النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سورة آل عمران قوله تعالى: (( أني أخلق لكم)) الآية آمنوا وعملوا الصالحات) ثم فسر الموعود بقوله ( لهم مغفرة ) وقال ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) ثم فسر المثل بقوله ( خلقه من تراب ) وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كقراءة من فتح ( أنى ) على جعله بدلاً من آية . المسألة الثانية﴾ ( أخلق لكم من الطين ) أي أقدر وأصور وقد بينا في تفسير قوله تعالى ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ) إن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره ههنا أيضاً فنقول الذي يدل عليه القرآن والشعر والاستشهاد ، أما القرآن فآيات ( أحدها ) قوله تعالى ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) أي المقدرين ، وذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقاً بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقاً بالتقدير والتسوية ( وثانيها ) أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء ( إن هذا إلا خلق الأولين ) وفي العنكبوت ( وتخلقون إفكاً) وفي سورة ص (إن هذا إلا اختلاق ) والكاذب إنما سمي خالقاً لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره ( وثالثها ) هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله ( أنى أخلق لكم من الطين ) أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير ( ورابعها ) قوله تعالى ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) وقوله ( خلق ) إشارة إلى الماضي ، فلو حملنا قوله ( خلق ) على الإيجاد والإبداع ، لكان المعنى : أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي ، وذلك باطل بالاتفاق ، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض ، وأما الشعر فقوله : ض القوم يخلق ثم لا يفرى ولأنت تفرى ما خلقت وبعـ وقوله أيدي الخوالق إلا جيد الأدم ولا يعطى بأيدي الخالقين ولا فهو أنه يقال : خلق النعل إذ قدرها وسواها بالقياس والخلاق وأما الاستشهاد ﴾ المقدار من الخير ، وفلان خليق بكذا ، أي له هذا المقدار من الإستحقاق ، والصخرة الخلقاء الملساء ، لأن الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية . إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في لفظ ( الخالق ) قال أبو عبد الله البصري : إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال ، وقال أصحابنا : الخالق ، ليس إلا الله ، واحتجوا عليه بقوله تعالى ( الله خالق كل ٦٢ قوله تعالى: ((أني أخلق لكم من الطين)) الآية. سورة آل عِمْران شيء ) ومنهم من احتج بقوله ( هل من خالق غير الله يرزقكم ) وهذا ضعيف، لأنه تعالى قال ( هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء ) فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقاً من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه ، ليس إلا الله ، صدق قولنا أنه لا خالق إلا الله . وأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالاً في حق الله تعالى فالعلم ثابت . إذا عرفت هذا فنقول ( أنى أخلق لكم من الطين ) معناه : أصور وأقدر وقوله ( كهيئة الطير ) فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذ قدرته وقوله ( فأنفخ فيه ) أي في ذلك الطين المصور وقوله ( فيكون طيراً بإذن الله ) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ نافع ( فيكون طائراً) بالألف على الواحد ، والباقون ( طيراً) على الجمع ، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع . يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة ، وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش ، فأخذ طيناً وصوره ، ثم نفخ فيه ، فإذا هو يطير بين السماء والأرض ، قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ، ثم اختلف الناس فقال قوم: إنه لم يخلق غير الخفاش ، وكانت قراءة نافع عليه . وقال آخرون : إنه خلق أنواعاً من الطير وكانت قراء الباقين عليه . المسألة الثانية﴾ قال بعض المتكلمين : الآية تدل على أن الروح جسم رقيق كالريح ، ولذلك وصفها بالفتح ، ثم ههنا بحث ، وهو أنه هل يجوز أن يقال : إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية ، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجباً الصيرورة ذلك الشيء حياً ، أو يقال : ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات ، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى ( الذي خلق الموت والحياة) وحكى عن إبراهيم عليه السلام إنه قال في مناظرته مع الملك (ربي الذي يحيي ويميت) فلو حصل لغيره، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال . المسألة الثالثة ﴾ القرآن دل على أنه عليه الصلاة والسلام إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل مَّ وروح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى عليه السلام للحياة والروح . قوله تعالى: ((وابرىء الأكمة والأبرص)) الآية سورة آل عِمْران ٦٣ وَأَبْرِئُ الْأَكْمَةَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيِ الْمَوْنَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَنَِّئُكُمْ بِمَاتَأْكُونَ وَمَا تَّخِرُونَ فِبُوتِكٌ المسألة الرابعة﴾ قوله ( بإذن الله ) معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه لقوله تعالى ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) أي إلا بأن يوجد الله الموت، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة ، وتنبيهاً على إني أعمل هذا التصوير ، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل . وأما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات فهو قوله ﴿وأبرىء الأكمة والأبر ص وأحيي الموتى بإذن الله ﴾. ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمة هو الذي ولد أعمى ، وقال الخليل وغيره وهو الذي عمى بعد أن كان بصيراً، وعن مجاهد هو الذي لا يبصر بالليل ، ويقال : إنه لم يكن في هذه الأمة أكمة غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير ، وروى أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ، قال الكلبي : كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بياحي يا قيوم وأحيا عاذر ، وكان صديقاً له، ودعا سام بن نوح من قبره ، فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله ، فنزل عن سريره حياً ، ورجع إلى أهله وولد له ، وقوله (بإذن الله ) رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلهية . وأما النوع الخامس من المعجزات إخباره عن الغيوب فهو قوله تعالى حكاية عنه ﴿ وأنبئكم بما تأكلوا وما تدخرون في بيوتكم ﴾ وفيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى﴾ في هذه الآية قولان ( أحدهما ) أنه عليه الصلاة والسلام كان من أول مرة يخبر عن الغيوب ، روى السدي : أنه كان يلعب مع الصبيان ، ثم يخبرهم بأفعال الفخر الرازي ج ٨م٥ ٦٤ قوله تعالى: ((إن في ذلك لآية)) الآية سورة آل عِمْران إِنَّ فِ ذَلِكَ لَّيَّةً لَّهُمْ إِن كُنتُ مُؤْمِنِينَ (٨) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ الثَّوْرَئِةِ وَلِأَمِلَّ لَكُ بَعْضَ الَّذِىِ حُرِّمَ عَبْكُمْ وَجِئُكُم بِعَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (٣٥) إِنَّ اللَّهَ وَبِ وَرَبْكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرٌَّ مُسْتَقِيمُ آبائهم وأمهاتهم ، وكان يخبر الصبي بأن أمك قد خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء ثم قالوا لصبيانهم : لا تلعبوا مع هذا الساحر، وجمعوهم فى بيت ، فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم ، فقالوا له . ليسوا في البيت ، فقال : فمن في هذا البيت ، قالوا : خنازير قال عيسى عليه السلام كذلك يكونون فإذا هم خنازير . والقول الثاني ﴾ إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة ، وذلك لأن القوم نهوا عن الإدخار ، فكانوا يخزنون ويدخرون ، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بذلك . المسألة الثانية ﴾ الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة ، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخبر لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب ، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيراً ، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة ، ولا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى . ثم إنه عليه السلام ختم كلامه بقوله ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ . والمعنى إن في هذه الخمسة لمعجزة قاهرة قوية دالة على صدق المدعي لكل من آمن بدلائل المعجزة في الحمل على الصدق ، على من أنكر دلالة أصل المعجز على صدق المدعي ، وهم البراهمة ، فإنه لا يكفيه ظهور هذه الآيات ، أما من آمن بدلالة المعجز على الصدق لا يبقى له في هذه المعجزات كلام البتة . قوله تعالى ﴿ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ، إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ﴾. اعلم أنه عليه السلام لما بين بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولاً من عند الله تعالى ، بين ٦٥ قوله تعالى: ((ومصدقاً لما بين يدي)) الآية سورة آل عِمْران بعد ذلك إنه بماذا أرسل وهو أمران ( أحدهما ) قوله ( ومصدقاً لما بين يدي من التوراة) . وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ قد ذكرنا في قوله ( ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية) أن تقديره وأبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً (أني قد جئتكم بآية) فقوله (ومصدقاً) معطوف عليه والتقدير : وأبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً ( أني قد جئتكم بآية) ، وإني بعثت ( مصدقاً لما بين يدي من التوراة) وإنما حسن حذف هذه الألفاظ لدلالة الكلام عليها . ﴿ المسألة الثانية﴾ إنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لجميع الأنبياء عليهم السلام . لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة ، فكل من حصل له المعجز، وجب الاعتراف بنبوته ، فلهذا قلنا : بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقاً لموسى بالتوراة ، ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين. وأما المقصود الثاني ﴾ من بعثة عيسى عليه السلام قوله (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) وفيه سؤال﴾ وهو أنه يقال: هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعض الذي كان محرماً عليه في التوراة ، وهذا يقتضى أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة ، وهذا يناقض قوله ( ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ) . ( والجواب ) إنه لا تناقض بين الكلام ، وذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق وصواب ، وإذا لم يكن الثاني مذكوراً في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرماً فيها ، مناقضاً لكونه مصدقاً بالتوراة ، وأيضاً إذا كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام وشرعه مناقضاً للتوراة ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : إنه عليه السلام ما غير شيئاً من أحكام التوراة ، قال وهب بن منبه : إن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس ، ثم إنه فسرقوله ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) بأمرين ( أحدهما ) إن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى ، فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام ( والثاني ) أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات ٦٦ قوله تعالى: ((فلما أحس عيسى منهم الكفر)) الآية سورة آل عِمْران فَلَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْخَوَارِ يُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ الَِّ ءَ امَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٢﴾ رَبَّنَاَءَامَنَّابِمَا أَنزَلْتَ وَتَّبَعْنَا الَّسُولَ فَاكُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴿ وَمَكُرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ١٤ كما قال الله تعالى ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) ثم بقي ذلك التحريم مستمراً على اليهود فجاء عيسى عليه السلام ورفع تلك التشديدات عنهم ، وقال آخرون : إن عيسى عليه السلام رفع كثيراً من أحكام التوراة ، ولم يكن ذلك قادحاً في كونه مصدقاً بالتوراة على ما بيناه ورفع السبت ووضع الأحد قائماً مقامه وكان محقاً في كل ما عمل لما بينا أن الناسخ والمنسوخ كلاهما حق وصدق. ثم قال ( وجئتكم بآية من ربكم ) وإنما أعاده لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر فأعاد ذكر المعجزات ليصير كلامه ناجعاً في قلوبهم ومؤثراً في طباعهم ، ثم خوفهم فقال ( فاتقوا الله وأطيعون ) لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله تعالى فبين إنه إذا لزمکم أن تتقوا الله لزمکم أن تطيعوني فیما آمرکم به عن ربي ، ثم إنه ختم كلامه بقوله ( إن الله ربي وربكم ) ومقصوده إظهار الخضوع والاعتراف بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولون : إنه إله وابن إله لأن إقراره لله بالعبودية يمنع مما تدعيه جهال النصارى عليه ، ثم قال ( فاعبدوه ) والمعنى : أنه تعالى لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه ، ثم أكد ذلك ذلك بقوله ( هذا صراط مستقيم ) . قوله تعالى ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ . اعلم أنه تعالى لما حكى بشارة مريم بولد مثل عيسى واستقصى في بيان صفاته وشرح معجزاته وترك ههنا قصة ولادته ، وقد ذكرها في سورة مريم على الاستقصاء ، شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات ، وأظهر لهم تلك الدلائل فهم بماذا عاملوه فقال تعالى ( فلما أحس عيسى منهم ) وفي الآية مسائل : قوله تعالى: ((فلما أحس عيسى منهم الكفر)) الآية سورة آل عِمْران ٦٧ المسألة الأولى ﴾ الإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة وههنا وجهان ( أحدهما ) إن يجري اللفظ على ظاهره، وهو إنهم تكلموا بالكفر ، فأحس ذلك باذنه ( والثاني ) أن نحمله على التأويل، وهو أن المراد أنه عرف منهم إصرارهم على الكفر ، وعزمهم على قتله ، ولما كان ذلك العلم علماً لا شبهة فيه ، مثل العلم الحاصل من الحواس ، لا جرم عبر عن ذلك العلم بالإِحساس. المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه (الأول ) قال السدى : أنه تعالى لما بعثه رسولا إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم إلى دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم ، وكان أمر عيسى عليه السلام في قومه كأمر محمد # وهو بمكة فكان مستضعفاً ، وکان يختفي من بني إسرائیل کما اختفى النبي پ# في الغار ، وفي منازل من آمن به لما أرادوا قتله ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام خرج مع أمه يسيحان في الأرض ، فاتفق أنه نزل في قرية على رجل فأحسن ذلك الرجل ضيافته وكان في تلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً ، فسأله عيسى عن السبب فقال : ملك هذه المدينة رجل جبار ومن عادته أنه جعل على كل رجل منا يوماً يطعمه ويسقيه هو وجنوده ، وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر على ، فلما سمعت مريم عليها السلام ذلك ، قالت : يا بني ادع الله ليكفي ذلك ، فقال : يا أماه إن فعلت ذلك كان شر، فقالت : قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه فقال عيسى عليه السلام : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ، فلما فعل ذلك دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخاً ، وما في الخوابي خمراً، فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذا الخمر ؟ فتعلل الرجل في الجواب فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتى أخبره بالواقعة فقال : إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعا أن يحيى الله تعالى ولدى لا بد وأن يجاب ، وكان ابنه قد مات قبل ذلك بأيام ، فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك ، فقال عيسى : لا نفعل ، فانه إن عاش كان شراً، فقال : ما أبالي ما كان إذا رأيته ، وإن أحييته تركتك على ما تفعل ، فدعا الله عيسى ، فعاش الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح واقتتلوا ، وصار أمر عيسى عليه السلام مشهوراً في الخلق ، وقصد اليهود قتله ، وأظهروا الطعن فيه والكفر به . ﴿ والقول الثاني﴾ إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة ، وأنه ينسخ دينهم فكانوا من أول الأمر طاعنين فيه ، طالبين قتله، فلما أظهر الدعوة اشتد غضبهم ، واخذوا في إيذائه وإيحاشه وطلبوا قتله. والقول الثالث ﴾ أن عيسى عليه السلام ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم ٦٨ قوله تعالى: ((فلما أحس عيسى منهم الكفر)) الآية سورة آل عِمْران لا يؤمنون به وأن دعوته لا تنجع فيهم فأحب أن يمتحنهم ليتحقق ما ظنه بهم فقال لهم ( من أنصاری إلی الله ) فما أجابه إلا الحواریون ، فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون مصرون على إنكار دینه وطلب قتله. أما قوله تعالى ( قال من أنصاري إلى الله ) ففيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ في الآية أقوال ( الأول) أن عيسى عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الدين ، وتمردوا عليه فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بجماعة من صيادي السمك ، وكان فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا ابنا زيدي وهم من جملة الحواريين الاثني عشر فقال عيسى عليه السلام : الآن تصيد السمك ، فان تبعتني صرت بحيث تصيد الناس لحياة الأبد ، فطلبوا منه المعجزة ، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بالقاء شبكته في الماء مرة أخرى ، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق منه ، واستعانوا باهل سفينة أخرى ، وملؤا السفينتين ، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام . والقول الثاني﴾ أن قوله ( من أنصاري إلى الله) إنما كان في آخر أمره حين اجتمع اليهود عليه طلباً لقتله . ثم ههنا إحتمالات ( الأول) أن اليهود لما طلبوه للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين : أيكم يجب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني. فأجابه الى ذلك بعضهم وفيما تذكره النصارى في إنجيلهم : أن اليهود لما أخذوا عيسى سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه : فقال له عيسى : حسبك ثم أخذ أذن العبد فردها إلى موضعها ، فصارت كما كانت ، والحاصل أن الغرض من طلب النصرة إقدامهم على دفع الشرعنه . ﴿ والاحتمال الثاني﴾ أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى ( فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) . ﴿ المسألة الثانية﴾ قوله (إلى الله) فيه وجوه (الأول) التقدير : من أنصاري حال ذهابي إلى الله أو حال التجائي إلى الله ( والثاني ) التقدير : من أنصارى إلى أن أبين أمر الله تعالى، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى ههنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي ، ويظهر أمر الله تعالى ( الثالث ) قال الأكثرون من أهل اللغة إلى ههنا بمعنى مع قال تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) أي معها، وقال ◌َّ ((الذود إلى الذود إبل)) أي مع قوله تعالى: ((فلما أحس عيسى منهم الكفر)) الآية سورة آل عِمْران ٦٩ الذود . قال الزجاج : كلمة ( إلى ) ليست بمعنى مع فانك لو قلت ذهب زيد إلى عمر ولم يجز أن تقول : ذهب زيد مع عمر ولأن ( إلى ) تفيد الغاية و(مع ) تفيد ضم الشيء إلى الشيء ، بل المراد من قولنا أن ( إلى ) ههنا بمعنى ( مع ) هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي وكذلك المراد من قوله ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، وكذلك قوله عليه السلام ((الذود إلى الذود إبل)) معناه: الذود مضموماً إلى الذود إبل و( الرابع ) أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه ، وفي الحديث أنه وَ ير كان يقول إذا ضحى ((اللهم منك وإليك)) أي تقربا إليك، ويقول الرجل لغيره عند دعائه إياه (إلى) أي انضم إلى، فكذا ههنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله تعالى ( الخامس ) أن يكون ( إلى) بمعنى اللام كأنه قال : من أنصاري لله نظيره قوله تعالى ( قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق ) ( والسادس ) تقدير الآية : من أنصارى في سبيل الله . و(إلى) بمعنى ( في ) جائز، وهذا قول الحسن . أما قوله تعالى ( قال الحواريون نحن أنصار الله ) ففيه مسائل. المسألة الأولى﴾ ذكروا في لفظ (الحواري) وجوهاً (الأول) أن الحوارى اسم موضوع لخاصة الرجل ، وخالصته ، ومنه يقال للدقيق حواري ، لأنه هو الخالص منه ، وقال وَلخير للزبير ((إنه ابن عمتي، وحواري من أمتي)) والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود ، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذين خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم . القول الثاني ﴾ الحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض ، ومنه قيل للدقيق حواري ، ومنه الأحور ، والحور نقاء بياض العين ، وحورت الثياب : بيضتها ، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم ؟ فقال سعيد بن جبير : لبياض ثيابهم ، وقيل كانوا قصارين ، يبيضون الثياب ، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحاً لهم ، وإشارة إلى نقاء قلوبهم ، كالثوب الأبيض ، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب ، طاهر الذيل ، إذا كان بعيداً عن الأفعال الذميمة ، وفلان دنس الثياب ، إذا كان مقدماً على ما لا ينبغي. القول الثالث﴾ قال الضحاك : مرعيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا يغسلون الثياب ، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا ، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري ، وهو ٧٠ قوله تعالى: ((فلما أحس عيسى منهم الكفر)) الآية سورة آل عِمْران القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري ، وقال مقاتل بن سليمان : الحواريون : هم القصارون ، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلا على خواص الرجل وبطانته . المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن هؤلاء الحواريين من كانوا؟ . فالقول الأول﴾ إنه عليه السلام مر بهم وهم يصطادون السمك فقال لهم (( تعالوا نصطاد الناس)) قالوا: من أنت؟ قال ((أنا عيسى بن مريم، عبد الله ورسوله)) فطلبوا منه المعجز على ما قال فلما أظهر المعجز آمنوا به ، فهم الحواريون . القول الثاني ﴾ قالوا: سلمته أمه إلى صباغ ، فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه وأراد الصباغ أن يغيب لبعض مهماته ، فقال له : ههنا ثياب مختلفة ، وقد علمت على كل واحد علامة معينة ، فاصبغها بتلك الألوان ، بحيث يتم المقصود عند رجوعي ، ثم غاب فطبخ عيسى عليه السلام جباً واحداً، وجعل الجميع فيه، وقال (( كوني باذن الله كما أريد)) فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت على الثياب، قال ((قم فانظر)) فكان يخرج ثوباً أحمر، وثوباً أخضر، وثوباً أصفر كما كان يريد ، إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها ، فتعجب الحاضرون منه ، وآمنوا به فهم الحواريون. القول الثالث ﴾ كانوا الحواريون اثني عشر رجلا اتبعوا عيسى عليه السلام، وكانوا إذا قالوا : يا روح الله جعنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج لكل واحد رغيفان ، وإذا عطشوا قالوا يا روح الله : عطشنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج الماء فيشربون ، فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنا بك فقال ((أفضل منكم من يعمل بيده ، ويأكل من كسبه )) فصاروا يغسلون الثياب بالكراء ، فسموا حواريين . : القول الرابع ﴾ أنهم كانوا ملوكاً قالوا وذلك أن واحداً من الملوك صنع طعاماً ، وجمع الناس عليه ، وكان عيسى عليه السلام على قصعة منها ، فكانت القصعة لا تنقص ، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك ، فقال : تعرفونه ، قالوا : نعم ، فذهبوا بعيسى عليه السلام ، قال : من أنت؟ قال : أنا عيسى بن مريم ، قال فاني أترك ملكي وأتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه ، فأولئك هم الحواريون قال االقفال : ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشرمن الملوك ، وبعضهم من صيادي السمك ، وبعضهم من القصارين ، والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام ، وأعوانه ، والمخلصين في محبته ، وطاعته ، وخدمته . ٧١ سورة آل عمران قوله تعالى: (( فلما أحس عيسى )) الآية المسألة الثالثة ﴾ المراد من قوله ( نحن أنصار الله ) أي نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه ، لأن نصرة الله تعالى في الحقيقة محال ، فالمراد منه ما ذكرناه . أما قوله ( آمنا بالله ) فهذا يجري مجرى ذكر العلة ، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله ، لأجل أنا آمنا بالله ، فان الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله ، والذب عن أوليائه ، والمحاربة مع أعدائه. ثم قالوا (واشهد بأنا مسلمون ) وذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم ، إشهاد لله تعالى أيضاً ، ثم فيه قولان ( الأول ) المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك ، والذب عنك ، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه ( الثاني ) أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإِسلام ، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم . واعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم ، وعلى إسلامهم تضرعوا إلى الله تعالى ، وقالوا (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) وذلك لأن القوم آمنوا بالله حين قالوا : في الآية المتقدمة ( آمنا بالله ) ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا ( آمنا بما أنزلت ) وآمنوا برسول الله حيث ، قالوا ( واتبعنا الرسول ) فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب ، فقالوا ( فاكتبنا مع الشاهدين ) وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين ، ويفضل على درجته ، لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة قال الله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) ( والثاني ) وهو منقول أيضاً عن ابن عباس ( اكتبنا مع الشاهدين ) أي اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال الله تعالى ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) . وقد أجاب الله تعالى دعاءهم وجعلهم أنبياء ورسلا ، فاحيوا الموتى ، وصنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام . والقول الثالث ﴾ ( اكتبنا مع الشاهدين ) أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق ، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلام أنفسهم ، حيث قالوا (واشهد بأنا مسلمون ) فقد أشهدوا الله تعالى على ذلك تأكيداً للأمر ، وتقوية له ، وأيضاً طلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد الله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوة . القول الرابع ﴾ إن قوله (فاكتبنا مع الشاهدين ) إشارة إلى إن كتاب الأبرار إنما يكون في السموات مع الملائكة قال الله تعالى ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ) فاذا كتب الله ذكرهم مع الشاهدين المؤمنين كان ذكرهم مشهوراً في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين . ٧٢ قوله تعالى: ((فلما أحس عيسى)) الآية سورة آل عِمْران ﴿القول الخامس﴾ أنه تعالى قال (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم) فجعل أولو العلم من الشاهدين ، وقرن ذكرهم بذكر نفسه ، وذلك درجة عظيمة ، ومرتبة عالية ، فقالوا ( فاكتبنا مع الشاهدين ) أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك . والقول السادس﴾ أن جبريل عليه السلام لما سأل محمد أمة عن الإحسان فقال ((أن تعبد الله كأنك تراه )) وهذا غاية درجة العبد في الاشتغال بالعبودية ، وهو أن يكون العبد في مقام الشهود ، لا في مقام الغيبة ، فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي من مقام الاستدلال ، إلى مقام الشهود والمكاشفة ، فقالوا ( فاكتبنا مع الشاهدين ) . القول السابع ﴾ إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق والآلام ، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن یکونوا ناصرین له ، ذابین عنه ، قالوا ( فاکتبنا مع الشاهدين ) أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك ، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك ونبيك. ثم قال تعالى ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ أصل المكر في اللغة، السعي بالفساد في خفية ومداجاة، قال الزجاج : يقال مكر الليل، وأمكر إذا أظلم : وقال الله تعالى (وإذ يمكر بك الذين كفروا ) وقال ( وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ) وقيل أصله من اجتماع الأمر وإحكامه ، ومنه امرأة ممكورة ، أي مجتمعة الخلق وإحكام الرأي يقال له الإجماع والجمع قال الله تعالى ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ) فلما كان المكر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقص والفتور ، لا جرم سمي مكراً . المسألة الثانية ﴾ أما مكرهم بعيسى عليه السلام ، فهو أنهم هموا بقتله ، وأما مكر الله تعالى بهم ، ففيه وجوه ( الأول) مكر الله تعالى بهم هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، وذلك أن يهودا ملك اليهود ، أراد قتل عيسى عليه السلام ، وكان جبريل عليه السلام، لا يفارقه ساعة ، وهو معنى قوله ( وأيدناه بروح القدس ). فلما أرادوا ذلك أمره جبريل عليه السلام أن يدخل بيتاً فيه روزنة ، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة ، وكان قد ألقى شبهه على غيره ، فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق ، فرقة قالت : كان الله فينا فذهب ، وأخرى قالت : كان ابن الله ، والأخرى قالت : كان عبد الله ورسوله ، فأكرمه بأن رفعه إلى السماء ، وصار لكل فرقة جمع فظهرت الكافرتان سورة آل عمران ٧٣ قوله تعالى : فلما أحس عيسى منهم الكفر )) الآية على الفرقة المؤمنة إلى أن بعث الله تعالى محمداً عليه، وفي الجملة ، فالمراد من مكر الله بهم أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال الشر إليه. الوجه الثاني ﴾ أن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم ، ودل اليهود عليه ، فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى ، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم ، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام ، فكان ذلك هو مكر الله بهم . الوجه الثالث﴾ ذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى عليه السلام ، فشمسوهم وعذبوهم ، فلقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم ، وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلا من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله ، وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص فقتل ، فقال : لو علمت ذلك لحلت بينه وبينهم ، ثم بعث إلى الحواريين ، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام ، فأخبروه فتابعهم على دينهم ، وأنزل المصلوب فغيبه ، وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها ، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ، وكان اسم هذا الملك طباريس ، وهو صار نصرانياً ، إلا أنه ما أظهر ذلك ، ثم إنه جاء بعده ملك آخر ، يقال له : مطليس ، وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة ، فقتل وسبي ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجراً على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على تكذيب المسيح والهم بقتله . ﴿ القول الرابع﴾ أن الله تعالى سلط عليهم ملك فارس حتى قتلهم، وسباهم ، وهو قوله تعالى ( ثم بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأس شديد) فهذا هو مكر الله تعالى بهم . القول الخامس ﴾ يحتمل أن يكون المراد أنهم مكروا في إخفاء أمره ، وإبطال دينه ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل والدناءة أعداءه وهم اليهود والله أعلم. ﴿ المسألة الثالثة﴾ المكر عبارة عن الإحتيال في إيصال الشر، والاحتيال على الله تعالى محال فصار لفظ المكر في حقه من المتشابهات وذكروا في تأويله وجوهاً ( أحدها ) أنه تعالى سمى جزاء المكر بالمكر ، كقوله ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وسمى جزاء المخادعة بالمخادعة ، وجزاء الاستهزاء بالاستهزاء ( والثاني ) أن معاملة الله معهم كانت شبيهة بالمكر فسمى بذلك (الثالث ) أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات ، لأنه عبارة عن التدبير المحكم الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير، وذلك في حق الله تعالى غير ممتنع والله ٧٤ قوله تعالى: ((اذ قال الله يا عيسى إني متوفيك)) الآية سورة آل عِمْران إِذْ قَالَ اللَّهُ يَِسَّ إِى مُتَوَقِّكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتََّعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ ثُمَّ إِلَّ مَرْجُمُكُمْ فَأَحْكُرُ بَيْنَكُمْ فِيَ كُنُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ أعلم . قوله تعالى ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ العامل في (إذ) قوله (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) أي وجد هذا المكر إذ قال الله هذا القول ، وقيل التقدير : ذاك إذ قال الله. المسألة الثانية ﴾ اعترفوا بأن الله تعالى شرف عيسى في هذه الآية بصفات: الصفة الأولى ﴾ (إني متوفيك) ونظيره قوله تعالى حكاية عنه ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) واختلف أهل التأويل في هاتين الآيتين على طريقين ( أحدهما ) إجراء الآية على ظاهرها من غير تقديم ، ولا تأخير فيها ( والثاني ) فرض التقديم والتأخير فيها ، أما الطريق الأول فبيانه من وجوه ( الأول ) معنى قوله ( إني متوفيك ) أي متمم عمرك ، فحينئذ أتوفاك، فلا أتركهم حتى يقتلوك ، بل أنا رافعك إلى سمائي ، ومقربك بملائكتي ، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك وهذا تأويل حسن ( والثاني ) ( متوفيك ) أي مميتك ، وهو مروي عن ابن العباس ، ومحمد بن إسحق قالوا : والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله ثم إنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه ( أحدها ) قال وهب : توفي ثلاثة ساعات ، ثم رفع ( وثانيها ) قال محمد ابن إسحاق : توفي سبع ساعات ، ثم أحياه الله ورفعه (الثالث) قال الربيع بن أنس: أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء ، قال تعالى ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ) . الوجه الرابع﴾ في تأويل الآية أن الواو في قوله (متوفيك ورافعك إلي ) تفيد الترتيب فالآية تدل على أنه تعالى يفعل به هذه الأفعال ، فأما كيف يفعل ، ومتى يفعل ، فالأمر فيه موقوف على الدليل، وقد ثبت الدليل أنه حي وورد الخبر عن النبي ◌َّ ((أنه سينزل ويقتل ٧٥ قوله تعالى: ((اذ قال الله يا عيسى ... )) الدجال )) ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك . الوجه الخامس﴾ في التأويل ما قاله أبو بكر الواسطي، وهو أن المراد (إني متوفيك ) عن شهواتك وحظوظ نفسك ، ثم قال ( ورافعك الي ) وذلك لأن من لم يصر فانياً عما سوى الله لا يكون له وصول إلى مقام معرفة الله ، وأيضاً فعيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة في زوال الشهوة ، والغضب والأخلاق الذميمة . والوجه السادس﴾ إن التوفي أخذ الشيء وافياً، ولما علم الله إن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه الصلاة والسلام رفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى ( وما يضرونك من شيء ) . ﴿والوجه السابع﴾ (إني متوفيك) أي أجعلك كالمتوفي لأنه إذا رفع إلى السماء وانقطع خبره وأثره عن الأرض كان كالمتوفي ، وإطلاق اسم الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن . ﴿ الوجه الثامن ﴾ إن التوفي هو القبض يقال : وفاني فلان دراهمي وأوفاني وتوفيتها منه ، كما يقال: سلم فلان دراهمي إلى وتسلمتها منه ، وقد يكون أيضاً توفي بمعنى استوفى وعلى كلا الاحتمالين كان إخراجه من الأرض وإصعاده إلى السماء توفياً له. فان قيل : فعلى هذا الوجه كان التوفي عين الرفع إليه فيصير قوله ( ورافعك إلى ) تكراراً . قلنا : قوله ( إني متوفيك ) يدل على حصول التوفي وهو جنس تحته أنواع بعضها بالموت وبعضها بالإصعاد إلى السماء ، فلما قال بعده ( ورافعك إلي ) كان هذا تعيينا للنوع ولم يكن تكراراً. الوجه التاسع ﴾ أن يقدر فيه حذف المضاف والتقدير: متوفي عملك بمعنى مستوفي عملك ( ورافعك إلى ) أي ورافع عملك إلى ، وهو كقوله ( إليه يصعد الكلم الطيب ) والمراد من هذه الآية أنه تعالى بشره بقبول طاعته وأعماله ، وعرفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق في تمشية دينه وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يضيع أجره ولا يهدم ثوابه ، فهذه جملة الوجوه المذكورة على قول من يجري الآية على ظاهرها. الطريق الثاني ﴾ وهو قول من قال لا بد في الآية من تقديم وتأخير من غير أن يحتاج ٧٦ قوله تعالى : ((اذ قال الله يا عيسى)) الآية سورة آل عمران فيها إلى تقديم أو تأخير، قالوا : إن قوله ( ورافعك إلى ) يقتضي إنه رفعه حياً ، والواو لا تقتضي الترتيب ، فلم يبق إلا أن يقول فيها تقديم وتأخير ، والمعنى : أني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك في الدنيا ، ومثله من التقديم والتأخير كثير في القرآن . واعلم أن الوجوه الكثيرة التي قدمناها تغني عن التزام مخالفة الظاهر والله أعلم . والمشبهة يتمسكون بهذه الآية في إثبات المكان لله تعالى وأنه في السماء ، وقد دللنا في المواضع الكثيرة من هذا الكتاب بالدلائل القاطعة على أنه يمتنع كونه تعالى في المكان فوجب حمل اللفظ على التأويل ، وهو من وجوه : و الوجه الأول ﴾ أن المراد إلى محل كرامتي ، وجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم ومثله قوله ( إني ذاهب إلى ربي) وإنما ذهب إبراهيم ◌َّ من العراق إلى الشام وقد يقول السلطان : ارفعوا هذا الأمر إلى القاضي ، وقد يسمى الحجاج زوار الله ، ويسمى المجاورون جيران الله ، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم فكذا ههنا . الوجه الثاني ﴾ في التأويل أن یکون قوله ( ورافعك إلی ) معناه إنه یرفع إلی مکان لا يملك الحكم عليه فيه غير الله لأن في الأرض قد يتولى الخلق أنواع الأحكام فأما السموات فلا حاكم هناك في الحقيقة وفي الظاهر إلا الله. الوجه الثالث﴾ إن بتقدير القول بأن الله في مكان لم يكن ارتفاع عيسى إلى ذلك سبباً لانتفاعه وفرحه بل إنما ينتفع بذلك لو وجد هناك مطلوبة من الثواب والروح والراحة والريحان ، فعلى كلا القولين لا بد من حمل اللفظ على أن المراد : ورافعك إلى محل ثوابك ومجازاتك ، وإذا كان لا بد من إضمار ما ذكرناه لم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان الله تعالى . الصفة الثالثة ﴾ من صفات عيسى قوله تعالى (ومطهرك من الذين كفروا) والمعنى مخرجك من بينهم ومفرق بينك وبينهم ، وكما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهير وكل ذلك يدل على المبالغة في إعلاء شأنه وتعظيم منصبه عند الله تعالى . الصفة الرابعة ) قوله ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) وجهان ( الأول ) أن المعنى : الذين اتبعوا دين عيسى يكونون فوق الذين كفروا به ، وهم ٧٧ سورة آل عمران قوله تعالى : إذ قال الله يا عيسى.)) الآية اليهود بالقهر والسلطان والاستعلاء إلى يوم القيامة ، فيكون ذلك إخباراً عن ذل اليهود وإنهم يكونون مقهورين إلى يوم القيامة ، فأما الذين اتبعوا المسيح عليه السلام فهم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله وأما بعد الإِسلام فهم المسلمون ، وأما النصارى فهم وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم يخالفونه أشد المخالفة من حيث أن صريح العقل يشهد أنه عليه السلام ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجهال ، ومع ذلك فانا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود فلا نرى في طرف من أطراف الدنيا ملكاً يهودياً ولا بلدة مملوءة من اليهود بل يكونون أين كانوا بالذلة والمسكنة وأما النصارى فأمرهم بخلاف ذلك ( الثاني) أن المراد من هذه الفوقية الفوقية بالحجة والدليل . واعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله ( ورافعك إلى ) هو الرفعة بالدرجة والمنقبة ، لا بالمكان والجهة ، كما أن الفوقية في هذه ليست بالمكان بل بالدرجة والرفعة . أما قوله ( ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) فالمعنى أنه تعالى بشر عيسى عليه السلام بأنه يعطيه في الدنيا تلك الخواص الشريفة ، والدرجات الرفيعة العالية ، وأما في القيامة فانه يحكم بين المؤمنين به ، وبين الجاحدين برسالته ، وكيفية ذلك الحكم ما ذكره في الآية التي بعد هذه الآية ( وبقي من مباحث هذه الآية موضع مشكل ) وهو أن نص القرآن دل على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره على ما قال ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) والأخبار أيضاً واردة بذلك إلا أن الروايات اختلفت ، فتارة يروى أن الله تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلوا اليهود على مكانه حتى قتلوه وصلبوه ، وتارة یروی أنه عليه السلام رغب بعض خواص أصحابه في أن يلقى شبهه حتى يقتل مكانه ، وبالجملة فكيفما كان ففي إلقاء شبهه على الغير إشكالات : الإشكال الأول﴾ إنا لو جوزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر لزم السفسطة ، فاني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانیاً فحينئذ أجوز أن یکون هذا الذي رأيته ثانیاً لیس بولدي بل هو إنسان ألقى شبهه عليه وحينئذ يرتفع الأمان على المحسوسات ، وأيضاً فالصحابة الذين رأوا محمداً ◌ٍَّ يأمرهم وينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد لاحتمال أنه ألقى شبهه على غيره وذلك يقضي إلى سقوط الشرائع ، وأيضاً فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس ، فإذا جاز وقوع الغلط في المبصرات كان سقوط خبر المتواتر أولى وبالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات بالكلية . الإِشكال الثاني ﴾ وهو أن الله تعالى كان قد أمر جبريل عليه السلام بأن يكون معه ٧٨ قوله تعالى: ((ثم إلى مرجعكم فاحكم بينكم)) الآية سورة آل عِمْران في أكثر الأحوال ، هكذا قاله المفسرون في تفسير قوله ( إذ أيدتك بروح القدس ) ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان يكفي العالم من البشرفكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه؟ وأيضاً أنه عليه السلام لما كان قادراً على إحياء الموتى ، وإبراء الأكمة والأبرص ، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وعلى إسقامهم وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرض له؟ . والإِشكال الثالث﴾ إنه تعالى كان قادراً على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يرفعه إلى السماء فما الفائدة في إلقاء شبهه على غيره ، وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه؟ . ﴿ والإِشكال الرابع ﴾ أنه إذا ألقى شبهه على غيره ثم إنه رفع بعد ذلك إلى السماء فالقوم اعتقدوا فيه أنه هو عيسى مع أنه ما كان عيسى ، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس ، وهذا لا يليق بحكمة الله تعالى . والإِشكال الخامس﴾ أن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح عليه السلام ، وغلوهم في أمره أخبروا أنهم شاهدوه مقتولا مصلوباً ، فلو أنكرنا ذلك كان طعناً فيما ثبت بالتواتر، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوة محمد مخلية ، ونبوة عيسى ، بل في وجودهما ، ووجود سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكل ذلك باطل . ﴿ والإِشكال السادس ﴾ أنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حيا زمانا طويلا، فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع ، ولقال : إني لست بعيسى بل إنما أنا غيره ، ولبالغ في تعريف هذا المعنى ، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى ، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أن ليس الأمر على ما ذكرتم ، فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات : ( والجواب عن الأول ) أن كل من أثبت القادر المختار ، سلم أنه تعالى قادر على أن يخلق إنساناً آخر على صورة زيد مثلا ، ثم إن هذا التصوير لا يوجب الشك المذكور، فكذا القول فيما ذكرتم : ( والجواب عن الثاني ) أن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه أو أقدر الله تعالى عيسى عليه السلام على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء ، وذلك غير. جائز . ٧٩ قوله تعالى: ((فأما الذين كفروا)) الآية سورة آل عِمْران فَأَمَّا الّذِينَ كَفَرُواْ فَأْعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِن ◌َِّصِينَ ﴾ ٥٦ ( وهذا هو الجواب عن الإشكال الثالث) فانه تعالى لو رفعه إلى السماء وما ألقى شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حد الإلجاء . ( والجواب عن الرابع ) أن تلامذة عيسى كانوا حاضرين ، وكانوا عالمين بكيفية الواقعة ، وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس . ( والجواب عن الخامس ) أن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين ودخول الشبهة على الجمع القليل جائز والتواتر إذا انتهى في آخر الأمر إلى الجمع القليل لم يكن مفيداً للعلم . ( والجواب عن السادس ) إن بتقدير أن يكون الذي ألقى شبه عيسى عليه السلام عليه كان مسلما وقبل ذلك عن عيسى جائز أن يسكت عن تعريف حقيقة الحال في تلك الواقعة ، وبالجملة فالأسئلة التي ذكروها أمور تتطرق الإحتمالات إليها من بعض الوجوه ، ولما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد ◌ّله في كل ما أخبر عنه امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع ، والله ولى الهداية . قوله تعالى ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديداً في الدنيا والآخرة ومالهم من ناصرین أعلم أنه تعالى لما ذكر ( إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) بين بعد ذلك مفصلا ما في ذلك الإختلاف، أما الإختلاف فهو أن كفر قوم وآمن آخرون ، وأما الحكم فيمن كفر فهو أن يعذبه عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ، وأما الحكم فيمن آمن وعمل الصالحات ، فهو أن يوفيهم أجورهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ أما عذاب الكافر في الدنيا فهو من وجهين (أحدهما ) القتل والسبى وما شاكله ، حتى لو ترك الكفر لم يحسن إيقاعه به ، فذلك داخل في عذاب الدنيا ( والثاني ) ما يلحق الكافر من الأمراض والمصائب ، وقد اختلفوا في أن ذلك هل هو عقاب أم لا ؟ قال بعضهم : إنه عقاب في حق الكافر ، وإذا وقع مثله للمؤمن فانه لا يكون عقابا بل يكون ابتلاء وامتحانا ، ويكون جاريا مجرى الحدود التي تقام على النائب ، فانها لا تكون عقابا بل الفخر الرازي ج ٨ م ٦ ٨٠ قوله تعالى: ((واما الذين آمنوا)) الآية سورة آل عِمْران وَأَمَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَيُوَفِِّمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لَيُحِبُّ الَِّلِينَ ٥٧ امتحانا ، والدليل عليه أنه تعالى يعد الكل بالصبر عليها والرضا بها والتسليم لها وما هذا حاله لا يكون عقابا . فان قيل : فقد سلمتم في الوجه الأول إنه عذاب الكافر على كفره ، وهذا على خلاف قوله تعالى ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابه) وكلمة ( لو ) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فوجب أن لا توجد المؤاخذة في الدنيا ، وأيضاً قال تعالى ( اليوم تجزي كل نفس مما كسبت) وذلك يقتضي حصول المجازاة في ذلك اليوم ، لا في الدنيا ، قلنا : الآية الدالة على حصول العقاب في الدنيا خاصة ، والآيات التي ذكرتموها عامة ، والخاص مقدم على العام . ﴿ المسألة الثانية﴾ لقائل أن يقول وصف العذاب بالشدة، يقتضي أن يكون عقاب الكافر في الدنيا أشد ، ولسنا نجد الأمر كذلك ، فان الأمر تارة يكون على الكفار وأخرى على المسلمين ، ولا نجد بين الناس تفاوتا . قلنا ؛ بل التفاوت موجود في الدنيا ، لأن الآية في بيان أمر اليهود الذين كذبوا بعيسى عليه السلام ، ونرى الذلة والمسكنة لازمة لهم ، فزال الإشكال . ﴿ المسألة الثالثة) وصف تعالى هذا العذاب بأنه ليس لهم من ينصرهم ويدفع ذلك العذاب عنهم . فان قيل : أليس قد يمتنع على الأئمة والمؤمنين قتل الكفار بسبب العهد وعقد الذمة . قلنا : المانع هو العهد ، ولذلك إذا زال العهد حل قتله . ثم قال تعالى ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ . وفيه مسائل : المسألة الأولى﴾ قرأ حفص عن عاصم (فيوفيهم) بالياء ، يعني فيوفيهم اللّه، والباقون بالنون حملا على ما تقدم من قوله ( فأحكم ، فأعذبهم ) وهو الأولى لأنه نسق الكلام .