النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
قوله تعالى ((يمحق الله الربا)) الآية سورة البَقَرة
٢٧٦
يَمْحَقُ اللهُآلْرِبَوْ وَيُرْبِ الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
يؤثر في الفعل المتقدم ولأنه تعالى أضاف ذلك إليه بلام التمليك ، وهو قوله ( فله ما سلف)
فكيف يكون ذلك ذنباً ( الثاني ) قال السدي : له ما سلف أي له ما أكل من الربا ، وليس عليه .
رد ما سلف، فأما من لم يقض بعد فلا يجوز له أخذه ، وإنما له رأس ماله فقط كما بينه بعد
ذلك بقوله ( وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم ) .
المسألة الثانية ﴾ قال الواحدي : السلف المتقدم ، وكل شيء قدمته أمامك فهو
سلف، ومنه الأمة السالفة ، والسالفة العنق لتقدمه في جهة العلو، والسلفة ما يقدم قبل
الطعام ، وسلافة الخمر صفوتها ، لأنه أول ما يخرج من عصيرها .
أما قوله تعالى ( وأمره إلى الله ) ففيه وجوه للمفسرين ، إلا أن الذي أقوله : إن هذه
الآية مختصة بمن ترك استحلال الربا من غير بيان أنه ترك أكل الربا، أو لم يترك، والدليل
عليه مقدمة الآية ومؤخرتها .
أما مقدمة الآية فلأن قوله ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ) ليس فيه بيان أنه انتهى
عماذا فلا بد وأن يصرف ذلك المذكور إلى السابق ، وأقرب المذكورات في هذه الكلمة ما حكى
الله أنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا ، فكان قوله ( فانتهى ) عائداً إليه ، فكان المعنى : فانتهى
عن هذا القول .
وأما مؤخرة الآية فقوله ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ومعناه :
عاد إلى الكلام المتقدم، وهو استحلال الربا (فأمره إلى الله ) ثم هذا الإنسان إما أن يقال : إنه
كما انتهى عن استحلال الربا انتهى أيضاً عن أكل الربا، أو ليس كذلك ، فإن كان الأول
كان هذا الشخص مقراً بدين الله عالماً بتكليف الله، فحينئذ يستحق المدح والتعظيم والإكرام ،
لكن قوله ( فأمره إلى الله ) ليس كذلك لأنه يفيد أنه تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، فثبت
أن هذه الآية لا تليق بالكافر ولا بالمؤمن المطيع ، فلم يبق إلا أن يكون مختصاً بمن أقر بحرمة
الربا ثم أکل الربا فههنا أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهو کقوله ( إن الله لا يغفر
أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فيكون ذلك دليلاً ظاهراً على صحة قولنا أن العفو من
الله مرجو
أما قوله ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) فالمعنى : ومن عاد إلى
استحلال الربا حتى يصير كافراً .

١٠٢
قوله تعالى ((يمحق الله الربا = سورة البقرة
واعلم أن قوله ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) دليل قاطع في أن الخلود لا
يكون إلا للكافر لأن قوله ( أولئك أصحاب النار ) يفيد الحصر فيمن عاد إلى قول الكافر
وكذلك قوله ( هم فيها خالدون ) يفيد الحصر، وهذا يدل على أن كونه صاحب النار ، وكونه
خالداً في النار لا يحصل إلا في الكفار أقصى ما في الباب أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر
الكفار فيه ، لكنه يبقى على ظاهره في صاحب الكبيرة فتأمل في هذه المواضع ، وذلك أن مذهبنا
أن صاحب الكبيرة إذا كان مؤمناً بالله ورسوله يجوز في حقه أن يعفو الله عنه ، ويجوز أن يعاقبه
الله وأمره في البابين موكل إلى الله ، ثم بتقدير أن يعاقبه الله فإنه لا يخلد في النار بل يخرجه
منها ، والله تعالى بين صحة هذا المذهب في هذه الآيات بقوله ( فأمره إلى الله ) على جواز العفو
في حق صاحب الكبيرة على ما بيناه ،
ثم قوله ( فأولئك أصحاب النارهم فيها خالدون ) يدل على أن بتقدير أن يدخله الله
النار لكنه لا يخلده فيها لأن الخلود مختص بالكفار لا بأهل الإيمان ، وهذا بيان شريف وتفسير
حسن .
قوله تعالى ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ اعلم أنه تعالى
لما بالغ في الزجر عن الربا ، وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات ، ذکر ھھنا ما
يجري مجرى الدعاء إلى ترك الصدقات وفعل الربا ، وكشف عن فساده ، وذلك لأن الداعي إلى
فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات ، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير فبين
تعالى أن الربا وإن كان زيادة في الحال ، إلا أنه نقصان في الحقيقة ، وأن الصدقة وإن كانت
نقصاناً في الصورة ، إلا أنها زيادة في المعنى ، ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل أن لا
يلتفت إلى ما يقضى به الطبع والحس من الدواعي والصوارف ، بل يعول على ما ندبه الشرع إليه
من الدواعي والصوارف فهذا وجه النظم وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى ﴾ المحق نقصان الشيء حالاً بعد حال ، ومنه المحاق في الهلال يقال:
محقه الله فانمحق وامتحق ، ويقال : هجير ماحق إذا نقص في كل شيء بحرارته .
المسألة الثانية ﴾ اعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا ،
وأن يكون في الآخرة ، أما في الدنيا فنقول : محق الربا في الدنيا من وجوه (أحدها) أن
الغالب في المرابي وإن كثر ماله أنه تؤل عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة عن ماله، قال ميهقلت :
الربا وإن كثر فإلى قل ( وثانيها) إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم ، والنقص ، وسقوط
العدالة ، وزوال الأمانة ، وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة (وثالثها ) أن الفقراء الذين

١٠٣
سورة البقرة
قوله تعالى ((يمحق الله الربا
يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا يلعنونه ويبغضونه ويدعون عليه ، وذلك يكون سبباً
لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله (ورابعها) أنه متى اشتهر بين الخلق أنه إنما جمع ماله
من الربا توجهت إليه الأطماع ، وقصده كل ظالم ومارق وطماع ، ويقولون : إن ذلك المال
ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده ، وأما إن الربا سبب للمحق في الآخرة فلوجوه ( الأول )
قال ابن عباس رضي الله عنهما : معنى هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ،
ولا حجاً، ولا صلة رحم ( وثانيها) إن مال الدنيا لا يبقى عند الموت ، ويبقى التبعة
والعقوبة ، وذلك هو الخسار الأكبر ( وثالثها ) أنه ثبت في الحديث أن الأغنياء يدخلون الجنة
بعد الفقراء بخمسمائة عام ، فإذا كان الغني من الوجه الحلال كذلك ، فما ظنك بالغني من
الوجه الحرام المقطوع بحرمته كيف يكون ، فذلك هو المحق والنقصان .
وأما ارباء الصدقات فيحتمل أن يكون المراد في الدنيا ، وأن يكون المراد في الآخرة .
أما في الدنيا فمن وجوه ( أحدها ) أن من كان الله كان الله له ، فإذا كان الإنسان مع
فقره وحاجته يحسن إلى عبيد الله ، فالله تعالى لا يتركه ضائعاً جائعاً في الدنيا ، وفي الحديث
الذي رويناه فيما تقدم أن الملك ينادي كل يوم ((اللهم يسر لكل منفق خلفاً ولممسك تلفاً))
( وثانيها ) أنه يزداد كل يوم في جاهه وذكره الجميل ، وميل القلوب إليه وسكون الناس إليه
وذلك أفضل من المال مع أضداد هذه الأحوال ( وثالثها) أن الفقراء يعينونه بالدعوات
الصالحة ( ورابعها) الأطماع تنقطع عنه فإنه متى اشتهر أنه متشمر لإصلاح مهمات الفقراء
والضعفاء ، فكل أحد يحترز عن منازعته ، وكل ظالم ، وكل طماع لا يجوز أخذ شيء من
ماله ، اللهم إلا نادراً ، فهذا هو المراد بارباء الصدقات في الدنيا .
وأما إرباؤها في الآخرة فقد روى أبو هريرة أنه قال قال رسول الله وَ له ((إن الله تعالى
يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ، ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو
فلوه حتى أن اللقمة تصير مثل أحد )) وتصديق ذلك بين في كتاب الله ( ألم يعلموا أن الله هو
يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ، ويمحق الله الربا ويربي الصدقات ) قال القفال رحمه
الله تعالى : ونظير قوله ( يمحق الله الربا) المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب
فأصابه وابل فتركه صلداً ، ونظير قوله ( ( ويربى الصدقات ) المثل الذي ضربه الله بحبه أنبتت
سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة .
أما قوله ( والله لا يحب كل كفار أثيم ) فاعلم أن الكفار فعال من الكفر ، ومعناه من
كان ذلك منه عادة ، والعرب تسمى المقيم على الشيء بهذا ، فتقول : فلان فعال للخير أمار

١٠٤
قوله تعالى ((إن الذين آمنوا )) الآية
سورة البَقَرة
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوْ الصَّدْلِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِهِمْ وَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلََّ هُمْ يَحْزَنُونَ
به ، والأثيم فعيل بمعنى فاعل ، وهو الآثم ، وهو أيضاً مبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام
والتمادي فيه ، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحداً ، وفيه وجه آخر وهو أن
يكون الكفار راجعاً إلى المستحيل والأثيم يكون راجعاً إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم ،
فتكون الآية جامعة للفريقين .
قوله تعالى ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة لهم أجرهم عند
ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ .
اعلم أن عادة الله في القرآن مطردة بأنه تعالى مهما ذكر وعيداً ذكر بعده وعداً فلما بالغ
ههنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد ، وقد مضى تفسير هذه الآية في غير موضع ، وفيه
مسائل .
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان بهذه
الآية فإنه قال ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) فعطف عمل الصالحات على الإيمان ،
والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ومن الناس من أجاب عنه أليس أنه قال في هذه الآية ( وعملوا
الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) مع أنه لا نزاع أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان
تحت ( وعملوا الصالحات ) فكذا فيما ذكرتم ، وأيضاً قال تعالى ( الذين كفروا وصدوا عن
سبيل الله) وقال ( الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) .
وللمستدل الأول أن يجيب عنه بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة ترك العمل به
عند التعذر ، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل .
المسألة الثانية﴾ ( لهم أجرهم عند ربهم ) أقوى من قوله : على ربهم أجرهم لأن
الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد ، فذاك النقد هناك حاضر متى شاء البائع أخذه ، وقوله :
أجرهم على ربهم . يجري مجرى ما إذا باع بالنسيئة في الذمة ، ولا شك أن الأول أفضل .
﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا في قوله (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فقال ابن
عباس : لا خوف عليهم فيما يستقبلهم من أحوال القيامة ، ولا هم يحزنون بسبب ما تركوه في

١٠٥
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله )) الآية سورة البَفَرة
يَأْيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُ واْ مَا بَقَِّ مِنَ الْرِّبَوَأْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ( ﴾ فَإِنَّمْ
تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحِرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَ إِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلُونَ
وَلَا تُظْلُونَ (﴾ وَ إِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمَّ إِن
الدنيا ، فان المنتقل من حالة إلى حالة أخرى فوقها ربما يحزن على بعض ما فاته من الأحوال
السالفة ، وإن كان مغتبطا بالثانية لأجل إلفه وعادته ، فبين تعالى أن هذا القدر من الغصة لا
يلحق أهل الثواب والكرامة ، وقال الأصم : لا خوف عليهم من عذاب يومئذ ، ولا هم
يحزنون بسبب أنه فاتهم النعيم الزائد الذي قد حصل لغيرهم من السعداء ، لأنه لا منافسة في
الآخرة ، ولا هم يحزنون أيضاً بسبب أنه لم يصدر منا في الدنیا طاعة أزید مما صدر حتى صرنا
مستحقين لثواب أزيد مما وجدناه وذلك لأن هذه الخواطر لا توجد في الآخرة .
﴿ المسألة الرابعة ) في قوله تعالى ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة
وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم) إشكال هو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله وكما بلغت
حاضت ، ثم عند انقطاع حيضها ماتت ، أو الرجل بلغ عارفا بالله ، وقبل أن تجب عليه
الصلاة والزكاة مات ، فهما بالاتفاق من أهل الثواب ، فدل ذلك على أن استحقاق الأجر
والثواب لا يتوقف على حصول الأعمال ، وأيضاً من مذهبنا أن الله تعالى قد يثيب المؤمن
الفاسق الخالي عن جميع الأعمال ، وإذا كان كذلك ، فكيف وقف الله ههنا حصول الأجر على
حصول الأعمال؟ .
( الجواب ) أنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق الثواب مشروط بهذا ،
بل لأجل أن لكل واحد منهما أثراً في جلب الثواب ، كما قال في ضد هذا ( والذين لا يدعون
مع الله إلها آخر ) ثم قال ( ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) ومعلوم أن من ادعى مع الله إلها آخر لا
يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر ، ولكن الله جمع الزنا وقتل النفس على سبيل
الاستحلال مع دعاء غير الله إلها البيان أن كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فان لم
تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، وإن
كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ، واتقوا يوما ترجعون فيه إلى

١٠٦
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله)) الآية سورة البقرة
◌َ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَّ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَبَتْ
كُنُمْ تَعْلُونَ
وَهُمْ لَا يُظْلُونَ.
الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ في الآية مسائل:
المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما
سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم ، فقال تعالى
في هذه الآية ( وذروا ما بقي من الربا) وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض ، فالزيادة
تحرم ، وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤس أموالهم ، وإنما شدد تعالى في ذلك ، لأن من انتظر مدة
طويلة في حلول الأجل ، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ،
فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم ، فقال (اتقوا الله) واتقاؤه ما نهى عنه(وذروا ما بقي من
الربا ) يعني إن كنتم قد قبضتم شيئاً فيعفو عنه ، وإن لم تقبضوه ، أو لم تقبضوا بعضه ،
فذلك الذي لم تقبضوه كلا كان ، أو بعضاً فانه محرم قبضه .
واعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا ، وذلك لأن ما مضى في
وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقصُ ، ولا يفسخ ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه
محمول على الإسلام، فاذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا
يتعقب، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر
مثلها دون المهر المسمى. هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه .
فان قيل: كيف قال ( يا أيها الذين منوا اتقوا) ثم قال في آخره ( إن كنتم مؤمنين) .
( الجواب ) من وجوه (الأول) أن هذا مثل ما يقال : إن كنت أخا فأكرمني ، معناه :
إن من كان أخا أكرم أخاه ( والثاني ) قيل: معناه إن كنتم مؤمنين قبله ( الثالث ) إن كنتم
تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان (الرابع) يا ايها الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا
إن كنتم مؤمنين بقلوبكم .
المسألة الثانية ﴾ في سبب نزول الآية روايات :

٢٠٧
قوله تعالى ((فإن لم تفعلوا)) سورة البقرة
﴿ الرواية الأولى﴾ أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح مكة
أمرهم الله تعالى أن يأخذوا رؤس أموالهم دون الزيادة .
﴿ والرواية الثانية﴾ قال مقاتل: إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف : مسعود،
وعبد يا ليل ، وحبيب ، وربيعة ، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة ، فلما
ظهر النبي ◌َّ على الطائف أسلم الأخوة ، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة ، فأنزل الله تعالى هذه
الآية ،
﴿ والرواية الثالثة﴾ نزلت في العباس، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا أسلفا فى
التمر ، فلما حضر الجداد قبضا بعضا ، وزاد في الباقي فنزلت الآية ، وهذا قول عطاء وعكرمة
﴿ الرواية الرابعة﴾ نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا يسلفان في الربا، وهو
قول السدى .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال القاضي: قوله (إن كنتم مؤمنين) كالدلالة على أن الإيمان لا
يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمنا بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر .
( والجواب ) لما دلت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله ( الذين يؤمنون بالغيب )
على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه ،
فكان التقدير : إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان ، وهذا وإن كان تركا للظاهر لكنا ذهبنا
إليه لتلك الدلائل .
ثم قال تعالى ( فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) وفيه مسائل :
شعند عن
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم وحمزة (فآذنوا) مفتوحة الألف ممدودة مكسورة الذال على
مثال (فآمنوا ) والباقون ( فأذنوا) بسكون الهمزة مفتوحة الذال مقصورة ، وروي عن النبي
وَّر، وعن علي رضي الله عنه أنهما قرآ كذلك (فآذنوا) ممدودة ، أي فاعلموا من قوله تعالى
(فقل آذنتكم على سواء ) ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية ، والتقدير : فأعلموا من لم
ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضاً قد علموا ذلك لكن
ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم ، فهذه القراءة في البلاغة آكد ، وقال أحمد بن يحي :
قراءة العامة من الاذن ، أي كونوا على علم وإذن ، وقرأ الحسن ( فأيقنوا ) وهو دليل القراءة
العامة .
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن الخطاب بقوله (فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله)

١٠٨
قوله تعالى ((وإن كان ذو عسرة)) سورة البقرة
خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا ، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا ،
الذين قالوا إنما البيع مثل الربا ، قال القاضي : والإحتمال الأول أولى ، لأن قوله ( فأذنوا )
خطاب مع قوم تقدم ذكرهم، وهم المخاطبون بقوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي
من الربا) وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين .
فان قيل : كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين ؟
قلنا : هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل ، كما جاء في الخبر ((من أهان
لي وليا فقد بارزني بالمحاربة)) وعن جابر عن النبي ◌ّ ((من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من
الله ورسوله )) وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى ( إنما جزاء الذين يحاربون الله
ورسوله ) أصلا في قطع الطريق من المسلمين ، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع
المسلمين وارد في كتاب الله وفي سنة رسوله .
إذا عرفت هذا فنقول : في الجواب عن السؤال المذكور وجهان ( الأول ) المراد المبالغة
في التهديد دون نفس الحرب ( والثاني ) المراد نفس الحرب وفيه تفصيل ، فنقول : الإصرار
على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من
التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة ، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة ، حاربه الإمام
كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة ، وكذا القوم لو
اجتمعوا على ترك الأذان ، وترك دفن الموتى ، فانه يفعل بهم ما ذكرناه ، وقال ابن عباس رضي
الله عنهما : من عامل بالربا يستتاب فان تاب وإلا ضرب عنقه .
والقول الثاني ﴾ في هذه الآية أن قوله ( فان لم تفعلوا فأذنوا ) خطاب للكفار ، وأن
معنى الآية ( وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) معترفين بتحريم الربا ( فان لم تفعلوا )
أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه (فأذنوا بحرب من الله ورسوله) ومن ذهب إلى هذا القول
قال : إن فيه دليلا على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان كافراً ، كما لو كفر
بجميع شرائعه
ثم قال تعالى ( وإن تبتم ) والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة الربا ، وعلى القول
الثاني من استحلال الربا ( فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) أي لا تظلمون
الغريم بطلب الزيادة على رأس المال , ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال .
ثم قال تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) وفيه مسألتان :

١٠٩
قوله تعالى ((وإن كان ذو عسرة)) سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ قال النحويون (كان) كلمة تستعمل على وجوه (أحدها) أن
تکون بمنزلة حدث ووقع ، وذلك في قوله : قد كان الأمر ،«أي وجد ، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر
( والثاني ) أن يخلع منه معنى الحدث ، فتبقى الكلمة مجردة للزمان ، وحينئذ يحتاج إلى الخبر ،
وذلك كقوله : كان زيد ذاهباً .
واعلم أني حين كنت مقيما بخوارزم ، وكان هناك جمع من أكابر الأدباءِ ، أوردت
عليهم إشكالا في هذا الباب فقلت: إنكم تقولون إنَّ (كان) إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلاً
وهذا محال، لأن الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان، فقولك (كان) يدل على حصول معنى
الكون في الزمان الماضي ، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة ، فهذا الدليل يقتضى أنها
إن كانت فعلا كانت تامة لا ناقصة ، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلا البتة بل كانت حرفا ،
وأنتم تنكرون ذلك ، فبقوا في هذا الإشكال زمانا طويلا ، وصنفوا في الجواب عنه كتبا ، وما
أفلحوا فیه ثم انکشف لی فیه سر اذکره ههنا وهو أنّكان،لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد ،
إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين ( أحدهما ) أن يكون المعنى : وجد وحدث الشيء
كقولك : وجد الجوهر وحدث العرض ( والثاني ) أن يكون المعنى : وجد وحدث موصوفية
الشيء بالشيء ، فاذا قلت : كان زيد عالما فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد
بالعلم ، والقسم الأول هو المسمى بكان التامة والقسم الثاني هو المسمى بالناقصة ، وفي
الحقيقة فالمفهوم من ( كان ) في الموضعين هو الحدوث والوقوع ، إلا أن في القسم الأول المراد
حدوث الشيء في نفسه ، فلا جرم كان الاسم الواحد كافيا ، والمراد في القسم الثاني حدوث
موصوفیة أحد الأمرین بالآخر ، فلا جرم لم یکن الاسم الواحد کافیاً ، بل لا بد فيه من ذکر
الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر ، وهذا من لطائف الابحاث ، فأما
إن قلنا إنه فعل كان دالا على وقوع المصدر في الزمان الماضي ، فحينئذ تكون تامة لا ناقصة ،
وإن قلنا : إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر ، وجميع خواص
الأفعال ، وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية .
المفهوم الثالث ﴾ لكان يكون بمعنى صار، وأنشدوا :
قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
بتيهاء قفر والمطى كأنها
وعندي أن هذا اللفظ ههنا محمول على ما ذكرناه ، فان معنى صار أنه حدث
موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك ، فيكون هنا بمعنى حدث
ووقع ، إلا أنه حدوث مخصوص ، وهو أنها حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أن كان
الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى .

١١٠
قوله تعالى ((وإن كان ذو عسرة)) سورة البقرة
المفهوم الرابع ﴾ أن تكون زائدة وانشدوا:
على كان المسومة الجياد
سراة بني أبي بكر تسامى
إذا عرفت هذه القاعدة فلنرجع إلى التفسير فنقول: في (كان) في هذه الآية وجهان (الأول)
أنها بمعنی وقع وحدث ، والمعنى وإن وجد ذو عسرة ، ونظيره قوله ( إلا أن تكون
تجارة حاضرة) بالرفع على معنى : وإن وقعت تجارة حاضرة ، ومقصود الآية إنما يصح على هذا
اللفظ وذلك لأنه لو قيل : وإن كان ذا عسرة لكان المعنى : وإن كان المشترى ذا عسرة فنظرة ،
فتكون النظرة مقصورة عليه ، وليس الأمر كذلك ، لأن المشترى وغيره إذا كان ذا عسرة فله
النظرة إلى الميسرة ( الثاني) أنها ناقصة على حذف الخبر ، تقديره وإن كان ذو عسرة غريما لكم ،
وقرأ عثمان ( ذا عسرة ) والتقدير : إن كان الغريم ذا عسرة ، وقرىء (ومن كان ذا عسرة )
﴿ المسألة الثانية﴾ العسرة اسم من الاعسار، وهو تعذر الموجود من المال، يقال: أعسر
الرجل ، إذا صار إلى حالة العسرة ، وهي الحالة التي يتعسر فيها وجود المال .
ثم قال تعالى ( فنظرة إلى ميسرة ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ في الآية حذف، والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة، أو فالذي
تعاملونه نظرة .
﴿ المسألة الثانية﴾ نظرة أي تأخير، والنظرة الأسم من الانظار، وهو الامهال،
تقول : بعته الشيء بنظرة وبانظار ، قال تعالى (قال رب أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من
المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم).
﴿ المسألة الثالثة) قرىء ( فنظرة) بسكون الظاء ، وقرأ عطاء ( فناظره ) أي فصاحب
الحق أي منتظره ، أو صاحب نظرته ، على طريق النسب ، كقولهم : مكان عاشب وباقل ،
أي ذو عشب وذو بقل ، وعنه فناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة إلى الميسرة .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ الميسرة مفعلة من اليسر واليسار ، الذي هو ضد الاعسار ، وهو تيسر
الموجود من المال ومنه يقال أيسر الرجل فهو قد سر أي صار إلى اليسر فالميسرة واليسر والميسور
الغني .
﴿ المسألة الخامسة﴾ قرأ نافع (ميسرة) بضم السين والباقون بفتحها، وهما لغتان
مشهورتان كالمقبرة ، والمشرفة ، والمشربة ، والمسرية ، والفتح أشهر اللغتين ، لأنه جاء في

قوله تعالى ((وإن كان ذو عسرة)) سورة البقرة
كلامهم كثيراً .
﴿ المسألة السادسة﴾ اختلفو في أن حكم الانظار مختص بالربا أو عام في الكل ، فقال
ابن عباس وشريح والضحاك والسدى وإبراهيم : الآية في الربا ، وذكر عن شريح أنه أمر
بحبس أحد الخصمين فقيل : إنه معسر، فقال شريح : إنما ذلك في الربا ، والله تعالى قال في
كتابه (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أنه
لما نزل قوله تعالى ( فأذنوا بحرب من الله ورسوله) قالت الاخوة الأربعة الذين كانوا يعاملون
بالربا: بل نتوب إلى الله فانه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله ، فرضوا برأس المال وطلبوا بني
المغيرة بذلك ، فشكا بنو المغيرة العسرة ، وقالوا : أخرونا إلى أن تدرك الغلات ، فابوا أن
يؤخروهم ، فأنزل الله تعالى ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) .
القول الثاني ﴾ وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين : إنها عامة في كل دين واحتجو
بما ذكرنا من أنه تعالى قال (وان كان ذو عسرة) ولم يقل: وإن كان ذا عسرة ، ليكون الحكم
عاما في كل المفسرين ، قال القاضي: والقول الأول أرجح ، لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة
(وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم ) من غير بخس ولا نقص ، ثم قال في هذه الآية : وإن كان
من عليه المال معسراً وجب إنظاره إلى وقت القدرة ، لأن النظرة يراد بها التأخر ، فلا بد من حق
تقدم حتی یلزم التأخير ، بل لما ثبت وجوب الإنظار في هذه بحکم النص ، ثبت وجوبه في سائر
الصور ضرورة الاشتراك في المعنى ، وهو أن العاجز عن اداء المال لا يجوز تكليفه به ، وهذا
قول أكثر الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي رضى الله عنهم .
المسألة السابعة ﴾ اعلم أنه لا بد من تفسير الإعسار، فنقول: الإعسار هو أن لا يجد
في ملكه ما يؤديه بعينه ولا يكون له ما لو باعه لأمكنه أداء الدين من ثمنه فلهذا قلنا: من وجد
دار أو بيتا لا يعد في ذوي العسرة ، إذا ما أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز أن يحبس إلا قوت
يوم لنفسه وعياله، ومالا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع البرد والحر عنهم، واختلفوا إذا كان
قوياً هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدين أو غيره ، فقال بعضهم : يلزمه ذلك كما
يلزمه إذا احتاج لنفسه ولعياله ، وقال بعضهم : لا يلزمه ذلك ، واختلفوا أيضاً إذا كان
معسراً، وقد بذل غيره ما يؤديه ، هل يلزمه القبول والآداء أولا يلزمه ذلك ، فأما من له بضاعة
كسدت عليه ، فواجب عليه ان يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك ، ويؤديه في الدين .
﴿ المسألة الثامنة﴾ إذا علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه ، وأن يطالبه بما له
عليه ، فوجب الإِنظار إلى وقت اليسار ، فأما إن كانت له ريبة في إعساره فيجوز له أن يحبسه
إلى وقت ظهور الإعسار ، واعلم أنه إذا ادعى الاعسار وكذبه الغريم ، فهذا الدين الذي لزمه

١١٢
قوله تعالى ((وأن تصدقوا خير)) سورة البقرة
إما أن يكون عن عوض حصل له كالبيع والقرض ، أولا يكون كذلك ، وفي القسم الأول لا
بد من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك ، وفي القسم الثاني وهو أن يثبت
الدين عليه لا بعوض ، مثل إتلاف أو صداق أو ضمان ، كان القول قوله وعلى الغرماء البينة
لأن الأصل هو الفقر .
ثم قال تعالى ( وأن تصدقوا خير لكم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ عاصم (تصدقوا) بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها ،
والأصل فيه : أن تتصدقوا بتاءين ، فمن خفف حذف إحدى التاءين تخفيفا ، ومن شدد أدغم
إحدى التاءين في الأخرى .
المسألة الثانية ﴾ في التصدق قولان ( الأول ) معناه: وأن تصدقوا على المعسر بما عليه
من الدين إذ لا يصح التصدق به على غيره ، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به ، لأنه قد جری ذکر
المعسر وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما ، وهو كقوله ( وأن تعفوا أقرب
للتقوى) ( والثاني) أن المراد بالتصدق الإِنظار لقوله عليه السلام ((لا يحل دين رجل مسلم
فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة )) وهذا القول ضعيف، لأن الإِنظار ثبت وجوبه بالآية
الأولى ، فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة على فائدة جديدة ، ولأن قوله (خير لكم ) لا يليق
بالواجب بل بالمندوب .
المسألة الثالثة ﴾ المراد بالخير حصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في
الآخرة .
ثم قال ( إن كنتم تعلمون ) وفيه وجوه ( الأول ) معناه إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق
خير لكم إن عملتموه ، فجعل العمل من لوازم العلم ، وفيه تهديد شديد على العصاة .
( والثاني ) إن كنتم تعلمون فضل التصدق على الإِنظار والقبض ( والثالث ) إن كنتم تعلمون
أن ما يأمركم به ، ربكم أصلح لكم .
ثم قال تعالى ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا
يظلمون ) اعلم أن هذه الآية في العظماء الذين كانوا يعاملون بالربا وكانوا أصحاب ثروة
وجلال وأنصار وأعوان وكان قد يجري منهم التغلب على الناس بسبب ثروتهم ، فاحتاجوا إلى
مزيد زجر ووعيد وتهديد ، حتى يمتنعوا عن الربا ، وعن أخذ أموال الناس بالباطل ، فلا جرم
توعدهم الله بهذه الآية ، وخوفهم على أعظم الوجوه ، وفيه مسائل :

١١٣
قوله تعالى ((واتقوا يوماً ترجعون)) سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ قال ابن عباس: هذه الآية آخر آية نزلت على الرسول عليه الصلاة
والسلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما حج نزلت ( يستفتونك ) وهي آية الكلالة ، ثم نزل وهو
واقف بعرفة اليوم (أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) ثم نزل ( واتقوا يوما ترجعون
فيه إلى الله ) فقال جبريل عليه السلام : يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من
البقرة، وعاش رسول الله عليه وعلى آله وسلم بعدها أحدا وثمانين يوما، وقيل : أحدا
وعشرين وقيل : سبعة أيام ، وقيل : ثلاث ساعات .
المسألة الثانية) قرأ أبو عمرو (ترجعون) بفتح التاء والباقون بضم التاء وأعلم أن
الرجوع لازم ، والرجع متعد ، وعليه تخرج القراءتان .
﴿ المسألة الثالثة﴾ انتصب (يوما) على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس
المعنى : واتقوا في هذا اليوم ، لكن المعنى تأهبوا للقائه بما تقدمون من العمل الصالح ، ومثله
قوله (فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الوالدان شيباً) أي كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا
وصفه مع الكفر بالله .
﴿ المسألة الرابعة﴾ قال القاضي: اليوم عبارة عن زمان مخصوص ، وذلك لا يتقي ،
وإنما يتقي ما يحدث فيه من الشدة والأهوال واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلا في دار الدنيا بمجانبة
المعاصي الواجبات ، فصار قوله ( واتقوا يوما ) يتضمن الأمر بجميع أقسام التكاليف .
﴿ المسألة الخامسة﴾ الرجوع إلى الله تعالى ليس، المراد منه ما يتعلق بالمكان والجهة فان ذلك
محال على الله تعالى، وليس المراد منه الرجوع إلى عمله وحفظه ، فانه معهم أينما كانوا لكن كل ما في
القرآن من قوله (ترجعون إلى الله) له معنيان (الأول) أن الإنسان له أحوال ثلاثة على الترتيب .
فالحالة الأولى : كونهم في بطون أمهاتهم، ثم لا يملكون نفعهم ولا ضرهم ، بل المتصرف
فيهم ليس إلا الله سبحانه وتعالى .
والحالة الثانية : كونهم بعد البروز عن بطون أمهاتهم ، وهناك يكون المتكفل باصلاح
أحوالهم في أول الأمر الأبوين ، ثم بعد ذلك يتصرف بعضهم في البعض في حكم الظاهر .
والحالة الثالثة : بعد الموت وهناك لا يكون المتصرف فيهم ظاهراً في الحقيقة إلا الله
سبحانه ، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا ،
فهذا هو معنى الرجوع إلى الله ( والثاني ) أن يكون المراد يرجعون إلى ما أعد الله لهم من ثواب
أو عقاب ، وكلا التأويلين حسن مطابق للفظ .
الفخر الرازي ج ٨٥٧

١١٤
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم)) الآية سورة البَقَرة
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَذُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمِّى فَاكْتُبُهُ وَلَيَكْتُب
ثم قال ( ثم توفي كل نفس ما كسبت ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد أن كل مكلف فهو عند الرجوع إلى الله لا بد وأن يصل إليه
جزاء عمله بالتمام ، كما قال ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) وقال
( إنها أن نك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها
الله ) وقال ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من
خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) وفي تأويل قوله ( ما كسبت ) وجهان ( الأول ) أن فيه حذفاً
والتقدير جزاء ما كسبت ( والثاني ) أن المكتسب هو ذلك الجزاء ، لأن ما يحصله الرجل
بتجارته من المال فانه يوصف في اللغة بانه مكتسبه ، فقوله ( توفي كل نفس ما كسبت ) أي توفي
كل نفس مكتسبها ، وهذا التأويل أولى ، لأنه مهما أمكن تفسير الكلام بحيث لا يحتاج فيه إلى
الإضمار كان أولى.
﴿ المسألة الثانية﴾ الوعيدية يتمسكون بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق،
وأصحابنا يتمسكون بها في القطع بعدم الخلود ، لأنه لما آمن فلا بد وأن يصل ثواب الإيمان
إليه ، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخرج من النار ويدخل الجنة .
ثم قال (وهم لا يظلمون) وفيه سؤال وهو أن قوله ( توفى كل نفس ما كسبت ) لا معنى
له إلا أنهم لا يظلمون ، فكان ذلك تكريراً .
وجوابه : أنه تعالى لما قال ( توفي كل نفس ما كسبت ) كان ذلك دليلاً على إيصال
العذاب إلى الفساق والكفار ، فكان لقائل أن يقول : كيف يليق بكرم أكرم الأكرمين أن
يعذب عبيده فأجاب عنه بقوله ( وهم لا يظلمون ) والمعنى أن العبد هو الذي أوقع نفسه في
تلك الورطة لأن الله تعالى مكنه وأزاح عذره ، وسهل عليه طريق الاستدلال ، وأمهله فمن
قصر فهو الذي أساء إلى نفسه، وهذا الجواب إنما يستقيم على أصول المعتزلة، وأما على أصول
أصحابنا فهو أنه سبحانه مالك الخلق ، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن
ظلماً ، فكان قوله ( وهم لا يظلمون ) بعد ذكر الوعيد إشارة إلى ما ذكرناه.
﴿ الحكم الثالث﴾ من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة آية
المداينة .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم

١١٥
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم)) الآية سورة البقرة
بَيْنَكُمْ كَتِبُ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاِبُّ أَن يَكْتُبَ كَ عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلٍ
الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ
سَفِيهَا أَوْ ضَعِفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُعْلِلْ وَلِيُهُ بِالْعَدَلِ وَأَسْتَشْهُ واشَهِدَيْنِ مِن
رِجَالِكُمْ فَإِ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْ فَرَجُلٌ وَأَمْرَ أْتَانِ ◌ِمِّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ
إِحْدَثُمَا فَتُذَ كَ إِحْدَثُمَا الْأُنْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَادُعُواْ وَلَا تَسْعَمُواْ أَنْ
تَكْتُبُهُ صَغِيرًاً أَوْ كَبِيرًاً إِلَى أَجَلِهِ، ذَلِكُمْ أَفْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْفَ
أَّا تَرْتَأْبُواْ إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِجَرَةً حَاضِرَةً ◌ُدِيُرُونَهَ بَيْنَكُرْ فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاحٌ أَلَّا
تَكْتُوهَا وَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَ إِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
وَأَتَّقُواْ اللّهُ وَيُعَلُِّكُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (29)
كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه
ولا يبخس منه شيئاً فان كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه
بالعدل واستشهدواشهيدين من رجالكم فإن لم يكونارجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن
تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو
كبيراً إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة
تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد
وإن تفعلوا فانه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم﴾.
اعلم أن في الآية مسائل :

١١٦
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم)) سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ أن في كيفية النظم وجهين (الأول) أن الله سبحانه لما ذكر قبل هذا
الحكم نوعين من الحكم ( أحدهما ) الإنفاق في سبيل الله وهو يوجب تنقيص المال ( والثاني )
ترك الربا ، وهو أيضاً سبب لتنقيص المال ، ثم إنه تعالى ختم ذينك الحكمين بالتهديد
العظيم ، فقال ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ) والتقوى تسد على الإنسان أكثر أبواب
المكاسب والمنافع أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والبوار فان
القدرة على الإنفاق في سبيل الله ، وعلى ترك الربا ، وعلى ملازمة التقوى لا يتم ولا يكمل إلا
عند حصول المال ، ثم إنه تعالى لأجل هذه الدقيقة بالغ في الوصية بحفظ المال الحلال عن وجوه
التوى والتلف، وقد ورد نظيره في سورة النساء ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم
قياماً) فحث على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد ، قال القفال رحمه
الله تعالى : والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار ، وفي هذه
الآية بسط شديد ، ألا ترى أنه قال ( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) ثم قال ثانياً
( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) ثم قال ثالثاً ( ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ) فكان
هذا كالتكرار لقوله ( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) لأن العدل هو ما علمه الله ، ثم قال رابعاً
( فليكتب ) وهذا إعادة الأمر الأول ، ثم قال خامساً ( وليملل الذي عليه الحق ) وفي قوله
( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) كفاية عن قوله ( فليملل الذي عليه الحق ) لأن الكاتب بالعدل
إنما یکتب ما يملی علیه ، ثم قال سادساً ( وليتق الله ربه) وهذا تأكید ، ثم قال سابعاً ( ولا
يبخس منه شيئاً) فهذا كالمستفاد من قوله ( وليتق الله ربه ) ثم قال ثامناً (ولا تسأموا أن تكتبوه
صغيراً أو كبيراً إلى أجله) وهو أيضاً تأكيد لما مضى ، ثم قال تاسعاً ( ذلكم أقسط عند الله وأقوم
للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا) فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة ، وكل ذلك
يدل على أنه لما حث على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال في الحكمين الأولين بالغ في هذا
الحكم في الوصية بحفظ المال الحلال ، وصونه عن الهلاك والبوار وليتمكن الإنسان بواسطته
من الانفاق في سبيل الله ، والإعراض عن مساخط الله من الربا وغيره ، والمواظبة على تقوى الله
فهذا هو الوجه الأول من وجود النظم ، وهو حسن لطيف .
( والوجه الثاني ) أن قوماً من المفسرين قالوا : المراد بالمداينة السلم ، فالله سبحانه
وتعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة
من الربا حاصلة في السلم ، ولهذا قال بعض العلماء : لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق
الحرام إلا وضعه الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثل ذلك اللذة طريقاً حلالا وسبيلاً مشروعاً فهذا
ما يتعلق بوجه النظم .

١١٧
قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم)) سورة البقرة
المسألة الثانية ﴾ التداين تفاعل من الدين ، ومعناه داين بعضكم بعضاً، وتداينتم
تبايعتم بدين ، قال أهل اللغة : القرض غير الدين ، لأن القرض أن يقرض الإنسان دراهم ،
أو دنانير، أو حباً، أو تمراً، أو ما أشبه ذلك ، ولا يجوز فيه الأجل والدين يجوز فيه الأجل ،
ويقال من الدين أدان إذا باع سلعته بثمن إلى أجل ، ودان يدين إذا أقرض ، ودان إذا
استقرض وأنشد الأحمر :
مصارع قوم لا يدينون ضيقاً
ندين ويقضي الله عنا وقد نرى
إذا عرفت هذا فنقول : في المراد بهذه المداينة أقوال : قال ابن عباس : أنها نزلت في
السلف لأن النبي وسي قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال ◌َ له ((من أسلف
فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) ثم أن الله تعالى عرف المكلفين وجه
الاحتياط في الكيل والوزن والأجل ، فقال (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) .
والقول الثاني ﴾ أنه القرض وهو ضعيف لما بينا أن القرض لا يمكن أن يشترط فيه
الأجل والدين المذكور في الآية قد اشترط فيه الأجل.
والقول الثالث﴾ وهو قول أكثر المفسرين: أن البياعات على أربعة أوجه
( أحدها ) بيع العين بالعين ، وذلك ليس بمداينة البتة ( والثاني ) بيع الدين بالدين وهو
باطل ، فلا يكون داخلاً تحت هذه الآية ، بقي هنا قسمان : بيع العين بالدين ، وهو ما إذا باع
شيئاً بثمن مؤجل وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم ، وكلاهما داخلان تحت هذه الآية ،
وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول﴾ المداينة مفاعلة، وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين ،
وذلك هو بيع الدين بالدين وهو باطل بالاتفاق .
(والجواب ) أن المراد من تداينتم تعاملتم ، والتقدير : إذا تعاملتم بما فيه دين .
﴿ السؤال الثاني﴾ قوله ( تداينتم ) يدل على الدين فما الفائدة بقوله ( بدين ).
( الجواب من وجوه) ( الأول ) قال ابن الأنباري : التداين يكون لمعنيين ( أحدهما )
التداين بالمال ، والآخر التداين بمعنى المجازاة ، من قولهم : كما تدين تدان ، والدين الجزاء ،
فذكر الله تعالى الدين لتخصيص أحد المعنيين ( الثاني ) قال صاحب الكشاف : إنما ذكر الدين
ليرجع الضمير إليه في قوله ( فاكتبوه) إذ لولم يذكر ذلك لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين ، فلم
يكن النظم بذلك الحسن ( الثالث ) أنه تعالى ذكره للتأكيد ، كقوله تعالى ( فسجد الملائكة

١١٨
قوله تعالى ((إلى أجل مسمى)) سورة البقرة
كلهم أجمعون ، ولا طائر يطير بجناحيه) ( الرابع ) فاذا تداينتم أي دين كان صغيراً أو
كبيراً، على أي وجه كان ، من قرض أو سلم أو بيع عين إلى أجل ( الخامس ) ما خطر ببالي
أنا ذكرنا أن المداينة مفاعلة ، وذلك إنما يتناول بيع الدين بالدين وهو باطل ، فلو قال : إذا
تداينتم لبقي النص مقصوراً على بيع الدين بالدين وهو باطل ، أما لما قال ( إذا تداينتم بدين )
كان المعنى : إذا تداينتم تداينا يحصل فيه دين واحد ، وحينئذ يخرج عن النص بيع الدين
بالدين ، ويبقى بيع العين بالدين ، أو بيع الدين بالعين فإِن الحاصل في كل واحد منهما دين
واحد لا غير .
السؤال الثالث﴾ المراد من الآية: كلما تداينتم بدين فاكتبوه ، وكلمة ( إذا ) لا تفيد
العموم فلم قال ( تداينتم ) ولم يقل كلما تداينتم.
(الجواب ) أن كلمة ( إذا) وإن كانت لا تقتضى العموم ، إلا أنها لا تمنع من العموم
وههنا قام الدليل على أن المراد هو العموم ، لأنه تعالى بين العلة في الأمر بالكتبة في آخر الآية ،
وهو قوله ( ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا ) والمعنى إذا وقعت المعاملة
بالدين ولم يكتب ، فالظاهر أنه تنسى الكيفية ، فربما توهم الزيادة ، فطلب الزيادة وهو
ظلم ، وربما توهم النقصان فترك حقه من غير حمد ولا أجر ، فأما إذا كتب كيفية الواقعة أمن
من هذه المحذورات فلما دل النص على أن هذا هو العلة ، ثم إن هذه العلة قائمة في الكل ،
کان الحكم أيضاً حاصلاً في الكل.
أما قوله تعالى ( إلى أجل مسمى ) ففيه سؤالان :
السؤال الأول ﴾ ما الأجل؟.
( الجواب ) الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان هو
الوقت لانقضاء عمره ، وأجل الدين لوقت معين في المستقبل ، وأصله من التأخير ، يقال :
أجل الشيء يأجل أجولا إذا تأخر ، والآجل نقيض العاجل.
﴿ السؤال الثاني﴾ المداينة لا تكون إلا مؤجلة فما الفائدة في ذكر الأجل بعد ذكر
المداينة؟.
( الجواب ) إنما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله (مسمى ) والفائدة في قوله
( مسمى ) ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً ، كالتوقيت بالسنة والشهر والأيام ، ولو
قال : إلى الحصاد ، أو إلى الدياس ، أو إلى قدوم الحاج ، لم يجز لعدم التسمية .

١١٩
قوله تعالى ((وليكتب بينكم كاتب)) سورة البقرة
. أما قوله تعالى ( فاكتبوه ) فاعلم أنه تعالى أمر في المداينة بأمرين ( أحدهما ) الكتبة وهي
قوله ههنا ( فاكتبوه ) ( الثاني ) الاشهاد وهو قوله ( فاستشهدوا شهيدين من رجالكم ) وفيه
مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ فائدة الكتبة والاشهاد أن ما يدخل فيه الأجل ، تتأخر فيه المطالبة
ويتخلله النسيان ، ويدخل فيه الجحد ، فصارت الكتابة كالسبب لحفظ المال من الجانبين لأن
صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة والإشهاد يحذر من طلب الزيادة ، ومن تقديم
المطالبة قبل حلول الأجل ، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك يحذر عن الجحود ، ويأخذ قبل
حلول الأجل في تحصيل المال ، ليتمكن من أدائه وقت حلول الدين ، فلما حصل في الكتابة
والاشهاد هذه الفوائد لا جرم أمر الله به والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية ﴾ القائلون بأن ظاهر الأمر للندب لا إشكال عليهم في هذه ، وأما
القائلون بأن ظاهره للوجوب فقد اختلفوا فيه ، فقال قوم بالوجوب وهو مذهب عطاء وابن
جريج والنخعي واختيار محمد بن جرير الطبري ، وقال النخعي يشهد ولو على دستجة بقل ،
وقال آخرون : هذا الأمر محمول على الندب ، وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين ، والدليل
عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا
إشهاد ، وذلك إجماع على عدم وجوبهما ، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين ،
والنبي ◌َّه يقول ((بعثت بالحنيفية السهلة السمحة)) وقال قوم: بل كانت واجبة، إلا أن ذلك
صار منسوخاً بقوله ( فان أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أؤتمن أمانته) وهذا مذهب الحسن
والشعبي والحكم وبن عيينة ، وقال التيمي : سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهد وإن
شاء لم يشهد ، ألا تسمع قوله تعالى ( فان أمن بعضكم بعضاً) واعلم أنه تعالى لما أمر بكتب
هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين :
الشرط الأول ﴾ أن يكون الكاتب عدلا وهو قوله ( وليكتب بينكم كاتب بالعدل )
واعلم أن قوله تعالى ( فاكتبوه ) ظاهره يقتضي أنه يجب على كل أحد أن يكتب ، لكن ذلك
غیر ممکن ، فقد لا یکون ذلك الإنسان کاتباً ، فصار معنی قوله ( فاکتبوہ ) أي لا بد من
حصول هذه الكتبة ، وهو كقوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء ) فان ظاهره
وإن كان يقتضي خطاب الكل بهذا الفعل ، إلا أنا علمنا أن المقصود منه أنه لا بد من حصول
قطع اليد من إنسان واحد ، إما الامام أو نائبه أو المولى ، فكذا ههنا ثم تأكد هذا الذي قلناه
بقوله تعالى ( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) فان هذا يدل على أن المقصود حصول هذه الكتبة
من أي شخص كان.

١٢٠
قوله تعالى ((ولا يأب كاتب أن يكتب)) سورة البقرة
أما قوله (بالعدل) ففيه وجوه ( الأول ) أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص
منه ، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه ( الثاني ) إذا كان فقيهاً وجب أن
یکتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتیاط دون الآخر ، بل لا بد وأن یکتبه بحیث یکون کل
واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقه ( الثالث ) قال بعض الفقهاء : العدل
أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين أهل العلم ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين
سبيلاً إلى إيطاله على مذهب بعض المجتهدين ( الرابع ) أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع
النزاع في المراد بها ، وهذه الأمور التي ذكرناها لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيهاً عارفاً
بمذاهب المجتهدين ، وأن يكون أديباً مميزاً بين الألفاظ المتشابهة ، ثم قال ( ولا يأب كاتب أن
یکتب کما علمه الله) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ ظاهر هذا الكلام نهى لكل من كان كاتباً عن الامتناع عن الكتبة ،
وإيجاب الكتبة على كل من كان كاتباً، وفيه وجوه ( الأول) أن هذا على سبيل الارشاد إلى
الأولى لا على سبيل الإيجاب ، والمعنى أن الله تعالى لما علمه الكتبة ، وشرفه بمعرفة الأحكام
الشرعية ، فالأولى أن يكتب تحصيلاً لمهم أخيه المسلم شكراً لتلك النعمة ، وهو كقوله تعالى
( وأحسن كما أحسن الله إليك ) فانه ينتفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها .
﴿ والقول الثاني﴾ وهو قول الشعبي: أنه فرض كفاية، فان لم يجد أحداً يكتب إلا
ذلك الواحد وجب الكتبة عليه ، فان وجد أقواماً كان الواجب على واحد منهم أن يكتب.
﴿ والقول الثالث﴾ أن هذا كان واجباً على الكاتب ، ثم نسخ بقوله تعالى (ولا يضار
كاتب ولا شهيد ) .
والقول الرابع﴾ أن متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله، يعني أن بتقدير أن
يكتب فالواجب أن يكتب على ما علمه الله ، وأن لا يخل بشرط من الشرائط ، ولا يدرج فيه قيداً
يخل بمقصود الإنسان ، وذلك لأنه لو كتبه من غير مراعاة هذه الشروط اختل مقصود الإنسان ،
وضاع ماله ، فكأنه قيل له : إن كنت تكتب فاكتبه عن العدل ، واعتبار كل الشرائط التي
اعتبرها الله تعالى .
المسألة الثانية ) قوله ( كما علمه الله) فيه احتمالان ( الأول) أن يكون متعلقاً بما
قبله ، ولا يأب كاتب عن الكتابة التي علمه الله إياها ، ولا ينبغي أن يكتب غير الكتابة التي
علمه الله إياها ثم قال بعد ذلك : فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله إياها.
والاحتمال الثاني) أن يكون متعلقاً بما بعده ، والتقدير: ولا يأب كاتب أن يكتب ،