النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ قوله تعالى ((وإذ قال إبراهيم ربي)) سورة البقرة المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى لم يسم عزيراً حين قال (أو كالذي مر على قرية) وسمى ههنا إبراهيم مع أن المقصود من البحث في كلتا القصتين شيء واحد ، والسبب أن عزيراً لم يحفظ الأدب ، بل قال ( أنى يحبي هذه الله بعد موتها) وإبراهيم حفظ الأدب فإنه أثنى على الله أولاً بقوله ( رب ) ثم دعا حيث قال (أرني) وأيضاً أن إبراهيم لما راعى الأدب جعل الإحياء والأمانة في الطيور ، وعزيراً لما لم يراع الأدب جعل الإحياء والإماتة في نفسه . المسألة الثالثة﴾ ذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً (الأول) قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج : أنه رأى جيفة مطروحة في شط البحر فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر ، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت ، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت ، فقال إبراهيم : رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر ، فقيل : أولم تؤمن قال بلى ولكن المطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضرورياً . ﴿ الوجه الثاني ﴾ قال محمد بن إسحق والقاضي : سبب السؤال أنه مع مناظرته مع نمروذ لما قال ( ربي الذي يحيي ويميت ، قال أنا أحي وأميت) فأطلق محبوساً وقتل رجلاً قال إبراهيم : ليس هذا بإحياء وإماتة ، وعند ذلك قال ( رب أرني كيف تحي الموتى ) لتنكشف هذه المسألة عند نمروذ وأتباعه ، وروى عن نمروذ أنه قال : قل لربك حتى يحي وإلا قتلتك ، فسأل الله تعالى ذلك ، وقوله ( ليطمئن قلبي ) بنجاتي من القتل أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني ، وإن عدولي منها إلى غيرها ما كان بسبب ضعف تلك الحجة ، بل كان بسبب جهل المستمع . والوجه الثالث﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي رضي الله عنهم: أن الله تعالى أوحى إليه إني متخذ بشراً خليلاً: فاستعظم ذلك إبراهيم وَّة، وقال إلهي ما علامات ذلك ؟ فقال : علامته أنه يحي الميت بدعائه ، فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية وأداء الرسالة ، خطر بباله : إني لعلي أن أكون ذلك الخليل ، فسأل إحياء الميت فقال الله ( أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) على أنني خليل لك . الوجه الرابع﴾ أنه * إنما سأل ذلك لقومه وذلك أتباع الأنبياء كانوا يطالبونهم بأشياء تارة باطلة وتارة حقة ، كقولهم لموسى عليه السلام ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) فسأل إبراهيم ذلك . والمقصود أن يشاهده فيزول الإنكار عن قلوبهم . الوجه الخامس﴾ ما خطر ببالي فقلت: لا شك أن الأمة كما يحتاجون في العلم بأن ٤٢ قوله تعالى (( قال أولم تؤمن ٠ سورة البَقَرة الرسول صادق في ادعاء الرسالة إلى معجز يظهر على يده فكذلك الرسول عند وصول الملك إليه وإخباره إياه بأن الله بعثه رسولاً يحتاج إلى معجز يظهر على يد ذلك الملك ليعلم الرسول أن ذلك الواصل ملك كريم لا شيطان رجيم وكذا إذا سمع الملك كلام الله احتاج إلى معجز يدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى لا كلام غيره وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال : إنه لما جاء الملك إلى إبراهيم وأخبره بأن الله تعالى بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجز فقال ( رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم . ﴿ الوجه السادس﴾ وهو على لسان أهل التصوف: أن المراد من الموتى القلوب المحجوبة عن أنوار المكاشفات والتجلي ، والإإحياء عبارة عن حصول ذلك التجلي والأنوار الإهية فقوله ( أرني كيف تحي الموتى ) طلب لذلك التجلي والمكاشفات فقال أولم تؤمن قال بلى أو من به إيمان الغيب ، ولكن أطلب حصولها ليطمئن قلبي بسبب حصول ذلك التجلي ، وعلى قول المتكلمين : العلم الاستدلالي مما يتطرق إليه الشبهات والشكوك فطلب علماً ضرورياً يستقر القلب معه استقرار لا يتخالجه شيء من الشكوك والشبهات . ﴿ الوجه السابع﴾ لعله طالع في الصحف التي أنزلها الله تعالى عليه أنه يشرف ولده عيسى بأنه يحي الموتى بدعائه فطلب ذلك فقيل له ( أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) على أني لست أقل منزلة في حضرتك من ولدي عيسى . ﴿ الوجه الثامن﴾ أن إبراهيم ◌ّير أمر بذبح الولد فسارع إليه، ثم قال: أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح ففعلت ، وأنا أسألك أن تجعل غير ذي روح روحانياً ، فقال : أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أنك اتخذتني خليلاً . الوجه التاسع﴾ نظر إبراهيم وقلة في قلبه فرآه ميتاً بحب ولده فاستحى من الله وقال : أرني كيف تحيي الموتى أي القلب إذا مات بسبب الغفلة كيف يكون إحياؤه بذكر الله تعالى . الوجه العاشر﴾ تقدير الآية أن جميع الخلق يشاهدون الحشر يوم القيامة فأرني ذلك في الدنيا ، فقال: أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أن خصصتني في الدنيا بمزيد هذا التشريف . ﴿ الوجه الحادي عشر﴾ لم يكن قصد إبراهيم إحياء الموتى، بل كان قصده سماع الكلام بلا واسطة . ٤٣ قوله تعالى (( قال أولم تؤمن)) سورة البقرة الثاني عشر﴾ ما قاله قوم من الجهال، وهو أن إبراهيم وم كان شاكاً في معرفة المبدأ وفي معرفة المعاد ، أما شكه في معرفة المبدأ فقوله ( هذا ربي ) وقوله ( لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ) وأما شكه في المعاد فهو في هذه الآية ، وهذا القول مخيف ، بل كفر وذلك لأن الجاهل بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى كافر ، فمن نسب النبي المعصوم إلى ذلك فقد كفر النبي المعصوم ، فكان هذا بالكفر أولى ، ومما يدل على فساد ذلك وجوه ( أحدها ) قوله تعالى ( أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) ولو كان شاكاً لم يصح ذلك ( وثانيها ) قوله ( ولكن ليطمئن قلبي ) وذلك كلام عارف طالب لمزيد اليقين ، ومنها أن الشك في قدرة الله تعالى يوجب الشك في النبوة فكيف يعرف نبوة نفسه .. أما قوله تعالى ( أولم تؤمن ) ففيه وجهان ( أحدهما ) أنه استفهام بمعنى التقرير ، قال الشاعر : وأندي العالمين بطون راح ألستم خير من ركب المطايا ( والثاني ) المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه عليه السلام كان مؤمناً بذلك عارفاً به وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر . أما قوله تعالى ( قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) فاعلم أن اللام في ( ليطمئن ) متعلق بمحذوف، والتقدير : سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب ، قالوا : والمراد منه أن يزول عنه الخواطر التي تعرض للمستدل وإلا فاليقين حاصل على كلتا الحالتين . وههنا بحث عقلي وهو أن هذا التفسير مفرع على أن العلوم يجوز أن يكون بعضها أقوى من بعض ، وفيه سؤال صعب ، وهو أن الإِنسان حال حصول العلم له إما أن يكون مجوزاً لنقيضه ، وإما أن لا يكون ، فإن جوز نقيضه بوجه من الوجوه ، فذاك ظن قوي لا اعتقاد جازم ، وإن لم يجوز نقيضه بوجه من الوجوه امتنع وقوع التفاوت في العلوم . واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا قلنا المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء ، أما لوقلنا : المقصود شيء آخر فالسؤال زائل . أما قوله تعالى ( فخذ أربعة من الطير ) فقال ابن عباس رضي الله عنهما : أخذ طاوساً ونسراً وغراباً وديكاً ، وفي قول مجاهد وابن زيد رضي الله عنهما : حمامة بدل النسر، وههنا أبحاث : البحث الأول ﴾ أنه لما خص الطير من جملة الحيوانات بهذه الحالة ذكروا فيه وجهين ٤٤ قوله تعالى ((فصرهن إليك)) سورة الَقَرة ( الأول ) أن الطيران في السماء ، والإرتفاع في الهواء ، والخليل كانت همته العلو والوصول إلى الملكوت فجعلت معجزته مشاكلة لهمته . والوجه الثاني ﴾ أن الخليل عليه السلام لما ذبح الطيور وجعلها قطعة قطعة ، ووضع على رأس كل جبل قطعاً مختلطة ، ثم دعاها طار كل جزء إلى مشاكله ، فقيل له كما طار كل جزء إلى مشاكله كذا يوم القيامة يطير كل جزء إلى مشاكله حتى تتألف الأبدان وتتصل بها الأرواح ، ويقرره قوله تعالى ( يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر) . البحث الثاني ﴾ أن المقصود من الإحياء والإماتة كان حاصلاً بحيوان واحد ، فلم أمر بأخذ أربع حيوانات ، وفيه وجهان ( الأول ) أن المعنى فيه أنك سألت واحداً على قدر العبودية وأنا أعطي أربعاً على قدر الربوبية ( والثاني) أن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تركيب أبدان الحيوانات والنباتات والإشارة فيه أنك ما لم تفرق بين هذه الطيور الأربعة لا يقدر طير الروح على الإرتفاع إلى هواء الربوبية وصفاء عالم القدس . البحث الثالث﴾ إنما خص هذه الحيوانات لأن الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب الزينة والجاه والترفع ، قال تعالى ( زين للناس حب الشهوات ) والنسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل والديك إشارة إلى شدة الشغف بقضاء الشهوة من الفرج والغراب إشارة إلى شدة الحرص على الجمع والطلب ، فإن من حرص الغراب أنه يطير بالليل ويخرج بالنهار في غاية البر للطلب ، والإِشارة فيه إلى أن الإنسان ما لم يسع في قتل شهوة النفس والفرج وفي إبطال الحرص وإبطال التزين للخلق لم يجد في قلبه روحاً وراحة من نور جلال الله . أما قوله تعالى ( فصرهن إليك ) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ قرأ حمزة (فصرهن إليك) بكسر الصاد ، والباقون بضم الصاد ، أما الضم ففيه قولان ( الأول ) أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ورجل أصور أي مائل العنق ، ويقال : صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه ، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف، كأنه قيل : أملهن إليك وقطعهن ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله ( أن أضرب بعصاك البحر فانفلق ) على معنى : فضرب فانفلق لأن قوله ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ) يدل على التقطيع . فإن قيل : ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها ؟ . قلنا الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهياتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ، ولا يتوهم أنها غير تلك . والقول الثاني ﴾ وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد (صرهن ٤٥ قوله تعالى ((فصرهن إليك سورة النقرة إليك ) معناه قطعهن ، يقال : صار الشيء يصوره صوراً، إذ قطعه ، قال رؤبة يصف خصماً ألد : صرناه بالحكم ، أي قطعناه ، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار ، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد ، فقد فسرهذه الكلمة أيضاً تارة بالإِمالة ، وأخرى بالتقطيع ، أما الإمالة فقال الفراء : هذه لغة هذيل وسليم : صاره يصيره إذا أماته ، وقال الأخفش وغيره ( صرهن ) بكسر الصاد : قطعهن . يقال : صاره يصيره إذا قطعه ، قال الفراء : أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري إذا قطع ، فقدمت ياؤها ، كما قالوا : عثا وعاث ، قال المبرد : وهذا لا يصح ، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته ، فلا يجوز جعل أحدهما فرعاً عن الآخر . ﴿ المسألة الثانية ) أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية: قطعهن، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها ، وخلط بعضها على بعض غير أبي مسلم فإنه أنكرِ ذلك ، وقال : إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالاً قرب به الأمر عليه ، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة ، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك ، فإذا صارت كذلك ، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته ، ثم ادعهن يأتينك سعياً ، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه : فقطعهن . واحتج عليه بوجوه ( الأول ) أن المشهور في اللغة في قوله (فصرهن ) أملهن وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه ، فكان إدراجه في الآية إلحاقاً لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها وأنه لا يجوز ( والثاني ) أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك ، فإن ذلك لا يتعدى بالى وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن . قلنا : التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجىء إلى التزامه خلاف الظاهر ( والثالث ) أن الضمير في قوله ( ثم ادعهن) عائد إليها لا إلى أجزائها ، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها ، وهو خلاف الظاهر ، وأيضاً الضمير في قوله (يأتينك سعياً) عائداً إليها لا إلى إجزائها وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في ( يأتينك ) عائداً إلى أجزائها لا إليها ، واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه ( الأول ) أن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبو مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور وتقطيع أجزائها ، فيكون إنكار ٤٦ قوله تعالى (( ثم اجعل على كل جبل)) سورة البَقَرة ذلك إنكاراً للإجماع (والثاني ) أن ما ذكره غير مختص بإبراهيم وَّة، فلا يكون له فيه مزية على العير ( والثالث ) أن إبراهيم أراد أن يريه الله كيف يحبى الموتى ، وظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك ، وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة ( والرابع ) أن قوله ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً) يدل على أن تلك الطيور جعلت جزءاً جزءاً، قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه : أنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة والجواب : أن ما ذكرته وإن كان محتملاً إلا أن حمل الجزء على ما ذكرناه أظهر والتقدير : فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءاً أو بعضاً . أما قوله تعالى ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً) ففيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ ظاهر قوله ( على كل جبل) جميع جبال الدنيا ، فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان ، كأنه قيل : فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه ، وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة وعلى حسب الجهات الأربعة أيضاً أعني المشرق والمغرب والشمال والجنوب ، وقال السدي وابن جريج : سبعة من الجبال لأن المراد كل جبل يشاهده إبراهيم عليه السلام حتى يصبح منه دعاء الطير ، لأن ذلك لا يتم إلا بالمشاهدة ، والجبال التي كان يشاهدها إبراهيم عليه السلام سبعة . المسألة الثانية﴾ روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وتقطيعها جزءاً جزءاً وخلط دمائها ولحومها ، وأن يمسك رؤسها ، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعاً من كل طائر ، ثم يصيح بها : تعالين بإذن الله تعالى، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث ، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها وانضم كل رأس إلى جثته ، وصار الكل أحياء بإذن الله تعالى . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ عاصم في رواية أبي بكر والفضل (جزءاً) مثقلاً مهموزاً حيث وقع ، والباقون مهمزاً مخففاً وهما لغتان بمعنى واحد . أما قوله تعالى ( ثم ادعهن يأتينك سعياً) فقيل عدواً ومشياً على أرجلهن ، لأن ذلك أبلغ في الحجة ، وقيل طيراناً وليس يصح ، لأنه لا يقال للطير إذا طار : ومنهم من أجاب عنه بأن السعي هو الإشتداد في الحركة ، فإن كانت الحركة طيراناً فالسعي فيها هو الاشتداد في تلك الحركة . وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن البنية ليست شرطاً في صحة الحياة ، وذلك لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً فاهماً للنداء ، قادراً على السعي والعدو ، ٤٧ قوله تعالى ((مثل الذين ينفقون أموالهم)) الآية سورة البَقَرة مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ كَثَلِ حَّةٍ أَنْبَقَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ ٢٦١ سُتْلَةٍ مِنَةُ حَّةٍ وَاللهُ يُضَنْعِفُ لِمَنْ يَشَآءُ وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ فدل ذلك على أن البنية ليست شرطاً في صحة الحياة قال القاضي : الآية دالة على أنه لا بد من البنية من حيث أوجب التقطيع بطلان حياتها . ( والجواب ) أنه ضعيف لأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة ، أما الإِنفكاك عنه في بعض الأحوال فإنه يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة ، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء ، والقدرة على السعي لتلك الأجزاء حال تفرقها ، كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة . أما قوله تعالى (واعلم أن الله عزيز حكيم ) فالمعنى أنه غالب على جميع الممكنات ( حكيم ) أي عليم بعواقب الأمور وغايات الأشياء . قوله تعالى ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ﴾ . اعلم أنه سبحانه لما ذكر من بيان أصول العلم بالمبدأ وبالمعاد ومن دلائل صحتهما ما أراد أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف . فالحكم الأول ﴾ في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ في كيفية النظم وجوه ( الأول) قال القاضي رحمه الله : إنه تعالى لما أجمل في قوله (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإِحياء والاماتة من حيث لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق ، لأنه لولا وجود الإِله المثيب المعاقب ، لكان الإنفاق في سائر الطاعات عبثاً ، فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإِحياء والأقدار وقد علمت قدرتي على المجازاة والإِثابة ، فليكن علمك بهذه الأحوال داعياً إلى إنفاق المال ، فإنه يجازي القليل بالكثير ، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً ، وهو أن من بذر حبه أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فصارت الواحدة سبعمائة . الوجه الثاني﴾ في بيان النظم ما ذكره الأصم، وهو أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن ٤٨ قوله تعالى ((مثل الذين ينفقون أموالهم)) سورة البقرة احتج على الكل ما يوجب تصديق النبي وهيّ ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته . والوجه الثالث﴾ لما بين تعالى أنه ولى المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت . المسألة الثانية﴾ في الآية إضمار، والتقدير: مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة وقيل : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة . ﴿ المسألة الثالثة﴾ معنى (ينفقون أموالهم في سبيل الله) يعني في دينه ، قيل : أراد النفقة في الجهاد خاصة ، وقيل : جميع أبواب البر ، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله تَّل، ومن الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير، ومن صرف المال إلى الصدقات ، ومن إنفاقها في المصالح ، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته لأن كل ذلك ( إنفاق في سبيل الله ) . فإن قيل : فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها ؟ . قلنا : الجواب عنه من وجوه ( الأول ) أن المقصود من الآية أنه لو علم إنسان يطلب الزيادة والربح أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك ولا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر في الآخرة عند الله أن لا يتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحدة عشرة ومائة ، وسبعمائة ، وإذا كان هذا المعنى معقولاً سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم يوجد كان المعنى حاصلاً مستقيماً ، وهذا قول القفال رحمه الله وهو حسن جداً . ( والجواب الثاني ) أنه شوهد ذلك في سنبلة الجاورس ، وهذا الجواب في غاية الركاكة . ﴿ المسألة الرابعة﴾ كان أبو عمرو وحمزة والكسائي يدغمون التاء في السين في قوله ( أنبتت سبع سنابل) لأنهما حرفان مهموسان ، والباقون بالإِظهار على الأصل . ثم قال ( والله يضاعف لمن يشاء ) وليس فيه بيان كمية تلك المضاعفة ، ولا بيان من يشرفه الله بهذه المضاعفة ، بل يجب أن يجوز أنه تعالى يضاعف لكل المنفقين، ويجوز أن يضاعف لبعضهم من حيث يكون إنفاقه أدخل في الإخلاص ، أو لأنه تعالى بفضله وإحسانه يجعل طاعته مقرونة بمزيد القبول والثواب . ٤٩ قوله تعالى ((الذين ينفقون أموالهم)) الآية . سورة البقرة الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِلِ اللَّهِثُمَ لَ يْبِعُونَ مَ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَّى ◌َهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ ٢٦٢ رَبِهِمْ وَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ثم قال ( والله واسع ) أي واسع القدرة على المجازاة على الجود والافضال عليهم ، بمقادير الانفاقات ، وكيفية ما يستحق عليها ، ومتى كان الأمر كذلك لم يصر عمل العامل ضائعا عند الله تعالى . قوله تعالى ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم ٠. أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الانفاق في سبيل الله ، أتبعه ببيان الأمور التي يجب تحصيلها حتى يبقى ذلك الثواب ، منها ترك المن والأذى ثم في الآية مسائل : ﴿ المسألة الأولى ﴾ نزلت الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف، أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار، فرفع رسول الله وَ له يديه يقول: يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه ، وأما عبد الرحمن بن عوف فأنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فنزلت الآية . المسألة الثانية ﴾ قال بعض المفسرين: إن الآية المتقدمة مختصة بمن أنفق على نفسه، وهذه الآية بمن أنفق على غيره فبين تعالى أن الانفاق على الغير إنما يوجب الثواب العظيم المذكور في الآية إذا لم يتبعه بمن ولا أذى قال القفال رحمه الله : وقد يحتمل أن يكون هذا الشرط معتبراً أيضاً فيمن أنفق على نفسه ، وذلك هو أن ينفق على نفسه ويحضر الجهاد مع رسول الله وَله والمسلمين ابتغاء لمرضاة الله تعالى، ولا يمن به على النبي وَّل والمؤمنين، ولا يؤذي أحداً من المؤمنين ، مثل أن يقول : لو لم أحضر لما تم هذا الأمر ، ويقول لغيره : أنت ضعيف بطال لا منفعة منك في الجهاد . المسألة الثالثة﴾ ( المن) في اللغة على وجوه ( أحدها) بمعنى الانعام ، يقال : قد من الله على فلان ، إذا أنعم ، أو لفلان على منة ، وأنشد ابن الانباري : كلامك ياقوت ودر منظم فمنی علینا بالسلام فاما ومنه قوله صلى الله علیه وسلم ( ما من الناس أحد أمن علینا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة )) يريد أكثر إنعاما بماله ، وأيضاً الله تعالى يوصف بأنه منان أي منعم . والوجه الثاني ﴾ في التفسير ( المن ) النقص من الحق والبخس له ، قال تعالى (وإن لك لأجرأ غير ممنون ) أي غير مقطوع وغير ممنوع ،ومنه سمى الموت: منونا لأنه ينقص الأعمار ، الفخر الرازي ج ٧ ٤٠ ٥٠ قوله تعالى ((ثم لا يتبعون ما أنفقوا )) سورة البقرة ويقطع الأعذار : ومن هذا الباب المنة المذمومة ، لأنه ينقص النعمة، ويكدرها، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة ، قال قائلهم : أنه عندى مستور حقير زاد معروفك عندي عظما وهو في العالم مشهور كثير تتناساه كأن لم تأته هذا فنقول: المن هو إظهار الاصطناع إليهم ، والأذى شكايته منهم بسبب ما أعطاهم وإنما كان المن مذموما لوجوه ( الأول) أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غير معترف باليد العليا للمعطي ، فاذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام ، زاد ذلك في انكسار قلبه ، فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة ، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه ( والثاني ) إظهار المن أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريقه ذلك ( الثالث) أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله تعالى عليه ، وأن يعتقد أن الله عليه نعما عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ، وأن يخاف أنه هل قرن بهذا الانعام ما يخرجه عن قبول الله إياه ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع أن يجعله منة على الغير ( الرابع ) وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك الإِعطاء إنما تيسر لأن الله تعالى هيأ له أسباب الاعطاء وأزال أسباب المنع ، ومتى كان الأمر كذلك كان المعطي هو الله في الحقيقة لا العبد ، فالعبد إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيراً بنور الله تعالى وإذا لم يكن كذلك بل كان مشغولا بالأسباب الجسمانية الظاهرة وكان محروما عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقة فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول وعن الآثار إلى المؤثر ، وأما الأذى فقد اختلفوا فيه ، منهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين وليس ذلك بالمن بل يجب أن يكون مختصاً بما تقدم ذكره وهو مثل أن يقول للفقير : أنت أبداً تجيني بالإيلام وفرج الله عني منك وباعد ما بيني وبينك ، فبين سبحانه وتعالى أن من أنفق ماله ثم أنه لا يتبعه المن والأذى فله الأجر العظيم والثواب الجزيل . فان قيل : ظاهر اللفظ أنهما بمجموعهما يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الثاني لا يبطل الأجر . قلنا : بل الشرط أن لا يوجد واحد منهما لأن قوله ( لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ) يقتضي أن لا يقع منه لا هذا ولا ذاك . المسألة الرابعة ﴾ قالت المعتزلة : الآية دالة على أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها ، وذلك لأنه تعالى بين أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم يوجد المن والأذى ، لأنه لو ثبت مع فقدهما ومع وجودهما لم يكن لهذا الاشتراط فائدة . أجاب أصحابنا بأن المراد من الآية أن حصول المن والأذى يخرجان الانفاق من أن يكون ٥١ قوله تعالى (( ثم لا يتبعون ما أنفقوا)) سورة البقرة فيه أجر وثواب أصلا ، من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن ، ولم ينفق لطلب رضوان الله ، ولا على وجه القربة والعبادة ، فلا جرم بطل الأجر ، طعن القاضي في هذا الجواب فقال : إنه تعالى بين أن هذا الانفاق قد صح ، ولذلك قال ( ثم لا يتبعون ما أنفقوا ) وكلمة ( ثم ) للتراخي ، وما يكون متأخراً عن الأنفاق موجب للثواب ، لأن شرط المتأثر يجب أن يكون حاصلا حال حصول المؤثر لا بعده . أجاب أصحابنا عنه من وجوه ( الأول) أن ذكر المن والأذى وإن كان متأخراً عن الانفاق ، إلا أن هذا الذكر المتأخر يدل ظاهراً على أنه حين أنفق ما كان إنفاقه لوجه الله ، بل لأجل الترفع على الناس وطلب الرياء والسمعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب ( والثاني ) هب أن هذا الشرط متأخر ، ولكن لم يجوز أن يقال : إن تأثير المؤثر يتوقف على أن لا يوجد بعده ما يضاده على ما هو مذهب أصحاب الموافاة ، وتقريره معلوم في علم الكلام . ﴿ المسألة الخامسة﴾ الآية دلت أن المن والأذى من الكبائر، حيث تخرج هذه الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل . أما قوله ( لهم أجرهم ) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على الله تعالى ، وأصحابنا يقولون : حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل لأن العمل واجب على العبد وأداء الواجب لا يوجب الأجر . المسألة الثانية﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الاحباط ، وذلك لأنها تدل على أن الأجر حاصل لهم على الاطلاق ، فوجب أن يكون الأجر حاصلا لهم بعد فعل الكبائر ، وذلك يبطل القول بالاحباط . المسألة الثالثة ﴾ أجمعت الأمة على أن قوله ( لهم أجرهم عند ربهم ) مشروط بأن لا يوجد منه الكفر ، وذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لارادة الخاص ، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية ، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع بالوعيد . أما قوله ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ففيه قولان ( الأول ) أن إنفاقهم في سبيل الله لا يضيع ، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة ، لا يخافون من أن لا يوجد ، ولا يحزنون بسبب أن لا يوجد ، وهو كقوله تعالى ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ) ( والثاني ) أن يكون المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب البتة ، كما قال ( وهم ٥٢ قوله تعالى (( قول معروف ومغفرة )) الآية سورة البَقَرة قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذِى وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ (﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامُوْلَا تُبْطِلُوْ صَدَقَّتِكُمْ بِآلْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ ورِفَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِللهِ وَالْيَوْمِ الْآَنِ ثَلُ كَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَبٌ فَأَصَابَهُ، وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَّدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءِمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ لَيَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ (٥) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَهُمُ أَيْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَْبًِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَثَلِ جَنََِّبْوَةٍ أَصَابَ وَابِلٌ فَاتَتْ أُسِكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّْ يُصِبْهَ وَائِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ ٢٦٥ من فزع يومئذ آمنون ) وقال (لا يحزنهم الفزع الأكبر ) . قوله تعالى ﴿ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم ، يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فاصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدى القوم الكافرين ، ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فاتت أكلها ضعفين فان لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ﴾ . أما القول المعروف ، فهو القول الذى تقبله القلوب ولا تنكره ، والمراد منه ههنا أن يرد السائل بطريق جميل حسن ، وقال عطاء : عدة حسنة ، أما المغفرة ففيه وجوه ( أحدها ) أن الفقير إذا رد بغير مقصود شق عليه ذلك ، فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان ، فأمر بالعفوعن بذاءة الفقير والصفح عن اساءته (وثانيها) أن يكون المراد ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل ( وثالثها ) أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير ولا يهتك ستره ، والمراد من القول المعروف رده بأحسن الطرق وبالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله ( ورابعها ) أن قوله ( قول معروف) خطاب مع المسؤل بأن يرد السائل بأحسن الطرق ، وقوله ( ومغفرة ) خطاب مع السائل بأن يعذر المسؤل في ذلك الرد ، فربما لم ٥٣ قوله تعالى ((قول معروف)) سورة البقرة يقدر على ذلك الشيء في تلك الحالة ، ثم بين تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى ، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى ، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء ، فهناك جمع بين الانفاع والإضرار ، وربما لم يف ثواب الانفاع بعقاب الإضرار ، وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار ، فكان هذا خيراً من الأول . واعلم أن من الناس من قال : إن الآية واردة في التطوع ، لأن الواجب لا يحل منعه ، ولا رد السائل منه ، وقد يحتمل أن يراد به الواجب ، وقد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير ثم قال ( والله غنى ) عن صدقة العباد فانما أمركم بها ليثيبكم عليها (حليم) إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذى بصدقته ، وهذا سخط منه ووعيد له ثم إنه تعالى وصف هذين النوعين على الإنفاق ( أحدهما ) الذي يتبعه المن والأذى ( والثاني ) الذي لا يتبعه المن والأذى ، فشرح حال كل واحد منهما ، وضرب مثلا لكل واحد منهما . فقال في القسم الأول : الذي يتبعه المن والأذى ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ قال القاضي: إنه تعالى أكد النهى عن إبطال الصدقة بالمن والأذى وأزال كل شبهة للمرجئة بأن بين أن المراد أن المن والأذى يبطلان الصدقة ، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت ، فلا يصح أن تبطل فالمراد إبطال أجرها وثوابها ، لأن الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل فيصح إبطاله بما يأتيه من المن والأذى . واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن والأذى مثلين ، فمثله أولا بمن ينفق ماله رثاء الناس ، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المن والأذى، ثم مثله ثانياً بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار ، ثم اصابه المطر القوي ، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار ولا تراب اصلا ، فالكافر كالصفوان ، والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر ، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق ، قال : فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان ، فكذا المن والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الانفاق بعد حصوله ، وذلك صريح في القول بالاحباط والتفكير ، قال الجبائي : وکما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضاً ، وذلك لأن من أطاع وعصى ، فلو استحق ثواب ٥٤ قوله تعالى ((قول معروف)) سورة البَقَرة طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحق النقيضين ، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإِجلال ، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال ، ولأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة ومنع الإثابة ظلم ، وهذا العقاب عدل ، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلا من حيث إنه حقه ، وأن يكون ظلما من حيث إنه منع الإثابة ، فيكون ظالما بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك محال ، فصح بهذا قولنا في الاحباط والتفكير بهذا النص وبدلالة العقل ، هذا كلام المعتزلة . وأما أصحابنا فانهم قالوا : ليس المراد بقوله ( لا تبطلوا ) النهى عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلا ، وذلك لأنه إذا قصد به غير وجه الله تعالى فقد أتى به من الإبتداء على نعت البطلان ، واحتج أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدلائل : ( أولها) أن النافي والطارىء إن لم يكن بينهما منافاة لم يلزم من طريان الطارىء زوال النافي ، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن اندفاع الطارىء أولى من زوال النافي ، بل ربما كان هذا أولى لأن الدفع أسهل من الرفع . ( ثانيها) أن الطارىء لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي وهو محال لأن الماضي انقضى ولم يبق في الحال وإعدام المعدوم محال وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضاً محال لأن الموجود في الحال لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محال ، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محال ، لأن الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال وإعدام ما لم يوجد بعد محال . ( وثالثها ) أن شرط طريان الطارىء زوال النافي فلو جعلنا زوال النافي معللا بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال . ( ورابعها ) أن الطارىء إذا طرا واعدم الثواب السابق فالثواب السابق إما أن يعدم من هذا الطارىء شيئاً أو لا يعدم منه شيئاً ، والأول هو الموازنة وهو قول أبي هاشم وهو باطل ، وذلك لأن الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر فلو حصل العدمان معاً اللذان هما معلولان لزم حصول الوجودين اللذين هما علتان فيلزم أن يكون كل واحد منهما موجوداً حال كون كل وجوداً حال كون كل واحد منهما معدوما وهو محال . وأما الثاني : وهو قول أبي على الجبائي فهو أيضاً باطل لأن العقاب الطارىء لما أزال قوله تعالى ((قول معروف)) سورة البقرة الثواب السابق ، وذلك الثواب السابق ليس له أثر البتة في إزالة الشيء من هذا العقاب الطارىء ، فحينئذ لا يحصل له من العمل الذي أوجب الثواب السابق فائدة أصلا لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب وذلك على مضادة النص الصريح في قوله (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ) ولأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة ، ولم يظهر له منها أثر لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة . ( وخامسها ) وهو أنكم تقولون : الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض ، وذلك محال من القول ، لأن أجزاء استحقاقات متساوية في الماهية ، فالصغيرة الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء الكل في الماهية كان ذلك فلم يبق إلا أن يقال بأن الصغيرة الطارئة ترجيحا للممکن من غير مرجح وهو محال ، تزيل كل تلك الاستحقاقات وهو باطل بالاتفاق ، أو لا تزيل شيئاً منها وهو المطلوب . (وسادسها ) وهو أن عقاب الكبيرة إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم ، فاما أن يقال بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب الطارىء أو كلها والأول باطل لأن اختصاص بعض تلك الاجزاء بالمؤثرية دون البعض مع استواء كلها في الماهية ترجيح للممكن من غير مرجح وهو محال ، والقسم الثاني باطل ، لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن كل واحد من ذينك الجزأين مستقل بابطال ذلك الثواب ، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال ، لأنه يستغني بكل واحد منهما فيكون غنياً عنهما معا حال كونه محتاجا إليهما معا وهو محال. ( وسابعها) وهو أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين لأن السيد إذا قال لعبده : احفظ المتاع لئلا يسرقه السارق ، ثم في ذلك الوقت جاء العدو وقصد قتل السيد ، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو وقتله فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح والتعظيم حيث دفع القتل عن سيده ، ويوجب استحقاقه للذم حيث عرض ماله للسرقة ، وكل واحد من الاستحقاقين ثابت ، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو إلى المهايأة ، فأما أن يحكموا بانتفاء أحد الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع في بداهة العقول . (وثامنها ) أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم فهذا الطارىء إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق أو لا يكون ، والأول محال لأن ذلك الفعل إنما يكون موجودا في الزمان الماضي ، فلو كان لهذا الطارىء أثر في ذلك الفعل الماضي لكان هذا إيقاعاً للتأثير في الزمان الماضي وهو محال ، وإن لم يكن للطارىء أثر في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك الاستحقاق وجب أن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وأن لا يزول ولا يقال لم يجوز أن يكون هذا الطارىء مانعاً من ظهور الأثر على ذلك السابق ، لأنا نقول: إذا كان ٥٦ قوله تعالى ((قول معروف)) سورة البقرة هذا الطارىء لا يمكنه أن يعمل بجهة اقتضاء ذلك الفعل السابق أصلا والبتة من حيث إيقاع الأثر في الماضي محال ، واندفاع اثر هذا الطارىء ممكن في الجملة كان الماضي على هذا التقدير أقوى من هذا الحادث فكان الماضي بدفع هذا الحادث اولى من العكس. ( وتاسعها ) أن هؤلاء المعتزلة يقولون : إن شرب جرعة من الخمر يحبط ثواب الإيمان وطاعة سبعين سنة على سبيل الاخلاص ، وذلك محال ، لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات اكثر من عقاب هذه المعصية الواحدة ، والأعظم لا يحبط بالأقل ، قال الجبائي : إنه لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة اعظم من كل طاعة ، لأن معصية الله تعظم على قدر كثرة نعمه وإحسانه ، كما ان استحقاق قيام الربانية وقد رباه وملكه وبلغه إلى النهاية العظيمة اعظم من قيامه بحقه لكثرة نعمه ، فاذا كانت نعم الله على عباده بحيث لا تضبط عظما وكثرة لم يمتنع ان يستحق على المعصية الواحدة العقاب العظيم الذي يوافي على ثواب جملة الطاعات ، واعام أن هذا العذر ضعيف لأن الملك إذا عظمت نعمه على عبده ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة ثم إنه كسرراس قلم ذلك الملك قصدا ، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكل أحد يذمه وينسبه إلى ترك الانصاف والقسوة ، ومعلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى جلال الله تعالى اقل من كسر راس القلم ، فظهر أن ما قالوه على خلاف قياس العقول . (وعاشرها) أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة، فالإيمان سبعين سنة كيف يهدم بفسق ساعة ، وهذا مما لا يقبله العقل والله اعلم ، فهذه جملة الدلائل العقلية على فساد القول بالمحابطة ، في تمسك المعتزلة بهذه الآية فنقول : قوله تعالى (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) يحتمل أمرين ( احدهما ) لا تأتوا به باطلا ، وذلك أن ينوي بالصدقة الرياء والسمعة ، فتكون هذه الصدقة حين وجدت حصلت باطلة ، وهذا التأويل لا يضرنا البتة . ﴿ الوجه الثاني﴾ أن يكون المرادبالا بطال أن يؤتى بها على وجه يوجب الثواب ، ثم بعد ذلك إذا اتبعت بالمن والأذى صار عقاب المن والأذى مزيلا لثواب تلك الصدقة ، وعلى هذا الوجه ينفعهم التمسك بالآية ، فلم كان حمل اللفظ على هذا الوجه الثاني أولى من حمله على الوجه الأول واعلم أن الله تعالى ذكر لذلك مثلين ( أحدهما ) يطابق الاحتمال الأول ، وهو قوله (كالذي ينفق ماله رثاء الناس ولا يؤمن بالله ) إذ من المعلوم أن المراد من كونه عمل هذا باطلا أنه دخل في الوجود باطلا ، لا أنه دخل صحيحا ، ثم يزول ، لأن المانع من صحة هذا العمل هو الكفر ، والكفر مقارن له ، فيمتنع دخوله صحيحا في الوجود ، فهذا المثل يشهد لما ذهبنا إليه من التأويل ، وأما المثل الثاني وهو الصفوان الذي وقع عليه غبار وتراب ثم اصابه وابل ، فهذا يشهد لتأويلهم ، لأنه تعالى جعل الوابل مزيلا لذلك الغبار بعد وقوع الغبار على ٥٧ قوله تعالى ((قول معروف)) سورة البَقَرة الصفوان فكذا ههنا يجب أن يكون المن والأذى مزيلين للأجر والثواب بعد حصول استحقاق الأجر ، إلا أن لنا أن نقول : لا نسلم أن المشبه بوقوع الغبار على الصفوان حصول الأجر للكافر ، بل المشبه بذلك صدور هذا العمل الذي لولا كونه مقرونا بالنية الفاسدة لكان موجبا لحصول الأجر والثواب ، فالمشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو ذلك العمل الصادر منه ، وحمل الكلام على ما ذكرناه أولى ، لأن الغبار إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقا به ولا غائصاً فيه البتة ، بل كان ذلك الاتصال كالانفصال ، فهو في مرأى العين متصل ، وفي الحقيقة غير متصل ، فكذا الانفاق المقرون بالمن والأذى ، يرمي في الظاهر أنه عمل من أعمال البر، وفي الحقيقة ليس كذلك ، فظهر أن استدلالهم بهذه الآية ضعيف، وأما الحجة العقلية التي تمسكوا بها فقد بينا أنه لا منافاة في الجمع بين الاستحقاقين ، وأن مقتضى ذلك الجمع إما الترجيح وإما المهايأة . ﴿ المسألة الثانية) قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن على الله بسبب صدقتكم ، وبالأذى لذلك السائل ، وقال الباقون : بالمن على الفقير، وبالأذى للفقير ، وقول ابن عباس رضي الله عنهما محتمل ، لأن الإنسان إذا أنفق متبجحاً بفعله ، ولم يسلك طريقة التواضع والانقطاع إلى الله ، والاعتراف بأن ذلك من فضله وتوفيقه وإحسانه فكان كالمان على الله تعالى وإن كان القول الثاني أظهر له. أما قوله ( كالذي ينفق ماله رثاء الناس ) ففيه مسألتان : ﴿ المسألة الأولى ﴾ الكاف في قوله ( كالذي) فيه قولان ( الأول) أنه متعلق بمحذوف والتقدير لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كابطال الذي ينفق ماله رثاء الناس ، فبين تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة ، كما أن النفاق والرياء يبطلانها ، وتحقيق القول فيه أن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة لا لوجه الله تعالى ، ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى ، فقد أتى بتلك الصدقة لا لوجه الله أيضاً إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى لما من على الفقير ولا آذاه ، فثبت اشتراك الصورتين في كون تلك الصدقة ما أتى بها لوجه الله تعالى ، وهذا يحقق ما قلنا أن المقصود من الأبطال الاتيان به باطلا ، لا أن المقصود الاتيان به صحيحاً ، ثم إزالته وإحباطه بسبب المن والأذى . والقول الثاني﴾ أن يكون الكاف في محل النصب على الحال، أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق ماله رثاء الناس. المسألة الثانية ﴾ الرياء مصدر، كالمراءاة يقال : راأيته رياء ومراعاة ، مثل : راعيته ٥٨ قوله تعالى ((كالذي ينفق ماله)) سورة البقرة مراعاة ورعاء ، وهو أن ترائي بعملك غيرك ، وتحقيق الكلام في الرياء قد تقدم ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا المثل أتبعه بالمثل الثاني ، فقال ( فمثله ) وفي هذا الضمير وجهان ( أحدهما ) أنه عائد إلى المنافق ، فيكون المعنى أن الله تعالى شبه المان والمؤذى بالمنافق ، ثم شبه المنافق بالحجر ، ثم قال ( كمثل صفوان ) وهو الحجر الأملس ، وحكى أبو عبيد عن الأصمعي أن الصفوان والصفا والصفوا واحد ، وكل ذلك مقصور، وقال بعضهم . الصفوان جمع صفوانه ، كمرجان ومرجانة ، وسعدان وسعدانة ، ثم قال ( أصابه وابل ) الوابل المطر الشديد ، يقال : وبلت السماء تبل وبلا ، وأرض موبولة ، أي أصابها وابل ، ثم قال ( فتركه صلداً ) الصلد الأملس اليابس، يقال: حجر صلد ، وجبل صلد إذا كان براقاً أملس وأرض صلدة ، أي لا تنبت شيئاً كالحجر الصلد وصلد الزند إذا لم يور ناراً . واعلم أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المان المؤذى ، ولعمل المنافق ، فان الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالا ، كما يرى التراب ، على هذا الصفوان ، فاذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى ، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب ، وأما المعتزلة فقالوا : إن المعنى أن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب ، ثم إن المن والأذى أزالا ذلك الأجر ، كما يزيل الوابل التراب عن وجه الصفوان ، واعلم أن في كيفية هذا التشبيه وجهين ( الأول ) ما ذكرنا أن العمل الظاهر كالتراب ، والمان والأذى والمنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل هذا على قولنا ، وأما على قول المعتزلة فالمن والأذى كالوابل. ﴿ الوجه الثاني﴾ في التشبيه، قال القفال رحمه الله تعالى، وفيه احتمال آخر، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة ، فمن عمل باخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض فهو يضاعف له وينمو حتى يحصده في وقته ، ويجده وقت حاجته ، والصفوان محل بذر المنافق ، ومعلوم أنه لا ينمو فيه شيء ولا يكون فيه قبول للبذر ، والمعنى أن عمل المان والمؤذى والمنافق يشبه إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل ، فاذا أصابه مطر جود بقي مستودعاً بذره خالياً لا شيء فيه ، ألا ترى أنه تعالى ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة ، والجنة ما يكون فيه أشجار ونخيل ، فمن أخلص لله تعالى كان كمن غرس بستاناً في ربوة من الأرض ، فهو يجني تمر غراسه في أوجات الحاجة وهي تؤتى أكلها كل حين باذن ربها متضاعفة زائدة ، وأما عمل المان والمؤذى والمنافق ، فهو كمن بذر في الصفوان الذي عليه تراب ، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً، ومن الملحدة من طعن في التشبيه، فقال: إن الوابل إذا أصاب الصفوان جعله طاهراً نقياً نظيفاً عن الغبار والتراب فكيف يجوز أن يشبه الله به عمل المنافق ، والجواب أن ٥٩ قوله تعالى (( لا يقدرون على شيء)) سورة البقرة وجه التشبيه ما ذكرناه ، فلا يعتبر باختلافها فيما وراءه ، قال القاضي : وأيضاً فوقع التراب على الصفوان يفيد منافع من وجوه ( أحدها ) أنه أصلح في الإستقرار عليه ( وثانيها ) الانتفاع بها في التيمم ( وثالثها ) الانتفاع به فيما يتصل بالنبات ، وهذا الوجه الذي ذكره القاضي حسن إلا أن الإعتماد على الأول. أما قوله تعالى ( لا يقدرون على شيء مما كسبوا ) فاعلم أن الضمير في قوله ( لا يقدرون ) إلى ماذا يرجع؟ فيه قولان ( أحدهما ) أنه عائد إلى معلوم غير مذكور ، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي كان على ذلك الصفوان ، لأنه زال ذلك التراب وذلك ما كان فيه ، فلم يبق لأحد قدرة على الانتفاع بذلك البذر ، وهذا يقوي الوجه الثاني في التشبيه الذي ذكره القفال رحمه الله تعالى ، وكذا المان والمؤذى والمنافق لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة (والثاني) أنه عائد إلى قوله ( كالذي ينفق ماله) وخرج على هذا المعنى ، لأن قوله ( كالذي ينفق ماله) إنما أشير به إلى الجنس ، والجنس في حكم العام ، قال القفال رحمه الله : وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون ذلك مردوداً على قوله ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) فانكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم ، فرجع عن الخطاب إلى الغائب ، كقوله تعالى ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) . ثم قال ( والله لا يهدي القوم الكافرين ) ومعناه على قولهم : سلب الإيمان ، وعلى قول المعتزلة : إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء اختيارهم. ثم قال تعالى ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فان لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ) . اعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون مانا ومؤذياً ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك ، وهو هذه الآية ، وبين تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق أمران ( أحدهما ) طلب مرضاة الله تعالى ، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت ، وسواء قولك : بغیت وابتغیت . ﴿ والغرض الثاني) هو تثبيت النفس، وفيه وجوه (أحدها ) أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها ، ومن جملة ذلك ترك اتباعها بالمن والأذى ، وهذا قول القاضي ( وثانيها ) وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة مجاهد ( وتثبيتاً من بعض أنفسهم ) ( وثالثها ) أن النفس لاثبات لها في موقف العبودية ، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة ، ومعشوقها أمران : الحياة العاجلة والمال ، فاذا كلفت ٦٠ قوله تعالى (( ومثل الذين ينفقون سورة البقرة بانفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه ، وإذا كلفت ببذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت ، فلهذا دخل فيه ( من ) التي هي التبعيض ، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها ، وهو المراد من قوله ( وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) وهذا الوجه ذكره صاحب الكشاف، وهو كلام حسن وتفسير لطيف (ورابعها) وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع : أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله ، على ما قال ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلى ، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبودية ، ولهذا السبب حكى عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه ( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً) ووصف إنفاق أبي بكر فقال ( وما لأحد عنده من نعمة تجزي إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ) فاذا كان انفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض . فهناك اطمأن قلبه ، واستقرت نفسه ، ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه ، ولهذا قال أولا في هذا الانفاق إنه لطلب مرضاة الله ، ثم أتبع ذلك بقوله ( وتثبيتاً من أنفسهم ) (وخامسها ) أنه ثبت في العلوم العقلية ، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملکات. إذا عرفت هذا فنقول : إن من يواظب على الانفاق مرة بعد أخرى لابتغاء مرضاة الله حصل له من تلك المواظبة أمران ( أحدهما ) حصول هذا المعنى ( والثاني ) صيرورة هذا الابتغاء والطلب ملكة مستقرة في النفس ، حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والانفاق رجع القلب في الحال إلى جناب القدس ، وذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للروح ، فاتيان العبد بالطاعة لله ، ولابتغاء مرضاة الله ، يفيد هذه الملكة المستقرة ، التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس ، وهو المراد أيضاً بقوله ( يثبت الله الذين آمنوا) وعند حصول هذا التثبيت تصير الروح في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية والجواهر القدسية ، فصار العبد كما قاله بعض المحققين : غائباً حاضراً ، ظاعناً مقيماً ( وسادسها) قال الزجاج : المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن الله تعالى لا يضيع عملهم ، ولا يخيب رجاء هم ، لأنها مقرونة بالثواب والعقاب والنشور بخلاف المنافق ، فانه إذا أنفق عد ذلك الانفاق ضائعاً ، لأنه لا يؤمن بالثواب ، فهذا الجزم هو المراد بالتثبيت (وسابعها ) قال الحسن ومجاهد وعطاء : المراد أن المنفق يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح والعفاف، قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فاذا كان لله أعطى ، وإن خالطه أمسك ، قال الواحدي : وإنما جاز أن يكون التثبيت ، بمعنى التثبيت ، لأنهم ثبتوا