديمة سواء ،
وإنما قلنا : إنهم أثبتوا ذوات ثلاثة قديمة ، لأنهم قالوا : إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت
المسيح ، وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم ، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين
مستقلتين وإلا لما جازت عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بنا سوت عيسى ومريم ، ولما أثبتوا
ذوات ثلاثة مستقلة فقد أشركوا ، وأما إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله فيدل
الفخر الرازي ج ٨ م ٧

٩٦
قوله تعالى : يا أهل الكتاب لم تحاجون . الآية سورة آلَ عِمْران
يَأْهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِ إِبْرَهِيمَ وَمَا أَنْزِلَتِ التََّ نُ وَالْإِلُ إِلَّمِنْ بَعْدِهِةٍ أَقَلَا
تَعْقِلُونَ
عليه وجوه :
(أحدها ) إنهم كانوا يطيعونهم في التحليل والتحريم ( والثاني ) إنهم كانوا يسجدون
لأحبارهم ( والثالث ) قال أبو مسلم : من مذهبهم أن من صار كاملا في الرياضة والمجاهدة
يظهر فيه أثر حلول اللاهوت ، فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ، فهم وإن لم
يطلقوا عليه لفظ الرب إلا أنهم أثبتوا في حقه معنى الربوبية ( والرابع ) هو أنهم كانوا يطيعون
أحبارهم في المعاصي ، ولا معنى للربوبية إلا ذلك ، ونظيره قوله تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه
هواه ) فثبت أن النصارى جمعوا بين هذه الأمور الثلاثة ، وكان القول ببطلان هذه الأمور
الثلاثة كالأمر المتفق عليه بين جمهور العقلاء وذلك ، ولأن قبل المسيح ما كان المعبود إلا الله ،
فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح على هذا الوجه ، وأيضاً القول بالشركة باطل باتفاق
الكل ، وأيضاً إذا كان الخالق والمنعم بجميع النعم هو الله ، وجب أن لا يرجع في التحليل
والتحريم والانقياد والطاعة إلا إليه ، دون الأحبار والرهبان ، فهذا هو شرح هذه الأمور
الثلاثة .
ثم قال تعالى ( فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) والمعنى إن أبوا إلا الإصرار،
فقولوا إنا مسلمون ، يعني أظهروا إنكم على هذا الدين ، ولا تكونوا في قيد أن تحملوا غيركم
عليه .
قوله تعالى ﴿ يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من
بعده أفلا تعقلون ﴾ .
اعلم أن اليهود كانوا يقولون : إن إبراهيم كان على ديننا ، والنصارى كانوا يقولون :
كان إبراهيم على ديننا ، فأبطل الله عليهم ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده
فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً ؟ .
فان قيل : فهذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تقولون : إن إبراهيم كان على دين الإسلام ،
والإِسلام إنما أنزل بعده بزمان طويل ، فإن قلتم إن المراد أن إبراهيم كان في أصول الدين على

٩٧
قوله تعالى: ((ها أنتم هؤلاء حاججتم )) الآية سورة آل عِمْران
هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَجُمْ فِيَلَكُمْ بِهِ عِلْمُ فَلِمَ تُحَاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ
٤ ٥
مَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُوِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًا وَلَكِن كَانَ
وَاللَّهُ يَعْلَمَ وَأَنْتَمْ لَا تَعْلَمُونَ (َّ)
خَيْفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ
◌ِبْرَهِيمَ لَّذِينَ
أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّالْمُؤْمِنِينَ (
٦٨
المذهب الذي عليه المسلمون الآن ، فنقول : فلم لا يجوز أيضاً أن تقول اليهود إن إبراهيم
كان يهودياً بمعنى إنه كان على الدين الذي عليه اليهود ، وتقول النصارى إن إبراهيم كان
نصرانياً بمعنى إنه كان على الدين الذي عليه النصارى ، فكون التوراة والإنجيل نازلين بعد
إبراهيم لا ينافي كونه يهودياً أو نصرانياً بهذا التفسير، كما إن كون القرآن نازلا بعده لا ينافي كونه
مسلماً :
( والجواب ) إن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً ، وليس في التوراة والإنجيل
أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، فظهر الفرق ، ثم نقول : أما إن النصارى ليسوا على ملة
إبراهيم ، فالأمر فيه ظاهر، لأن المسيح ما كان موجوداً في زمن إبراهيم ، فما كانت عبادته
مشروعة في زمن إبراهيم لا محالة ، فكان الاشتغال بعبادة المسيح مخالفة لملة إبراهيم لا محالة ،
وأما إن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم فذلك لأنه لا شك إنه كان لله سبحانه وتعالى تكاليفعلى
الخلق قبل مجيء موسى عليه السلام ، ولا شك إن الموصل لتلك التكاليف إلى الخلق واحد من
البشر، ولا شك أن ذلك الإنسان قد كان مؤيداً بالمعجزات ، وإلا لم يجب على الخلق قبول
تلك التكاليف منه فاذن قد كان قبل مجيء موسى أنبياء ، وكانت لهم شرائع معينة ، فاذا جاء
موسى فاما أن يقال إنه جاء بتقرير تلك الشرائع ، أو بغيرهما فان جاء بتقريرها لم يكن موسى
صاحب تلك الشريعة ، بل كان كالفقيه المقرر لشرع من قبله ، واليهود لا يرضون بذلك ،
وإن كان قد جاء بشرع آخر سوى شرع من تقدمه فقد قال بالنسخ ، فثبت إنه لا بد وأن يكون
دين كل الأنبياء جواز القول بالنسخ واليهود ينكرون ذلك ، فثبت أن اليهود ليسوا على ملة
إبراهيم ، فبطل قول اليهود والنصارى بأن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً ، فهذا هو المراد من
الآية والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ ها أنتم هؤلاء حاججتم فیا لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله

٩٨
قوله تعالى: ((ها أنتم هؤلاء حاججتم)) الآية سورة آل عمران
يعلم وأنتم لا تعلمون، ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من
المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ﴾ .
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي (ها أنتم) بالمد والهمزة وقر أنافع وأبو
عمرو بغير همز ولامد ، إلا بقدر خروج الألف الساكنة وقرأ ابن كثير بالهمز والقصرعلى وزن
(صنعتم ) وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز، فمن حقق فعلى الأصل ، لأنهما حرفان ( ها)
و( أنتم ) ومن لم يمد ولم يهمز فللتخفيف من غير إخلال.
المسألة الثانية﴾ اختلفوا في أصل (ها أنتم) فقيل (ها) تنبيه والأصل (أنتم )
وقيل أصله ( أأنتم ) فقلبت الهمزة الأولى هاء كقولهم هرقت الماء وأرقت و( هؤلاء) مبني على
الكسر وأصله أولاء دخلت عليه ها التنبيه ، وفيه لغتان : القصر والمد ، فان قيل : أين خبر
أنتم في قوله ها أنتم ؟ قلنا فيه ثلاثة أوجه ( الأول ) قال صاحب الكشاف ( ها) للتنبيه
و( أنتم) مبتدأ و(هؤلاء) خبره، و(حاججتم ) جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى بمعنى:
أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم وإن جادلتم فيما لكم به علم
فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم؟ ( والثاني ) أن يكون ( أنتم) مبتدأ ، وخبر ( هؤلاء)
بمعنى أولاء على معنى الذي وما بعده صلة له ( الثالث) أن يكون ( أنتم ) مبتدأ ( وهؤلاء)
عطف بيان ( حاججتم ) خبره وتقديره : أنتم يا هؤلاء حاججتم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ المراد من قوله (حاججتم فيما لكم به علم ) هو أنهم زعموا أن
شريعة التوراة والإنجيل مخالفة لشريعة القرآن فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به وهو ادعاؤكم
أن شريعة إبراهيم كانت مخالفة لشريعة محمد عليه السلام؟ .
ثم يحتمل في قوله ( ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم ) أنه لم يصفهم في العلم
حقيقة وإنما أراد إنکم تستجیزون محاجته فیما تدعون علمه ، فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به
البتة؟ .

قوله تعالى: ((ودت طائفة من أهل الكتاب)) الآية سورة آل عِمْران ٩٩
٤-١٠٠٠٠٠٠١٠١٤
وَدَّت ◌َّآبِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
ثم حقق ذلك بقوله ( والله يعلم ) كيف كانت حال هذه الشرائع في المخالفة والموافقة
( وأنتم لا تعلمون ) كيفية تلك الأحوال.
ثم بين تعالى ذلك مفصلا فقال ( ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً) فكذبهم فيما ادعوه
من موافقة لهما .
ثم قال ( ولكن كان حنيفاً مسلماً ) وقد سبق تفسير الحنيف في سورة البقرة.
ثم قال ( وما كان من المشركين ) وهو تعريض بكون النصارى مشركين في قولهم بإِلهية
المسيح ويكون اليهود مشركين في قولهم بالتشبيه .
فان قيل : قولكم إبراهيم على دين الإِسلام أتريدون به الموافقة في الأصول أو في
الفروع؟ فإن كان الأول لم يكن مختصاً بدين الإسلام بل نقطع بأن إبراهيم أيضاً على دين
اليهود ، أعني ذلك الدين الذي جاء به موسى ، فكان أيضاً على دين النصارى ، أعني تلك
النصرانية التي جاء بها عيسى فان أديان الأنبياء لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول ، وإن
أردتم به الموافقة في الفروع ، فلزم أن لا يكون محمد عليه السلام صاحب الشرع البتة ، بل
كان كالمقرر لدين غيره وأيضاً من المعلوم بالضرورة أن التعبد بالقرآن ما كان موجوداً في زمان
إبراهيم عليه السلام فتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا وغير مشروعة في صلاتهم . قلنا : جاز
أن يكون المراد به الموافقة في الأصول والغرض منه بيان إنه ما كان موافقاً في أصول الدين
لمذهب هؤلاء الذين هم اليهود والنصارى في زماننا هذا ، وجاز أيضاً أن يقال المراد به الفروع
وذلك لأن الله نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمن محمد ثر نسخ شرع موسى عليه
السلام الشريعة التي كانت ثابتة في زمن إبراهيم عليه السلام وعلى هذا التقدير يكون محمد عليه
السلام صاحب الشريعة ثم لما كان غالب شرع محمد عليه السلام موافقاً لشرع إبراهيم عليه
السلام ، فلو وقعت المخالفة في القليل لم يقدح ذلك في حصول الموافقة .
ثم ذكر تعالى ( إن أولى الناس بإبراهيم ) فريقان ( أحدهما ) من اتبعه ممن تقدم
( والآخر ) النبي وسائر المؤمنين .
ثم قال ( والله ولى المؤمنين ) بالنصرة والمعونة والتوفيق والإعظام والإكرام.
قوله تعالى ﴿ ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما

١٠٠
قوله تعالى: (( يا أهل الكتاب لم تكفرون)) الآية سورة آل عِمْران
يَأْهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
بشعرون ﴾.
اعلم أنه تعالى لما بين أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق ، والإعراض عن
قبول الحجة بين أنهم لا يقتصرون على هذا القدر ، بل يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول
عليه السلام بإلقاء الشبهات كقولهم : إن محمداً عليه السلام مقر بموسى وعيسى ويدعى لنفسه
النبوة ، وأيضاً إن موسى عليه السلام أخبر في التوراة بأن شرعه لا يزول ، وأيضاً القول
بالنسخ يفضي إلى البداء ، والغرض منه تنبيه المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود ، ونظير
قوله تعالى في سورة البقرة ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد أيمانكم كفاراً حسداً
من عند أنفسهم ) وقوله ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) .
واعلم أن (من ) ههنا للتبعيض وإنما ذكر بعضهم ولم يعمهم لأن منهم من آمن وأثنى
الله عليهم بقوله ( منهم أمة مقتصدة ) ( ومن أهل الكتاب أمة قائمة ) وقيل نزلت هذه الآية
في معاذ وعمار بن ياسر وحذيفة دعاهم اليهود إلى دينهم، وإنما قال (لو يضلونكم) ولم يقل
أن يضلوكم ، لأن (لو) للتمني فان قولك لو كان كذا يفيد التمني ونظيره قوله تعالى (يود
أحدهم لو يعمر ألف سنة ) .
ثم قال تعالى ( وما يضلون إلا أنفسهم ) وهو يحتمل وجوهاً منها إهلاكهم أنفسهم
باستحقاق العقاب على قصدهم إضلال الغير وهو كقوله ( وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم
يظلمون) وقوله ( وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) ( وليحملوا أوزارهم كاملة يوم
القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ) ومنها إخراجهم أنفسهم عن
معرفة الهدى والحق لأن الذاهب عن الاهتداء یوصفبأنه ضال ومنها إنهم لما اجتهدوا في إضلال
المؤمنين ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا إليهم فهم قد صاروا خائبين خاسرين ، حيث اعتقدوا شيئاً
ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوروه .
ثم قال تعالى ( وما يشعرون ) أي وما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين .
قوله تعالى ﴿ يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ﴾ .