النص المفهرس

صفحات 1-20

تَفْسِيرُ الفَخْرِ الرَّزى
الشَّهُ بِالتغيير الكبير أو مَفَتَجِ الغَيب
للإمَام محمد الزَّزى فخر الدين ابن العلامة ضياء الدين عمر
الشَّهِ بخطيب الرى نَفَعَ اللّه باليمين
٥٤٤ - ٦٠٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م
الجُزْءُ الثَامِن
دار الفكر
لطبَاعَة وَالنشْر وَالتوزيع
-' ----
۔
اسهم.

٢
قوله تعالى: ((قل اللهم مالك)) الآية - سورة آلْ عِمْرَانِ الْجُزءُ
قُلِ الَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْنِى الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ ثِّن تَشَآءُ وَتُعِّر مَن نُّسَّءُ
وَتُذِلْ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (﴾ تُولِجُ الَّيْلَ فِ الََّارِ
وَتُوِجُ الََّارَ فِ أَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْخَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ
تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢٧
قوله تعالى ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء
وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل
وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة ، وصحة دين الإِسلام ، ثم قال لرسوله
( فان حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ) ثم ذكر من صفات المخالفين كفرهم بالله ،
وقتلهم الأنبياء والصالحين بغير حق ، وذكر شدة عنادهم وتمردهم في قوله ( ألم تر إلى الذين
أوتوا نصيبا من الكتاب ) ثم ذكر شدة غرورهم بقوله ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ) ثم
ذكر وعيدهم بقوله ( فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه) أمر رسول الله وَل بدعاء وتمجيد
يدل على مباينة طريقه وطريق أتباعه ، لطريقة هؤلاء الكافرين المعاندين المعرضين ، فقال
معلما نبيه كيف يمجد ويعظم ويدعو ويطلب ( قل اللهم مالك الملك ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ اختلف النحويون في قوله: (اللهم ) فقال الخليل وسيبويه ( اللهم)
معناه : يا ألله، والميم المشددة عوض من : يا ، وقال الفراء : كان أصلها ، يا ألله أم بخير :
فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء ، وحذفوا الهمزة من : أم ، فصار (اللهم ) ونظيره قول
العرب : هلم، والأصل : هل ، فضم : أم ، إليها ، حجة الأولين على فساد قول الفراء
وجوه ( الأول) لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صح أن يقال : اللهم افعل كذا إلا بحرف
العطف، لأن التقدير: يا الله أمنا واغفر لنا ، ولم نجد أحداً يذكر هذا الحرف العاطف

٣
قوله تعالى: ((قل اللهم مالك الملك)) الآية ، سورة آل عِمْران
الثالث
( والثاني ) وهو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال ، لجاز أن يتكلم به على أصله ، فيقال
(الله أم) كما يقال ( ويلم ) ثم يتكلم به على الأصل فيقال (ويل أمه) ( الثالث) لو كان الأمر
على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفا ، فكان يجوز أن يقال : يا اللهم ، فلما لم يكن هذا
جائزاً علمنا فساد قول الفراء بل نقول : كان يجب أن یکون حرفالنداء لازما ، کما يقال : یا
الله أغفر لي ، وأجاب الفراء عن هذه الوجوه ، فقال: أما الأول فضعيف، لأن قوله ( يا ألله
أم) معناه : يا ألله اقصد ، فلوقال : واغفر لكان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه فحينئذ يصير
السؤال سؤالين ( أحدهما ) قوله ( أمنا) ( والثاني ) قوله (واغفر لنا) أما إذا حذفنا العطف
صار قوله : اغفر لنا تفسيراً لقوله : أمنا . فكان المطلوب في الحالين شيئاً واحداً فكان ذلك
آكد ، ونظائره كثيرة في القرآن ، وأما الثاني فضعيف أيضاً ، لأن أصله عندنا أن يقال ؛ يا الله
أمنا . ومن الذي ينكر جواز التكلم بذلك ، وأيضاً فلأن كثيراً من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة
الفرع مقام الأصل ، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله : ما أكرمه ، معناه أي شيء
أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب فكذا
ههنا ، وأما الثالث فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقال ، يا أللهم وأنشد الفراء :
سبحت أو صلیت یا اللهما
وأما عليك أن تقولي كلما
وقول البصريين: إن هذا الشعر غير معروف، فحاصله تكذيب النقل ، ولو فتحنا هذا الباب لم
يبق شيء من اللغة والنحوسليما عن الطعن ، وأما قوله : كان يلزم أن يكون ذكر حرف النداء
لازما فجوابه أنه قد يحذف حرف النداء كقوله (يوسف أيها الصديق أفتنا ) فلا يبعد أن يختص
هذا الأسم بالزام هذا الحذف، ثم أحتج الفراء على فساد قول البصريين من وجوه ( الأول ) أنا
لو جعلنا الميم قائماً مقام حرف النداء لكنا قد أخرنا النداء عن ذكر المنادى ، وهذا غير جائز
البتة ، فانه لا يقال البتة ( الله يا) وعلى قولكم يكون الأمر كذلك ( الثاني ) لو كان هذا الحرف
قائما مقام النداء لجاز مثله في سائر الأسماء ، حتى يقال : زيدم. وبكرم ، كما يجوز أن يقال :
يا زيد ويا بكر ( والثالث) لو كان الميم بدلا عن حرف النداء لما اجتمعا ، لكنهما اجتمعا في
الشعر الذي رويناه ( الرابع ) لم نجد العرب يزيدون هذه الميم في الأسماء التامة لإفادة معنى
بعض الحروف المباينة للكلمة الداخلة عليها ، فكان المصير إليه في هذه اللفظة الواحدة حكما
على خلاف الاستقراء العام في اللغة وأنه غير جائز، فهذا جملة الكلام في هذا الموضع .
﴿ المسألة الثانية﴾ (مالك الملك) في نصبه وجهان (الأول) وهو قول سيبويه أنه
منصوب على النداء ، وكذلك قوله ( قل اللهم فاطر السموات والأرض ) ولا يجوز أن يكون

٤
قوله تعالى: (( تؤتى الملك من تشاء)) الآية
سورة آل عمران
نعتا لقوله ( اللهم ) لأن قولنا ( اللهم ) مجموع الاسم والحرف، وهذا المجموع لا يمكن وصفه
( والثاني ) وهو قول المبرد والزجاج أن ( مالك) وصف للمنادى المفرد، لأن هذا الأسم ومعه
الميم بمنزلته ومعه ( يا) ولا يمتنع الصفة مع الميم ، كما لا يمتنع مع الياء .
﴿ المسألة الثالثة﴾ روي أن النبي صل حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم،
فقال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم ، وهم أعز وأمنع
من ذلك ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما خط الخندق عام الأحزاب ، وقطع لكل عشرة
أربعين ذراعا ، وأخذوا يحفرون خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها
المعاول ، فوجهوا سلمان إلى النبي وسلم فخبره ، فأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضربة صدعها
وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كأنه مصباح في جوف ليل مظلم ، فكبر وكبر المسلمون ،
وقال عليه الصلاة والسلام (( أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب)) ثم ضرب
الثانية، فقال ((أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم)) ثم ضرب الثالثة فقال
((أضاءت لي منها قصور صنعاء وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها
فأبشروا )) فقال المنافقون : ألا تعجبون من نبيكم يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب
قصور الحيرة ومداين كسرى ، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا تستطيعون
أن تخرجوا فنزلت هذه الآية والله أعلم ، وقال الحسن إن الله تعالى أمر نبيه إن يسأله أن يعطيه
ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما ، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا
الدعاء ، وهكذا منازل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أمروا بدعاء استجيب دعاءهم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ (الملك) هو القدرة، والمالك هو القادر، فقوله (مالك الملك)
معناه القادر على القدرة ، والمعنى إن قدرة الخلق على كل ما يقدرون عليه ليست إلا بإقدار الله
تعالى فهو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ، ويملك كل مالك مملوكه ، قال صاحب الكشاف
(مالك الملك ) أي يملك جنس الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون ، واعلم أنه تعالى لما
بين كونه ( مالك الملك ) على الإطلاق ، فصل بعد ذلك وذكر أنواعا خمسة .
النوع الأول﴾ قوله تعالى (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) وذكروا فيه
وجوها ( الأول) المراد منه : ملك النبوة والرسالة كما قال تعالى ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب
والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) والنبوة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على بواطن
الخلق والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر ، فأما على
البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم وشريعتهم ، وأن يعتقد أنه هو الحق ، وأما

قوله تعالى: ((تؤتي الملك من تشاء)) الآية .. سورة آل عِمْران
على الظواهر فلأنهم لو تمردوا واستكبروا لاستوجبوا القتل ، ومما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم
كان يستبعد أن يجعل الله تعالى بشراً رسولا فحكى الله عنهم قولهم ( أبعث الله بشراً رسولا )
وقال الله تعالى ( ولو جعلناه ملکا جعلناه رجلا) وقوم آخرون جوزوا من الله تعالى أن يرسل
رسولا من البشر، إلا أنهم كانوا يقولون : إن محمداً فقير يتيم ، فكيف يليق به هذا المنصب
العظيم على ما حكى الله عنهم أنهم قالوا ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم )
وأما اليهود فكانوا يقولون النبوة كانت في آبائنا وأسلافنا ، وأما قريش فهم ما كانوا أهل النبوة
والكتاب فكيف يليق النبوة بمحمد ◌ّله؟ وأما المنافقون فكانوا يحسدونه على النبوة، على ما
حكي الله ذلك عنهم في قوله ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) .
وأيضاً فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم
وبئس المهاد ) أن اليهود تكبروا على النبي وي طل بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم ، ثم إنه تعالى
رد على جميع هؤلاء الطوائف بأن بين أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتى ملكه من يشاء ، فقال :
((تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) .
فان قيل : فاذا حملتم قوله (تؤتي الملك من تشاء ) على ايتاء ملك النبوة ، وجب أن
تحملوا قوله (وتنزع الملك ممن تشاء) على أنه قد يعزل عن النبوة من جعله نبياً، ومعلوم أن ذلك
لا يجوز .
قلنا : الجواب من وجهين ( الأول ) أن الله تعالى إذا جعل النبوة في نسل رجل ، فاذا
أخرجها الله من نسله، وشرف بها إنسانا آخر من غير ذلك النسل ، صح أن يقال إنه تعالى نزعها
منهم ، واليهود كانوا معتقدين أن النبوة لا بد وأن تكون في بنى إسرائيل ، فلما شرف الله تعالى
محمداً وَّر بها، صح أن يقال إنه ينزع ملك النبوة من بني إسرائيل إلى العرب. ﴿والجواب
الثاني ﴾ أن يكون المراد من قوله (وتنزع الملك ممن تشاء) أي تحرمهم ولا تعطيهم هذا الملك لا
على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه ، ونظيره قوله تعالى ( الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من
الظلمات إلى النور ) مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط، وقال الله تعالى
مخبراً عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام (أولتعودن في ملتنا) وأولئك الأنبياء
قالوا (وما يكون لنا أن نعود إلا أن يشاء الله ) مع أنهم ما كانوا فيها قط فهذا جملة الكلام في
تقرير قول من فسرقوله تعالى (تؤتى الملك من تشاء ) بملك النبوة.
القول الثاني ﴾ أن يكون المراد من الملك، ما يسمى ملكا في العرف، وهو عبارة عن
مجموع أشياء (أحدها) تكثير المال والجاه ، أما تكثير المال فيدخل فيه ملك الصامت والناطق

٦
قوله تعالى: (( تؤتي الملك من تشاء)) الآية
سورة آل عِمْران
والدوروالضياع، والحرث، والنسل ، وأما تكثير الجاه فهو أن يكون مهيبا عند الناس ،
مقبول القول، مطاعا في الخلق (والثاني ) أن یکون بحيث يجب على غيره أن یکون في طاعته ،
وتحت أمره ونهيه (والثالث) أن يكون بحيث لو نازعه في ملكه أحد، قدر على قهر ذلك
المنازع ، وعلى غلبته، ومعلوم أن كل ذلك لا يحصل إلا من الله تعالى، أما تكثير المال فقد نرى
جمعا في غاية الكياسة لا يحصل لهم مع الكد الشديد، والعناء العظيم قليل من المال، ونرى الأبله
الغافل قد يحصل له من الأموال ما لا يعلم كميته ، وأما الجاه فالأمر أظهر ، فانا رأينا كثيراً من
الملوك بذلوا الأموال العظيمة لأجل الجاه، وكانوا كل يوم أكثر حقارة ومهانة في أعين الرعية ، وقد
يكون على العكس من ذلك وهو أن يكون الإنسان معظما في العقائد ، مهيبا في القلوب ، ينقاد
له الصغير والكبير، ويتواضع له القاصي والداني ، وأما القسم الثاني وهو كونه واجب
الطاعة، فمعلوم أن هذا تشريف يشرف الله تعالى به بعض عباده، وأما القسم الثالث، وهو حصول
النصرة والظفر فمعلوم أن ذلك مما لا يحصل إلا من الله تعالى ، فكم شاهدنا من فئة قليلة غلبت
فئة كثيرة بأذن الله ، وعند هذا يظهر بالبرهان العقلي صحة ما ذكره الله تعالى من قوله (تؤتى
الملك من تشاء ) .
واعلم أن للمعتزلةههنا بحثاقال الكعبي قوله (تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) ليس على
سبيل المختارية ، ولكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم به ، ولا ينزعه إلا ممن فسق عن أمر ربه
ويدل عليه قوله ( لا ينال عهدي الظالمين ) وقال في حق العبد الصالح ( إن الله اصطفاه عليكم
وزاده بسطه في العلم والجسم ) فجعله سبباً للملك ، وقال الجبائي : هذا الحكم مختص بملوك
العدل ، فأما ملوك الظلم فلا يجوز أن يكون ملكهم بايتاء الله ، وكيف يصح أن يكون ذلك
بايتاء الله ، وقد ألزمهم أن لا يتملكوه، ومنعهم من ذلك فصح بما ذكرنا أن الملوك العادلين
هم المختصون بأن الله تعالى آتاهم ذلك الملك ، فأما الظالمون فلا ، قالوا : ونظير هذا ما قلناه
في الرزق أنه لا يدخل تحته الحرام الذي زجره الله عن الانتفاع به ، وأمره بأن يرده على مالكه
فكذا ههنا ، قالوا : وأما النزع فبخلاف ذلك لأنه كما ينزع الملك من الملوك العادلين لمصلحة
تقتضي ذلك فقد ينزع الملك عن الملوك الظالمين ونزع الملك يكون بوجوه : منها بالموت ، وإزالة
العقل ، وإزالة القوى ، والقدر والحواس ، ومنها بورود الهلاك والتلف عن الأموال ، ومنها
أن يأمر الله تعالى المحق بأن يسلب الملك الذي في يد المتغلب المبطل ويؤتيه القوة والنصرة ، فإذا
حاربه المحق وقهره وسلب ملكه جاز أن يضاف هذا السلب والنزع إليه تعالى ، لأنه وقع عن
أمره ، وعلى هذا الوجه نزع الله تعالى ملك فارس على يد الرسول ، هذا جملة كلام المعتزلة في
هذا الباب .
واعلم أن هذا الموضع مقام بحث مهم وذلك لأن حصول الملك الظالم ، إما أن يقال :

٧
سورة آل عِمْران
قوله تعالى: ((وتعز من تشاء )) الآية
إنه وقع لا عن فاعل وإنما حصل بفعل ذلك المتغلب ، أو إنما حصل بالأسباب الربانية ،
والأول نفى الصانع والثاني باطل لأن كُل أحد يريد تحصيل الملك ، والدولة لنفسه ، ولا يتيسر
له البتة فلم يبق إلا أن يقال بأن ملك الظالمين إنما حصل بايتاء الله تعالى ، وهذا الكلام ظاهر
وبما يؤكد ذلك أن الرجل قد يكون بحيث تهابه النفوس ، وتميل إليه القلوب ، ويكون النصر
قرینا له والظفر جلیساً معه فأنما توجه حصل مقصوده وقد یکون علی الضد من ذلك ،ومن تأمل
في كيفية أحوال الملوك اضطر إلى العلم بأن ذلك ليس إلا بتقدير الله تعالى ، ولذلك قال حکیم
الشعراء :
بأجل أسباب السماء تعلقى
لو كان بالحيل الغنى لوجدتنى
تفرق
ضدان مفترقان أي
لكن من رزق الحجا حرم الغنى
بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
ومن الدليل على القضاء وكونه
﴿والقول الثاني﴾ أن قوله (تؤتى الملك من تشاء) محمول على جميع أنواع الملك
فيدخل فيه ملك النبوة ، وملك العلم ، وملك العقل ، والصحة والأخلاق الحسنة ، وملك
النفاذ والقدرة وملك المحبة ، وملك الأموال ، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل
لا يجوز.
وأما قوله تعالى ( وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) فاعلم أن العزة قد تكون في الدين ،
وقد تكون في الدنيا ، أما في الدين فأشرف أنواع العزة الإيمان قال الله تعالى ( ولله العزة ولرسوله
وللمؤمنين ) إذا ثبت هذا فنقول : لما كان أعز الأشياء الموجبة للعزة هو الإيمان ، وأذل الأشياء
الموجبة للمذلة هو الكفر، فلو كان حصول الإيمان والكفر بمجرد مشيئة العبد ، لکان إعزاز
العبد نفسه بالإيمان وإذلاله نفسه بالكفر أعظم من إعزاز الله عبده بكل ما أعزه به ، ومن إذلال
الله عبده بكل ما أذله به ولو كان الأمر كذلك لكان حظ العبد من هذا الوصف أتم وأكمل من
حظ الله تعالى منه ، ومعلوم أن ذلك باطل قطعاً ، فعلمنا أن الإعزاز بالإيمان والحق ليس إلا
من الله ، والإذلال بالكفر والباطل ليس إلا من الله، وهذا وجه قوي في المسألة ، قال
القاضي : الإعزاز المضاف إليه تعالى قد يكون في الدين ، وقد يكون في الدنيا أما الذي في
الدين فهو أن الثواب لا بد وأن يكون مشتملا على التعظيم والمدح والكرامة في الدنيا
والآخرة ، وأيضاً فانه تعالى يمدهم بمزيد الألطاف ويعليهم على الأعداء بحسب المصلحة ،
وأما ما يتعلق بالدنيا فباعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت وتكثير الحرث وتكثير النتاج
في الدواب ، وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق .

٨
قوله تعالى: (( وتعز من تشاء)) الآية. سورة آل عِمْران
واعلم أن كلامنا يأبى ذلك لأن كل ما يفعله الله تعالى من التعظيم في باب الثواب فهو
حق واجب على الله تعالى ولو لم يفعله لانعزل عن الإلهية ولخرج عن كونه إلهاً للخلق فهو تعالى
باعطاء هذه التعظيمات يحفظ إلهية نفسه عن الزوال فأما العبد ، فلما خص نفسه بالإيمان الذي
يوجب هذه التعظيمات فهو الذي أعز نفسه فكان إعزازه لنفسه أعظم من إعزاز الله تعالى إياه ،
فعلمنا أن هذا الكلام المذكور لازم على القوم .
أما قوله ( وتذل من تشاء) فقال الجبائي في تفسيره : إنه تعالى إنما يدل أعداءه في الدنيا
والآخرة ولا يذل أحداً من أوليائه وإن أفقرهم وأمرضهم وأحوجهم إلى غيرهم ، لأنه تعالى إنما
يفعل هذه الأشياء ليعزهم في الآخرة ، إما بالثواب ، وإما بالعوض فصار ذلك كالفصد
والحجامة فانهما وإن كانا يؤلمان في الحال إلا أنهما لما كانا يستعقبان نفعاً عظيماً لا جرم لا يقال
فيهما: إنهما تعذيب، قال وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى وجه المجاز كما سمي الله تعالى لين المؤمنين
ذلا بقوله ( أذلة على المؤمنين ) .
إذا عرفت هذا فنقول : إذلال الله تعالى عبده المبطل إنما يكون بوجوه منها بالذم واللعن
ومنها بأن يخذلهم بالحجة والنصرة ، ومنها بأن يجعلهم خولا لأهل دينه ، ويجعل مالهم غنيمة لهم
ومنها بالعقوبة لهم في الآخرة هذا جملة كلام المعتزلة ، ومذهبنا أنه تعالى يعز البعض بالإيمان
والمعرفة ، ويذل البعض بالكفر والضلالة ، وأعظم أنواع الإعزاز، والإذلال هو هذا والذي
يدل عليه وجوه ( الأول ) وهو أن عز الإِسلام وذل الكفر لا بد فيه من فاعل وذلك الفاعل إما
أن يكون هو العبد أو الله تعالى والأول باطل ، لأن أحداً لا يختار الكفر لنفسه ، بل إنما يريد
الإِيمان والمعرفة والهداية فلما أراد العبد الإيمان ولم يحصل له بل حصل له الجهل ، علمنا أن
حصوله من الله تعالى لا من العبد ( الثاني ) وهو أن الجهل الذي يحصل للعبد إما أن يكون
بواسطة شبهة وإما أن يقال : يفعله العبد ابتداء ، والأول باطل إذ لو كان كل جهل إنما يحصل
بجهل آخر يسبقه ويتقدمه لزم التسلسل وهو محال ، فبقي أن يقال : تلك الجهات تنتهي إلى
جهل يفعله العبد ابتداء من غير سبق موجب البتة لكنا نجد من أنفسنا أن العاقل لا يرضى
لنفسه أن يصير على الجهل ابتداء من غير موجب فعلمنا أن ذلك باذلال الله عبده وبخذلانه إياه
( الثالث) ما بينا أن الفعل لا بد فيه من الداعي والمرجح ، وذلك المرجح يكون من الله تعالى
فان كان في طرف الخير كان إعزازاً، وإن كان في طرف الجهل والشر والضلالة كان إذلالا ،
فثبت أن المعز والمذل هو الله تعالى .
أما قوله تعالى ( بيدك الخير ) .
فاعلم أن المراد من اليد هو القدرة ، والمعنى بقدرتك الخير والألف واللام في الخير

٩
قوله تعالى: (( بيدك الخير إنك على كل شيء)) الآية ، سورة آل عِمْران
يوجبان العموم ، فالمعنى بقدرتك تحصل كل البركات والخيرات ، وأيضاً فقوله ( بيدك الخير )
يفيد الحصر كأنه قال بيدك الخير لا بيد غيرك ، كما أن قوله تعالى ( لكم دينكم ولي دين ) أي
لكم دينكم أي لا لغيركم وذلك الحصر ينافي حصول الخير بيد غيره ، فثبت دلالة هذه الآية من
هذين الوجهين على أن جميع الخيرات منه ، وبتكوينه وتخليقه وإيجاده وإبداعه ، إذا عرفت هذا
فنقول : أفضل الخيرات هو الإيمان بالله تعالى ومعرفته ، فوجب أن يكون الخير من تخليق الله
تعالى لا من تخليق العبد ، وهذا استدلال ظاهر ومن الأصحاب من زاد في هذا التقرير فقال :
كل فاعلين فعل أحدهما أشرف وأفضل من فعل الآخر كان ذلك الفاعل أشرف وأكمل من
الآخر ، ولا شك أن الإيمان أفضل من الخير، ومن كل ما سوى الإيمان فلوكان الإيمان بخلق
العبد لا بخلق الله لوجب كون العبد زائداً في الخيرية على الله تعالى، وفي الفضيلة والكمال ،
وذلك كفر قبيح فدلت هذه الآية من هذين الوجهين على أن الإيمان بخلق الله تعالى .
فان قيل : فهذه الآية حجة عليكم من وجه آخر لأنه تعالى لما قال ( بيدك الخير ) كان
معناه أنه ليس بيدك إلا الخير ، وهذا يقتضي أن لا يكون الكفر والمعصية واقعين بتخليق الله.
( والجواب ) أن قوله ( بيدك الخير ) يفيد أن بيده الخير لا بيد غيره ، وهذا ينافي أن
يكون بيد غيره ولكن لا ينافي أن يكون بيده الخير وبيده ما سوى الخير إلا أنه خص الخير
بالذكر لأنه الأمر المنتفع به فوقع التنصيص عليه لهذا المعنى قال القاضي : كل خير حصل من
جهة العباد فلولا أنه تعالى أقدرهم عليه وهداهم إليه لما تمكنوا منه ، فلهذا السبب كان مضافاً
إلى الله تعالى إلا أن هذا ضعيف لأن على هذا التقدير يصير بعض الخير مضافاً إلى الله تعالى ،
ويصير أشرف الخيرات مضافاً إلى العبد ، وذلك على خلاف هذا النص .
أما قوله ( إنك على كل شيء قدير ) فهذا كالتأكيد لما تقدم من كونه مالكاً لإيتاء الملك
ونزعه والإعزاز والإذلال.
أما قوله تعالى ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ) فيه وجهان ( الأول ) أنه
يجعل الليل قصيراً ويجعل ذلك القدر الزائد داخلا في النهار وتارة على العكس من ذلك وإنما
فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه علق قوام العالم ونظامه بذلك ( والثاني ) أن المراد هو أنه تعالى
يأتي بالليل عقيب النهار ، فيلبس الدنيا ظلمة بعد أن كان فيها ضوء النهار ، ثم يأتي بالنهار
عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوءه فكان المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل واحد منهما
عقيب الآخر ، والأول أقرب إلى اللفظ ، لأنه إذا كان النهار طويلا فجعل ما نقص منه زيادة في
الليل كان ما نقص منه داخلا في الليل .

١٠
قوله تعالى: ((لا يتخذ المؤمنون الكافرين)) الآية سورة آل عِمْران
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِ ينَ أَوْلِيَةَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ
وأما قوله ( وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قرأ نافع وحمزة والكسائي ( الميت ) بالتشديد ، والباقون
بالتخفيف، وهما لغتان بمعنى واحد ، قال المبرد : أجمع البصريون على أنهما سواء وأنشدوا :
إنما الميت ميت الأحياء
وهو مثل قوله : هين وهين ، ولين ولين ، وقد ذهب ذاهبون إلى أن الميت من قد مات ،
والميت من لم يمت .
المسألة الثانية﴾ ذكر المفسرون فيه وجوها (أحدها) يخرج المؤمن من الكافر
كابراهيم من آزر، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح عليه السلام ( والثاني ) يخرج
الطيب من الخبيث وبالعكس ( والثالث ) يخرج الحيوان من النطفة ، والطير من البيضة
وبالعكس ( والرابع ) يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس ، والنخلة من النواة وبالعكس ، قال
القفال رحمه الله : والكلمة محتملة للكل أما الكفر والإيمان فقال تعالى ( أو من كان ميتاً
فأحييناه ) يريد كان كافراً فهديناه فجعل الموت كفراً والحياة إيماناً ، وسمي إخراج النبات من
الأرض إحياء ، وجعل قبل ذلك ميتة فقال ( يحيى الأرض بعد موتها) وقال ( فسقناه إلى بلد
ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها ) وقال ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم
ثم يحييكم ) .
أما قوله ( وترزق من تشاء بغير حساب ) ففيه وجوه ( الأول ) أنه يعطى من يشاء ما
يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد ، إذ ليس فوقه ملك يحاسبه بل هو الملك يعطي من يشاء بغير
حساب ( والثاني ) ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود ، بل تبسطه له وتوسعه عليه كما
يقال : فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة ، ونظيره قولهم في تكثير مال الإنسان :
عنده مال لا يحصى ( والثالث ) ترزق من تشاء بغير حساب ، يعني على سبيل التفضل من غير
استحقاق لأن من أعطى على قدر الإستحقاق فقد أعطى بحساب ، وقال بعض من ذهب إلى
هذا المعنى : إنك لا ترزق عبادك على مقادير أعمالهم والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من

١١
قوله تعالى: ((لا يتخذ المؤمنون الكافرين)) الآية سورة آل عِمْران
مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّهُ وَيُحَذِّرُ كُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى الَِّ الْمَصِيرُ ﴾
الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير﴾.
في كيفية النظم وجهان ( الأول ) أنه تعالى لما ذكر ما يجب أن يكون المؤمن عليه في تعظيم
الله تعالى ، ثم ذكر بعده ما يجب أن يكون المؤمن عليه في المعاملة مع الناس ، لأن كمال الأمر
ليس إلا في شيئين : التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله قال ( لا يتخذ المؤمنون
الكافرين أولياء من دون المؤمنين) ( الثاني ) لما بين أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة بين أنه
ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده ، وعند أوليائه دون أعدائه .
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في سبب النزول وجوه (الأول) جاء قوم من اليهود إلى قوم المسلمين
ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر ، وعبد الرحمن بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأولئك
النفر من المسلمين : اجتنبوا هؤلاء اليهود ، واحذروا أن يفتنوكم عن دينكم فنزلت هذه الآية
( والثاني ) قال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، وكانوا يتولون اليهود والمشركين
ويخبرونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله له فنزلت هذه الآية (الرابع)
أنها نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلفاء من اليهود ، ففي يوم الأحزاب قال يا نبي الله إن
معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فنزلت هذه الآية .
فان قيل : إنه تعالى قال ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) وهذه صفة الكافر .
قلنا : معنى الآية فليس من ولاية الله في شيء ، وهذا لا يوجب الكفر في تحريم موالاة
الكافرين .
واعلم أنه تعالى أنزل آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله تعالى ( لا تتخذوا بطانة من
دونکم ) وقوله ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر یوادون من حاد الله ورسوله ) وقوله ( لا
تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) وقوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء )
وقال ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) .
واعلم أن كون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يكون راضياً بكفره
ويتولاه لأجله ، وهذا ممنوع منه لأن كل من فعل ذلك كان مصوباً له في ذلك الدين ، وتصويب

١٢
قوله تعالى: ((لا يتخذ المؤمنون الكافرين)) الآية سورة آل عِمْران
الكفر كفر والرضا بالكفر كفر، فيستحيل أن يبقى مؤمناً مع كونه بهذه الصفة .
فان قيل : أليس أنه تعالى قال ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) وهذا لا يوجب
الكفر فلا يكون داخلا تحت هذه الآية ، لأنه تعالى قال ( يا أيها الذين آمنوا ) فلا بد وأن يكون
خطاباً في شيء يبقى المؤمن معه مؤمناً ( وثانيها ) المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر ،
وذلك غير ممنوع منه .
والقسم الثالث﴾ وهو كالمتوسط بين القسمين الأولين هو أن موالاة الكفار بمعنى
الركون إليهم والمعونة ، والمظاهرة ، والنصرة إما بسبب القرابة ، أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن
دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهى عنه ، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى
إستحسان طريقته والرضا بدينه ، وذلك يخرجه عن الإسلام فلا جرم هدد الله تعالى فيه فقال
( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) .
فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بمعنى أن
يتولوهم دون المؤمنين ، فاما إذا تولوهم وتولوا المؤمنين معهم فذلك ليس بمنهى عنه ، وأيضاً
فقوله ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ) فيه زيادة مزية ، لأن الرجل قد يوالي غيره ولا
يتخذه موالياً فالنهي عن اتخاذه مواليا لا يوجب النهي عن أصل مولاته .
قلنا : هذان الاحتمالان وإن قاما في الآية إلا أن سائر الآيات الدالة على أنه لا تجوز
موالاتهم دلت على سقوط هذين الاحتمالين .
المسألة الثانية ﴾ إنما كسرت الذال من يتخذ لأنها مجزومة للنهي ، وحركت لاجتماع
الساكنين قال الزجاج : ولو رفع على الخبر لجاز، ويكون المعنى على الرفع أن من كان مؤمناً فلا
ينبغي أن يتخذ الكافر ولياً .
واعلم أن معنى النهي ومعنى الخبر يتقاربان لأنه متى كانت صفة المؤمن أن لا يوالي
الكافر كان لا محالة منهياً عن موالاة الكافر ، ومتى كان منهياً عن ذلك ، كان لا محالة من شأنه
وطريقته أن لا يفعل ذلك.
المسألة الثالثة ﴾ قوله ( من دون المؤمنين ) أي من غير المؤمنين كقوله ( وادعوا
شهداءكم من دون الله) أي من غير الله، وذلك لأن لفظ دون مختص بالمكان ، تقول: زيد
جلس دون عمرو أي في مكان أسفل منه ، ثم إن من كان مبايناً لغيره في المكان فهو مغاير له

١٣
قوله تعالى: ((إلا أن تتقوا منهم تقاة)) الآ ية سورة آل عمران
فجعل لفظ دون مستعملا في معنى غير، ثم قال تعالى ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في
شيء ) وفيه حذف، والمعنى فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ
من ولاية الله تعالى رأساً، وهذا أمر معقول فان موالاة الولي ، وموالاة عدوه ضدان قال
الشاعر :
تود عدوي ثم تزعم أنني
صديقك ليس النوك عنك بعازب
ويحتمل أن يكون المعنى : فليس من دين الله في شيء وهذا أبلغ .
ثم قال تعالى ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ قرأ الكسائي: تقاة بالإِمالة، وقرأ نافع وحمزة: بين التفخيم
والإِمالة ، والباقون بالتفخيم ، وقرأ يعقوب تقية وإنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف من
الياء ، وتقاة وزنها فعلة نحو تؤدة وتخمة ، ومن فخم فلأجل الحرف المستعلي وهو القاف.
المسألة الثانية ﴾ قال الواحدي: تقيته تقاة ، وتقي، وتقية، وتقوى، فاذا قلت
اتقيت كان مصدره الاتقياء ، وإنما قال تتقوا ثم قال تقاة ولم يقل اتقاء اسم وضع موضع
المصدر، كما يقال : جلس جلسة ، وركب ركبة ، وقال الله تعالى ( فتقبلها ربها بقبول حسن
وأنبتها نباتاً حسناً) وقال الشاعر :
وبعد عطائك المائة الرتاعا
فاجراه مجرى الإعطاء ، قال : ويجوز أن يجعل تقاة ههنا مثل رماة فيكون حالا مؤكدة.
﴿ المسألة الثالثة ﴾ قال الحسن أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله
وَلّ فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم نعم نعم ، فقال : افتشهد أني
رسول الله ؟ قال : نعم ، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ، ومحمد رسول قريش ،
فتركه ودعا الآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم ، قال : أفتشهد أني رسول
الله؟ فقال: إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله ◌َله ، فقال: أما هذا المقتول
فمضى على يقينه وصدقه فهنيئاً له ، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه .
واعلم أن نظير هذه الآية قوله تعالى ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) .
المسألة الرابعة ﴾ اعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها .
الحكم الأول﴾ أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، ويخاف منهم على

١٤
قوله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة)) الآية سورة آل عِمْران
نفسه وماله فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أيضاً أن يظهر
الكلام الموهم للمحبة والموالاة ، ولكن بشرط أن يضمر خلافه ، وأن يعرض في كل ما يقول ،
فان التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب .
﴿ الحكم الثاني للتقية﴾ هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك
أفضل ، ودليله ما ذكرناه في قصة مسيلمة.
الحكم الثالث للتقية ﴾ أنها إنما تجوز فيما يتعلق باظهار الموالاة والمعاداة ، وقد تجوز
أيضاً فيما يتعلق باظهار الدين فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال
والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين ، فذلك غير جائز
البتة.
﴿ الحكم الرابع﴾ ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب
الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت
التقية محاماة على النفس.
﴿ الحكم الخامس﴾ التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال يحتمل
أن يحكم فيها بالجواز، لقوله ◌َ له ((حرمة مال المسلم كحرمة دمه)) ولقوله مَ ل ((من قتل دون
ماله فهو شهيد)) ولأن الحاجة إلى المال شديدة والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء ، وجاز
الاقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال ، فكيف لا يجوز ههنا والله أعلم.
﴿ الحكم السادس﴾ قال مجاهد: هذا الحكم كان ثابتاً في أول الإسلام لأجل ضعف
المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا ، وروى عوف عن الحسن : أنه قال التقية جائزة
للمؤمنين إلى يوم القيامة ، وهذا القول أولى ، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان.
ثم قال تعالى ( ويحذركم الله نفسه ) وفيه قولان ( الأول ) أن فيه محذوفاً ، والتقدير :
ويحذركم الله عقاب نفسه ، وقال أبو مسلم المعنى ( ويحذركم الله نفسه ) أن تعصوه فتستحقوا
عقابه والفائدة في ذكر النفس أنه لوقال : ويحذركم الله فهذا لا يفيد أن الذي أريد التحذير
منه هو عقاب يصدر من الله أو من غيره ، فلما ذكر النفس زال هذا الاشتباه ، ومعلوم أن
العقاب الصادر عنه يكون أعظم أنواع العقاب لكونه قادراً على ما لا نهاية له ، وأنه لا قدرة
لأحد على دفعه ومنعه مما أراد.
والقول الثاني ﴾ أن النفس ههنا تعود إلى اتخاذ الأولياء من الكفار ، أي ينهاهم الله

١٥
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((قل أن تخفوا )) الآية
قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ سُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَنَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
عن نفس هذا الفعل.
ثم قال ( وإلى الله المصير ) والمعنى : إن الله يحذركم عقابه عند مصيركم إلى الله .
قوله تعالى ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في
الأرض والله على كل شيء قدير ﴾.
اعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهراً أو باطناً واستثنى عنه
التقية في الظاهر أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية ، وذلك
لأن من أقدم عند التقية على إظهار المولاة ، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر
سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن ، فلا جرم بين تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر ،
فيعلم العبد أنه لا بد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه ، وفي الآية سؤالات:
السؤال الأول﴾ هذه الآية جملة شرطية فقوله ( إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه )
شرط وقوله ( يعلمه الله ) جزاء ولا شك أن الجزاء مترتب على الشرط متأخر عنه ، فهذا يقتضي
حدوث علم الله تعالى .
( والجواب ) أن تعلق علم الله تعالى بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن ،
ثم أن هذا التبدل والتجدد إنما وقع في النسب والإضافات والتعليقات لا في حقيقة العلم ، وهذه
المسألة لها غور عظيم وهي مذكورة في علم الكلام.
السؤال الثاني ﴾ محل البواعث والضمائر هو القلب، فلم قال (إن تخفوا ما في
صدوركم ) ولم يقل إن تخفوا ما في قلوبكم؟ .
( الجواب ) لأن القلب في الصدر، فجاز إقامة الصدر مقام القلب كما قال ( يوسوس في
صدور الناس ) وقال ( فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) .
السؤال الثالث﴾ إن كانت هذه الآية وعيداً على كل ما يخطر بالبال فهو تكليف ما لا
يطاق .
الفخر الرازي ج ٨ م ٢

١٦
قوله تعالى : (( يوم تجد كل نفس ما عملت )) الآية
سورة آل عِمْران
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مََّعَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُحْضَرًّا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْهَ وَبَيْنَهُ :
أَمَدّأُ بَعِدًا وَيُحَذِّرُ كُ اللهُ نَفْسَهُ، وَاللّهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ
٣
( الجواب ) ذكرنا تفصيل هذا الكلام في آخر سورة البقرة في قوله ( لله ما في السماوات
وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) .
ثم قال تعالى ( ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ) .
واعلم أنه رفع على الاستئناف ،وهو كقوله ( قاتلوهم يعذبهم الله) جزم الأفاعيل ، ثم
قال ( ويتوب الله) فرفع ، ومثله قوله ( فان يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ) رفعاً ،
وفي قوله ( ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ) غاية التحذير لأنه اذا كان لا يخفى عليه شيء
فیھما فكيف يخفي عليه الضمير .
ثم قال تعالى ( والله على كل شيء قدير ) إتماماً للتحذير، وذلك لأنه لما بين أنه تعالى
عالم بكل المعلومات كان عالماً بما في قلبه ، وكان عالماً بمقادير استحقاقه من الثواب والعقاب ،
ثم بين أنه قادر على جميع المقدورات ، فكان لا محالة قادراً على إيصال حق كل أحد إليه ،
فيكون في هذا تمام الوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب .
قوله تعالى ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها
وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد ﴾ .
اعلم أن هذه الآية من باب الترغيب والترهيب ، ومن تمام الكلام الذي تقدم .
وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا في العامل في قوله (يوم) وجوها (الأول) قال ابن
الأنباري : اليوم متعلق بالمصير والتقدير : وإلى الله المصير يوم تجد ( الثاني ) العامل فيه قوله
( ويحذركم الله نفسه) في الآية السابقة ، كأنه قال : ويحذركم الله نفسه في ذلك اليوم
( الثالث ) العامل فيه قوله ( والله على كل شيء قدير)أي قدير في ذلك اليوم الذي تجد کل نفس
ما عملت من خير محضراً ، وخص هذا اليوم بالذكر ، وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله

١٧
سورة آل عمران
قوله تعالى: ((وما عملت من سوء)) الآية
تعالى تفضيلا له لعظم شأنه كقوله ( مالك يوم الدين ) ( الرابع ) أن العامل فيه قوله ( تود )
والمعنى : تود كل نفس كذا وكذا في ذلك اليوم ( الخامس ) يجوز أن يكون منتصباً بمضمر ،
والتقدير : واذكر يوم تجد كل نفس .
المسألة الثانية ﴾ اعلم أن العمل لا يبقى ، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة ، فلا بد فيه
من التأويل وهو من وجهين ( الأول) أنه يجد صحائف الأعمال ، وهو قوله تعالى ( إنا كنا
نستنسخ ما كنتم تعملون) وقال (فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه) (والثاني) أنه يجد جزاء
الأعمال وقوله تعالى ( محضراً) يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم
القيامة ، ويحتمل أن يكون المعنى : أن جزاء العمل يكون محضراً، كقوله ( ووجدوا ما عملوا
حاضراً) وعلى كلا الوجهين ، فالترغيب والترهيب حاصلان .
أما قوله ( وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى﴾ قال الواحدي: الأظهر أن يجعل ( ما) ههنا بمنزلة الذي ، ويكون
( عملت) صلة لها ، ويكون معطوفاً على ( ما ) الأول ، ولا يجوز أن تكون ( ما ) شرطية ،
وإلا كان يلزم أن ينصب (تود) أو يخفضه ، ولم يقرأه أحد إلا بالرفع ، فكان هذا دليلاً على
أن ( ما) ههنا بمعنى الذي .
فإن قيل : فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله ، ودت .
قلنا : لا كلام في صحته لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع ، لأنه حكاية حال الكافر
في ذلك اليوم ، وأكثر موافقة للقراءة المشهورة .
المسألة الثانية ﴾ الواو في قوله ( وما عملت من سوء ) فيه قولان ( الأول ) وهو قول
أبي مسلم الأصفهاني: الواو واو العطف، والتقدير : تجد ما عملت من خير وما عملت من
سو"، وأما قوله (تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً) ففيه وجهان ( الأول ) أنه صفة للسوء ،
والتقدير : وما عملت من سوء الذي تود أن يبعد ما بينها وبينه ( الثاني ) أن يكون حالا ،
والتقدير : يوم تجد ما عملت من سوء محضراً حال ما تود بعده عنها .
﴿والقول الثاني﴾ أن الواو للاستئناف، وعلى هذا القول لا تكون الآية دليلا على
القطع بوعيد المذنبين ، وموضع الكرم واللطف هذا ، وذلك لأنه نص في جانب الثواب على
كونه محضراً وأما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور ، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه ،
والبعد عنه ، وذلك ينبه على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيد .

١٨
قوله تعالى: ((قل ان كنتم تحبون الله)) الآية سورة آل عِمْران
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الَّ فَتَّعُونِى يُحِبْكُ اللهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ ﴾
﴿ المسألة الثالثة﴾ الأمد، الغاية التي ينتهي إليها، ونظيره قوله تعالى ( يا ليت بيني
وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) .
واعلم أن المراد من هذا التمني معلوم ، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على
المكان ، إذ المقصود تمنى بعده ، ثم قال (ويحذركم الله نفسه) وهو لتأكيد الوعيد . ثم قال
( والله رؤف بالعباد ) وفيه وجوه ( الأول) أنه رؤف بهم حيث حذرهم من نفسه ، وعرفهم
كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته ، وحذرهم من
استحقاق غضبه ، قال الحسن : ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه ( الثاني ) أنه رؤف بالعباد
حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي ( الثالث ) أنه لما قال ( ويحذركم الله نفسه) وهو للوعيد
أتبعه بقوله ( والله رؤف بالعباد ) وهو للوعد ليعلم العبد أن وعده ورحمته ، غالب على وعيده
وسخطه ( والرابع ) وهو أن لفظ العباد في القرآن مختص ، قال تعالى ( وعباد الرحمن الذين
يمشون على الأرض هوناً) وقال تعالى ( عينا يشرب بها عباد الله ) فكان المعنى أنه لما ذكر وعيد
الكفار والفساق ذكر وعد أهل الطاعة فقال ( والله رؤف بالعباد ) أي كما هو منتقم من
الفساق ، فهو رؤف بالمطيعين والمحسنين .
قوله تعالى ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور
رحيم ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما دعا القوم إلى الإيمان به ، والإيمان برسله على سبيل التهديد والوعيد ،
دعاهم إلى ذلك من طريق آخر وهو أن اليهود كانوا يقولون ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) فنزلت
هذه الآية، ويروى أنه ◌ّلل وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام فقال:
يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة إبراهيم ، فقالت قريش : إنما نعبد هذه حباً لله تعالى
ليقربونا إلى الله زلفى ، فنزلت هذه الآية ، ويروى أن النصارى قالوا : إنما نعظم المسيح حباً
الله، فنزلت هذه الآية، وبالجملة فكل واحد من فرق العقلاء يدعي أنه يحب الله ، ويطلب
رضاه وطاعته فقال لرسوله وَ له: قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة الله تعالى فكونوا منقادين
لأوامره محترزين عن مخالفته ، وتقدير الكلام : أن من كان محباً لله تعالى لا بد وأن يكون في

سورة آل عمران ١٩
قوله تعالى: ((قل ان كنتم تحبون الله)) الآية
غاية الحذر مما يوجب سخطه ، وإذا قامت الدلالة القاطعة على نبوة محمد له وجبت متابعته ،
فإن لم تحصل هذه المتابعة دل ذلك على أن تلك المحبة ما حصلت .
وفي الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ أما الكلام المستقصى في المحبة، فقد تقدم في تفسير قوله تعالى
( والذين آمنوا أشد حباً لله) والمتكلمون مصرون على أن محبة الله تعالى عبارة عن محبة إعظامه
وإجلاله ، أو محبة طاعته، أو محبة ثوابه ، قالوا : لأن المحبة من جنس الإرادة ، والإرادة لا
تعلق لها إلا بالحوادث وإلا بالمنافع .
واعلم أن هذا القول ضعيف، وذلك لأنه لا يمكن أن يقال في كل شيء إنه إنما كان
محبوباً لأجل معنى آخر وإلا لزم التسلسل والدور ، فلا بد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوباً
بالذات ، كما أنا نعلم أن اللذة محبوبة لذاتها ، فكذلك نعلم أن الكمال محبوب لذاته ،
وكذلك أنا إذا سمعنا أخبار رستم واسفنديار في شجاعتهما مال القلب إليهما مع أنا نقطع بأنه
لا فائدة لنا في ذلك الميل ، بل ربما نعتقد أن تلك الحبة معصية لا يجوز لنا أن نصر عليها ،
فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته ، كما أن اللذة محبوبة لذاتها ، وكمال الكمال لله سبحانه
وتعالى ، فكان ذلك يقتضى كونه محبوباً لذاته من ذاته ومن المقربين عنده الذين تجلى لهم أثر من
آثال كماله وجلاله قال المتكلمون : وأما محبة الله تعالى للعبد فهي عبارة عن إرادته تعالی إيصال
الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليه .
﴿ المسألة الثانية﴾ القوم كانوا يدعون أنهم كانوا محبين الله تعالى، وكانوا يظهرون
الرغبة في أن يحبهم الله تعالى ، والآية مشتملة على أن الإلزام من وجهين ( أحدهما ) إن كنتم
تحبون الله فاتبعوني ، لأن المعجزات دلت على أنه تعالى أوجب عليكم متابعتي ( الثاني ) إن
كنتم تحبون أن يحبكم الله فاتبعوني لأنكم إذا اتبعتموني فقد أطعتم الله ، والله تعالى يحب كل
من أطاعه، وأيضاً فليس في متابعتي إلا أني دعوتكم إلى طاعة الله تعالى وتعظيمه وترك تعظيم
غيره ، ومن أحب الله كان راغباً فيه ، لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب ،
والإعراض بالكلية عن غير المحبوب .
﴿ المسألة الثالثة﴾ خاض صاحب الكشاف في هذا المقام في الطعن في أولياء الله تعالى
وكتب ههنا ما لا يليق بالعاقل أن يكتب مثله في كتب الفحش فهب أنه اجترأ على الطعن في
أولياء الله تعالى فكيف اجترأ على كتبه مثل ذلك الكلام الفاحش في تفسير كلام الله تعالى ،
نسأل الله العصمة والهداية ، ثم قال تعالى ( ويغفر لكم ذنوبكم ) والمراد من محبة الله تعالى

٢٠
قوله تعالى: ((قل أطيعوا الله والرسول)) الآية سورة آل عِمْران
قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ ◌َ
له إعطاؤه الثواب، ومن غفران ذنبه إزالة العقاب ، وهذا غاية ما يطلبه كل عاقل ، ثم
قال ( والله غفور رحيم) يعني غفور في الدنيا يستر على العبد أنواع المعاصي رحيم في الآخرة
بفضله وكرمه .
قوله تعالى ﴿ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ﴾.
يروى أنه لما نزل قوله ( قل إن كنتم تحبون الله) الآية قال عبد الله بن أبي : إن محمداً
يجعل طاعته كطاعة الله ، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ، فنزلت هذه الآية ،
وتحقيق الكلام أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ، ثم إن المنافق ألقى شبهة في الدين ،
وهي أن محمداً يدعي لنفسه مثل ما يقوله النصارى في عيسى ، ذكر الله تعالى هذه الآية إزالة
لتلك الشبهة ، فقال (قل أطيعوا الله والرسول) يعني إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا كما
تقول النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ، ولما كان مبلغ التكاليف عن الله هو
الرسول لزم أن تكون طاعته واجبة فكان إيجاب المتابعة لهذا المعنى لا لأجل الشبهة التي ألقاها
المنافق في الدين .
ثم قال تعالى ( فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) يعني إن أعرضوا فإنه لا يحصل لهم
محبة الله ، لأنه تعالى إنما أوجب الثناء والمدح لمن أطاعه ، ومن كفر استوجب الذلة والإهانة ،
وذلك ضد المحبة والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها
من بعض والله سميع عليم ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف
مناصبهم فقال ( إن الله اصطفى آدم ) وفي الآية مسائل .
المسألة الأولى﴾ اعلم أن المخلوقات على قسمين: المكلف وغير المكلف واتفقوا على
أن المكلف أفضل من غير المكلف، واتفقوا على أن أصناف المكلف أربعة: الملائكة ، والإنس
والجن والشياطين ، أما الملائكة ، فقد روى في الأخبار أن الله تعالى خلقهم من الريح ومنهم
من احتج بوجوه عقلية على صحة ذلك ( فالأول ) أنهم لهذا السبب قدروا على الطيران على
أسرع الوجوه ( والثاني ) لهذا السبب قدروا على حمل العرش ، لأن الريح تقوم بحمل الأشياء