النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ قوله تعالى ((يخرجهم من الظلمات إلى النور)) سورة البَقَرة ( والجواب الثاني ) أن العدول بالمؤمن من النار إلى الجنة أمر واجب على الله تعالى عند المعتزلة فلا يجوز حمل اللفظ عليه . ﴿ المسألة الثانية) قوله (يخرجهم من الظلمات إلى النور ) ظاهره يقتضي أنهم كانوا في الكفر ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان ، ثم ههنا قولان : ﴿ القول الأول﴾ أن يجري اللفظ على ظاهره، وهو أن هذه الآية مختصة ممن كان كافراً ثم أسلم ، والقائلون بهذا القول ذكروا في سبب النزول روايات ( أحدهما ) قال مجاهد : هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام وقوم كفروا به ، فلما بعث الله محمداً لل آمن به من كفر بعيسى ، وكفر به من آمن بعيسى عليه السلام ( وثانيتها ) أن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام على طريقة النصارى، ثم آمنوا بعده بمحمد ◌ّي ، فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به ظلمة وكفراً، لأن القول بالإتحاد كفر، والله تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام (وثالثتها) أن الآية نزلت في كل كافر أسلم بمحمد ◌ّ﴾. ﴿والقول الثاني﴾ أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد ◌ّلة سواء كان ذلك الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك ، وتقريره أنه لا يبعد أن يقال يخرجهم من النور إلى الظلمات وإن لم يكونوا في الظلمات البتة ، ويدل على جوازه : القرآن والخبر والعرف، أما القرآن فقوله تعالى ( وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها ) ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار وقال ( فلما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى) ولم يكن نزل بهم عذاب البتة ، وقال في قصة يوسف عليه السلام ( تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) ولم يكن فيها قط، وقال ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) وما كانوا فيه قط، وأما الخبر فروى أنه وسلّ سمع إنساناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال على الفطرة، فلما قال : أشهد أن محمداً رسول الله ، فقال خرج من النار ، ومعلوم أنه ما كان فيها ، وروى أيضاً أنه وسي﴿ أقبل على أصحابه فقال : تتهافتون في النار تهافت الجراد ، وها أنا آخذ بحجزكم ، ومعلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار ، وأما العرف فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن قد يقول له : أخرجتني من مالك أي لم تجعل لي فيه شيئاً ، لا أنه كان فيه ثم أخرج منه ، وتحقيقه أن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات . فصار توفيقه تعالى سبباً لدفع تلك الظلمات عنه ، وبين الدفع والرفع مشابهة ، فهذا الطريق يجوز استعمال الإِخراج والإبعاد في معنى الدفع والرفع والله أعلم. أما قوله تعالى ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) فاعلم أنه قرأ الحسن ( أولياؤهم الطواغيت ) واحتج بقوله تعالى بعده ( يخرجونهم ) إلا أنه شاذ مخالف للمصحف وأيضاً قد بينا في اشتقاق هذا اللفظ أنه مفرد لا جمع . ٢٢ قوله تعالى ((ألم تر إلى الذي)) الآية سورة البقرة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِيْهِمَ فِىِ رَبِّهِة أَنْ ءَاتَهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِيَ الَّذِى يُحِّيءٍ وَيِّتُ قَالَ أَنَا أُخَيْءٍ وَأَِّتُ قَالَ إِبْرَّهِمُ فَإِنَّاللهَ يَأْنِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فُهْتَ الَّذِىِ كَفَرَ وَاللهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ( ٢٥٨ أَوْ كَالَّذِى مَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَى عُرُوِشِهَا قَالَ أَّى يُحِيِءَ هَذِهِ اللَّهُبَعْدَ مَوْنَا فَأَمَهُالله ◌ِأْنَ ◌َمِ ثُمَّبَعْنَهُ، قَالَ كَرْ لَبِئْتَ قَالَ لَبِئْتُ يَوْمَا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلَ أَبِئْتَ مِنَةَ عٍَ فَأَنْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَثَرَابِكَ لَمْ يَدَسَنَّهُ وَأَنْظُرْ إِلَى حَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ. ءَايَةً لِلنَّاسِ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَاِ كَيْفَ تُنِشِرُهَا ثُمَ نَكُوهَا ◌َحْمًا فَلَّ تَبَيَّنَ لَهُ، قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ أما قوله تعالى ( يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) فقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله تعالى ، قالوا : لأنه تعالى أضافه إلى الطاغوت مجازاً باتفاق ، لأن المراد من الطاغوت على أظهر الأقوال هو الصنم ويتأكد هذا بقوله تعالى (رب انهن أضللن كثيراً من الناس ) فأضاف الإضلال إلى الصنم ، وإذا كانت هذه الإضافة بالاتفاق بيننا وبينكم مجازاً ، خرجت عن أن تكون حجة لكم. ثم قال تعالى ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) يحتمل أن يرجع ذلك إلى الكفار فقط، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار والطواغيت معاً، فيكون زجراً للكل ووعيداً ، لأن لفظ ( أولئك) إذا كان جمعاً وصح رجوعه إلى كلا المذكورين ، وجب رجوعه إليهما معاً ، والله تعالى أعلم بالصواب . قوله تعالى ﴿ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيى ويميت قال أنا أحيى وأميت قال إبراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين، أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال کم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية ٢٣ قوله تعالى ((ألم تر إلى الذي)) سورة البقرة للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء . قد ﴾ اعلم أنه تعالى ذكرههنا قصصاً ثلاثة : الأولى منها في بيان إثبات العلم بالصانع ، والثانية والثالثة في إثبات الحشر والنشر والبعث، والقصة الأولى مناظرة إبراهيم وير مع ملك زمانه وهي هذه الآية التي نحن في تفسيرها فنقول : أما قوله تعالى ( ألم تر ) فهي كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها ، ولفظها لفظ الاستفهام وهي كما يقال: ألم تر إلى فلان كيف يصنع ، معناه : هل رأيت كفلان في صنعه کذا . أما قوله ( إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) فقال مجاهد : هو نمروذ بن كنعان ، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية ؛ واختلفوا في وقت هذه المحاجة قيل : إنه عند كسر الاصنام قبل الإِلِقاء في النار عن مقاتل ، وقيل : بعد إلقائه في النار ، والمحاجة المغالبة ، يقال : حاججته فحججته ، أي غالبته فغلبته ، والضمير في قوله ( في ربه ) يحتمل أن يعود إلى ابراهيم ، ويحتمل أن يرجع إلى الطاعن ، والأول أظهر ، كما قال ( وحاجة قومه قال أتحاجوني في الله ) والمعنى وحاجة قومه في ربه . أما قوله ( أن آتاه الله الملك) فاعلم أن في الآية قولين (الأول ) أن الهاء في آتاه عائد إلى إبراهيم ، يعني أن الله تعالى آتى إبراهيم لل الملك، واحتجوا على هذا القول بوجوه ( الأول ) قوله تعالى ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ) أي سلطاناً بالنبوة ، والقيام بدين الله تعالى ( والثاني ) أنه تعالى لا يجوز أن يؤتى الملك الكفار ، ويدعى الربوبية لنفسه ( والثالث ) أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب ، وإبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير، فوجب أن يكون هذا الضمير عائداً إليه ( والقول الثاني ) وهو قول جمهور المفسرين : أن الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم. وأجابوا عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم ، وليس ٢٤ قوله تعالى ((ألم تر إلى الذي)) سورة البقرة فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام. وعن الحجة الثانية بأن المراد من الملك ههنا التمكن والقدرة والبسطة في الدنيا ، والحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى ، وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمناً ، ثم أنه بعد ذلك كفر بالله تعالى. وعن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام وإن كان أقرب المذكورين إلا أن الروايات الكثيرة واردة بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك ، فعود الضمير إليه أولى من هذه الجهة ، ثم احتج القائلون بهذا القول على مذهبهم من وجوه ( الأول ) أن قوله تعالى ( أن آتاه الله الملك ) يحتمل تأويلات ثلاثة ، وكل واحد منها إنما يصح إذا قلنا : الضمير عائد إلى الملك لا إلى أبراهيم ، وأحد تلك التأويلات أن يكون المعنى حاج إبراهيم في ربه لأجل أن آتاه الله الملك ، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك ، ومعلوم أن هذا إنما يليق بالملك العاتي ، والتأويل الثاني أن يكون المعنى أنه جعل محاجته في ربه شكراً على أن آتاه ربه الملك ، ونظيره قوله تعالى ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) وهذا التأويل أيضاً لا يليق بالنبي فانه يجب عليه إظهار المحاجة قبل حصول الملك وبعده أما الملك العاتي فانه لا يليق به إظهار هذا العتو الشديد إلا بعد أن يحصل الملك العظيم له ، فثبت أنه لا يستقيم لقوله ( أن آتاه الله الملك ) معنى وتأويل إلا إذا حملناه على الملك العاتي. ﴿ الحجة الثانية﴾ أن المقصود من هذه الآية بيان كمال حال إبراهيم وقدسية في إظهار الدعوة إلى الدين الحق ، ومتى كان الكافر سلطاناً مهيباً ، وإبراهيم كان ملكاً ، كان هذا المعنى أتم مما إذا كان إبراهيم ملكاً ، ولما كان الكافر ملكاً ، فوجب المصير إلى ما ذكرنا . الحجة الثالثة﴾ ما ذكره أبو بكر الأصم، وهو أن إبراهيم ◌ّ لو كان هو الملك لما قدر الكافر أن يقتل أحد الرجلين ويستبقي الآخر ، بل كان إبراهيم ◌َّ يمنعه منه أشد منع ، بل كان يجب أن يكون كالملجأ إلى أن لا يفعل ذلك ، قال القاضي هذا الاستدلال ضعيف ، لأنه من المحتمل أن يقال: إن إبراهيم ◌َّلو كان ملكاً وسلطاناً في الدين والتمكن من إظهار المعجزات ، وذلك الكافر كان ملكاً مسلطاً قادراً على الظلم ، فلهذا السبب أمكنه قتل أحد الرجلين ، وأيضاً فيجوز أن يقال إنما قتل أحد الرجلين قوداً، وكان الاختيار إليه ، واستبقى الآخر ، إما لأنه لا قتل عليه أو بذل الدية واستبقاه . وأيضاً قوله ( أنا أحيي وأميت) خبر ووعد ، ولا دليل في القرآن على أنه فعله ، فهذا ما يتعلق بهذه المسألة . ٢٥ قوله تعالى ((إذ قال إبراهيم ربي)) سورة البَقَةِ أما قوله تعالى ( إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ الظاهر أن هذا جواب سؤال سابق غير مذكور، وذلك لأن من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا للدعوة ، والظاهر أنه متى ادعى الرسالة ، فان المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلهاً ، ألا ترى أن موسى عليه السلام لما قال ( إني رسول رب العالمين ، قال فرعون وما رب العالمين ) فاحتج موسى عليه السلام على إثبات الإلهية بقوله ( رب السموات والأرض ) فكذا ههنا الظاهر أن إبراهيم ادعى الرسالة ، فقال مروذ : من ربك ؟ فقال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ، إلا أن تلك المقدمة حذفت ، لأن الواقعة تدل عليها . المسألة الثانية ﴾ دليل إبراهيم عليه السلام كان في غاية الصحة، وذلك لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من القادرين ، والأحياء والاماتة كذلك ، لأن الخلق عاجزون عنهما ، والعلم بعد الاختيار ضروري ، فلا بد من مؤثر آخر غير هؤلاء القادرين الذين تراهم ، وذلك المؤثر إما أن يكون موجباً أو مختاراً ، والأول باطل ، لأنه يلزم من دوامه دوام الأثر، فكان يجب أن لا يتبدل الأحياء بالاماتة ، وأن لا تتبدل الأمانة بالاحياء ، والثاني وهو أنا نرى في الحيوان أعضاء مختلفة في الشكل والصفة والطبيعة والخاصية ، وتأثير المؤثر الموجب بالذات لا يكون كذلك فعلمنا أنه لا بد في الأحياء والاماتة من وجود آخر يؤثر على سبيل القدرة ، والاختيار في إحياء هذه الحيوانات وفي إماتتها ، وذلك هو الله سبحانه وتعالى، وهو دليل متين قوي ذكره الله سبحانه وتعالى في مواضع في كتابه كقوله ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) إلى آخره ، وقوله ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ) وقال تعالى ( الذي خلق الموت والحياة ) . ﴿ المسألة الثالثة﴾ لقائل أن يقول: إنه تعالى قدم الموت على الحياة في آيات منها قوله تعالى ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ) وقال ( الذي خلق الموت والحياة ) وحكى عن إبراهيم أنه قال في ثنائه على الله تعالى ( والذي يميتني ثم يحييني ) فلأي سبب قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت ، حيث قال ( ربي الذي يحيي ويميت ) . ( والجواب ) لأن المقصود من ذكر الدليل إذا كان هو الدعوة إلى الله تعالى وجب أن يكون الدليل في غاية الوضوح ، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة اكثر، واطلاع الإنسان عليها أتم ، فلا جرم وجب تقديم الحياة ههنا في الذكر . أما قوله تعالى ( قال أنا أحيي وأميت ) ففيه مسائل : ٢٦ قوله تعالى ((قال أنا أحيي وأميت)) سورة البَقَرة المسألة الأولى﴾ يروى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما احتج بتلك الحجة ، دعا ذلك الملك الكافر شخصين ، وقتل أحدهما ، واستبقى الآخر ، وقال : أنا أيضاً أحيي وأميت ، هذا هو المنقول في التفسير ، وعندي أنه بعيد ، وذلك لأن الظاهر من حال إبراهيم أنه شرح حقيقة الأحياء وحقيقة الإماتة على الوجه الذي لخصناه في الاستدلال ، ومتى شرحه على ذلك الوجه امتنع أن يشتبه على العاقل الإماتة والإِحياء على ذلك الوجه بالإماتة والإحياء بمعنى القتل وتركه ، ويبعد في الجمع العظيم أن يكونوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من الفرق ، والمراد من الآية والله أعلم شيء آخر، وهو أن إبراهيم ◌َّ لما احتج بالإِحياء والإماتة من الله قال المنكر ، تدعي الأحياء والإِماتة من الله ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية ، أو تدعي صدور الإحياء والإِماتة من الله تعالى بواسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية ، أما الأول فلا سبيل إليه ، وأما الثاني فلا يدل على المقصود لأن الواحد منا يقدر على الإحياء والإماتة بواسطة سائر الأسباب ، فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية ، وتناول السم قد يفضي إلى الموت ، فلما ذكر نمروذ هذا السؤال على هذا الوجه أجاب إبراهيم عليه السلام بأن قال : هب أن الأحياء والإماتة حصلا من الله تعالى بواسطة الاتصالات الفلكية إلا أنه لا بد لتلك الاتصالات والحركات الفلكية من فاعل مدبر ، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو الله تعالى ، كان الإحياء والإِماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكية أيضاً من الله تعالى ، وأما الإِحياء والإماتة الصادران على البشر بواسطة الأسباب الفلكية والعنصرية فليست كذلك ، لأنه لا قدرة للبشر على الإتصالات الفلكية ، فظهر الفرق . وإذا عرفت هذا فقوله ( إن الله يأت بالشمس من المشرق ) ليس دليلاً آخر، بل تمام الدليل ( الأول ) ومعناه : أنه وإن كان الإحياء والإماتة من الله بواسطة حركات الأفلاك، إلا أن حركات الأفلاك من الله فكان الإحياء والإماتة أيضاً من الله تعالى ، وأما البشرفإنه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السماوية والأرضية إلا أن الأسباب ليست واقعة بقدرته ، فثبت أن الإحياء والإماتة الصادرين عن البشرليست على ذلك الوجه ، وأنه لا يصلح نقضاً عليه ، فهذا هو الذي أعتقده في كيفية جريان هذه المناظرة ، لا ما هو المشهور عند الكل ، والله أعلم بحقيقة الحال . ﴿ المسألة الثانية﴾ أجمع القراء على إسقاط ألف (أنا) في الوصل في جميع القرآن، إلا ما روى عن نافع من إثباته عند استقبال الهمزة ، والصحيح ما عليه الجمهور ، لأن ضمير المتكلم هو ( أن ) وهو الهمزة والنون ، فأما الألف فإنما تلحقها في الوقف كما تلحق الهاء في ٢٧ قوله تعالى ((قال إبراهيم فإن الله يأتي)) سورة البَقَرة سكوته للوقف، وكما إن هذه الهاء تسقط عند الوصل ، فكذا هذه الألف تسقط عند الوصل ، لأن ما يتصل به يقوم مقامه ، ألا ترى أن همزة الوصل إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء سقطت ولم تثبت ، لأن ما يتصل به يتوصل به إلى النطق بما بعد الهمزة فلا تثبت الهمزة فكذا الألف في ( أنا ) والهاء التي في الوقف يجب سقوطها عند الوصل كما يجب سقوط الهمزة عند الوصل . أما قوله تعالى ( قال إبراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) فاعلم أن للناس في هذا المقام طريقين ( الأول ) وهو طريقة أكثر المفسرين أن إبراهيم عليه السلام لما رأى من نمروذ أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر أوضح منه ، فقال ( إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) فزعم أن الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح منه جائز للمستدل . فإن قيل : هلا قال نمرود : فليأت ربك بها من المغرب ؟ قلنا : الجواب من وجهين ( أحدهما ) أن هذه المحاجة كانت مع إبراهيم بعد إلقائه في النار وخروجه منها سالماً ، فعلم أن من قدر على حفظ إبراهيم في تلك النار العظيمة من الاحتراق يقدر على أن يأتي بالشمس من المغرب ( والثاني ) أن الله خذله وأنساه إيراد هذه الشبهة نصرة لنبيه عليه السلام . ( والطريق الثاني ) وهو الذي قال به المحققون : إن هذا ما كان انتقالا من دليل إلى دليل آخر بل الدليل واحد في الموضعين وهو أنا نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها فلا بد من قادر آخر يتولى إحداثها وهو الله سبحانه وتعالى ، ثم إن قولنا : نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها له أمثلة منها : الإحياء والإِماته ، ومنها السحاب ، والرعد ، والبرق ، ومنها حركات الأفلاك ، والكواكب ، والمستدل لا يجوز له أن ينتقل من دليل إلى دليل آخر ، لكن إذا ذكر لإيضاح كلام مثالاً فله أن ينتقل من ذلك المثال إلى مثال آخر ، فكان ما فعله إبراهيم من باب ما يكون الدليل واحد إلا أنه يقع الإنتقال عند إيضاحه من مثال إلى مثال آخر ، وليس من باب ما يقع الانتقال من دليل إلى دليل آخر ، وهذا الوجه أحسن من الأول وأليق بكلام أهل التحقيق منه ، والإشكال عليهما من وجوه : الإشكال الأول ﴾ أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة، ووقعت تلك الشبهة في الأسماع ، وجب على المحق القادر على الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة لذلك التلبيس والجهل عن العقول ، فلما طعن الملك الكافر في الدليل الأول ، أو في المثال الأول بتلك ٢٨ قوله تعالى ((قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس)) سورة البقرة الشبهة كان الاشتغال بإزالة تلك الشبهة واجباً مضيقاً ، فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب . ﴿ والإِشكال الثاني ﴾ أنه لما أورد المبطل ذلك السؤال، فإذا ترك المحق الكلام الأول وانتقل إلى كلام آخر ، أوهم أن كلامه الأول كان ضعيفاً ساقطاً ، وأنه ما كان عالماً بضعفه ، وأن ذلك المبطل علم وجه ضعفه وكونه ساقطاً ، وأنه كأنه عالماً بضعفه فنبه عليه ، وهذا ربما يوجب سقوط وقع الرسول وحقارة شأنه وأنه غير جائز . والإِشكال الثالث﴾ وهو أنه وإن كان يحسن الانتقال من دليل إلى دليل ، أو من مثال إلى مثال ، لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب ، وههنا ليس الأمر كذلك ، لأن جنس الإِحياء لا قدرة للخلق عليه ، وأما جنس تحريك الأجسام ، فللخلق قدرة عليه ، ولا يبعد في العقل وجود ملك عظيم في الجثة أعظم من السموات ، وأنه هو الذي يكون محركاً للسموات ، وعلى هذا التقدير الاستدلال بالإحياء والإِماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس على وجود الصانع فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح الأظهر إلى الدليل الخفي الذي لا يكون في نفس الأمر قوياً . والإشكال الرابع﴾ أن دلالة الإحياء والإماتة على وجود الصانع أقوى من دلالة طلوع الشمس عليه وذلك لأنا نرى في ذات الإنسان وصفاته تبديلات واختلافات والتبدل قوي الدلالة على الحاجة إلى المؤثر القادر ، أما الشمس فلا نرى في ذاتها تبدلاً ، ولا في صفاتها تبدلاً ، ولا في منهج حركاتها تبدلاً البتة ، فكانت دلالة الإحياء والإماتة على الصانع أقوى ، فكان العدول منه إلى طلوع الشمس انتقالاً من الأقوى الأجل إلى الأخفى الأضعف ، وأنه لا يجوز . ﴿ الإِشكال الخامس﴾ أن نمروذ لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله تعالى بالقتل والتخلية ، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول : طلوع الشمس من المشرق منى فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب ، وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك فقالوا : إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن تطلع الشمس من المغرب ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام إطلاع الشمس من المغرب ، فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب ، إلا أنه يكون الدليل على وجود الصانع هو طلوع الشمس من المغرب ، ولا يكون طلوع الشمس من المشرق دليلاً على وجود الصانع ، وحينئذ يصير دليله الثاني ضائعاً كما صار دليله ٢٩ قوله تعالى ((قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس)) سورة البقرة الأول ضائعاً ، وأيضاً فما الدليل الذي حمل إبراهيم عليه السلام على أن ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك والتزم الانقطاع ، واعترف بالحاجة إلى الانتقال إلى تمسك بدليل لا يمكنه تمشيته إلا بالتزام طلوع الشمس من المغرب ، وبتقدير أن يأتي باطلاع الشمس من المغرب فإنه يضيع دليله الثاني كما ضاع الأول ومن المعلوم أن التزام هذه المحذورات لا يليق بأقل الناس علماً فضلاً عن أفضل العقلاء وأعلم العلماء ، فظهر بهذا أن هذا التفسير الذي أجمع المفسرون عليه ضعيف، وأما الوجه الذي ذكرناه فلا يتوجه عليه شيء من هذه الإشكالا ، لأنا نقول : لما احتج إبراهيم عليه السلام بالإِحياء والإماتة أورد الخصم عليه سؤالاً لا يليق بالعقلاء ، وهو أنك إذا ادعيت الإحياء والإماتة لا بواسطة ، فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلاً ، وإن ادعيت حصولهما بواسطة حركات الأفلاك فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر، فأجاب إبراهيم عليه السلام بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك، لكن تلك الحركات حصلت من الله تعالى وذلك لا يقدح في كون الإحياء والإِماتة من الله تعالى بخلاف الخلق فإنه لا قدرة لهم على تحريكات الأفلاك فلا جرم لا يكون الإحياء والإماتة صادرين منهم ، ومتى حملنا الكلام على هذا الوجه لم يكن شيء من المحذورات المذكورة لازماً عليه ، والله أعلم بحقيقة كلامه . أما قوله تعالى ( فبهت الذي كفر ) فالمعنى : فبقي مغلوباً لا يجد مقالاً ، ولا للمسألة جوابه ، وهو كقوله ( بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ) قال الواحدي ، وفيه ثلاث لغات : بهت الرجل فهو مبهوت ، وبهت وتبهت ، قال عروة العذري : فما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب أي أتحير وأسكت . ثم قال ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) وتأويله على قولنا ظاهر، أما المعتزلة فقال القاضي : يحتمل وجوهاً: منها أنه لا يهديهم لظلمهم وكفرهم للحجاج وللحق كما يهدي المؤمن فإنه لا بد في الكافر من أن يعجز وينقطع . وأقول : هذا ضعيف، لأن قوله لا يهديهم للحجاج ، إنما يصح حيث يكون الحجاج موجوداً ولا حجاج على الكفر ، فكيف يصح أن يقال : إن الله تعالى لا يهديه إليه ، قال القاضي : ومنها أن يريد أنه لا يهديهم لزيادات الألطاف من حيث أنهم بالكفر والظلم سدوا على أنفسهم طريق الانتفاع به . وأقول : هذا أيضاً ضعيف، لأن تلك الزيادات إذا كانت في حقهم ممتنعة عقلاً لم ٣٠ قوله تعالى ((أو كالذي مر على قرية)) سورة البَقَرة يصح أن يقال : إنه تعالى لا يهديهم ، كما لا يقال : إنه تعالى يجمع بين الضدين لا يجمع بين الوجود والعدم قال القاضي : ومنها أنه تعالى لا يهديهم إلى الصواب في الآخرة ولا يهديهم إلى الجنة . وأقول : هذا أيضاً ضعيف ، لأن المذكور ههنا أمر الاستدلال وتحصيل المعرفة ولم يجر للجنة ذكر ، فيبعد صرف اللفظ إلى الجنة ، بل أقول : اللائق بسياق الآية أن يقال إنه تعالى لما بين أن الدليل كان قد بلغ في الظهور والحجة إلى حيث صار المبطل كالمبهوت عند سماعه إلا أن الله تعالى لما لم يقدر له الاهتداء لم ينفعه ذلك الدليل الظاهر ، ونظير هذا التفسير قوله ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) . القصة الثانية والمقصود منها إثبات المعاد ، قوله تعالى ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ) . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى﴾ اختلف النحویون في إدخال الکاف في قوله ( أو كالذي) وذکروا فيه ثلاثة أوجه ( الأول ) أن يكون قوله ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ) في معنى ( ألم تر كالذي حاج إبراهيم) وتكون هذه الآية معطوفة عليه ، والتقدير : أرأيت كالذي حاج إبراهيم . أو كالذي مر على قرية ، فيكون هذا عطفاً على المعنى ، وهو قول الكسائي والفراء وأبي علي الفارسي ، وأكثر النحويين قالوا : ونظيره من القرآن قوله تعالى ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله) ثم قال(من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله) فهذا عطف على المعنى لأن معناه : لمن السموات ؟ فقيل الله . قال الشاعر : فلسنا بالجبال ولا الحديدا معاوي إننا بشر فأسجح فحمل على المعنى وترك اللفظ . ﴿ والقول الثاني﴾ وهو اختيار الأخفش: أن الكاف زائدة، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج والذي مر على قرية . والقول الثالث﴾ وهو اختيار المبرد: أنا نضمر في الآية زيادة ، والتقدير: ألم تر ٣١ قوله تعالى ((أوكالذي مر على قرية)) سورة البقرة إلى الذي حاج إبراهيم ، وألم تر إلى من كان كالذي مر على قرية . المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في الذي مر بالقرية. فقال قوم: كان رجلاً كافراً شاكاً في البعث وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين من المعتزلة ، وقال الباقون : إنه كان مسلماً ، ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي : هو عزير ، وقال عطاء عن ابن عباس : هو أرمياء ، ثم من هؤلاء من قال : إن أرمياء هو الخضر عليه السلام ، وهو رجل من سبط هارون بن عمران عليهما السلام ، وهو قول محمد بن إسحاق ، وقال وهب بن منبه : إن أرمياء هو النبي الذي بعثه الله عندما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة ، حجة من قال : إن هذا المار كان كافراً وجوه ( الأول) أن الله حكى عنه أنه قال ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) وهذا كلام من يستبعد من الله الإحياء بعد الإماتة وذلك كفر . فإن قيل : يجوز أن ذلك وقع منه قبل البلوغ . قلنا : لو كان كذلك لم يجز من الله تعالى أن يعجب رسوله منه إذ الصبي لا يتعجب من شكه في مثل ذلك ، وهذه الحجة ضعيفة لاحتمال أن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشك في قدرة الله تعالى على ذلك ، بل كان بسبب إطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معموراً وهذا كما أن الواحد منا يشير إلى جبل ، فيقول : متى يقلبه الله ذهباً ، أو ياقوتاً ، لا أن مراده منه الشك في قدرة الله تعالى ، بل على أن مراده منه أن ذلك لا يقع ولا يحصل في مطرد العادات ، فكذا ههنا . الوجه الثاني ﴾ قالوا : إنه تعالى قال في حقه ( فلما تبين له) وهذا يدل على أنه قبل ذلك لم يكن ذلك التبين حاصلاً له وهذا أيضاً ضعيف لأن تبين الإحياء على سبيل المشاهدة ما كان حاصلاً له قبل ذلك ، فأما أن تبين ذلك على سبيل الاستدلال ما كان حاصلاً فهو ممنوع . الوجه الثالث) أنه قال ( اعلم أن الله على كل شيء قدير ) وهذا يدل على أن هذا العلم إنما حصل له في ذلك الوقت ، وأنه كان خالياً عن مثل ذلك العلم قبل ذلك الوقت ، وهذا أيضاً ضعيف لأن تلك المشاهدة لا شك أنها أفادت نوع توكيد وطمأنينة ووثوق ، وذلك القدر من التأكيد إنما حصل في ذلك الوقت ، وهذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان حاصلاً قبل ذلك . الوجه الرابع ﴾ لهم أن هذا المار كان كافراً لانتظامه مع نمروذ في سلك واحد وهو ضعيف أيضاً ، لأن قبله وإن كان قصة نمروذ ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم ، فوجب أن يكون نبياً من جنس إبراهيم . ٣٢ قوله تعالى ((أو كالذي مر على قرية . سورة البَقَرة وحجة من قال : إنه كان مؤمناً وكان نبياً وجوه ( الأول ) أن قوله ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) يدل على أنه كان عالماً بالله، وعلى أنه كان عالماً بأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة ، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء إنما يصح أن لو حصل الإعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة فأما من يعتقد أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة . الحجة الثانية﴾ أن قوله (كم لبثت) لا بد له من قائل والمذكور السابق هو الله تعالى فصار التقدير : قال الله تعالى ( كم لبثت ) فقال ذلك الإنسان ( لبثت يوماً أو بعض يوم ) فقال الله تعالى ( بل لبثت مائة عام ) ومما يؤكد أن قائل هذا القول هو الله تعالى قوله (ولنجعلك آية للناس ) ومن المعلوم أن القادر على جعله آية للناس هو الله تعالى، ثم قال ( وانظر إلى العظام كيف ننشرها ، ثم نكسوها لحماً) ولا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى ، فثبت أن هذه الآية دالة من هذه الوجوه الكثيرة على أنه تكلم معه ، ومعلوم أن هذا لا يليق بحال هذا الكافر . فإن قيل : لعله تعالى بعث إليه رسولاً أو ملكاً حتى قال له هذا القول عن الله تعالى . قلنا : ظاهر هذا الكلام يدل على أن قائل هذه الأقوال معه هو الله تعالى . فصرف اللفظ عن هذا الظاهر إلى المجاز من غير دليل يوجبه غير جائز . ﴿ والحجة الثالثة﴾ أن إعادته حياً وإبقاء الطعام والشراب على حالهما، وإعادة الحمار حياً بعد ما صاررمياً مع كونه مشاهداً لإعادة أجزاء الحمار إلى التركيب وإلى الحياة إكرام عظيم وتشريف كريم ، وذلك لا يليق بحال الكافر له . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن كل هذه الأشياء إنما أدخلها الله تعالى في الوجود إكراماً لإنسان آخر كان نبياً في ذلك الزمان . قلنا : لم يجر في هذه الآية ذكر هذا النبي ، وليس في هذه القصة حالة مشعرة بوجود النبي أصلاً فلو كان المقصود من إظهار هذه الأشياء إكرام ذلك النبي وتأييد رسالته بالمعجزة لكان ترك ذكر ذلك الرسول إهمالاً لما هو الغرض الأصلى من الكلام وأنه لا يجوز . فإن قيل : لو كان ذلك الشخص لكان إما أن يقال : إنه ادعى النبوة من قبل الإماتة والإِحياء أو بعدهما ، والأول باطل ، لأن إرسال النبي من قبل الله يكون لمصلحة تعود على الأمة ، وذلك لا يتم بعد الإماتة ، وإن ادعى النبوة بعد الإحياء فالمعجز قد تقدم على ٣٣ قوله تعالى ((ولنجعلك آية)) سورة البقرة الدعوى ، وذلك غير جائز . قلنا : إظهار خوارق العادات على يد من يعلم الله أنه سيصير رسولاً جائز عندنا ، وعلى هذا الطريق زال السؤال . الحجة الرابعة ﴾ أنه تعالى قال في حق هذا الشخص ( ولنجعلك آية للناس ) وهذا اللفظ إنما يستعمل في حق الأنبياء والرسل قال تعالى ( وجعلناها وابنها آية للعالمين ) فكان هذا وعداً من الله تعالى بأنه يجعله نبياً ، وأيضاً فهذا الكلام لم يدل على النبوة بصريحه فلا شك أنه يفيد التشريف العظيم ، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر وعلى الشك في قدرة الله تعالى . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من جعله آية أن من عرفه من الناس شاباً كاملاً إذا شاهدوه بعد مائة سنة على شبابه وقد شاخوا أو هرموا ، أو سمعوا بالخبر أنه کان مات منذ زمان وقد عاد شاباً صح أن يقال لأجل ذلك بأنه للناس لأنهم يعتبرون بذلك ويعرفون به قدرة الله تعالى ، ونبوة نبي ذلك الزمان . والجواب من وجهين ( الأول) أن قوله ( ولنجعلك آية ) إخبار عن أنه تعالى يجعله آية ، وهذا الاخبار إنما وقع بعد أن أحياه الله ، وتكلم معه ، والمجعول لا يجعل ثانياً ، فوجب حمل قوله ( ولنجعلك آية للناس ) على أمر زائد عن هذا الاحياء ، وأنتم تحملونه على نفس هذا الإحياء فكان باطلا ( والثاني ) أن وجه التمسك أن قوله ( ولنجعلك آية للناس ) يدل على التشريف العظيم ، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر والشك في قدرة الله تعالى . ﴿ الحجة الخامسة ﴾ ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول الآية قال: إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبي منهم الكثيرون ، ومنهم عزير وكان من علمائهم ، فجاء بهم إلى بابل ، فدخل عزير يوماً تلك القرية ونزل تحت شجرة وهو على حمار ، فربط حماره وطاف في القرية فلم يرفيها أحداً فعجب من ذلك وقال ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) لا على سبيل الشك في القدرة ، بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة ، وكانت الأشجار مثمرة ، فتناول من الفاكهة التين والعنب ، وشرب من عصير العنب ونام ، فاماته الله في منامه مائة عام وهو شاب ، ثم أعمى عن موته أيضاً الإنس والسباع والطير، ثم أحياه الله تعالى بعد المائة ونودي من السماء : يا عزير (كم لبثت ) بعد الموت فقال ( يوماً) فأبصر من الشمس بقية فقال ( أو بعض يوم) فقال الله تعالى (بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك ) من التين والعنب وشرابك من العصير لم يتغير طعمهما ، فنظر فاذا التين والعنب كما شاهدهما ثم قال ( وانظر الفخر الرازي ح ٧ م ٣ ٣٤ قوله تعالى ((وهي خاوية على عروشها)) سورة البَقَرة إلى حمارك) فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله وسمع صوتاً أيتها العظام البالبة إني جاعل فيك روحاً فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ، ثم التصق كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ثم العصب والعروق ثم أنبت طراء اللحم عليه ، ثم انبسط الجلد عليه ، ثم خرجت الشعور عن الجلد ، ثم نفخ فيه الروح ، فإذا هو قائم ينهق فخر عزير ساجداً ، وقال ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم : حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرخياء مات ببابل ، وقد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير ، والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة ، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفاً ، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاه فما اختلفا في حرف ، فعند ذلك قالوا : عزير بن الله ، وهذه الرواية مشهورة فيما بين الناس ، وذلك يدل على أن ذلك المار كان نبياً . المسألة الثالثة ﴾ اختلفوا في تلك القرية فقال وهب وقتادة وعكرمة والربيع: إيلياء وهي بيت المقدس ، وقال ابن زيد : هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت . أما قوله تعالى ( وهي خاوية على عروشها ) قال الأصمعي : خوي البيت فهو يخوي خواء ممدود إذا ما خلا من أهله ، والخوا: خلو البطن من الطعام. وفي الحديث ((كان النبي وَل# إذا سجد خوي) أي خلى ما بين عضديه وجنبيه، وبطنه ، وفخذيه ، وخوي الفرس ما بين قوائمه ، ثم يقال للبيت إذا انهدم : خوي لأنه بتهدمه يخلو من أهله ، وكذلك : خوت النجوم وأخوت إذا سقطت ولم تمطر لأنها خلت عن المطر ، والعرش سقف البيت ، والعروش الأبنية ، والسقوف من الخشب يقال: عرش الرجل يعرش ويعرش إذا بنى وسقف بخشب، فقوله ( وهي خاوية على عروشها ) أي منهدمة ساقطة خراب ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، وفيه وجوه ( أحدها ) أن حيطانها كانت قائمة وقد تهدمت سقوفها ، ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المنهدمة ، ومعنى الخاوية المنقلعة وهي المنقلعة من أصولها يدل عليه قوله تعالى ( أعجاز نخل خاوية ) وموضع آخر ( أعجاز نخل منعقر ) وهذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به ( والثاني ) قوله تعالى ( خاوية على عروشها ) أي خاوية عن عروشها ، جعل ( على) بمعنى ( عن ) كقوله ( إذا اكتالوا على الناس ) أي عنهم (والثالث ) أن المراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة فكان التعجب من ذلك أكثر ، لأن الغالب من القرية الخالية الخاوية أن يبطل ما فيها من عروش الفاكهة ، فلما خربت القرية مع بقاء عروشها كان التعجب أكثر . ٣٥ قوله تعالى ((قال أنى يحي هذه اللّه بعد موتها)) سورة البَفَرة أما قوله تعالى ( قال أنى يحبي هذه الله بعد موتها) فقد ذكرنا أن من قال : المار كان كافراً حمله على الشك في قدرة الله تعالى ، ومن قال كان نبياً حمله على الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل التأکید ، كما قال إبراهيم عليه السلام ( أرني كيف تحيي الموتى) وقوله ( أنى ) أي من أين كقوله ( أنى لك هذا) والمراد باحياء هذه القرية عمارتها ، أي متى يفعل الله تعالى ذلك ، على معنى أنه لا يفعله فأحب الله أن يريه في نفسه ، وفي إحياء القرية آية ( فأماته الله مائة عام ) وقد ذكرنا القصة . فإن قيل : ما الفائدة في إماتة الله له مائة عام ، مع أن الاستدلال بالإِحياء يوم أو بعد بعض يوم حاصل . قلنا: لأن الإحياء بعد تراخي المدة أبعد في القول من الإِحياء بعد قرب المدة، وأيضاً فلأن بعد تراخي المدة ما يشاهد منه ، ويشاهد هو من غيره أعجب . أما قوله تعالى ( ثم بعثه ) فالمعنى : ثم أحياه ، ويوم القيامة يسمى يوم البعث لأنهم يبعثون من قبورهم ، وأصله من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها ، وإنما قال ( ثم بعثه ) ولم يقل : ثم أحياه لأن قوله ( ثم بعثه) يدل على أنه عاد كما كان أولاً حياً عاقلاً فهما مستعداً للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية ، ولو قال : ثم أحياه لم تحصل هذه الفوائد . أما قوله تعالى ( قال کم لبثت ) ففيه مسائل : المسألة الأولى﴾ فيه وجهان من القراءة ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإدغام والباقون بالإِظهار ، فمن أدغم فلقرب المخرجين ومن أظهر فلتباين المخرجين وإن كانا قریبین . المسألة الثانية ﴾ أجمعوا على أن قائل هذا القول هو الله تعالى وإنما عرف أن هذا الخطاب من الله تعالى ، لأن ذلك الخطاب كان مقروناً بالمعجز ، ولأنه بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره وظهور البلى في عظامه ما عرف به أن تلك الخوارق لم تصدر إلا من الله تعالى . المسألة الثالثة﴾ في الآية إشكال ، وهو أن الله تعالى كان عالماً بأنه كان ميتاً وكان عالماً بأن الميت لا يمكنه بعد أن صارحياً أن يعلم أن مدة موته كانت طويلة أم قصيرة ، فمع ذلك لأي حكمة سأله عن مقدار تلك المدة . ( والجواب عنه) أن المقصود من هذا السؤال التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق. ٣٦ قوله تعالى ((لبثت يوماً أو بعض يوم)) سورة البقرة أما قوله تعالى ( لبثت يوماً أو بعض يوم ) ففيه سؤالات : السؤال الأول ﴾ لم ذكر هذا الترديد ؟ ( الجواب ) أن الميت طالت مدة موته أو قصرت فالحال واحدة بالنسبة إليه فأجاب بأقل ما يمكن أن يكون ميتاً لأنه اليقين ، وفي التفسير أن إماتته كانت في أول النهار ، فقال ( يوماً ) ثم لما نظر إلى ضوء الشمس باقياً على رؤس الجدران فقال ( أو بعض يوم ) . السؤال الثاني ﴾ أنه لما كان اللبث مائة عام ، ثم قال ( لبثت يوماً أو بعض يوم ) أليس هذا يكون كذباً ؟ ( والجواب ) أنه قال ذلك على حسب الظن ، ولا يكون مؤاخذاً بهذا الكذب ، ونظيره أنه تعالى حكى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا ( لبثنا يوماً أو بعض يوم) على ما توهموه ووقع عندهم ، وأيضاً قال أخوة يوسف عليه السلام ( يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا) وإنما قالوا : ذلك بناء على الأمارة من إخراج الصواع من رحله . السؤال الثالث ﴾ هل علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، أو لم يعلم ذلك بل كان يعتقد أن ذلك اللبث بسبب الموت . ( الجواب ) الأظهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وذلك لأن الغرض الأصلي في إمانته ثم إحيائه بعد مائة عام أن يشاهد الإحياء بعد الإماتة وذلك لا يحصل إلا إذا عرف أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وهو أيضاً قد شاهد إما في نفسه ، أو في حماره أحوالاً دالة على أن ذلك اللبث كان بسبب الموت . أما قوله تعالى ( قال بل لبثت مائة عام) فالمعنى ظاهر ، وقيل : العام أصله من العوم الذي هو السباحة ، لأن فيه سبحاً طويلاً لا يمكن من التصرف فيه . أما قوله تعالى ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) ففيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اختلف القراء في إثبات الهاء في الوصل من قوله (لم يتسنه ) و(إقتده) و (ماليه) و(سلطانيه) و(ماهيه) بعد أن اتفقوا على إثباتها في الوقف، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل ، وكان حمزة يحذفهن في الوصل وكان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله ( لم يتسنه ) و ( اقتده ) ويثبتها في الوصل في الباقي ولم يختلفوا في قوله ( لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابية ) أنها بالهاء في الوصل والوقف . ٣٧ قوله تعالى ((فانظر إلى طعامك)) سورة البقرة إذا عرفت هذا فنقول : أما الحذف ففيه وجوه ( أحدهما ) أن اشتقاق قوله ( يتسنه ) من السنة وزعم كثير من الناس أن أصل السنة سنوة ، قالوا : والدليل عليه أنهم يقولون في الإِشتقاق منها أسنت القوم إذا أصابتهم السنة ، وقال الشاعر : ورجال مكة مسنتون عجاف ويقولون في جمعها : سنوات وفي الفعل منها : سانيت الرجل مساناة إذا عامله سنة سنة ، وفي التصغير : سنية إذا ثبت هذا كان الهاء في قوله ( لم يتسنه ) للسكت لا للأصل ( وثانيها ) نقل الواحدي عن الفراء أنه قال: يجوز أن تكون أصل سنة سننة ، لأنهم قالوا في تصغيرها : سنينة وإن كان ذلك قليلاً، فعلى هذا يجوز أن يكون ( لم يتسنه) أصله لم يتسنن ، ثم أسقطت النون الأخيرة ثم أدخل عليها هاء السكت عند الوقف عليه كما أن أصل لم ينقض البازي لم ينقضض البازي ثم أسقطت الضاد الأخيرة ، ثم أدخلٍ عليه هاء السكت عند الوقف، فيقال : لم ينقضه ( وثالثها) أن يكون (لم يتسنه ) مأخوذاً من قوله تعالى ( من حما مسنون) والسن في اللغة هو الصب ، هكذا قال أبو علي الفارسي ، فقوله : لم يتسنن . أي الشراب بقي بحاله لم ينضب ، وقد أتى عليه مائة عام ، ثم أنه حذفت النون الأخيرة وأبدلت بهاءالسكت عند الوقف على ما قررناه في الوجه الثاني ، فهذه الوجوه الثلاثة لبيان الحذف، وأما بيان الإثبات فهو أن ( لم يتسنه) مأخوذ من السنة . والسنة أصلها سنهه ، بدليل أنه يقال في تصغيرها : سنيهة ، ويقال : سانهت النخلة بمعنى عاومت ، وآجرت الدار مسانهة ، وإذا كان كذلك فالهاء في ( لم يتسنه ) لأم الفعل ، فلا جرم لم يحذف البتة لا عند الوصل ولا عند الوقف . المسألة الثانية) قوله تعالى (لم يتسنه) أي لم يتغير وأصل معنى ( لم يتسنه ) أي لم يأت عليه السنون لأن مر السنين إذا لم يتغير فكأنها لم تأت عليه ، ونقلنا عن أبي علي الفارسي : لم يتسنن أي لم ينضب الشراب ، بقي في الآية سؤالان : السؤال الأول ﴾ أنه تعالى لما قال ( بل لبثت مائة عام ) کان من حقه أن یذکر عقيبه ما يدل على ذلك وقوله ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) لا يدل على أنه لبث مائة عام بل يدل ظاهراً على ما قاله من أنه لبث يوماً أو بعض يوم ( والجواب ) أنه كلما كانت الشبهة أقوى مع علم الإنسان في الجملة أنها شبهة كان سماع الدليل المزيل لتلك الشبهة آكد ووقوعه في العمل أكمل فكأنه تعالى لما قال ( بل لبثت مائة عام) قال( فانظر إلى طعامك وشرابك لم یتسنه ) فإن هذا مما يؤكد قولك ( لبثت يوماً أو ٣٨ قوله تعالى ((فانظر إلى طعامك وشرابك)) سورة البقرة بعض يوم ) فحينئذ يعظم اشتياقك إلى الدليل الذي يكشف عن هذه الشبهة ، ثم قال بعده ( وانظر إلى حمارك) فرأى الحمار صار رميماً وعظاماً نخرة فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى ، فإن الطعام والشراب يسرع التغير فيهما ، والحمار ربما بقي دهراً طويلاً وزماناً عظيماً ، فرأى ما لا يبقى باقياً ، وهو الطعام والشراب ، وما يبقى غير باق وهو العظام ، فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى ، وتمكن وقوع هذه الحجة في عقله وفي قلبه . ﴿ السؤال الثاني﴾ أنه تعالى ذكر الطعام والشراب، وقوله (لم يتسنه) راجع إلى الشراب لا إلى الطعام . ( والجواب ) كما يوصف الشراب بأنه لم يتغير ، كذلك يوصف الطعام بأنه لم يتغير ، لا سيما إذا كان الطعام لطيفاً يتسارع الفساد إليه ، والمروي أن طعامه كان التين والعنب ، وشرابه كان عصير العنب واللبن ، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ( وانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن ) . أما قوله تعالى ( وانظر إلى حمارك ) فالمعنى أنه عرفه طول مدة موته بأن شاهد عظام حماره نخرة رميمة ، وهذا في الحقيقة لا يدل بذاته ، لأنه لما شاهد انقلاب العظام النخرة حياً في الحال علم أن القادر على ذلك قادر على أن يميت الحمار في الحال ويجعل عظامه رميمة نخرة في الحال ، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بعظام الحمار على طول مدة الموت ، بل انقلاب عظام الحمار إلى الحياة معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله ( بل لبثت مائة عام ) قال الضحاك : معنى قوله أنه لما أحي بعد الموت كان دليلاً على صحة البعث ، وقال غيره : كان آية لأن الله تعالى أحياه شاباً أسود الرأس ، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والرؤس . أما قوله تعالى ( ولنجعلك آية للناس ) فقد بينا أن المراد منه التشريف والتعظيم والوعد بالدرجة العالية في الدين والدنيا ، وذلك لا يليق بمن مات على الكفر والشك في قدرة الله تعالى . فإن قيل : ما فائدة الواو في قوله ( ولنجعلك ) قلنا : قال الفراء : دخلت الواو لأنه فعل بعدها مضمر ، لأنه لو قال : وانظر إلى حمارك لنجعلك آية ، كان النظر إلى الحمار شرطاً ، وجعله آية جزاء ، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام ، أما لما قال ( ولنجعلك آية ) كان المعنى : ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء ، ومثله قوله تعالى (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست) والمعنى : وليقولوا درست صرفنا الآيات ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) أي ونريه الملكوت . ٣٩ قوله تعالى ((وانظر إلى العظام . سورة البقرة أما قوله تعالى (وانظر إلى العظام) فأكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، فإن اللام فيه بدل الكناية ، وقال آخرون أرادوا به عظام هذا الرجل نفسه ، قالوا : إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه ، وكانت بقية بدنه عظاماً نخرة ، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض ، وكان يرى حماره واقفاً كما ربطه حين كان حياً لم يأكل ولم يشرب مائة عام ، وتقدير الكلام على هذا الوجه : وانظر إلى عظامك ، وهذا قول قتادة والربيع وابن زيد ، وهو عندي ضعيف لوجوه ( أحدها ) أن قوله ( لبثت يوماً أو بعض يوم) إنما يليق بمن لا يرى أثر التغير في نفسه فيظن أنه كان نائماً في بعض يوم ، أما من شاهد أجزاء بدنه متفرقة ، وعظام بدنه رميمه نخرة ، فلا يليق به ذلك القول ( وثانيها ) أنه تعالى حكى عنه أنه خاطبه وأجاب ، فيجب أن يكون المجيب هو الذي أماته الله ، فإذا كانت الأماته راجعة إلى كله ، فالمجيب أيضاً بعثه الله يجب أن يكون جملة الشخص ( وثالثها ) أن قوله ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه) يدل على أن تلك الجملة أحياها وبعثها . أما قوله ( كيف ننشرها) فالمراد يحييها ، يقال : أنشر الله الميت ونشره ، قال تعالى ( ثم إذا شاء أنشره ) وقد وصف الله العظام بالإِحياء في قوله تعالى ( قال من يحي العظام وهي رميم قل يحيها ) وقرىء ( ننشرها ) بفتح النون وضم الشين ، قال الفراء : كأنه ذهب إلى النشر بعد الطي ، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط في التصرف، فهو كأنه مطوي ما دام ميتاً ، فإذا عاد صار كأنه نشر بعد الطي ، وقرأ حمزة والكسائي ( ننشزها ) بالزاي المنقوطة من فوق ، والمعنى نرفع بعضها إلى بعض ، وانشاز الشيء رفعه ، يقال أنشرته فنشز ، أي رفعته فارتفع ، ويقال لما ارتفع من الأرض نشز، ومنه نشوز المرأة ، وهو أن ترتفع عن حد رضا الزوج ، ومعنى الآية على هذه القراءة : كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد ونركب بعضها على البعض ، وروى عن النخعي أنه كان يقرأ ( ننشزها ) بفتح النون وضم الشين والزاي ووجهه ما قال الأخفش أنه يقال : نشزته وأنشزته أي رفعته ، والمعنى من جميع القراءات أنه تعالى ركب العظام بعضها على بعض حتى اتصلت على نظام ، ثم بسط اللحم عليها ، ونشر العروق والأعصاب واللحوم والجلود عليها ، ورفع بعضه إلى جنب البعض ، فيكون كل القراءات داخلاً في ذلك . ثم قال تعالى ( فلما تبين له ) وهذا راجع إلى ما تقدم ذكره من قوله (انى يحي هذه الله بعد موتها ) والمعنى فلما تبين له وقوع ما كان يستبعد وقوعه وقال صاحب الكشاف : فاعل ( تبين له) مضمر تقديره فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال ( اعلم أن الله على كل شيء قدير ) فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، وهذا عندي فيه تعسف ، بل الصحيح أنه لما تبين له ٤٠ قوله تعالى (( وإذ قال إبراهيم ربي )) الآية سورة البقرة الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمَ رَبِّ أَرِنِىِ كَيْفَ نَحِى لِبَطْمَبِنَّ قَلْبِ قَالَ فَعُدْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّرِ فَصُرُهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ ٢٦٠ ◌ُزْءَا ثُمَّأَدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْبًا وَأَعْلَمْ أَنَّ الَّ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أمر الإماتة والإحياء على سبيل المشاهدة قال ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) وتأويله : أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك الاستدلال وقرأ حمزة والكسائي ( قال اعلم ) على لفظ الأمر وفيه وجهان ( أحدهما ) أنه عند التبين أمر نفسه بذلك ، قال الأعشى : ودع أمامة إن الركب قد رحلوا ( والثاني ) أن الله تعالى قال ( أعلم أن الله على كل شيء قدير) ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش : قيل أعلم أن الله على كل شيء قدير ويؤكده قوله في قصة إبراهيم ( ربي أرني كيف تحي الموتى ) ثم قال في آخرها ( واعلم أن الله عزيز حكيم ) قال القاضي : والقراءة الأولى وذلك لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به ، وههنا العلم حاصل بدليل قوله ( فلما تبين له ) فكان الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك غير جائز ، أما الأخبار عن أنه حصل كان جائزاً . القصة الثالثة وهي أيضاً دالة على صحة البعث : قوله تعالى ﴿ وإذ قال إبراهیم رب أرزی کیف تي الموتی قال أولم تؤمن قال بلی ولکن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى﴾ في عامل (إذ) قولان قال الزجاج التقدير: اذكر إذ قال إبراهيم ، وقال غيره إنه معطوف على قوله ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم) ألم تر إذ حاج إبراهيم في ربه ، وألم تر إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى .