النص المفهرس

صفحات 41-60

قوله تعالى: ((قال رب أني يكون لي غلام)) الآية سورة آل عِمْران ٤١
اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك ، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة .
الصفة الخامسة ﴾ قوله ( من الصالحين) وفيه ثلاثة أوجه ( الأول ) معناه أنه من
أولاد الصالحين ( والثاني ) أنه خير كما يقال في الرجل الخير ( إنه من الصالحين ) ( والثالث )
أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام ((ما من نبي إلا
وقد عصى ، أوهم بمعصية غير يحيى فانه لم يعص ولم يهم)).
فان قيل : لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة فما الفائدة في
وصفه بعد ذلك بالصلاح؟
قلنا : أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال ( وأدخلي برحمتك في عبادك
الصالحين ) وتحقيق القول فيه : أن للأنبياء قدراً من الصلاح لو انتقص لأنتفت النبوة ،
فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا ، ثم بعد اشتراكهم في ذلك
القدر تتفاوت درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر ، وكل من كان أكثر نصيباً منه كان أعلى قدراً
والله أعلم .
قوله تعالى ( قال رب إنى يكون لي غلام) في الآية سؤالات :
السؤال الأول﴾ قوله (رب) خطاب مع الله أو مع الملائكة، لأنه جائز أن يكون
خطاباً مع الله ، لأن الآية المتقدمة دلت على أن الذين نادوه هم الملائكة ، وهذا الكلام لا بد أن
يكون خطاباً مع ذلك المنادي لا مع غيره ، ولا جائز أن يكون خطاباً مع الملك ، لأنه لا يجوز
للانسان أن يقول للملك : يا رب .
( والجواب ) للمفسرين فيه قولان ( الأول ) أن الملائكة لما نادوه بذلك وبشروه به تعجب
زكريا عليه السلام ورجع في إزالة ذلك التعجب إلى الله تعالى ( والثاني ) أنه خطاب مع
الملائكة والرب إشارة إلى المربي ، ويجوز وصف المخلوق به ، فإنه يقال : فلان يربيني ويحسن
إلي .
السؤال الثاني ﴾ لما كان زكريا عليه السلام هو الذي سأل الولد، ثم أجابه الله تعالى
إليه فلم تعجب منه ولم استبعده؟ .
( الجواب ) لم يكن هذا الكلام لأجل أنه كان شاكاً في قدرة الله تعالى على ذلك والدليل
عليه وجهان ( الأول ) أن كل أحد يعلم أن خلق الولد من النطفة إنما كان على سبيل العادة لأنه
لو كان لا نطفة إلا من خلق ، ولا خلق إلا من نطفة ، لزم التسلسل ولزم حدوث الحوادث في

٤٢
قوله تعالى : ( قال رب أني یکون لي غلام )) الآية
سورة آل عمران
الأزل وهو محال ، فعلمنا أنه لا بد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه الله تعالى لا من نطفة أو من
نطفة خلقها الله تعالى لا من إنسان.،
والوجه الثاني ﴾ أن زكريا عليه السلام طلب ذلك من الله تعالى، فلو كان ذلك
محالا ممتنعاً لما طلبه من الله تعالى، فثبت بهذين الوجهين أن قوله ( أنى يكون لي غلام ) ليس
للاستبعاد ، بل ذكر العلماء فيه وجوهاً. (الأول) أن قوله ( أنى ) معناه : من أين .
ويحتمل أن يكون معناه : كيف تعطي ولداً على القسم الأول أم على القسم الثاني ، وذلك لأن
حدوث الولد يحتمل وجهين ( أحدهما ) أن يعيد الله شبابه ثم يعطيه الولد مع شيخوخته ،
فقوله ( أنى يكون لي غلام ) معناه : كيف تعطي الولد على القسم الأول أم على القسم الثاني؟
فقيل له كذلك . أي على هذا الحال والله يفعل ما يشاء ، وهذا القول ذكره الحسن والأصم
( والثاني ) أن من كان آيسا من الشيء مستبعداً لحصوله ووقوعه إذا اتفق أن حصل له ذلك
المقصود فربما صار كالمدهوش من شدة الفرح فيقول : كيف حصل هذا ، ومن أين وقع هذا
كمن يرى إنساناً وهبه أموالاً عظيمة ، يقول كيف وهبت هذه الأموال ، ومن أين سمحت
نفسك بهبتها؟ فكذا ههنا لما كان زكريا عليه السلام مستبعداً لذلك ، ثم اتفق إجابة الله تعالى
إليه ، صار من عظم فرحه وسروره قال ذلك الكلام ( الثالث ) أن الملائكة لما بشروه بيحيى لم
يعلم أنه يرزق الولد من جهة أنثى أومن صلبه ، فذكر هذا الكلام لذلك الاحتمال ( الرابع )
أن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء فطلبه من السيد ، ثم إن السيد يعده بأنه سيعطيه
بعد ذلك ، فالتذ السائل بسماع ذلك الكلام ، فربما أعاد السؤال ليعيد ذلك الجواب فحينئذ
يلتذ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى ، فالسبب في إعادة زكريا هذا الكلام يحتمل أن يكون من
هذا الباب ( الخامس ) نقل سفيان بن عيينة أنه قال : كان دعاؤه قبل البشارة بستين سنة حتى
كان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة فلما سمع البشارة زمان الشيخوخة لا جرم استبعد ذلك
على مجرى العادة لا شكا في قدرة الله تعالى فقال ما قال ( السادس ) نقل عن السدى أن زكريا
عليه السلام جاءه الشيطان عند سماع البشارة فقال إن هذا الصوت من الشيطان ، وقد سخر
منك فاشتبه الأمر على زكريا عليه السلام فقال ( رب أنى يكون لي غلام ) وكان مقصوده من
هذا الكلام أن يريه الله تعالى آية تدل على أن ذلك الكلام من الوحي والملائكة لا من إلقاء
الشيطان قال القاضي : لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشيطان عند الوحي على الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل الشرائع ويمكن أن يقال : لما
قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق بالدين لا جرم حصل الوثوق هناك بأن
الوحي من الله تعالى بواسطة الملائكة ولا مدخل للشيطان فيه ، أما ما يتعلق بمصالح الدنيا
وبالولد فربما لم يتأكد ذلك المعجز فلا جرم بقي احتمال كون ذلك من الشيطان فلا جرم رجع إلى

٤٣
قوله تعالى: ((قال رب أجعل لي آية )) الآية سورة آل عمران
قَالَ رَبِّ أَجْعَلِ لَىْءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا وَأَذْكُر
رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحُ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَرِ (
الله تعالى في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال .
أما قوله تعالى ( وقد بلغني الكبر ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ الكبر مصدر كبر الرجل يكبر إذا أسن ، قال ابن عباس : كان يوم
بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت تسعین وثمان.
المسألة الثانية ﴾ قال أهل المعاني: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك،
وكلما جاز أن يقول : بلغت الكبر جاز أن يقول بلغني الكبر يدل عليه قول العرب : لقيت
الحائط، وتلقائي الحائط.
فان قيل : يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد ، قلنا : هذا لا يجوز، والفرق بين
الموضعين أن الكبر كالشيء الطالب للانسان فهو يأتيه بحدوثه فيه ، والإنسان أيضاً يأتيه بمرور
السنين عليه ، أما البلد فليس كالطالب للانسان الذاهب ، فظهر الفرق.
أما قوله ( وامرأتي عاقر ).
اعلم أن العاقر من النساء التي لا تلد ، يقال : عقر يعقر عقراً، ويقال أيضاً عقر
الرجل ، وعقر بالحركات الثلاث في القاف إذا لم يحمل له ، ورمل عاقر : لا ينبث شيئاً،
واعلم أن زكريا عليه السلام ذكر كبر نفسه مع كون زوجته عاقراً لتأكيد حال الاستبعاد .
أما قوله ( قال كذلك الله يفعل ما يشاء) ففيه بحثان ( الأول ) أن قوله ( قال ) عائد إلى
مذکور سابق ، وهو الرب المذکور في قوله ( قال رب أنی یکون لی غلام ) وقد ذكرنا أن ذلك
یحتمل أن يكون هو الله تعالى ، وأن يكون هو جبريل.
﴿ البحث الثاني ﴾ قال صاحب الكشاف ( كذلك الله ) مبتدأ وخبر أي على نحو هذه
الصفة الله ، ويفعل ما يشاء بيان له ، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادة.
قوله تعالى ﴿ قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك
كثيراً وسبح بالعشى والإِبكار ﴾ .

٤٤
قوله تعالى: (( قال رب أجعل لي آية )) الآية
سورة آل عِمْران
واعلم أن زكريا عليه السلام لفرط سروره بما بشر به وثقته بكرم ربه ، وإنعامه عليه
أحب أن يجعل له علامة تدل على حصول العلوق ، وذلك لأن العلوق لا يظهر في أول الأمر
فقال ( رب اجعل لي آية ) فقال الله تعالى ( آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً) وفيه
مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ ذکر ههنا ثلاثة أيام، وذکر في سورة مريم ثلاثة ليالي فدل مجموع
الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع لياليها.
المسألة الثانية﴾ ذكروا في تفسير هذه الآية وجوها (أحدها) أنه تعالى حبس لسانه
ثلاثة أيام فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزاً ، وفيه فائدتان ( إحداهما ) أن يكون ذلك آية على
علوق الولد ( والثانية ) أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا ، وأقدره على الذكر والتسبيح
والتهليل ، ليكون في تلك المدة مشتغلا بذكر الله تعالى، وبالطاعة والشكر على تلك النعمة
الجسيمة وعلى هذا التقدير يصير الشيء الواحد علامة على المقصود ، وأداء لشكر تلك
النعمة ، فيكون جامعاً لكل المقاصد .
ثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه ( أحدها ) أن قدرته على
التكلم بالتسبيح والذكر، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم المعجزات ( وثانيها ) أن
حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة البنية واعتدال المزاج من جملة المعجزات
( وثالثها ) أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد ، ثم إن الأمر خرج على
وفق هذا الخبر يكون أيضاً من المعجزات .
القول الثاني في تفسير هذه الآية ﴾ وهو قول أبي مسلم : أن المعنى أن زكريا عليه
السلام لما طلب من الله تعالى آية تدله على حصول العلوق ، قال آيتك أن لا تكلم ، أي تصير
مأموراً بأن لا تتكلم ثلاثة أيام بلياليها مع الخلق ، أي تكون مشتغلا بالذكروالتسبيح والتهليل
معرضاً عن الخلق والدنيا شاكراً لله تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة ، فان كانت لك حاجة دل
عليها بالرمز فاذا أمرت بهذه الطاعة فاعلم أنه قد حصل المطلوب ، وهذا القول عندي حسن
معقول ، وأبو مسلم حسن الكلام في التفسير كثير الغوص على الدقائق واللطائف.
القول الثالث ﴾ روى عن قتادة أنه عليه الصلاة والسلام عوقب بذلك من حيث سأل
الآية بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصير بحيث لا يقدر على الكلام.
أما قوله ( إلا رمزاً) ففيه مسألتان :

٤٥
سورة آل عِمْران
قوله تعالى: (( قال رب أجعل لي آية )) الآية
المسألة الأولى﴾ أصل الرمز الحركة، يقال: ارتمز إذا تحرك، ومنه قيل للبحر:
الراموز، ثم اختلفوا في المراد بالرمز ههنا على أقوال ( أحدها ) أنه عبارة عن الإشارة كيف
كانت باليد ، أو الرأس ، أو الحاجب ، أو العين ، أو الشفة ( والثاني ) أنه عبارة عن تحريك
الشفتين باللفظ من غير نطق وصوت قالوا : وحمل الرمز على هذا المعنى أولى ، لأن الإِشارة
بالشفتين يمكن وقوعها بحيث تكون حركات الشفتين وقت الرمز مطابقة لحركاتهما عند النطق
فيكون الاستدلال بتلك الحركات على المعاني الذهنية أسهل ( والثالث ) وهو أنه كان يمكنه أن
يتكلم بالكلام الخفي ، وأما رفع الصوت بالكلام فكان ممنوعاً منه.
فان قيل : الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟.
قلنا : لما أدى ما هو المقصود من الكلام سمى كلاماً ، ويجوز أيضاً أن يكون استثناء
منقطعاً فاما إن حملنا الرمز على الكلام الخفي فان الإشكال زائل.
المسألة الثانية ﴾ قرأ يحيى بن وثاب ( إلا رمزاً) بضمتين جمع رموز، كرسول
ورسل ، وقرىء ( رمزاً) بفتح الراء والميم جمع رامز ، كخادم وخدم ، وهو حال منه ومن
الناس ، ومعنى ( إلا رمزاً) إلا مترامزين ، كما يتكلم الناس مع الأخرس بالإشارة ويكلمهم.
ثم قال الله تعالى ( واذكر ربك كثيراً) وفيه قولان ( أحدهما ) أنه تعالى حبس لسانه عن
أمور الدنيا ( إلا رمزاً) فأما في الذكر والتسبيح ، فقد كان لسانه جيداً ، وكان ذلك من
المعجزات الباهرة ( والثاني ) إن المراد منه الذكر بالقلب وذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة الله
تعالى عادتهم في الأول أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة فاذا امتلأ القلب من نور ذكر الله
سكت اللسان وبقي الذكر في القلب ، ولذلك قالوا : من عرف الله كل لسانه ، فكأن زكريا
عليه السلام أمر بالسكوت واستحضار معاني الذكر والمعرفة واستدامتها.
( وسبح بالعشي والأبكار ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ (العشي) من حين تزول الشمس إلى أن تغيب ، قال الشاعر:
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه
ولا الفيء من برد العشي تذوق
والفيء ، إنما يكون من حين زوال الشمس إلى أن يتناهى غروبها ، وأما الإيكار فهو
مصدر بكر يبكر إذا خرج للأمر في أول النهار ، ومثله بكر وابتكر وبكر ، ومنه الباكورة
لأول الثمرة ، هذا هو أصل اللغة ، ثم سمى ما بين طلوع الفجر إلى الضحى : إبكاراً ، كما
سمى إصباحاً، وقرأ بعضهم ( والأبكار ) بفتح الهمزة ، جمع بكر كسحر وأسحار ، ويقال :

٤٦
قوله تعالى: (( واذ قالت الملائكة يا مريم)) الآية
سورة آل عمران
وَ إِذْ قَالَتِ الْمَلَكُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللََّ أَصْطَفَئِكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَئِكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ
٤٣
يَمَرْيَمُ أَقْتُىِ لِيّكِ وَأَشْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الَّكِينَ
أتیته بكراً بفتحین.
﴿ المسألة الثانية) في قوله ( وسبح) قولان ( أحدهما ) المراد منه: وصل لأن الصلاة
تسمى تسبيحاً قال الله تعالى ( فسبحان الله حين تمسون ) وأيضاً الصلاة مشتملة على التسبيح ،
فجاز تسمية الصلاة بالتسبيح ، وههنا الدليل دل على وقوع هذا المحتمل وهو من وجهين
( الأول ) أنا لو حملناه على التسبيح والتهليل لم يبق بين هذه الآية وبين ما قبلها وهو قوله
( واذكر ربك) فرق ، وحينئذ يبطل لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز ( والثاني ) وهو أنه
شديد الموافقة لقوله تعالى ( أقم الصلاة طرفي النهار ) ( وثانيهما ) أن قوله ( واذكر ربك )
محمول على الذكر باللسان .
القصة الثالثة
وصفه طهارة مريم صلوات الله عليها
قوله سبحانه وتعالى ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على
نساء العالمين ، يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ عامل الإعراب ههنا في (إذ) هو ما ذكرناه في قوله ( إذ قالت امرأة
عمران ) من قوله ( سميع عليم ) ثم عطف عليه ( إذ قالت الملائكة ) وقيل : تقديره واذكر إذ
قالت الملائكة.
المسألة الثانية ﴾ قالوا المراد بالملائكة ههنا جبريل وحده ، وهذا كقوله ( ينزل الملائكة
بالروح من أمره ) يعني جبريل ، وهذا وإن كان عدولا عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه ،
لأن سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم عليها السلام هو جبريل عليه السلام ، وهو قوله

قوله تعالى: (( واذ قالت الملائكة )) الآية
٤٧
سورة آل عمران
( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ) .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى ( وما
أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إلیھم من أهل القرى ) وإذا کان کذلك کان إرسال جبريل
عليه السلام إليها إما أن يكون كرامة لها . وهو مذهب من يجوز كرامات الأولياء ، أو إرهاصاً
لعيسى عليه السلام ، وذلك جائز عندنا ، وعند الكعبي من المعتزلة ، أو معجزة لزكرياء عليه
السلام، وهو قول جمهور المعتزلة ، ومن الناس من قال : إن ذلك كان على سبيل النفث في
الروع والإِلهام والإلقاء في القلب ، كما كان في حق أم موسى عليه السلام في قوله (وأوحينا إلى
أم موسى ) .
المسألة الرابعة﴾ اعلم أن المذكور في هذه الآية أولا هو الاصطفاء ، وثانياً التطهير،
وثالثاً الاصطفاء على نساء العالمين ، ولا يجوز أن يكون الاصطفاء أولا من الاصطفاء الثاني ،
لما أن التصريح بالتكرير غير لائق ، فلا بد من صرف الاصطفاء الأول إلى ما اتفق لها من الأمور
الحسنة في أول عمرها، والاصطفاء الثاني إلى ما اتفق لها في آخر عمرها .
النوع الأول من الاصطفاء﴾ فهو أمور (أحدها) أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها
كانت أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث ( وثانيها ) قال الحسن : إن أمها لما
وضعتها ما غذتها طرفة عين ، بل ألقتها إلى زكريا ، وكان رزقها يأتيها من الجنة ( وثالثها ) أنه
تعالى فرغها لعبادته ، وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة (ورابعها ) أنه
كفاها أمر معيشتها ، فكان يأتيها رزقها من عند الله تعالى على ما قال الله تعالى ( أنى لك هذا
قالت هو من عند الله) ( وخامسها ) أنه تعالى أسمعها كلام الملائكة شفاها ، ولم يتفق ذلك
لأنثى غيرها ، فهذا هو المراد من الاصطفاء الأول ، وأما التطهير ففيه وجوه ( أحدها ) أنه
تعالى طهرها عن الكفر والمعصية، فهو كقوله تعالى في أزواج النبي وتسلي (ويطهركم تطهيراً )
( وثانيها) أنه تعالى طهرها عن مسيس الرجال ( وثالثها ) طهرها عن الحيض ، قالوا : كانت
مريم لا تحيض ( ورابعها ) وطهرك من الأفعال الذميمة ، والعادات القبيحة ( وخامسها )
وطهرك عن مقالة اليهود وتهمتهم وكذبهم.
: وأما الاصطفاء الثاني ﴾ فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من غير أب ،
وأنطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة ، وجعلها وابنها آية
للعالمين ، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ الثلاثة .
المسألة الخامسة﴾ روى أنه عليه الصلاة والسلام قال ((حسبك من نساء العالمين
الفخر الرازي ج ٨ م٤

٤٨
قوله تعالى: ((واذ قالت الملائكة)) الآية. سورةٌ آل عِمْران
أربع : مريم وآسية امرأة فرعون، وخديجة ، وفاطمة عليهن السلام)) فقيل هذا الحديث دل
على أن هؤلاء الأربع أفضل من النساء ، وهذه الآية دلت على أن مريم عليها السلام أفضل
من الكل ، وقول من قال المراد إنها مصطفاة على عالمي زمانها . فهذا ترك الظاهر.
ثم قال تعالى ( يا مريم اقنتي لربك واسجدي ) وقد تقدم تفسير القنوت في سورة البقرة
في قوله تعالى (وقوموا لله قانتين ) وبالجملة فلما بين تعالى أنها مخصوصة بمزيد المواهب والعطايا
من الله أوجب عليها مزيد الطاعات ، شكراً لتلك النعم السنية ، وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول ﴾ لم قدم ذكر السجود على ذكر الركوع؟ .
والجواب من وجوه (الأول) أن الواوتفيد الاشتراك ولا تفيد الترتيب ( الثاني ) أن غاية
قرب العبد من الله أن يكون ساجداً قال عليه الصلاة والسلام ((أقرب ما يكون العبد من ربه
إذا سجد)) فلما كان السجود مختصاً بهذا النوع من الرتبة والفضيلة لا جرم قدمه على سائر
الطاعات .
ثم قال ( واركعي مع الراكعين ) وهو إشارة إلى الأمر بالصلاة ، فكأنه تعالى يأمرها
بالمواظبة على السجود في أكثر الأوقات ، وأما الصلاة فانها تأتي بها في أوقاتها المعينة لها
( والثالث ) قالي ابن الأنباري : قوله تعالى ( اقنتي) أمر بالعبادة على العموم، ثم قال بعد
ذلك ( اسجدي واركعي ) يعني استعملي السجود في وقته اللائق به ، واستعملي الركوع في وقته
اللائق به ، وليس المراد أن يجمع بينهما ، ثم يقدم السجود على الركوع والله أعلم ( الرابع ) أن
الصلاة تسمى سجوداً كما قيل في قوله ( وأدبار السجود) وفي الحديث (( إذا دخل أحدكم
المسجد فليسجد سجدتين)) وأيضاً المسجد سمي باسم مشتق من السجود والمراد منه موضع
الصلاة ، وأيضاً أشرف أجزاء الصلاة السجود وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه نوع مشهور
فى المجاز.
إذا ثبت هذا فنقول قوله ( يا مريم اقنتي) معناه: يا مريم قومي، وقوله ( واسجدي ) أي
صلى فكان المراد من هذا السجود الصلاة ، ثم قال ( واركعي مع الراكعين ) إما أن يكون أمراً
لها بالصلاة بالجماعة فيكون قوله ( واسجدي ) أمراً بالصلاة حال الانفراد ، وقوله ( واركعي
مع الراكعين ) أمراً بالصلاة في الجماعة ، أو يكون المراد من الركوع التواضع ويكون قوله
( واسجدي) أمراً ظاهراً بالصلاة ، وقوله ( واركعي مع الراكعين ) أمراً بالخضوع والخشوع
بالقلب.
الوجه الخامس في الجواب ﴾ لعله كان السجود في ذلك الدين متقدماً على الركوع.

٤٩
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((ذلك من أنباء الغيب)) الآية
ذَالِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيٍ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ
مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
﴿ السؤال الثاني ﴾ ما المراد من قوله (واركعي مع الراكعي).
( والجواب ) قيل معناه : افعلي كفعلهم ، وقيل المراد به الصلاة في الجماعة كانت مأمورة
بأن تصلى في بيت المقدس مع المجاورين فيه ، وإن كانت لا تختلط بهم.
السؤال الثالث ﴾ لم لم يقل واركعي مع الراكعات؟.
والجواب لأن الاقتداء بالرجال حال الاختفاء من الرجال أفضل ، من الاقتداء بالنساء.
واعلم أن المفسرين قالوا : لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات مع مريم عليها السلام
شفاها ، قامت مريم في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح من قدميها.
قوله تعالى ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل
مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى ﴾ ( ذلك) إشارة إلى ما تقدم ، والمعنى أن الذي مضی ذکره من حدیث
حنة وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم ، إنما هو من إخبار الغيب فلا يمكنك أن تعلمه إلا
بالوحي.
فان قيل : لم نفيت هذه المشاهدة ، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة ، وترك نفي استماع هذه
الأشياء من حفاظها وهو موهوم؟ .
قلنا : كان معلوماً عندهم علماً يقينياً أنه ليس من أهل أَلسماع والقراءة، وكانوا منكرين
للوحي ، فلم يبق إلا المشاهدة ، وهي وإن كانت في غاية الاستبعاد إلا أنها نفيت على سبيل
التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع ولا قراءة ، ونظيره ( وما كنت بجانب
الغربي ، وما كنت بجانب الطور، وما كنت لديهم إذا أجمعوا أمرهم ، وما كنت تعلمها أنت
ولا قومك من قبل هذا) .

٥٠
قوله تعالى: ((ذلك من أنباء الغيب)) الآية
سورة آل عِمْران
المسألة الثانية﴾ الأنباء: الأخبار عما غاب عنك، وأما الإيحاء فقد ورد الكتاب به
على معان مختلفة ، يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرهما ، وبهذا
التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله تعالى ( وأوحى ربك إلى النحل ) وقال في الشياطين يوحون إلى
أوليائهم ، وقال ( فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ) فلما كان الله سبحانه ألقى هذه
الأشياء إلى الرسول وَله بواسطة جبريل عليه السلام بحيث يخفى ذلك على غيره سماه وحياً.
أما قوله تعالى ( إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ ذكروا في تلك الأقلام وجوهاً (الأول) المراد بالأقلام التي كانوا
يكتبون بها التوراة وسائر كتب الله تعالى ، وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس
جری الماء فالحق معه ، فلما فعلوا ذلك صار قلم زکریا کذلك فسلموا الأمر له وهذا قول
الأكثرين ( والثاني ) أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري جرت عصا زكريا على ضد جرية الماء
فغلبهم ، وهذا قول الربيع ( والثالث ) قال أبو مسلم : معنى يلقون أقلامهم مما كانت الأمم
تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم فمن خرج له السهم
سلم له الأمر ، وقد قال الله تعالى ( فساهم فكان من المدحضين ) وهو شبيه بأمر القداح التي
تتقاسم بها العرب لحم الجزور ، وإنما سميت هذه السهام أقلاما لأنها تقلم وتبري ، وكل ما
قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قلمته ، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلماً .
قال القاضي : وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل
الاشتقاق ، إلا أن العرف أوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به ، فوجب حمل لفظ القلم
عليه .
المسألة الثانية ﴾ ظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون أقلامهم في شيء على وجه
يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب ، وإما ليس فيه دلالة على كيفية
ذلك الإلقاء ، إلا أنه روى في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على
خلاف جرى الماء فاليد له ، ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا عليه السلام ، فلا جرم صار هو
أولى بكفالتها والله أعلم.

٥١
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((اذ قالت الملائكة)) الآية
إِذْ قَالَتِ الْمَئِكُ ◌َمَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يَُشِّرُلِكِ بِكَةٍ مِنْهُ أَسْمُ الْمَسِيحُ عِسَى أَبْنُ مَرْيَمَ
وَجِيهًا فِ اَلُّنْيَا وَلْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤﴾ وَيُكَلِمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ
الصَّلحِينَ (
٤٦
المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في السبب الذي لأجله رغبوا في كفالتها حتى أدتهم تلك
الرغبة إلى المنازعة ، فقال بعضهم : إن عمران أباها كان رئيساً لهم ومقدماً عليهم ، فلأجل
حق أبيها رغبوا في كفالتها ، وقال بعضهم : إن أمها حررتها لعبادة الله تعالى ولخدمة بيت الله
تعالى، ولأجل ذلك حرصوا على التكفل بها ، وقالو آخرون : بل لأن في الكتب الإلهية كان
بيان أمرها وأمر عيسى عليه السلام حاصلا فتقربوا لهذا السبب حتى اختصموا.
﴿ المسألة الرابعة﴾ اختلفوا في أن أولئك المختصمين من كانوا؟ فمنهم من قال : كانوا
هم خدمة البيت ، ومنهم من قال : بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي ، ولا شبهة في أنهم
كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في الطريق.
أما قوله ( أيهم يكفل مريم ) ففيه حذف والتقدير : يلقون أقلامهم لينظروا أيهم يكفل
مريم وإنما حسن لكونه معلوماً .
أما قوله ( وما كنت لديهم إذ يختصمون ) فالمعنى وما كنت هناك إذ يتقارعون على التكفل
بها وإذ يختصمون بسببها فيحتمل أن يكون المراد بهذا الاختصام ما كان قبل الإقراع ، ويحتمل
أن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الإقراع ، وبالجملة فالمقصود من الآية شدة رغبتهم في
التكفل بشأنها ، والقيام باصلاح مهماتها ، وما ذاك إلا لدعاء أمها حيث قالت ( فتقبل مني
إنك أنت السميع العليم) وقالت ( إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) .
قوله سبحانه وتعالى ﴿ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى
ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما شرح حال مريم عليها السلام ، في أول أمرها وفي آخر أمرها شرح
كيفية ولادتها لعيسى عليه السلام ، فقال ( إذ قالت الملائكة ) وفيه مسألتان :

٥٢
قوله تعالى: ((اذ قالت الملائكة يا مريم)) الآية سورة آل عِمْران
المسألة الأولى﴾ اختلفوا في العامل في ( إذ) قيل: العامل فيه . وما كنت لديهم إذ
قالت الملائكة ، وقيل : يختصمون إذ قالت الملائكة ، وقيل : إنه معطوف على ( إذ) الأولى في
قوله ( إذا قالت امرأة عمران ) وقيل التقدير : إن ما وصفته من أمور زكريا ، وهبة الله له يحيى
كان إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك ، وأما أبو عبيدة : فإنه يجري في هذا الباب على
مذهب له معروف، وهو أن ( إذ) صلة في الكلام وزيادة ، واعلم أن القولين الأولين فيهما
بعض الضعف وذلك لأن مريم حال ما كانوا يلقون الأقلام وحال ما كانوا يختصمون ما بلغت
الجد الذي تبشرفيه بعيسى عليه السلام ، إلا قول الحسن : فإنه يقول إنها كانت عاقلة في حال
الصغر ، فإن ذلك كان من كراماتها ، فإن صح ذلك جاز في تلك الحال أن يرد عليها البشرى
من الملائكة ، وإلا فلا بد من تأخر هذه البشرى إلى حين العقل ، ومنهم من تكلف الجواب ،
فقال : يحتمل أن يقال الاختصام والبشرى وقعا في زمان واسع ، كما تقول لقيته في سنة كذا ،
وهذا الجواب بعيد والأصواب هو الوجه الثالث ، والرابع ، أما قول أبو عبيدة : فقد عرفت
ضعفه ، والله أعلم .
المسألة الثانية﴾ ظاهر قوله (إذ قالت الملائكة) يفيد الجمع إلا أن المشهور أن ذلك
المنادى كان جبريل عليه السلام ، وقد قررناه فيما تقدم ، وأما البشارة فقد ذكرنا تفسيرها في
سورة البقرة في قوله ( وبشر الذي آمنوا وعملوا الصالحات ) .
وأما قوله تعالى ( بكلمة منه ) فقد ذكرنا تفسير الكلمة من وجوه وأليقها بهذا الموضع
وجهان ( الأول ) أن كل علوق وإن كان مخلوقاً بواسطة الكلمة وهي قوله ( كن ) إلا أن ما هو
السبب المتعارف كان مفقوداً في حق عيسى عليه السلام وهو الأب ، فلا جرم كان إضافة حدوثه
إلى الكلمة أكمل وأتم فجعل بهذا التأويل كأنه نفس الكلمة كما أن من غلب عليه الجود
والكرم والإقبال يقال فيه على سبيل المبالغة إنه نفس الجود ، ومحض الكرم ، وصريح الإقبال ،
فكذا ههنا .
والوجه الثاني ﴾ أن السلطان العادل قد يوصف بأنه ظل الله في أرضه ، وبأنه نور الله
لما أنه سبب لظهور ظل العدل، ونور الإحسان ، فكذلك كان عيسى عليه السلام سبباً لظهور
كلام الله عز وجل بسبب كثرة بياناته وإزالة الشبهات والتحريفات عنه فلا يبعد أن يسمى
بكلمة الله تعالى على هذا التأويل .
فإن قيل : ولم قلتم إن حدوث الشخص من غير نطفة الأب ممكن قلنا : أما على أصول
المسلمين فالأمر فيه ظاهر ويدل عليه وجهان ( الأول ) أن تركيب الأجسام وتأليفها على وجه

٥٣
قوله تعالى: ((اذ قالت الملائكة يا مريم)) الآية سورة آل عِمْران
يحصل فيها الحياة والفهم ، والنطق أمر ممكن ، وثبت أنه تعالى قادر على الممكنات بأسرها ،
وكان سبحانه وتعالى قادراً على إيجاد الشخص ، لا من نطفة الأب ، وإذا ثبت الإمكان ، ثم
إن المعجز قام على صدق النبي ، فوجب أن يكون صادقاً ، ثم أخبر عن وقوع ذلك الممكن ،
والصادق إذا أخبر عن وقوع الممكن وجب القطع بكونه كذلك ، فثبت صحة ما ذكرناه
( الثاني ) ما ذكره الله تعالى في قوله ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) فلما لم يبعد تخليق آدم
من غير آب فلأن لا يبعد تخليق عيسى من غير آب كان أولى وهذه حجة ظاهرة ، وأما على
أصول الفلاسفة فالأمر في تجويزه ظاهر ويدل عليه وجوه ( الأول ) أن الفلاسفة اتفقوا على أنه
لا يمتنع حدوث الإِنسان على سبيل التوالف من غير تولد قالوا : لأن بدن الإنسان إنما استعد
لقبول النفس الناطقة التي تدبر بواسطة حصول المزاج المخصوص في ذلك البدن ، وذلك
المزاج إنما جعل لامتزاج العناصر الأربعة على قدر معين في مدة معينة ، فحصول أجزاء العناصر
على ذلك القدر الذي يناسب بدن الإنسان غير ممتنع وامتزاجها غير ممتنع ، فامتزاجها يكون عند
حدوث الكيفية المزاجية واجباً ، وعند حدوث الكيفية المزاجية يكون تعلق النفس بذلك البدن
واجباً ، فثبت أن حدوث الإنسان على سبيل التولد معقول ممكن ، وإذا كان الأمر كذلك
فحدوث الإنسان لا عن الأب أولى بالجواز والإمكان .
الوجه الثاني ﴾ وهو أنا نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد، کتولد
الفأرعن المدر، والحيات عن الشعر، والعقارب عن الباذروج ، وإذا كان كذلك فتولد الولد
لا عن الأب أولى أن لا يكون ممتنعاً .
الوجه الثالث﴾ وهو أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث
الكثيرة ليس أن تصور المنافى يوجب حصول كيفية الغضب ، ويوجب حصول السخونة
الشديدة في البدن أليس اللوح الطويل إذا كان موضوعاً على الأرض قدر الإنسان على المشي
عليه ولو جعل كالقنطرة على وهدة لم يقدر على المشي عليه ، بل كلما مشى عليه يسقط وما ذاك
إلا أن تصور السقوط يوجب حصول السقوط ، وقد ذكروا في كتب الفلسفة أمثلة كثيرة لهذا
الباب ، وجعلوها كالأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات ، فما المانع من أن يقال إنه لما
تخيلت صورته عليه السلام كفى ذلك في علوق الولد في رحمها ، وإذا كان كل هذه الوجوه ممكناً
محتملاً كان القول بحدوث عيسى عليه السلام من غير واسطة الأب قولاً غير ممتنع ، ولو أنك
طالبت جميع الأولين والآخرين من أرباب الطبائع والطب والفلسفة على إقامة حجة إقناعية في
امتناع حدوث الولد من غير الأب لم يجدوا إليه سبيلاً إلا الرجوع إلى استقراء العرف
والعادة ، وقد اتفق علماء الفلاسفة على أن مثل هذا الإستقراء لا يفيد الظن القوي فضلاً عن

٥٤
قوله تعالى: ((اسمه المسيح عيسى بن مريم)) الآية
سورة آل عمران
العلم ، فعلمنا أن ذلك أمر ممكن فلما أخبر العباد عن وقوعه وجب الجزم به والقطع بصحته .
أما قوله تعالى ( بكلمة منه ) فلفظة ( من ) ليست للتبعيض ههنا إذ لو كان كذلك لكان
الله تعالى متجزئاً متبعضاً متحملاً للاجتماع والافتراق وكل من كان كذلك فهو محدث وتعالى الله
عنه ، بل المراد من كلمة ( من ) ههنا ابتداء الغاية وذلك لأن في حق عيسى عليه السلام لما لم
تكن واسطة الأب موجودة صار تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر فكان كونه
كلمة ( الله ) مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهمه النصارى
والحلولية .
وأما قوله تعالى ( اسمه المسيح عيسى ابن مريم ) ففيه سؤالات :
﴿ السؤال الأول﴾ المسيح: هل هو اسم مشتق ، أو موضوع؟.
( والجواب ) فيه قولان ( الأول ) قال أبو عبيدة والليث : أصله بالعبرانية مشيحاً،
فعربته العرب وغيروا لفظه ، وعيسى : أصله يشوع كما قالوا في موسى : أصله موشى ، أو
ميشا بالعبرانية ، وعلى هذا القول لا يكون له اشتقاق .
والقول الثاني﴾ أنه مشتق وعليه الأكثرون، ثم ذكر وا فيه وجوهاً (الأول ) قال ابن
عباس : إنما سمي عيسى عليه السلام مسيحاً ، لأنه ما كان يمسح بيده ذا عاهة ، إلا برىء من
مرضه ( الثاني ) قال أحمد بن يحيى : سمي مسيحاً لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها ، ومنه
مساحة أقسام الأرض ، وعلى هذا المعنى يجوز أن يقال : لعيسى مسيح بالتشديد على المبالغة
كما يقال للرجل فسيق وشريب ( الثالث) أنه كان مسيحاً ، لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله
تعالى ، فعلى هذه الأقوال : هو فعيل بمعنى: فاعل، كرحيم بمعنى : راحم ( الرابع ) أنه
مسح من الأوزار والآثام ( والخامس ) سمي مسيحاً لأنه ما كان في قدمه خمص . فكان ممسوح
القدمين ( والسادس ) سمي مسيحاً لأنه كان ممسوحاً بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ، ولا
يمسح به غيرهم . ثم قالوا : وهذا الدهن يجوز أن يكون الله تعالى جعله علامة حتى تعرف
الملائكة أن كل من مسح به وقت الولادة فإنه يكون نبياً ( السابع ) سمي مسيحاً لأنه مسحه
جبريل ◌َله بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً له عن مس الشيطان ( الثامن ) سمي مسيحاً
لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن ، وعلى هذه الأقوال يكون المسيح ، بمعنى :
الممسوح ، فعيل بمعنى : مفعول. قال أبو عمرو بن العلاء المسيح : الملك . وقال
النخعي : المسيح الصديق والله أعلم . ولعلهما قالا ذلك من جهة كونه مدحاً لا لدلالة اللغة
عليه ، وأما المسيح الدجال فإنما سمي مسيحاً لأحد وجهين ( أحدهما ) لأنه ممسوح أحد

قوله تعالى: ((وجيهاً في الدنيا والآخرة)) الآية سورة آل عِمْران
العينين ( والثاني ) أنه يمسح الأرض أي : يقطها في المدة القليلة ، قالوا : ولهذا قيل له :
دجال لضربه في الأرض ، وقطعه أكثر نواحيها ، يقال : قد دجل الدجال إذا فعل ذلك ،
وقيل : سمي دجالاً من قوله : دجل الرجل إذا موه ولبس .
﴿ السؤال الثاني﴾ المسيح كان كاللقب له، وعيسى كالاسم فلم قدم اللقب على
الاسم ؟ .
( الجواب ) أن المسيح كاللقب الذي يفيد كونه شريفاً رفيع الدرجة ، مثل الصديق
والفاروق فذكره الله تعالى أولاً بلقبه ليفيد علو درجته ، ثم ذكره باسمه الخاص .
السؤال الثالث ﴾ لم قال عيسى بن مريم والخطاب مع مريم؟ .
( الجواب ) لأن الأنبياء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات ، فلما نسبه الله تعالى إلى الأم
دون الأب ، كان ذلك إعلاماً لها بأنه محدث بغير الأب ، فكان ذلك سبباً لزيادة فضله وعلو
درجته .
: السؤال الرابع ﴾ الضمير في قوله: إسمه عائد إلى الكلمة وهي مؤنثة فلم ذكر
الضمير؟ .
( الجواب ) لأن المسمى بها مذكر .
· السؤال الخامس ﴾ لم قال اسمه المسيح عيسى بن مريم؟ والاسم ليس إلا عيسى،
وأما المسيح فهو لقب ، وأما ابن مريم فهو صفة .
( الجواب ) الاسم علامة المسمى ومعرف له ، فكأنه قيل : الذي يعرف به هو مجموع
هذه الثلاثة .
أما قوله تعالى ( وجيهاً في الدنيا والآخرة ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ معنى الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل ،
يوجه وجاهة فهو وجيه ، إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس والسلطان ، وقال بعض أهل
اللغة : الوجيه : هو الكريم ، لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه فجعل الوجه استعارة عن
الكرم والكمال .
واعلم أن الله تعالى وصف موسى ◌َّله بأنه كان وجيهاً قال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنو لا
تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً) ثم للمفسرين أقوال :

٥٦
قوله تعالى: ((ويكلم الناس في المهد وكهلا )) الآية سورة آل عِمْران
( الأول) قال الحسن : كان وجيهاً في الدنيا بسبب النبوة ، وفي الآخرة بسبب علو المنزلة عند
الله تعالى ( والثاني ) أنه وجيه عند الله تعالى ، وأما عيسى عليه السلام ، فهو وجيه في الدنيا
بسبب أنه يستجاب دعاؤه ويحيي الموتى ويبرىء الأكمة والأبرص بسبب دعائه ، ووجيه في
الآخرة بسبب أنه يجعله شفيع أمته المحقين ويقبل شفاعتهم فيهم كما يقبل شفاعة أكابر الأنبياء
عليهم السلام ( والثالث ) أنه وجهه في الدنيا بسبب أنه كان مبرأ من العيوب التي وصفه اليهود
بها، ووجيه في الآخرة بسبب كثرة ثوابه وعلو درجته عند الله تعالى .
فإن قيل : كيف كان وجيهاً في الدنيا واليهود عاملوه بما عاملوه ، قلنا : قد ذكرنا أنه تعالى
سمى موسى عليه السلام بالوجيه مع أن اليهود طعنوا فيه ، وآذوه إلى أن برأه الله تعالى مما
قالوا ، وذلك لم يقدح في وجاهة موسى عليه السلام ، فكذا ههنا .
المسألة الثانية﴾ قال الزجاج (وجيهاً) منصوب على الحال ، المعنى : أن الله يبشرك
بهذا الولد وجيهاً في الدنيا والآخرة ، والفراء يسمي هذا قطعاً كأنه قال : عيسى بن مريم الوجيه
فقطع منه التعريف .
أما قوله ( ومن المقربين ) ففيه وجوه ( أحدها) أنه تعالى جعل ذلك كالمدح العظيم
للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم بواسطة هذه الصفة ( وثانيها ) أن هذا الوصف كالتنبيه
على أنه عليه السلام سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة (وثالثها) أنه ليس كل وجيه في الآخرة
يكون مقرباً لأن أهل الجنة على منازل ودرجات ، ولذلك قال تعالى ( وكنتم أزواجاً ثلاثة ) إلى
قوله ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) .
أما قوله تعالى ( ويكلم الناس في المهد وكهلاً) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ الواو للعطف على قوله (وجيهاً) والتقدير كأنه قال: وجيهاً ومكلماً
للناس وهذا عندي ضعيف، لأن عطف الجملة الفعلية على الإسمية غير جائز إلا للضرورة ، أو
الفائدة والأولى أن يقال تقدير الآية ( إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم )
الوجيه في الدنيا والآخرة المعدود من المقربين ، وهذا المجموع جملة واحدة ، ثم قال ( ويكلم
الناس ) فقوله ( ويكلم الناس ) عطف على قوله ( إن الله يبشرك ).
المسألة الثانية﴾ في المهد قولان ( أحدهما) أنه حجر أمه ( والثاني ) هو هذا الشيء
المعروف الذي هو مضجع الصبي وقت الرضاع ، وکیف کان فالمراد منه : فإنه یکلم الناس في
الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ، ولا يختلف هذا المقصود سواء كان في حجر أمه أو كان
في المهد .

قوله تعالى: (( ويكلم الناس في المهد وكهلا )) الآية سورة آل عِمْران ٥٧
المسألة الثالثة﴾ قوله (وكهلاً) عطف على الظرف من قوله ( في المهد ) كأنه قيل :
يكلم الناس صغيراً وكهلاً وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول ﴾ ما الكهل؟.
( الجواب ) الكهل في اللغة ما اجتمع قوته وكمل شابه ، وهو مأخوذ من قول العرب
اكتهل النبات إذا قوى وتم قال الأعشى :
يضاحك الشمس منها كوكب شرق . مؤزر بحميم النبت مكتهل
أراد بالمكتهل المتناهي في الحسن والكمال .
﴿ السؤال الثاني﴾ أن تكلمه حال كونه في المهد من المعجزات، فأما تكلمه حال
الكهولة فليس من المعجزات ، فما الفائدة في ذكره ؟ .
( والجواب ) من وجوه ( الأول) أن المراد منه بيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى
الكهولة والتغير على الإِله تعالى محال ، والمراد منه الرد على وفد نجران في قولهم : إن عيسى كان
إلهاً ( والثاني ) المراد منه أن يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه ، ثم عند
الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة ( والثالث ) قال أبو مسلم : معناه أنه یکلم حال کونه في المهد ،
وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجز ( الرابع ) قال
الأصم : المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة .
﴿ السؤال الثالث﴾ نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثاً وثلاثين سنة
وستة أشهر، وعلى هذا التقدير : فهو ما بلغ الكهولة .
( والجواب ) من وجهين ( الأول ) بينا أن الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل
التام ، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين ، فصح وصفه بکونه کھلاً في
هذا الوقت ( والثاني ) هو قول الحسين بن الفضل البجلي : أن المراد بقوله (وكهلاً) أن يكون
كهلاً بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان ، ويكلم الناس ، ويقتل الدجال ، قال الحسين
بن الفضل : وفي هذه الآية نص في أنه عليه الصلاة والسلام سينزل إلى الأرض .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ أنكرت النصارى كلام المسيح عليه السلام في المهد ، واحتجوا على
صحة قولهم بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ، ولا شك أن هذه الواقعة لو
وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع واليقين بقولهم ،

٥٨
قوله تعالى: ((قالت رب أنى يكون لى ولد)) الآية
سورة آل عمران
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ وَلَهٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَيْرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَّ
أُمْرًا فَّمَا يَقُولُ لَهُو كُنْ فَيَكُونُ ([] وَيُعَلِيُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكَّةَ وَالنَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنْعِلَ (٨﴾
لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والإثنين لا يجوز، ومتى حدثت الواقعة العجيبة جداً
عند حضور الجمع العظيم فلا بد وأن تتوفر الدواعي على النقل فيصير ذلك بالغاً حد التواتر ،
وإخفاء ما يكون بالغاً إلى حد التواتر ممتنع ، وأيضاً فلو كان ذلك لكان ذلك الإخفاء ههنا ممتنعاً
لأن النصاری بالغوا في إفراط محبته إلی حیث قالوا إنه كان إهاً ، ومن كان كذلك يمتنع أن يسعى
في إخفاء مناقبه وفضائله بل ربما يجعل الواحد ألفاً فثبت أن لو كانت هذه الواقعة موجودة لكان
أولى الناس بمعرفتها النصارى ، ولما أطبقوا على إنكارها علمنا أنه ما كان موجوداً البتة .
أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة ، وقالوا : إن كلام عيسى عليه السلام في المهد إنما
كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة ، وكان الحاضرون جمعاً قليلين ،
فالسامعون لذلك الكلام ، كان جمعاً قليلاً ، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء ، وبتقدير :
أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت ، فهم أيضاً قد
سكتوا لهذه العلة فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً مخفياً إلى أن أخبر الله سبحانه وتعالى
محمد ◌ً ◌َِّ بذلك، وأيضاً فليس كل النصارى ينكرون ذلك ، فإنه نقل عن جعفر بن أبي
طالب : لما قرأ على النجاشي سورة مريم ، قال النجاشي : لا تفاوت بين واقعة عيسى ، وبين
المذكور في هذا الكلام بذرة .
ثم قال تعالى ( ومن الصالحين ) .
فإن قيل : كون عيسى كلمة من الله تعالى ، وكونه ( وجيهاً في الدنيا والآخرة ) وكونه من
المقربين عند الله تعالى ، وكونه مكلماً للناس في المهد ، وفي الكهولة كل واحد من هذه الصفات
أعظم وأشرف من كونه صالحاً فلم ختم الله تعالى أوصاف عيسى بقوله ( ومن الصالحين ) ؟ .
قلنا : إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحاً لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع
الأفعال والتروك مواظباً على النهج الأصلح ، والطريق الأكمل ، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع
المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب ، وفي أفعال الجوارح ، فلما ذكر الله تعالى بعض
التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات .
قوله تعالى ﴿ قالت رب أنی یکون لى ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا
قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون
٠

قوله تعالى: (( ورسولا إلى بني إسرائيل )) الآية
٥٩
سورة آل عمران
وَرَسُولًا إِلَى بَنِيّ إِسْرَءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِعَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَّ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ اْلِطِينٍ
قال المفسرون : إنها إنما قالت ذلك لأن التبشير به يقتضي التعجب مما وقع على خلاف
العادة وقد قررنا مثله في قصة زكريا عليه السلام ، وقوله ( إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن
فيكون ) تقدم تفسيره في سورة البقرة .
أما قوله تعالى ﴿وبعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ نافع، وعاصم (ويعلمه) بالياء والباقون بالنون ، أما الياء
فعطف على قوله ( يخلق ما يشاء ) وقال المبرد عطف على يبشرك بكلمة ، وكذا وكذا ( ويعلمه
الكتاب ) ومن قرأ بالنون قال تقدير الآية أنها : قالت رب أنى يكون لى ولد فقال لها الله
( كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ) فهذا وإن كان إخباراً على
وجهه المغايبة ، فقال ( ونعلمه) لأن معنى قوله ( كذلك الله يخلق ما يشاء ) معناه : كذلك
نحن نخلق ما نشاء ( ونعلمه الكتاب والحكمة ) والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ في هذه الآية أمور أربعة معطوف بعضها على بعض بواو العطف،
والأقرب عندي أن يقال : المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة ، ثم المراد بالحكمة تعليم
العلوم وتهذيب الأخلاق لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به
ومجموعهما هو المسمى بالحكمة ، ثم بعد أن صار عالماً بالخط والكتابة ، ومحيطاً بالعلوم العقلية
والشرعية ، يعلمه التوراة ، وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة ، لأن التوراة
كتاب إلهي ، وفيه أسرار عظيمة ، والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في
البحث على أسرار الكتب الإلهية، ثم قال في المرتبة الرابعة والإنجيل ، وإنما أخر ذكر الإنجيل
عن ذكر التوراة لأن من تعلم الخط، ثم تعلم علوم الحق ، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله
الله تعالى على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله تعالى عليه بعد ذلك
كتاباً آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو الغاية القصوى ، والمرتبة العليا في العلم ، والفهم
والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية ، والإطلاع على الحكم العلوية والسفلية ، فهذا ما عندي
في ترتيب هذه الألفاظ الأربعة .
ثم قال تعالى ﴿ ورسولاً إلى بني إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ وفيه مسائل :

٦٠
قوله تعالى : ورسولاً إلى بني إسرائيل . الآية سورة آل عِمْران
كَهَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الهِ
المسألة الأولى ﴾ في هذه الآية وجوه ( الأول) تقدير الآية: ونعلمه الكتاب والحكمة
والتوراة والإنجيل ونبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل ، قائلاً: أنى قد جئتكم بآية من ربكم ،
والحذف حسن إذا لم يفض إلى الاشتباه ( الثاني ) قال الزجاج : الإختيار عندي أن
تقديره : ويكلم الناس رسولاً ، وإنما أضمرنا ذلك لقوله ( أنى قد جئتكم والمعنى : ويكلمهم
رسولاً بأني قد جئتكم ، ( الثالث ) قال الأخفش : إن شئت جعلت الواو زائدة ، والتقدير :
ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ، والإنجيل رسولاً إلى بني إسرائيل ، قائلاً : أني قد جئتكم
بآية .
المسألة الثانية﴾ هذه الآية تدل على أنه كان رسولاً إلى كل بني إسرائيل بخلاف
قول بعض اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين منهم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد ههنا أنواعاً من الآيات،
وهي إحياء الموتى ، وإبراء الأكمة والأبرص ، والإخبار عن المغيبات فكان المراد من قوله ( قد
جئتكم بآية من ربكم ) الجنس لا الفرد .
ثم قال ﴿ أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ﴾ .
اعلم أنه تعالى حكى ههنا خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام :
النوع الأول
ما ذكره ههنا في هذه الآية وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة (أنى) بفتح الهمزة، وقرأ نافع بكسر الهمزة فمن فتح
( أنى ) فقد جعلها بدلاً من آية كأنه قال : وجئتكم بأني أخلق لكم من الطين ، ومن كسرفله
وجهان ( أحدهما ) الاستئناف وقطع الكلام مما قبله ( والثاني ) أنه فسر الآية بقوله ( أنى أخلق
لكم ) ويجوز أن يفسر الجملة المتقدمة بما يكون على وجه الابتداء قال الله تعالى ( وعد الله الذين