النص المفهرس

صفحات 221-226

٢٢١
قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أنفقوا)) الآية . سورة البقرة
يَأَيُّهَا الّذِينَ ءَامَنُواْ أَنِفِقُواْ مِمَا رَزَقْتَكُم مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيِهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا
شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلُونَ
ثم قال : ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ) فإن قيل : فما الفائدة في التكرير ؟
قلنا : قال الواحدي رحمه الله تعالى : إنما كرره تأكيداً للكلام وتكذيباً لمن زعم أنهم
فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى .
ثم قال ( ولكن الله يفعل ما يريد ) فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في
فعله واحتج الأصحاب بهذه الآية على أنه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين ، وقالوا : لأن
الخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من المؤمن ، ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد ،
فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن هو الله تعالى ، وأيضاً لما دل على أنه يفعل كل ما يريد
فلو کان یرید الإيمان من الكفار لفعل فيهم الإيمان ، ولکانوا مؤمنين ، ولما لم یکن کذلك دل
على أنه تعالى لا يريد الإيمان منهم ، فكانت هذه الآية دالة على مسألة خلق الأعمال ، وعلى
مسألة إرادة الكائنات والمعتزلة يقيدون المطلق ويقولون : المراد يفعل كل ما يريد من أفعال
نفسه ، وهذا ضعيف لوجوه ( أحدها ) أنه تقييد للمطلق (والثاني ) أنه على هذا التقييد تصير
الآية بياناً للواضحات فإنه يصیر معنى الآية أنه یفعل ما يفعله ( الثالث ) أن کل أحد كذلك
فلا يكون في وصف الله تعالى بذلك دليلاً على كمال قدرته وعلو مرتبته والله أعلم .
قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة
ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون
.
اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم
الأمر بالقتال أعقبه بالأمربالإنفاق ، وأيضاً فيه وجه آخر، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله
( وقاتلوا في سبيل الله) ثم أعقبه بقوله ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) والمقصود منه إنفاق
المال في الجهاد، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق
في الجهاد ، وهو قوله ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ) .
إذا عرفت وجه النظم فتقول : في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالا بقوله ( أنفقوا مما
رزقناكم ) فنقول : الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقاً بالإجماع أما ما كان حراماً فإنه لا

٢٢٢
قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا)) سورة البقرة
يجوز إنفاقه ، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراماً ، والأصحاب قالوا : ظاهر الآية
وإن كان يدل على الأمر بانفاق كل ما كان رزقاً إلا أنا نخصص هذا الأمر بانفاق كل ما كان
رزقاً حلالا .
المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في أن قوله ( أنفقوا ) مختص بالإنفاق الواجب کالزكاة أم هو
عام في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أم مندوبة ، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة ،
قال لأن قوله ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ) كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على
الواجب وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه
قیل : حصلوا منافع الآخرة حین تکونون في الدنيا ، فانکم إذا خرجتم من الدنيا لا یمکنکم
تحصيلها واكتسابها في الآخرة ( والقول الثالث) أن المراد منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه
أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم .
﴿ المسألة الثالثة) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( لا بيع، ولا خلة ، ولا شفاعة )
بالنصب ، وفي سورة إبراهيم عليه السلام ( لا بيع فيه ولا خلال) وفي الطور ( لا لغو فيها ولا
تأثیم ) والباقون جميعاً بالرفع ، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله ( فلا رفث ولا
فسوق ولا جدال ) .
﴿ المسألة الرابعة ﴾ المقصود من الآية أن الإنسان يجيء وحده ، ولا یکون معه شيء مما
حصله في الدنيا ، قال تعالى ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم
وراء ظهوركم) وقال ( ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً ).
أما قوله ( لا بيع فيه ) ففيه وجهان ( الأول ) أن البيع ههنا بمعنى الفدية ، كما قال
( فالیوم لا يؤخذ منکم فدیة ) وقال ( ولا يقبل منها عدل)وقال( وإن تعدل کل عدل لا يؤخذ
منها) فكأنه قال : من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب
( والثاني ) أن يكون المعنى : قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم
الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال .
أما قوله ( ولا خلة) فالمراد المودة ، ونظيره من الآيات قوله تعالى ( الأخلاء يومئذ بعضهم
لبعض عدو إلا المتقين ) وقال ( وتقطعت بهم الأسباب ) وقال ( ويوم القيامة يكفر بعضكم
ببعض ويلعن بعضكم بعضاً) وقال حكاية عن الكفار ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم )
وقال ( وما للظالمين من أنصار ) وأما قوله ( ولا شفاعة ) يقتضي نفي كل الشفاعات .
واعلم أن قوله ( ولا خلة ولا شفاعة ) عام في الكل ، إلا أن سائر الدلائل دلت على

٢٢٣
قوله تعالى: ((والكافرون هم الظالمون)) سورة البقرة
ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين ، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين ، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى
( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله لا تجري نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ) .
واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور ( أحدها ) أن كل أحد
يكون مشغولاً بنفسه ، على ما قال تعالى ( لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ) ( والثاني ) أن
الخوف الشديد غالب على كل أحد ، على ما قال ( يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت
وتضع کل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم يسکاری) ( والثالث ) أنه إذا نزل
العذاب بسبب الكفر والفسق صار مبغضاً لهذين الأمرين ، وإذا صار مبغضاً لهم صار مبغضاً
لمن كان موصوفاً بهما .
أما قوله تعالى ( والكافرون هم الظالمون ) فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول :
الحمد لله الذي قال ( والكافرون هم الظالمون ) ولم يقل الظالمون هم الكافرون ، ثم ذكروا
في تأويل هذه الآية وجوهاً (أحدها) أنه تعالى لما قال (ولاءخلة ولا شفاعة) أوهم ذلك نفي
الخلة والشفاعة مطلقاً، فذكر تعالى عقيبه ( والكافرون هم الظالمون ) ليدل على أن ذلك
النفي مختص بالكافرين ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق
الفساق ، قال القاضي : هذا التأويل غير صحيح لأن قوله ( والكافرون هم الظالمون ) كلام
مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم .
(والجواب ) أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ تطرق الخلق إلى كلام الله تعالى ، لأن غير
الكافرين قد يكون ظالماً ، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما
قبله .
التأويل الثاني ﴾ أن الكافرين إذا دخلوا النار عجزوا عن التخلص عن ذلك
العذاب ، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب ، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا
الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب ، ونظيره قوله تعالى ( ووجدوا ما عملوا
حاضراً ولا يظلم ربك أحداً ) .
﴿ والتأويل الثالث ﴾ أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم
فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الإختيار الرديء، ولكن قدموا
لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله .
﴿ والتأويل الرابع﴾ الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير مواضعها،
لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند الله ، فإنهم کانوا یقولون في الأوثان : هؤلاء شفعاؤنا

٢٢٤
عند الله ، وقالوا ايضاً : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فمن عبد جماداً وتوقع أن يكون
شفيعاً له عند الله فقد ظلم نفسه حيث توقع الخير ممن لا يجوز التوقع منه .
﴿والتأويل الخامس﴾ المراد من الظلم ترك الإنفاق، قال تعالى ( آتت أكلها ولم تظلم
منه شيئاً) أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى الآية والكافرون التاركون للانفاق في سبيل الله ،
وأما المسلم فلا بد وأن ينفق منه شيئاً قل أو كثر .
والتأويل السادس ﴾ (والكافرون هم الظالمون) أي هم الكاملون في الظلم
البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال: العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا
ههنا ، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه الله والله أعلم .
تم الجزء السادس ، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء السابع ، وأوله قوله تعالى
( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) أعان الله على إكماله

فهرس الجزء السادس
صفحة
- قوله تعالى: ((سل بني اسرائيل » الآية
٢
- قوله تعالى: (( زني للذين كفروا الحياة
٤
الدنيا )) الآية
١١ - قوله تعالى: ((كان الناس امة واحدة))
الآ ية
١٨ - قوله تعالى: ((ام حسبتم ان تدخلوا
الجنة ))
ينفقون)
٢٣ - قوله تعالى: ((يسألونك ماذا تبغون))
الآ ية
٢٧ - قوله تعالى: ((كتب عليكم القتال وهو
کره لكم ) الآية .
٣٠ - قوله تعالى: ((يسألونك عن الشهر
الحرام )
٤٠ - قوله تعالى: ((إن الذين آمنوا والذين
هاجروا )) الآية .
٤٢ - قوله تعالى: ((يسألونك عن الخمر
والميسر)) الآية
٥١ - قوله تعالى: ((يسألونك ماذا ينفعون)
٥٣ - قوله تعالى: ((يسألونك عن اليتامى »
الآية
٥٧ - قوله تعالى: ((ولا تنكحوا
المشركات ليلة)) الآية .
٦٦ - قوله تعالى: ((يسألون عن المحيض))
الآ ية
٧٥ - قوله تعالى: (( نساؤكم حرث لكم ))
الآية
٨٠ - قوله تعالى: ((ولا تجعلوا الله عرضه
لامانكم »
٨١ - قوله تعالى: ((لا يؤاخذكم الله باللغو))
الآ ية
٨٥ - قوله تعالى: ((للذين يؤلون من
نسائهم )) الآية
٩١ - قوله تعالى: ((والمطلقات يتربصن
بأنفسهن »
٩٩ - قوله تعالى: ((وبعولتهن احق بردهن))
١٠٣ - قوله تعالى: ((الطلاق مرتان)) الآية
١٠٦ - قوله تعالى: (( ولا يحل لكم ان تأخذوا
مما آتيتموهن )) الآية
١١١ - قوله تعالى: ((فإن طلقها فلا تحل
له )) الآية .
١١٦ - قوله تعالى: ((فإذا طلقتم النساء
فبلغن اجلهن فامسکوهن »
١١٩ - قوله تعالى: ((فإذا طلقتم النساء
فبلغن اجلهن فلا تعضلوهن » الآية
١٢٤ - قوله تعالى: ((والوالدات يرضعن
اولادهن »
١٣٣ - قوله تعالى: ((وإن اردتم أن
تسترضعوا )
١٣٤ - قوله تعالى ((والذين يتوقون منكم ))
١٣٩ - قوله تعالى: (( ولا جناح علیکم فيا
عرضتم به ) الآية
١٤٤ - قوله تعالى: ((ولا تعترموا عقدة

النكاح )
١٤٥ - قوله تعالى: ((لا جناح عليكم ان
طلقتم النساء )) الآية .
١٥١ - قوله تعالى: (( وان طلقتموهن من قبل
ان تمسوهن » الآية
١٥٦ - قوله تعالى: ((حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى )) الآية
١٦٥ - قوله تعالى: ((فإن خفتم فرجالاً))
الآية .
١٦٩ - قوله تعالى: ((والذين يتوفون منكم))
١٧٣ - قوله تعالى: ((وللمطلقات مناع
بالمعروف))
١٧٤ - قوله تعالى: ((الم تر إلى الذين
خرجوا من ديارهم حذر الموت )) الآية
١٧٨ - قوله تعالى: ((وقاتلوا في سبيل الله ))
الآ ية
١٧٩ - قوله تعالى: ((من ذا الذين يقرض الله
قرضاً حسناً)) الآية
١٨٣ - قوله تعالى: ((الم تر إلى الملاء من بني
اسرائيل » الآية
١٨٦ - قوله تعالى: ((وقال لهم نبيهم)) الآية
١٨٩ - قوله تعالى: ((وقال لهم نبيهم ان آية
ملكه » الآية
٢٠٠ - قوله تعالى: ( لما برزوا لجالوت)) الآية
٢٠٢ - قوله تعالى: ((فهزمواهم بإذن الله))
الآية
٢٠٨ - قوله تعالى: ((تلك آيات الله)) الآية
٢٠٩ - قوله تعالى: ((تلك الرسل فضلنا
بعضهم »
٢٢١ - قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا
انفقوا)) الآية .
تم الفهرس
فهرس الجزء السادس انتهى ويليه الجزء السابع