النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
قوله تعالى (( وليتق الله ربه)) سورة البقرة
وههنا تم الكلام ، ثم قال بعده ( كما علمه الله فليكتب ) فيكون الأول أمراً بالكتابة مطلقاً ثم
أردفه بالأمر بالكتابة التي علمه الله إياها، والوجهان ذكرهما الزجاج.
﴿ الشرط الثاني في الكتابة) قوله تعالى (وليملل الذي عليه الحق ) وفيه مسألتان ؛
المسألة الأولى﴾ أن الكتابة وإن وجب أن يختار لها العالم بكيفية كتب الشروط
والسجلات لكن ذلك لا يتم إلا باملاء من عليه الحق فليدخل في جملة إملائه اعترافه بما عليه
من الحق في قدره وجنسه وصفته وأجله إلى غير ذلك ، فلأجل ذلك قال تعالى ( وليملل الذي
عليه الحق ) .
المسألة الثانية ﴾ الأملال والإملاء لغتان ، قال الفراء : أمللت عليه الكتاب لغة
أهل الحجاز وبني أسد ، وأمليت لغة تميم وقيس ، ونزل القرآن باللغتين قال تعالى في اللغة
الثانية ( فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ).
ثم قال ( وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً) وهذا أمر لهذا المملي الذي عليه الحق بأن
يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئاً .
ثم قال تعالى ( وإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو
فليملل وليه بالعدل ) والمعنى أن من عليه الدين إذا لم يكن إقراره معتبراً فالمعتبر هو إقرار .
وليه .
ثم في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ إدخال حرف (أو ) بين هذه الألفاظ الثلاثة، أعني السفيه،
والضعيف، ومن لا يستطيع أن يمل يقتضي كونها أموراً متغايرة ، لأن معناه أن الذي عليه
الحق إذا كان موصوفاً بإحدى هذه الصفات الثلاث فليملل وليه بالعدل ، فيجب في الثلاثة أن
تكون متغايرة ، وإذا ثبت هذا وجب حمل السفيه على الضعيف الرأي ناقص العقل من
البالغين ، والضعيف على الصغير والمجنون والشيخ الخرف، وهم الذين فقدوا العقل بالكلية،
والذي لا يستطيع لأن يمل من يضعف لسانه عن الإملاء الخرس ، أو جهله بماله وما عليه ، فكل
هؤلاء لا يصح منهم الإملاء والإقرار ، فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم ، فقال تعالى
( فليملل وليه بالعدل ) والمراد ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة ، لأن ولي المحجور السفيه ،
وولى الصبي : هو الذي يقر عليه بالدين ، كما يقر بسائر أموره ، وهذا هو القول
الصحيح ، وقال ابن عباس ومقاتل والربيع : المراد بوليه ولي الدين يعني أن الذي له الدين

١٢٢
قوله تعالى ((واستشهدوا شهيدين)) سورة البقرة
يملي وهذا بعيد ، لأنه كيف يقبل قول المدعي ، وإن كان قوله معتبراً ، فأي حاجة بنا إلى الكتابة
والإِشهاد .
﴿ النوع الثاني﴾ من الأمور التي اعتبرها الله تعالى في المداينة الإشهاد، وهو قوله تعالى
( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) واعلم أن المقصود من الكتابة هو الاستشهاد لكي
يتمكن بالشهود عند الجحود من التوصل إلى تحصيل الحق ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى﴾ (استشهدوا) أي أشهدوا يقال: أشهدت الرجل واستشهدته ،
بمعنى والشهيدان هما الشاهدان فعيل بمعنى فاعل .
المسألة الثانية ﴾ الإضافة في قوله (من رجالكم) فيه وجوه (الأول) يعني من أهل
ملتكم وهم المسلمون ( والثاني ) قال بعضهم : يعني الأحرار ( والثالث ) ( من رجالكم )
الذين تعتدونهم الشهادة بسبب العدالة .
﴿ المسألة الثالثة﴾ شرائط الشهادة كثيرة مذكورة في كتب الفقه ، ونذكر هنا مسألة
واحدة وهي أن عند شريح وابن سيرين وأحمد تجوز شهادة العبد ، وعند الشافعي وأبي حنيفة
رضي الله عنهما لا تجوز ، حجة شريح أن قوله تعالى ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) عام
يتناول العبيد وغيرهم ، والمعنى المستفاد من النص أيضاً دال عليه . وذلك لأن عقل الإنسان
ودينه وعدالته تمنعه من الكذب ، فإذا شهد عند اجتماع هذه الشرائط تأكد به قول المدعى ،
فصار ذلك سبباً في إحياء حقه ، والعقل والدين والعدالة لا تختلف بسبب الحرية والرق ،
فوجب أن تكون شهادة العبيد مقبولة ، حجة الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما قوله تعالى
( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) فهذا يقتضي أنه يجب على كل من كان شاهداً الذهاب إلى
موضع أداء الشهادة ، ويحرم عليه عدم الذهاب إلى أداء الشهادة ، فلما دلت الآية على أن كل
من كان شاهداً وجب عليه الذهاب والإجماع دل على أن العبد لا يجب عليه الذهاب ، فوجب
أن لا يكون العبد شاهداً ، وهذا الاستدلال حسن .
وأما قوله تعالى ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) فقد بينا أن منهم من قال :
واستشهدوا شهيدين من رجالكم الذين تعتدونهم لأداء الشهادة ، وعلى هذا التقدير فلم قلتم
أن العبيد كذلك .
ثم قال تعالى ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) وفي ارتفاع رجل وامرأتان أربعة
أوجه ( الأول ) فليكن رجل وامرأتان ( والثاني ) فليشهد رجل وامرأتان ( الثالث ) فالشاهد
رجل وامرأتان ( والرابع ) فرجل وامرأتان يشهدون كل هذه التقديرات جائز حسن ، ذكرها
علی بن عیسی رحمه الله .

١٢٣
قوله تعالى ((أن تضل إحداهما)) سورة البقرة
ثم قال ( ممن ترضون من الشهداء ) وهو كقوله تعالى في الطلاق ( وأشهدوا ذوي عدل
منكم ) واعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحاً للشهادة والفقهاء قالوا : شرائط
قبول الشهادة عشرة أن يكون حراً بالغاً مسلماً عدلاً عالماً بما شهد به ولم يجر بتلك الشهادة
منفعة إلى نفسه ولا يدفع بها مضرة عن نفسه ، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط ، ولا بترك
المروأة ، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة .
ثم قال ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) والمعنى أن النسيان غالب طباع
النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور
النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت
ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية ثم فيها مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ حمزة (إن تضل) بكسر إن (فتذكر) بالرفع والتشديد ،
ومعناه : الجزاء وموضع ( تضل) جزم إلا أنه لا يتبين في التضعيف ( فتذكر ) رفع لأن ما بعد
الجزاء مبتدأ وأما سائر القراء فقرؤا بنصب ( أن ) وفيه وجهان ( أحدهما ) التقدير : لأن
تضل ، فحذف منه الخافض ( والثاني ) على أنه مفعول له ، أي إرادة أن تضل
فإن قيل : كيف يصح هذا الكلام والإِشهاد للأذكار لا الاضلال .
قلنا : ههنا غرضان ( أحدهما ) حصول الإشهاد ، وذلك لا يأتي إلا بتذكير إحدى
المرأتين الثانية ( والثاني ) بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل
الواحد هو العدل في القضية ، وذلك لا يأتي إلا في ضلال إحدى المرأتين ، فإذا كان كل واحد
من هذين الأمرين أعني الإشهاد ، وبيان فضل الرجل على المرأة مقصوداً ، ولا سبيل إلى ذلك
إلا بضلال إحداهما وتذكر الأخرى ، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين، هذا ما خطر ببالي
من الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع وللنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها
والكتب مشتملة عليها ، والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ الضلال في قوله ( أن تضل إحداهما ) فيه وجهان ( أحدهما ) أنه
بمعنى النسيان ، قال تعالى ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي ذهب عنهم ( الثاني ) أن يكون
ذلك من ضل في الطريق إذا لم يهتد له ، والوجهان متقاربان ، وقال أبو عمرو: أصل
الضلال في اللغة الغيبوية ..
المسألة الثالثة﴾ قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي ( فتذكر) بالتشديد
٠
٠

١٢٤
قوله تعالى ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ، سورة البَقَرة
والنصب ، وقرأ حمزة بالتشديد والرفع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب ، وهما
لغتان ذكر وأذكر نحو نزل وأنزل ، والتشديد أكثر استعمالاً، قال تعالى ( فذكر إنما أنت
مذكر ) ومن قرأ بالتخفيف فقد جعل الفعل متعدياً بهمزة الأفعال ، وعامة المفسرين على أن
التذكير والإِذكار من النسيان إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله ( فتذكر إحداهما
الأخرى ) أن تجعلها ذكراً يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد ، وهذا
الوجه منقول عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت
معها أذكرتها ، لأنهما يقومان مقام رجل واحد وهذا الوجه باطل باتفاق عامة المفسرين ، ويدل
على ضعفه وجهان ( الأول ) أن النساء لو بلغن ما بلغن ، ولم يكن معهن رجل لم تجز
شهادتهن . فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذكرت الأولى .
الوجه الثاني ﴾ أن قوله (فتذكر ) مقابل لما قبله من قوله ( أن تضل إحداهما ) فلما
كان الضلال مفسر بالنسيان كان الإذكار مفسراً بما يقابل النسيان .
ثم قال تعالى ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في هذه الآية وجوه (الأول) وهو الأصح: أنه نهى الشاهد عن
الامتناع عن أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها ( والثاني ) أن المراد تحمل الشهادة
على الإطلاق ، وهو قول قتادة واختيار القفال ، قال : كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة ،
كذلك أمر الشاهد أن لا يأبي عن تحمل الشهادة ، لأن كل واحد منهما يتعلق بالآخر ، وفي
عدمهما ضياع الحقوق ( الثالث ) أن المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره ( الرابع ) وهو قول
الزجاج : أن المراد بجموع الأمرين التحمل أولاً ، والأداء ثانياً ، واحتج القائلون بالقول
الأول من وجوه ( الأول ) أن قوله ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) يقتضى تقديم كونهم
شهداء ، وذلك لا يصح إلا عند أداء الشهادة ، فأما وقت التحمل فإنه لم يتقدم ذلك الوقت
كونهم شهداء .
فإن قيل : يشكل هذا بقوله ( واستشهدوا شهیدین من رجالكم ) وكذلك سماه كاتباً قبل
أن يكتب .
قلنا : الدليل الذي ذكرناه صار متروكاً بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن نتركه لعلة
ضرورة في تلك الآية ( والثاني ) أن ظاهر قوله ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) النهي عن
الامتناع ، والأمر بالفعل ، وذلك للوجوب في حق الكل ، ومعلوم أن التحمل غير واجب على
الكل ، فلم يجز حمله عليه ، وأما الأداء بعد التحمل فإنه واجب على الكل ، ومتأكد بقوله

١٢٥
قوله تعالى ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا)) سورة البقرة
تعالى (ولا تكتموا الشهادة ) فكان هذا أولى ( الثالث ) أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد
بالتحمل من بعض الوجوه، فصار الأمر بتحمل الشهادة داخلاً في قوله ( واستشهدوا شهيدين
من رجالكم ) فكان صرف قوله ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) إلى الأمر بالأداء حملاً له على
فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا
يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعى إليها .
واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعيناً ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان متعيناً
وجب عليه أداء الشهادة ، وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضاً على الكفاية .
المسألة الثانية﴾ قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن يكون شاهداً فلا
نعيده ( الثالثة ) قال الشافعي رضي الله عنه : يجوز القضاء بالشاهد واليمين ، وقال أبو حنيفة
رضي الله عنه : لا يجوز، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال : إن الله تعالى أوجب عند عدم
شهادة رجلين شهادة الرجل والمرأتين على التعيين ، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل
ذلك التعيين ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه لم قضى بالشاهد واليمين ، وتمام الكلام فيه
مذكور في خلافيات الفقه .
واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولاً ، ثم بالإِشهاد ثانياً ، أعاد ذلك مرة
أخرى على سبيل التأكيد ، فأمر بالكتبة ، فقال ( ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى
أجله ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ السآمة الملال والضجر، يقال: سئمت الشيء سأماً وسآمة،
والمقصود من الآية البعث على الكتابة قل المال أو كثر، فإن القليل من المال في هذا الاحتياط
كالكثير ، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد ،
فأمر تعالى في الكثير والقليل بالكتابة ، فقال ( ولا تسأموا) أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا .
فإن قيل : فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر ؟ .
قلنا : لا لأن هذا محمول على العادة ، وليس في العادة أن يكتبوا التافه .
المسألة الثانية﴾ ( أن) في محل النصب لوجهين إن شئت جعلته مع الفعل مصدراً
فتقديره : ولا تسأموا كتابته ، وإن شئت بنزع الخافض تقديره : ولا تسأموا من أن تكتبوه إلى
أجله .
المسألة الثالثة﴾ الضمير في قوله ( أن تكتبوه) لا بد وأن يعود إلى المذكور سابقاً،

١٢٦
قوله تعالى ((ذلكم أقسط عند الله)) سورة البقرة
وهو ههنا إما الدين وإما الحق .
المسألة الرابعة ) قرىء ( ولا يسأموا أن يكتبوه ) بالياء فيهما .
ثم قال تعالى ( ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا ) اعلم أن الله
تعالى بين أن الكتبة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث :
الفائدة الأولى) قوله ( ذلكم أقسط عند الله) وفي قوله (ذلكم) وجهان ( الأول )
أنه إشارة إلى قوله ( أن تكتبوه) لأنه في معنى المصدر ، أي ذلك الكتب أقسط (والثاني ) قال
القفال رحمه الله : ذلكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى ( أقسط عند
الله ) أعدل عند الله ، والقسط اسم ، والأقساط مصدر ، يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط
إقساطاً إذا عدل فهو مقسط ، قال تعالى ( إن الله يحب المقسطين ) ويقال : هو قاسط إذا جار ،
قال تعالى ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) وإنما كان هذا أعدل عند الله ، لأنه إذا كان
مكتوباً كان إلى اليقين والصدق أقرب ، وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند الله وهو
كقوله تعالى ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) أي أعدل عند الله، وأقرب إلى الحقيقة من
أن تنسبوهم إلى غير آبائهم .
﴿ الفائدة الثانية ) قوله ( أقوم للشهادة) معنى ( أقوم) أبلغ في الاستقامة ، التي هي
ضد الاعوجاج ، وذلك لأن المنتصب القائم ، ضد المنحني المعوج .
فإن قيل : مم بنى أفعل التفضيل ؟ أعني : أقسط وأقوم .
قلنا : يجوز على مذهب سيبوية أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، ويجوز أن يكون
أقسط من قاسط ، وأقوم من قويم .
واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة ، لأنها سبب للحفظ والذكر ، فكانت أقرب
إلى الاستقامة ، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى ،
والثانية بتحصيل مصلحة الدنيا ، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعاراً بأن الدين يجب تقديمه
علی الدنیا.
والفائدة الثالثة﴾ هي قوله (وأدنى أن لا ترتابوا) يعني أقرب إلى زوال الشك
والارتياب عن قلوب المتداينين ، والفرق بين الوجهين الأولين ، وهذا الثالث الوجهين الأولين
يشيران إلى تحصيل المصلحة ، فالأول إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين ، والثاني إشارة إلى
تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير، أما عن

١٢٧
قوله تعالى ((إلا أن تكون تجارة)) سورة البَقَرة
النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان ، وهذا الذي قلت هل كان صدقاً أو
كذباً، وأما دفع الضرر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب
الغيبة والبهتان ، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط ، وما أحسن ما فيها من
الترتيب .
ثم قال تعالى ( إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ (إلا) فيه وجهان (أحدهما ) أنه استثناء متصل (والثاني) أنه
منقطع ، أما الأول ففيه وجهان ( الأول ) أنه راجع إلى قوله تعالى ( إذا تداينتم بدين إلى أجل
مسمى فاكتبوه ) وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب ، وقد يكون إلى أجل بعيد ،
فلما أمر بالكتبة عند المداينة ، استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريباً ، والتقدير : إذا تداينتم
بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريباً ، وهو المراد من التجارة الحاضرة
( والثاني) أن هذا استثناء من قوله (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً) وأما الاحتمال
الثاني ، وهو أن يكون هذا استثناء منقطعاً فالتقدير : لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تدير ونها
بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ، فهذا يكون كلاماً مستأنفاً ، وإنما رخص تعالى في
ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة ، لكثرة ما يجري بين الناس ، فلو تكلف فيها
الكتبة والإِشهاد لشق الأمر على الخلق ، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه
في ذلك المجلس ، لم يكن هناك خوف التجاحد ، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإِشهاد .
﴿ المسألة الثانية ﴾ قوله (أن تكون) فيه قولان (أحدهما) أنه من الكون بمعنى الحدوث
والوقوع كما ذكرناه في قوله (وإن كان ذو عسرة) ( والثاني ) قال الفراء : إن شئت جعلت
( كان ) ههنا ناقصة على أن الإسم تجارة حاضرة ، والخبر تديرونها ، والتقدير : إلا أن تكون
تجارة حاضرة دائرة بينكم .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ عاصم ( تجارة) بالنصب ، والباقون بالرفع ، أما القراءة
بالنصب فعلى أنه خبر كان ، ولا بد فيه من إضمار الإسم ، وفيه وجوه ( أحدها ) التقدير : إلا
أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب ، ومنه قول الشاعر :
إذا كان يوماً ذا كواكب أشهبا
بني أسد هل تعلمون بلاءنا
أي إذا كان اليوم (وثانيها ) أن يكون التقدير : إلا أن يكون الأمر والشأن تجارة
( وثالثها ) قال الزجاج : التقدير إلا أن تكون المداينة تجارة حاضرة ، قال أبو علي الفارسي :
هذا غير جائز لأن المداينة لا تكون تجارة حاضرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المداينة إذا كانت إلى

١٢٨
قوله تعالى ((إلا أن تكون تجارة)) سورة البقرة
أجل ساعة ، صح تسميتها بالتجارة الحاضرة ، فإن من باع ثوباً بدرهم في الذمة بشرط أن تؤدي
الدرهم في هذه الساعة كان ذلك مداينة وتجارة حاضرة ، وأما القراءة بالرفع ، فالوجه فيها ما
ذكرناه في المسألة الثانية والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة﴾ التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضراً أو في الذمة
لطلب الربح ، يقال : تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر ، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو
بعين ، فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله ( إلا أن تكون تجارة حاضرة ) لا يمكن حمله على ظاهره ،
بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال ، ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يداً بيد ، ثم
قال ( فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ) معناه : لا مضرة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد
الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق
بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه .
ثم قال تعالى (وأشهدوا إذا تبايعتم ) وأكثر المفسرين قالوا : المراد أن الكتابة وإن رفعت
عنهم في التجارة إلا أن الإشهاد ما رفع عنهم ، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة ، ولأن
الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان .
واعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإِرشاد إلى طريق الاحتياط .
ثم قال تعالى ( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) واعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهياً للكاتب
والشهيد عن إضرار من له الحق ، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الإإحتياط ، وأما
الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع ، ويحتمل أن يكون نهياً لصاحب
الحق عن إضرار الكاتب والشهيد ، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما والأول قول أكثر
المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ، والثاني قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد .
واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين بسبب الأدغام الواقع في
( لا يضار) ( أحدهما ) أن يكون أصله لا يضارر، بكسر الراء الأولى، فيكون الكاتب
والشهيد هما الفاعلان للضرار ( والثاني ) أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى ، فيكون
هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت في هذه السورة ، وهو قوله ( لا تضار
والدة بولدها ) وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك ، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين
قراءة عمر رضي الله عنه ( ولا يضارر ) بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس ( ولا يضارر )
بالإظهار والفتح ، واختار الزجاج القول الأول ، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك ( وإن

١٢٩
سورة البقرة
قوله تعالى (( وإن كنتم على سفر )) الآية
وَإِن كُنتُمْ عَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِ
أَلَّذِى آؤْتُمِنَ أَمَنْنَهُ، وَلْيَتَّقِ اللَّ رَبَّهُ، وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ..
ءَاثِمُ قَلْبُهُ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (2)
تفعلوا فإنه فسوق بكم ) قال : وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة ، وبمن يمتنع عن
الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية أولى منه بمن أضر الكاتب والشهيد ، ولأنه تعالى قال فيمن
يمتنع عن أداء الشهادة ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) والآثم والفاسق متقاربان ، واحتج من نصر
القول الثاني بأن هذا لو كان خطاباً للكاتب والشهيد لقيل : وإن تفعلا فإنه فسوق بكم ، وإذا
كان هذا خطاباً للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرارهم والله أعلم .
ثم قال ( وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ) وفيه وجهان ( أحدهما ) يحتمل أنه يحمل على
هذا الموضع خاصة والمعنى : فإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار ( والثاني ) أنه عام في جميع
التكليف ، والمعنى : وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتكم عنه أو تتركوا شيئاً مما أمرتكم به فإنه فسوق
بكم ، أي خروج عن أمر الله تعالى وطاعته .
ثم قال تعالى ( واتقوا الله ) يعني فيما حذر منه ههنا ، وهو المضارة ، أو يكون عاماً ،
والمعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه .
ثم قال ( ويعلمكم الله) والمعنى : أنه يعلمكم ما يكون إرشاداً واحتياطاً في أمر
الدنيا ، كما يعلمكم ما يكون إرشاداً في أمر الدين ( والله بكل شيء عليم ) إشارة إلى كونه
سبحانه وتعالى عالماً بجميع مصالح الدنيا والآخرة .
قوله تعالى ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضاً
فليؤد الذي أؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون
عليم ﴾ .
اعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام : بيع بكتاب وشهود ،
وبيع برهان مقبوضة ، وبيع الأمانة ، ولما أمر في آخر الآية المتقدمة بالكتبة والإِشهاد ، واعلم
أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا يوجد الكاتب ، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة
ذكر نوعاً آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط والإشهاد
الفخر الرازي ج ٧ م ٩

١٣٠
قوله تعالى ((وإن كنتم على سفر)) سورة البقرة
ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ ذكرنا اشتقاق في السفر في قوله تعالى ( فمن كان منكم مريضاً أو على
سفر فعدة من أيام آخر ) ونعيده ههنا قال أهل اللغة : تركيب هذه الحروف للظهور والكشف
فالسفر هو الكتاب ، لأنه يبين الشيء ويوضحه ، وسُمِّيَ السفر سفراً، لأنه يسفر عن أخلاق
الرجال ، أي يكشف، أو لأنه لما خرج من الكن إلى الصحراء فقد انكشف للناس ، أو لأنه لما
خرج إلى الصحراء ، فقد صارت أرض البيت منكشفة خالية ، وأسفر الصبح إذا ظهر ،
وأسفرت المرأة عن وجهها ، أي كشفت وسفرت عن القوم أسفر سفارة إذا كشفت ما في
قلوبهم ، وسفرت أسفر إذا كنست ، والسفر الكنس ، وذلك لأنك إذا كنست ، فقد أظهرت
ما كان تحت الغبار والسفر من الورق ما سفر به الريح ، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب
الشمس سفر لوضوحه والله أعلم .
المسألة الثانية ﴾ أصل الرهن من الدوام، يقال: رهن الشيء إذا دام وثبت،ونعمة
راهنة أي دائمة ثابتة .
إذا عرفت أصل المعنى فنقول : أصل الرهن مصدر . يقال : رهنت عند الرجل أرهنه
رهناً إذا وضعت عنده ، قال الشاعر :
وأرهنه بني بما أقول
يراهنني فيرهنني بنيه
إذا عرفت هذا فنقول : إن المصادر قد تنقل فتجعل أسماء ويزول عنها عمل الفعل ،
فإذا قال : رهنت عند زيد رهناً لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ، لكن انتصاب المفعول به
كما تقول: رهنت عند زيد ثوباً، ولما جعل إسماً بهذا الطريق جمع كما تجعل الأسماء وله
جمعان : رهن ورهان ، ومما جاء على رهن قول الأعشى :
آليت لا أعطيه من أبنائنا رهناً فيفسدهم كمن قد أفسدا
وقال بعيث :
بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن
ونظيره قولنا : رهن ورهن ، سقف وسقف، ونشر ونشر، وخلق وخلق ، قال
الزجاج : فعل وفعلي قليل ، وزعم الفراء أن الرهن جمعه رهان ، ثم الرهان جمعه رهن فيكون
رهن جمع الجمع وهو كقولهم . ثمار وثمر ، ومن الناس من عكس هذا فقال : الرهن جمعه

١٣١
قوله تعالى ((فإن أمن بعضكم بعضاً، سورة البقرة
رهن ، والرهن جمعه رهان ، واعلم أنهما لما تعارضا تساقطاً لا سيما وسيبويه لا يرى جمع الجمع
مطرداً ، فوجب أن لا يقال به إلا عند الإتفاق ، وأما أن الرهان جمع رهن فهو قیاس ظاهر ،
مثل نعل ونعال ، وكبش وكباش وكعب وكعاب ، وكلب وكلاب .
المسألة الثالثة﴾ قرأ ابن كثير أبو عمر ( فرهن) بضم الراء والهاء ، وروى عنهما
أيضاً ( فرهن) برفع الراء وإسكان الهاء والباقون ( فرهان ) قال أبو عمرو : لا أعرف الرهان
إلا في الخيل ، فقرأت (فرهن ) للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع الرهن ، وأما قراءة أبي
عمرو بضم الراء وسكون الهاء ، فقال الأخفش : إنها قبيحة لأن فعلاً لا يجمع على فعل إلا
قليلاً شاذاً كما يقال : سقف وسقف تارة بضم القاف وأخرى بتسكينها ، وقلب للنخل ولحد
ولحد وبسط وبسط وفرس ورد ، وخیل ورد .
المسألة الرابعة ﴾ في الآية حذف فإن شئنا جعلناه مبتدأ وأضمرنا الخبر ، والتقدير :
فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين ، أو ما يقوم مقامهما ، أو فعليه رهن مقبوضة ، وإن شئنا
جعلناه خبراً وأضمرنا المبتدأ ، والتقدير : فالوثيقة رهن مقبوضة .
المسألة الخامسة﴾ اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواء في حال
وجود الكاتب وعدمه ، وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذاً بظاهر
الآية ، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب ، کقوله ( فليس
عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ) وليس الخوف من شرط جواز القصر.
المسألة السادسة ﴾ مسائل الرهن كثيرة ، واحتج من قال بأن رهن المشاع لا يجوز بأن
الآية دلت على أن الرهن يجب أن يكون مقبوضاً والعقل أيضاً يدل عليه لأن المقصود من الرهن
استيثاق جانب صاحب الحق بمنع الجحود ، وذلك لا يحصل إلا بالقبض والمشاع لا يمكن أن
يكون مقبوضاً فوجب ألا يصح رهن المشاع .
ثم قال تعالى ( فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) واعلم أن هذا هو
القسم الثالث من البياعات المذكوره في الآية ، وهو بيع الأمانة ، أعني ما لا يكون فيه كتابة
ولا شهود ولا يكون فيه رهن ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أمن فلان غيره إذا لم يكن خائفاً منه ، قال تعالى ( هل آمنكم عليه
إلا كما أمتكم على أخيه ) فقوله ( فإن أمن بعضكم بعضاً) أي لم يخف خيانته وجحوده
( فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) أي فليؤد المديون الذي كان أميناً ومؤتمناً في ظن الدائن ، فلا يخلف

١٣٢
قوله تعالى ((فإن من بعضكم بعضاً)) سورة البَفَرة
ظنه في أداء أمانته وحقه إليه ، يقال : أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن .
ثم قال ( ولیتق الله ربه ) أي هذا المدیون يجب أن يتقي الله ولا يجحد ، لأن الدائن لما
عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثائق من الكتابة والإِشهاد والرهن
فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق ، وفي أن
يؤديه إليه عند حلول الأجل ، وفي الآية قول آخر ، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن
عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده ، والوجه هو الأول .
﴿ المسألة الثانية ﴾ من الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على
وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن ، واعلم أن التزام وقوع النسخ من غير دليل يلجىء إليه
خطأ، بل تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ورعاية الاحتياط ، وهذه الآية محمولة على
الرخصة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليس في آية المداينة نسخ ، ثم قال ( ولا
تکتموا الشهادة ) وفي التأويل وجوه :
الوجه الأول﴾ قال القفال رحمه الله: إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة والإشهاد والرهن
عند اعتقاد كون المديون أميناً ، ثم كان من الجائز في هذا المديون أن يخلف هذا الظن ، وأن
يخرج خائناً جاحداً للحق ، إلا أنه من الجائز أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم ،
فههنا ندب الله تعالى ذلك الإنسان إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق ، وأن يشهد لصاحب
الحق بحقه ، ومنعه من كتمان تلك الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة ، أو لم
يعرف وشدد فيه بأن جعله آثم القلب لو تركها ، وقد روى عن النبي ◌َّل خبر يدل على صحة
هذا التأويل ، وهو قوله (( خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد )).
الوجه الثاني ﴾ في تأويل أن يكون المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك
الواقعة ، ونظيره قوله تعالى ( أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط
كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ) والمراد
الجحود وإنكار العلم .
﴿ الوجه الثالث﴾ في كتمان الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، وقد
تقدم ذلك في قوله ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد
بطل حقه ، وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه ، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه ،
فهذا بالغ في الوعيد .

١٣٣
قوله تعالى ((لله ما في السموات وما في الأرض)) الآية سورة البقرة
-لِِّ مَا فِ السَّمَنَوَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُمْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ
اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرٌ
ثم قال ( ومن یکتمها فإنه آثم قلبه ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ الآثم الفاجر، روى أن عمر كان يعلم اعرابياً ( أن شجرة الزقوم
طعام الأثيم ) فكان يقول : طعام اليتيم ، فقال له عمر : طعام الفاجر . فهذا يدل على أن
الآثم بمعنى الفجور .
المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف: آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه
قیل فإنه يأثم قلبه وقرىء ( قلبه ) بالفتح كقوله ( سفه نفسه ) وقرأ ابن أبي عبلة ( أثم قلبه )
أي جعله آثماً .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اعلم أن كثيراً من المتكلمين قالوا: إن الفاعل والعارف والمأمور
والمنهي هو القلب ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله تعالى ( نزل به
الروح الأمين على قلبك ) وذكرنا طرقاً منه في تفسير قوله ( قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله
على قلبك ) وهؤلاء يتمسكون بهذه الآية ويقولون : إنه تعالى أضاف الآثم إلى القلب فلولا أن
القلب هو الفاعل وإلا لما كان آثماً .
وأجاب من خالف في هذا القول بأن إضافة الفعل إلى جزء من أجزاء البدن إنما يكون
لأجل أن أعظم أسباب الإعانة على ذلك الفعل إنما يحصل من ذلك العضو ، فيقال : هذا مما
أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي ، ويقال : فلأن خبيث الفرج ومن المعلوم أن أفعال
الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلوب من الدواعي والصوارف، فلما كان
الأمر كذلك فلهذا السبب أضيف الآثم ههنا إلى القلب .
ثم قال عز وجل ( والله بما تعلمون عليم ) وهو تحذير من الإقدام على هذا الكتمان ، لأن
المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفاً حذراً من مخالفة أمر الله تعالى ،
فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال ، ويجازيه عليها إن خيراً فخيراً ، وإن شراً
فشراً .
قوله تعالى ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به

١٣٤
قوله تعالى ((لله ما في السموات وما في الأرض)) سورة البَقَرة
الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شىء قدير
في الآية مسائل
المسألة الأولى﴾ في كيفية النظم وجوه (الأول ) قال الأصم: إنه تعالى لما جمع في هذه
السورة أشياء كثيرة من علم الأصول ، وهو دليل التوحيد والنبوة ، وأشياء كثيرة من علم
الأصول ببيان الشرائع والتكاليف، وهي في الصلاة ، والزكاة ، والقصاص ، والصوم ،
والحج ، والجهاد ، والحيض ، والطلاق ، والعدة ، والصداق ، والخلع ، والإيلاء ،
والرضاع ، والبيع ، والربا ، وكيفية المداينة ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل
التهدید .
وأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة والعلم ، فعبر
سبحانه عن كمال القدرة بقوله ( لله ما في السموات وما في الأرض ) ملكاً وملكاً، وعبر عن كمال
العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله )
وإذا حصل كمال القدرة والعلم ، فكان كل من في السموات والأرض عبيداً مربوبين وجدوا
بتخليقه وتكوينه كان ذلك غاية الوعد للمطيعين ، ونهاية الوعيد للمذنبين ، فلهذا السبب ختم
الله هذه السورة بهذه الآية .
﴿والوجه الثاني﴾ في كيفية النظم، قال أبو مسلم: إنه تعالى لما قال في آخر الآية
المتقدمة ( إنه بما تعملون عليم ) ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال ( لله ما في
السموات وما في الأرض ) ومعنى هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه
وتكوينه وإبداعه ومن كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على
الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد وأن يكون عالماً بها إذ من المحال صدور الفعل المحكم
المتقن عن الجاهل به ، فكان الله تعالى احتج بخلقه السموات والأرض مع ما فيهما من وجوه
الإحكام والإتقان على كونه تعالى عالماً بها محيطاً بأجزائها وجزئياتها .
الوجه الثالث﴾ في كيفية النظم ، قال القاضي: إنه تعالى لما أمر بهذه الوثائق أعني
الكتبة والإشهاد والرهن ، فكان المقصود من الأمر بها صيانة الأموال ، والاحتياط في حفظها
بين الله تعالى أنه إنما المقصود لمنفعة ترجع إلى الخلق لا لمنفعة تعود إليه سبحانه منها فإنه له ملك
السموات والأرض .

١٣٥
قوله تعالى ((وإن تبدو ما في أنفسكم)) سورة البقرة
الوجه الرابع ﴾ قال الشعبي وعكرمة ومجاهد : إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة
وأوعد عليه بين أنه له ملك السموات والأرض فيجازي على الكتمان والإظهار .
﴿ المسألة الثانية﴾ احتج الأصحاب بقوله ( لله ما في السموات وما في الأرض ) على أن
فعل العبد خلق الله تعالى ، لأنه من جملة ما في السموات والأرض بدليل صحة الاستثناء ،
واللام في قوله ( لله ) ليس لام الغرض ، فإنه ليس غرض الفاسق من فسقه طاعة الله ، فلا بد
وأن يكون المراد منه لام الملك والتخليق .
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج الأصحاب بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء لأن من جملة
ما في السموات والأرض حقائق الأشياء وماهياتها فهي لا بد وأن تكون تحت قدرة الله سبحانه
وتعالى وإنما تكون الحقائق والماهيات تحت قدرته لو كان قادراً على تحقيق تلك الحقائق ،
وتكوين تلك الماهيات ، فإذا كان كذلك كانت قدرة الله تعالى مكونة للذوات ، ومحققة
للحقائق ، فكان القول بأن المعدوم شيء باطلاً .
ثم قال تعالى( وإن تبدوا ما فی أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) یروی عن ابن عباس
أنه قال : لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي
وَل*، فقالوا: يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن
يثبت في قلبه ، وإن له الدنيا، فقال النبي مَسير: فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا
وعصينا قولوا : سمعنا وأطعنا ، فقالوا سمعنا وأطعنا ، واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك
حولا فأنزل الله تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) فنسخت هذه الآية، فقالمَ﴾((إن الله
تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا به )) .
واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه
يحاسبكم به الله ) يتناول حديث النفس ، والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ، ولا يتمكن
من دفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه :
الوجه الأول ﴾ أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين، فمنها ما يوطن الإنسان
نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك بل تكون أموراً خاطرة
بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس ، فالقسم الأول يكون مؤاخذا
به ، والثاني لا يكون مؤاخذاً به ، ألا ترى إلى قوله تعالى ( لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم
ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) وقال في آخر هذه السورة (لها ما كسبت وعليها ما
أكتسبت ) وقال ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ) هذا هو الجواب

١٣٦
قوله تعالى ((إن تبدوا ما في أنفسكم سورة البقرة
المعتمد .
والوجه الثاني ﴾ أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل ، فهو في محل العفو
وقوله ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) فالمراد منه أن يدخل ذلك العمل في
الوجود إما ظاهرا وإما على سبيل الخفية وأما ما وجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل
بالعمل فكل ذلك في محل العفو وهذا الجواب ضعيف، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال
القلوب ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب : وأعظم أنواع العقاب
مرتب عليه ، وأيضاً فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال
النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب ..
﴿والوجه الثالث في الجواب﴾ أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم
في الدنيا، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر
كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا أو حزن أو أذى ، فاذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه
ولم يعاقب عليه ، وروت أنها سألت النبي ◌َّلّ عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه .
فان قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى (اليوم تجزي كل نفس بما
كسبت ) .
قلنا : هذا خاص فيكون مقدما على ذلك العام .
﴿ الوجه الرابع في الجواب﴾ أنه تعالى قال ( يحاسبكم به الله) ولم يقل: يؤاخذكم به
الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها كثيرة ، وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى
عالما بها، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالما بكل ما في الضمائر والسرائر ، روى عن ابن
عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ،
فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه ، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب .
﴿ الوجه الخامس في الجواب﴾ أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله (فيغفر لمن يشاء ويعذب
من يشاء ) فيكون الغفران نصيباً لمن كان كارها لورود تلك الخواطر ، والعذاب يكون نصيباً
لمن يكون مصراً على تلك الخواطر مستحسناً لها .
﴿ الوجه السادس﴾ قال بعضهم: المراد بهذه الآية كتمان الشهادة، وهو ضعيف، لأن
اللفظ عام وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه .
الوجه السابع في الجواب ﴾ ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله

١٣٧
قوله تعالى (( آمن الرسول بما أنزل إليه)) الآية سورة البقرة
ءَامَنَ اُلَّسُولُ بِمَآَ أَنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ:
( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وهذا أيضاً ضعيف لوجوه ( أحدها ) أن هذا النسخ إنما يصح
لو قلنا : أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالإحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين
عن دفعها ، وذلك باطل، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة، ولذلك قال عليه السلام
((بعثت بالحنيفية السهلة السمحة )) (والثاني) أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على
حصول العقاب على تلك الخواطر ، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك ( والثالث ) أن نسخ
الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي ..
وأعلم أن للناس اختلافا في أن الخبر هل ينسخ أم لا ؟ وقد ذكرنا في أصول الفقه والله
أعلم .
ثم قال ( فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) وفيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على جواز غفران ذنوب أصحاب
الكبائر وذلك لأن المؤمن المطيع بأنه يثاب ولا يعاقب ، والكافر مقطوع بأنه يعاقب ولا يثاب ،
وقوله ( فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) رفع للقطع واحد من الأمرين ، فلم يبق إلا أن
يكون ذلك نصيباً للمؤمن يرثه المذنب بأعماله .
المسألة الثانية﴾ قرأ عاصم وابن عامر (فيغفر، ويعذب) برفع الراء والباء ، وأما
الباقون فبالجزم أما الرفع فعلى الاستئناف، والتقدير : فهو يغفر، وأما الجزم فبالعطف على
يحاسبكم ونقل عن أبي عمرو أنه أدغم الراء في اللام في قوله (يغفر لمن يشاء ) قال صاحب
الكشاف : إنه لحن ونسبته إلى أبي عمرو كذب ، وكيف يليق مثل هذا اللحن بأعلم الناس
بالعربية .
ثم قال ( والله على كل شيء قدير ) وقد بين بقوله ( لله ما في السموات وما في الأرض )
أنه كامل الملك والملكوت ، وبين بقوله ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله )
أنه كامل العلم والإِحاطة ، ثم بين بقوله ( والله على كل شيء قدير ) أنه كامل القدرة مستولى
على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتكوين والإعدام ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال
في هذه الصفات والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبداً منقاداً له ،
خاضعاً لأوامره ونواهيه محتر زاً عن سخطه ونواهيه ، وبالله التوفيق .
قوله تعالى ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه

١٣٨
قوله تعالى ((آمن الرسول بما أنزل إليه)) الاية سورة البقرة
وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن ◌ُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ
و
رَبَّنَا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ
٢٨٥
ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾
في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في كيفية النظم وجوه (الأول) وهو أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة
كمال الملك ، وكمال العلم ، وكمال القدرة لله تعالى، وذلك يوجب كمال صفات الربوبية أتبع
ذلك بأن بين كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطاعة والخضوع لله تعالى ، وذلك هو كمال
العبودية وإذا ظهر لنا كمال الربوبية ، وقد ظهر منا كمال العبودية ، فالمرجو من عميم فضله
وإحسانه أن يظهر يوم القيامة فى حقنا كمال العناية والرحمة والإحسان اللهم حقق هذا الأمل
.
﴿ الوجه الثاني في النظم﴾ أنه تعالى لما قال (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه
يحاسبكم به الله) بين أنه لا يخفي عليه من سرنا وجهرنا وباطننا وظاهرنا شيء البتة ، ثم أنه
تعالى ذكر عقيب ذلك ما يجري مجرى المدح لنا والثناء علينا ، فقال ( آمن الرسول بما أنزل إليه
من ربه والمؤمنون ) كأنه بفضله يقول عبدي أنا وإن كنت أعلم جميع أحوالك ، فلا أظهر من
أحوالك ، ولا اذكر منها إلا ما يكون مدحالك وثناء عليك ، حتى تعلم أني كما أنا الكامل في
الملك والعلم والقدرة ، فأنا الكامل في الجود والرحمة ، وفي إظهار الحسنات ، وفي الستر على
السيئات .
﴿ الوجه الثالث ﴾ أنه بدأ في السورة بمدح المتقين الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون
الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، وبين في آخر السورة أن الذين مدحهم في أول السورة هم أمة
محمد رَّة، فقال (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله )
وهذا هو المراد بقوله في أول السورة ( الذين يؤمنون بالغيب ) .
ثم قال ههنا ( وقالوا سمعنا وأطعنا ) وهو المراد بقوله في اول السورة ( ويقيمون الصلاة
ومما رزقناهم ينفقون ) .
ثم قال ههنا ( غفرانك ربنا وإليك المصير ) وهو المراد بقوله في أول السورة ( وبالآخرة
هم يوقنون ) ثم حکي عنهم ههنا کیفیة تضرعهم إلى ربهم في قولهم ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا

١٣٩
قوله تعالى ((آمن الرسول بما أنزل إليه)) سورة البقرة
أو أخطأنا) إلى آخر السورة وهو المراد بقوله في أول السورة ( أولئك على هدى من ربهم
وأولئك هم المفلحون ) فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها .
: الوجه الرابع ﴾ وهو أن الرسول إذا جاءه الملك من عند الله، وقال له: إن الله بعثك
رسولا إلى الخلق ، فههنا الرسول لا يمكنه أن يعرف صدق ذلك الملك إلا بمعجزة يظهرها الله
تعالى على صدق ذلك الملك في دعواه ولولا ذلك المعجز لجوز الرسول أن يكون ذلك المخبر
شيطانا ضالا مضلا ، وذلك الملك أيضاً إذا سمع كلام الله تعالى افتقر إلى معجز يدل على أن
المسموع هو كلام الله تعالى لا غير، وهذه المراتب معتبرة أو لها قيام المعجز على أن المسموع
كلام الله لا غيره ، فيعرف الملك بواسطة ذلك المعجز أنه سمع كلام الله تعالى (وثانيها ) قيام
المعجزة عند النبي ◌َّ على أنه ذلك الملك صادق في دعواه، وأنه ملك بعثه الله تعالى وليس
بشيطان ( وثالثها ) أن تقوم المعجزة على يد الرسول عند الأمة حتى تستدل الأمة بها على أن
الرسول صادق في دعواه ، فاذن لما لم يعرف الرسول كونه رسولا من عند الله لا تتمكن الأمة
من أن يعرفوا ذلك ، فلما ذكر الله تعالى في هذه السورة أنواع الشرائع وأقسام الأحكام ، قال
( آمن الرسول ) فبين أن الرسول عرف أن ذلك وحي من الله تعالى وصف إليه ، وأن الذي
أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله تعالى معصوم من التحريف ، وليس بشيطان مضل ، ثم
ذكر إيمان الرسول ◌َلي بذلك، وهو المرتبة المتقدمة ، وذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك وهو المرتبة
المتأخرة ، فقال (والمؤمنون كل آمن بالله ) ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع
ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه ، فهو أيضاً معجز
بحسب ترتيبه ونظم آياته ولعل الذين قالوا : إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني
رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأمور ، وليس الأمر في هذا
الباب كما قيل :
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، ويعلمنا ما ينفعنا به بفضله ورحمته .
﴿ المسألة الثانية﴾ قوله تعالى (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) فالمعنى أنه عرف
بالدلائل القاهرة والمعجزات الباهرة أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام نزل من
عند الله تعالى ، وليس ذلك من باب إلقاء الشياطين ، ولا من نوع السحر والكهانة
والشعبذة ، وإنما عرف الرسول لأنه يَّر ذلك بما ظهر من المعجزات القاهرة على يد جبريل وحشية.
فأما قوله (والمؤمنون) ففيه احتمالان ( أحدهما ) أن يتم الكلام عند قوله (والمؤمنون)

١٤٠
قوله تعالى ((والمؤمنون كل آمن بالله)) سورة البقرة
فيكون المعنى : آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ، ثم ابتدأ بعد ذلك بقوله ( كل
آمن بالله) والمعنى : كل واحد من المذكورين فيما تقدم، وهم الرسول والمؤمنون آمن بالله .
الإِحتمال الثاني ﴾ أن يتم الكلام عند قوله ( بما أنزل إليه من ربه ) ثم يبتدىء من قوله
(والمؤمنون كل آمن بالله) ويكون المعنى أن الرسول آمن بكل ما أنزل إليه من ربه ، وأما
المؤمنون فانهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ، فالوجه الأول يشعر بأنه عليه الصلاة والسلام
ما كان مؤمناً بربه ، ثم صار مؤمنا بربه ، ويحتمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال ، وعلى
الوجه الثاني يشعر اللفظ بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي أنزلت علیه ، کما قال ( ما
كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) وأما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإِجمال ، فقد
كان حاصلا منذ خلقه الله من أول الأمر ، وكيف يستبعد ذلك مع أن عيسى عليه السلام حين
انفصل عن أمه قال : إني عبد الله آتاني الكتاب ، فاذا لم يبعد أن عيسى عليه السلام رسولا
من عند الله حين كان طفلا ، فكيف استبعد أن يقال : إن محمداً ﴾ كان عارفا بربه من أول ما
خلق كامل العقل .
المسألة الثالثة ﴾ دلت الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون آمنوا
بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وإنما خص الرسول بذلك ، لأن الذي أنزل إليه من ربه قد
يكون كلاما متلوا يسمه الغير ويعرفه ويمكنه أن يؤمن به ، وقد يكون وحياً لا يعلمه سواه ،
فيكون هو صلى الله عليه وسلم مختصاً بالإيمان به ، ولا يتمكن غيره من الإيمان به ، فلهذا
السبب كان الرسول مختصاً في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره .
ثم قال الله تعالى (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أعلم أن هذه الآية دلت على أن معرفة هذه المراتب الأربعة من
ضرورات الإيمان .
فالمرتبة الأولى﴾ هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وذلك لأنه ما لم يثبت أن للعالم
صانعاً قادراً على جميع المقدورات ، عالما بجميع المعلومات ، غنيا عن كل الحاجات ، لا يمكن
معرفة صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكانت معرفة الله تعالى هي الأصل ، فلذلك
قدم الله تعالى هذه المرتبة في الذكر .
﴿ والمرتبة الثانية﴾ أنه سبحانه وتعالى إنما يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
بواسطة الملائكة فقال ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ) وقال ( وما كان
لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) وقال