النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
قوله تعالى: ((فيضاعفه له أضعافا كثيرة )) سورة البَقَرة
التنبيه على أن ذلك لا يضيع عند الله ، فكما أن القرض يجب أداؤه ولا يجوز الإخلال به فكذا
الثواب الواجب على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة ، ويروي أنه لما نزلت هذه الآية
قالت اليهود : إن الله فقير ونحن أغنياء ، فهو يطلب منا القرض ، وهذا الكلام لائق بجهلهم
وحمقهم ، لأن الغالب عليهم التشبيه ، ويقولون : إن معبودهم شيخ ، قال القاضي : من
يقول في معبوده مثل هذا القول لا يستبعد منه أن يصفه بالفقر.
فان قيل : فما معنى قوله تعالى ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ) ولأي فائدة جرى
الكلام على طريق الاستفهام.
قلنا : إن ذلك في الترغيب في الدعاء إلى الفعل أقرب من ظاهر الأمر
أما قوله تعالى ( قرضاً حسناً ) ففيه مسألتان :
المسألة الأولى ﴾ قال الواحدي : القرض في هذه الآية اسم لا مصدر ، ولو كان
مصدراً لكان ذلك إقراضاً .
المسألة الثانية ﴾ كون القرض حسناً يحتمل وجوهاً (أحدها) أراد به حلالا خالصاً لا
يختلط به الحرام ، لأن مع الشبهة يقع الاختلاط ، ومع الاختلاط ربما قبح الفعل ( وثانيها ) أن
لا يتبع ذلك الإنفاق مناً ولا أذى (وثالثها) أن يفعله على نية التقرب إلى الله تعالى ، لأن ما
يفعل رياء وسمعة لا يستحق به الثواب.
أما قوله تعالى ( فيضاعفه له ) ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ في قوله (فيضاعفه) أربع قراءات (أحدها) قرأ أبو عمرو ونافع
وحمزة والكسائي ( فيضاعفه ) بالألف والرفع ( والثاني ) قرأ عاصم ( فيضاعفه ) بالف والنصب
(والثالث ) قرأ ابن كثير ( فيضعفه ) بالتشديد والرفع بلا ألف ( والرابع ) قرأ ابن عامر
( فيضعفه ) بالتشديد والنصب .
فنقول : أما التشديد والتخفيف فهما لغتان ، ووجه الرفع العطف على يقرض ، ووجه
النصب أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ لأن المعنى يكون قرضاً فيضاعفه ، والاختيار
الرفع لأن فيه معنى الجزاء، وجواب الجزاء بالفاء لا يكون إلا رفعاً .
﴿ المسألة الثانية﴾ التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد وهو الزيادة على أصل الشيء
حتى يبلغ مثلين أو أكثر، وفي الآية حذف، والتقدير : فيضاعف ثوابه.

١٨٢
قوله تعالى: ((ألم تر إلى الملأ)) سورة البقرة
موسى) كما يحتمل الاتصال يحتمل الحصول من بعد زمان ، ومنهم من قال : كان اسم ذلك
النبي أشمويل من بني هرون واسمه بالعربية : إسماعيل ، وهو قول الأكثرين ، وقال
أما قوله تعالى ( أضعافاً كثيرة ) فمنهم من ذكر فيه قدراً معيناً ، وأجود ما يقال فيه : إنه
القدر المذكور في قوله تعالى ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع
سنابل ) فيقال يحمل المجمل على المفسر لأن كلتا الآيتين وردتا في الإنفاق ، ويمكن أن يجاب عنه
بأنه تعالى لم يقتصر في هذه الآية على التحديد ، بل قال بعده ( والله يضاعف لمن يشاء ) .
﴿ والقول الثاني) وهو الأصح واختيار السدى: أن هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو
وكم هو؟ وإنما أبهم تعالى ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود.
أما قوله تعالى ( والله يقبض ويبسط) ففي بيان أن هذا كيف يناسب ما تقدم وجوه
( أحدها ) أن المعنى أنه تعالى لما كان هو القابض الباسط ، فان كان تقدير هذا الذي أمر
بانفاق المال الفقر فلينفق المال في سبيل الله ، فانه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الفقر ،
وإن كان تقديره الغني فلينفق فانه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الغنى والسعة وبسط
اليد ، فعلى كلا التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى ( وثانيها ) أن الإنسان إذا علم
أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا ، وبقي اعتماده على الله ، فحينئذ يسهل عليه
إنفاق المال في سبيل مرضاة الله تعالى ( وثالثها ) أنه تعالى يوسع عن عباده ويقتر ، فلا تبخلوا
عليه بما وسع عليكم ، لئلا يبدل السعة الحاصلة لكم بالضيق ( ورابعها ) أنه تعالى لما أمرهم
بالصدقة وحثهم عليها أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه وإعانته ، فقال ( والله يقبض
ويبسط) يعني يقبض القلوب حتى لا تقدم على هذه الطاعة ، ويبسط بعضها حتى يقدم على
هذه الطاعة ، ثم قال ( وإليه ترجعون ) والمراد به إلى حيث لا حاكم ولا مدبر سواه ، والله
أعلم.
القصة الثانية
قصة طالوت
قوله عز وجل ﴿ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا
ملكاً تقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا قالوا ومالنا أن لا تقاتل

١٨٣
سورة البقرة
قوله تعالى: ((ألم تر إلى)) الآية
أَلَّ تَرَ إِلَى الْعَلَّمِنْ بَنِيّ إِمَِّ يَلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىقَ إِذْ قَالُواْلِنَبٍ لَهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا
تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُ الْقِتَالُ أَلََّ تُقَدْلُواْ قَالُواْ وَمَا
لَنَّ أَلَّ ◌ُقَدْتِلَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أَنْرِجْنَا مِن دِيَزِنَا وَأَبْنَا فَلَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَلُ
تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِينَ
٤٦
في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم
بالظالمين ﴾ .
الملأ الأشراف من الناس، وهو اسم الجماعة، كالقوم والرهط والجيش، وجمعه أملاء، قال
الشاعر :
وقال لها الأملاء من كل معشر
وخير أقاويل الرجال سديدها
وأصلها من الملء ، وهم الذين يملأون العيون هيبة ورواء ، وقيل : هم الذين يملأون
المكان إذا حضروا ، وقال الزجاج : الملأ الرؤساء ، سموا بذلك لأنهم يملأون القلوب بما يحتاج
إليه ، من قولهم : ملأ الرجل يملأ ملأة فهو مليء.
قوله تعالى ( إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ) في الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ تعلق هذه الآية بما قبلها من حيث إنه تعالى لما فرض القتال بقوله
( وقاتلوا في سبيل الله ) ثم أمرنا بالإنفاق فيه لما له من التأثير في كمال المراد بالقتال ذكر قصة بني
إسرائيل ، وهي أنهم لما أمروا بالقتال نكثوا وخالفوا فذمهم الله تعالى عليه ، ونسبهم إلى الظلم
والمقصود منه أن لا يقدم المأمورون بالقتال من هذه الأمة على المخالفة ، وأن يكونوا مستمرين
في القتال مع أعداء الله تعالى.
﴿ المسألة الثانية﴾ لا شك أن المقصود الذي ذكرناه حاصل، سواء علمنا أن النبي من
كان من أولئك ، وأن أولئك الملأ من كانوا أو لم نعلم شيئاً من ذلك ، لأن المقصود هو
الترغيب في باب الجهاد وذلك لا يختلف، وإنما يعلم من ذلك النبي ومن ذلك الملأ بالخبر المتواتر
وهو مفقود ، وأما خبر الواحد فانه لا يفيد إلا الظن ، ومنهم من قال : إنه يوشع بن نون بن
افرايم بن يوسف ، والدليل عليه قوله تعالى ( من بعد موسى ) وهذا ضعيف لأن قوله ( من بعد

١٨٤
قوله تعالى: ((نقاتل في سبيل الله)) سورة البقرة
السدى : هو شمعون ، سمته أمه بذلك ، لأنها دعت الله تعالى أن يرزقها ولداً فاستجاب الله
تعالى دعاءها ، فسمته شمعون ، يعني سمع دعاءها فيه ، والسين تصير شيئاً بالعبرانية ، وهو
من ولد لاوي بن يعقوب عليه السلام .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال وهب والكلبي : إن المعاصي كثرت في بني إسرائيل ، والخطايا
عظمت فيهم ، ثم غلب عليهم عدو لهم فسبي كثيراً من ذراريهم ، فسألوا نبيهم ملكاً تنتظم به
كلمتهم ويجتمع به أمرهم ، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم ، وقيل تغلب جالوت على بني
إسرائيل ، وكان قوام بني إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ، ويجري الأحكام ، ونبي
يطيعه الملك ، ويقيم أمر دينهم ، ويأتيهم بالخبر من عند ربهم .
أما قوله ( نقاتل في سبيل الله) فاعلم أنه قرىء ( نقاتل ) بالنون والجزم على الجواب ،
وبالنون وبالرفع على أنه حال ، أي ابعثه لنا مقدرين القتال ، أو استئناف كأنه قيل : ما
تصنعون بالملك ، قالوا نقاتل ، وقرىء بالياء والجزم على الجواب ، وبالرفع على أنه صفة لقوله
( ملكاً) أما قوله ( قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا ) ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قرأ نافع وحده (عسيتم) بكسر السين ههنا، وفي سورة محمد وليد ،
واللغة المشهورة فتحها ووجه قراءة نافع ما حكاه ابن الأعرابي أنهم يقولون : هو عسى بكذا
وهذا يقوي ( عسيتم ) بكسر السين ، ألا ترى أن عسى بكذا ، مثل حرى وشحيح وطعن أبو
عبيدة في هذه القراءة فقال لو جاز ذلك لجاز ( عسى ربكم ) أجاب أصحاب نافع عنه من
وجهين ( الأول ) أن الياء إذا سكنت وانفتح ما قبلها حصل في التلفظ بها نوع كلفة ومشقة ،
وليست الياء من ( عسى) كذلك ، لأنها وإن كانت في الكتابة ياء إلا أنها في اللفظ مدة ، وهي
خفيفة فلا تحتاج إلى خفة أخرى.
والجواب الثاني﴾ هب أن القياس يقتضي جواز (عسى ربكم) إلا أنا ذكرنا أنهما
لغتان ، فله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع والأخرى في موضع آخر .
﴿ المسألة الثانية) خبر (هل عسيتم) وهو قوله (أن لا تقاتلوا) والشرط فاصل
بينهما ، والمعنى هل قاربتم أن تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل ( هل ) مستفهماً
عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالإستفهام التقرير ، وثبت أن المتوقع كائن له ، وأنه
صائب في توقعه كقوله تعالى (هل أتى على الإنسان حين من الدهر ) معناه التقرير ، ثم إنه
تعالى ذكر أن القوم قالوا ( وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله ) وهذا يدل على ضمان قوى خصوصاً
واتبعوا ذلك بعلة قوية توجب التشدد في ذلك ، وهو قولهم ( وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا )

١٨٥
قوله تعالى: ((وقال لهم نبيهم)) سورة البقرة
لأن من بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر من أمره الإجتهاد في قمع عدوه ومقاتلته .
فان قيل : المشهور إنه يقال : مالك تفعل كذا ؟ ولا يقال : مالك أن تفعل كذا ؟ قال
تعالى ( مالكم لا ترجون الله وقاراً) وقال ( ومالكم لا تؤمنون بالله ) .
( والجواب من وجهين) ( الأول) وهو قول المبرد: أن ( ما) في هذه الآية جحدلا
استفهام كأنه قال : ما لنا نترك القتال ، وعلى هذا الطريق يزول السؤال .
﴿ الوجه الثاني) أن نسلم أن (ما) ههنا بمعنى الاستفهام، ثم على هذا القول وجوه
( الأول ) قال الأخفش : أن ههنا زائدة ، والمعنى : ما لنا لا نقاتل وهذا ضعيف، لأن القول
بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل ( الثاني ) قال الفراء : الكلام ههنا محمول على
المعنى ، لأن قولك : مالك لا تقاتل معناه ما يمنعك أن تقاتل ؟ فلما ذهب إلى معنى المنع حسن
إدخال أن فيه قال تعال ( ما منعك أن تسجد ) وقال ( مالك أن لا تكون مع الساجدين )
( الثالث ) قال الكسائي : معنى ( ومالنا أن لا نقاتل ) أي شيء لنا في ترك القتال ؟ ثم سقطت
كلمة ( في ) ورجح أبو علي الفارسي ، قول الكسائي على قول الفراء ، قال : وذلك لأن على
قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر ، والتقدير : ما يمنعنا من أن نقاتل ، إذا كان لا بد من
إضمار حرف الجر على القولين ، ثم على قول الكسائي يبقى اللفظ مع هذا الإضمار على ظاهره ،
وعلى قول الفراء لا يبقى ، فكان قول الكسائي لا محالة أولى وأقوى.
أما قوله ( فلما كتب عليهم القتال تولوا ) فاعلم أن في الكلام محذوفاً تقديره : فسأل الله
تعالى ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال فتولوا .
أما قوله ( إلا قليلا منهم ) فهم الذين عبروا منهم النهر وسيأتي ذكرهم ، وقيل : كان
عدد هذا القليل ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر ( والله عليم بالظالمين ) أي هو عالم بمن
ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قيل من ربه ، وهذا هو الذي يدل على تعلق هذه الآية
بقوله قبل ذلك ( وقاتلوا في سبيل الله ) فكأنه تعالى أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني إسرائيل
في الجهاد وعقب ذلك بأن من تقدم على مثله فهو ظالم والله أعلم بما يستحقه الظالم وهذا بين في
كونه زجراً عن مثل ذلك في المستقبل وفي كونه بعثاً على الجهاد ، وأن يستمر كل مسلم على
القيام بذلك والله أعلم.
قوله تعالى ﴿ وقال لهم نبیهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملكعلینا

١٨٦
قوله تعالى: ((قال إن الله اصطفاه)) الآية. سورة البَقَرة
وَقَالَ لَهُمْ نَبُِّهُمْ إِنَّ اللََّ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ
◌َلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَهُ عَلَيْكُ
وَزَادَهُ بَسْطَةً فِ الْعِلْمِ وَالْحِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ
٢٤٧
ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم
والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ﴾.
اعلم أنه لما بين في الآية الأولى أنه أجابهم إلى ما سألوا، ثم إنهم تولوا فبين أن أول ما
تولوا انكارهم إمرة طالوت ، وذلك لأنهم طلبوا من نبيهم أن يطلب من الله أن يعين لهم ملكاً
فأجابهم بأن الله قد بعث لهم طالوت ملكاً ، قال صاحب الكشاف: طالوت اسم أعجمي ،
كجالوت ، وداود وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته ، وزعموا أنه من الطول لما وصف به
من البسطة في الجسم ، ووزنه إن كان من الطول فعلوت ، وأصله طولوت ، إلا أن امتناع
صرفه يدفع أن يكون منه، إلا أن يقال : هو اسم عبراني وافق عربياً كما وافق حطة حنطة ،
وعلى هذا التقدير يكون أحد سببيه العجمة لكونه عبرانياً ، ثم إن الله تعالى لما عينه لأن يكون
ملكاً لهم أظهروا التولي عن طاعته، والإعراض عن حكمه، وقالوا ( أنى يكون له الملك علينا)
واستبعدوا جداً أن يكون هو ملكاً عليهم ، قال المفسرون : وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة
کانت مخصوصة بسبطمعین من أسباط بني إسرائيل ، وهو سبط لا وی بن يعقوب ، ومنه موسى
وهرون ، وسبط المملكة ، سبط يهوذا ، ومنه داود وسليمان ، وأن طالوت ما كان من أحد
هذين السبطين ، بل كان من ولد بنيامين فلهذا السبب أنكروا كونه ملكاً لهم
، وزعموا أنهم أحق بالملك منه ، ثم أنهم أكدوا هذه الشبهة بشبهة أخرى ، وهي قولهم :
ولم يؤت سعة من المال ، وذلك إشارة إلى أنه فقير ، واختلفوا فقال وهب ، كان دباغاً ، وقال
السدى : كان مكارياً ، وقال آخرون ، كان سقاء .
فإن قيل : ما الفرق بين الواوين في قوله ( ونحن أحق ) وفي قوله ( ولم يؤت ) .
قلنا : الأولى للحال ، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالا ، والمعنى : كيف
يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بد للملك
من مال يعتضد به ، ثم إنه تعالى أجاب عن شبههم بوجوه ( الأول ) قوله ( إن الله اصطفاه

١٨٧
قوله تعالى: ((وزاده بسطة)) سورة البقرة
عليكم ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ معنى الآية أنه تعالى خصه بالملك والإمرة.
واعلم أن القوم لما كانوا مقرين بنبوة ذلك النبي ، كان إخباره عن الله تعالى أنه جعل
طالوت ملكاً عليهم حجة قاطعة في ثبوت الملك له لأن تجويز الكذب على الأنبياء عليهم السلام
يقتضي رفع الوثوق بقولهم وذلك يقدح في ثبوت نبوتهم ورسالتهم ، وإذا ثبت صدق المخبر
ثبت إن الله تعالى خصه بالملك، وإذا ثبت ذلك كان ملكاً واجب الطاعة وكانت الإعتراضات
ساقطة .
المسألة الثانية) قوله ( اصطفاه) أي أخذ الملك من غيره صافياً له ، واصطفاه ،
واستصفاه بمعنى الاستخلاص ، وهو أن يأخذ الشيء خالصاً لنفسه ، وقال الزجاج : إنه
مأخوذ من الصفوة ، والأصل فيه اصتفى بالتاء فأبدلت التاء طاء ليسهل النطق بها بعد الصاد ،
وكيفما كان الاشتقاق فالمراد ما ذكرناه أنه تعالى خصه بالملك والإمرة ، وعلى هذا الوجه وصف
تعالى نفسه بأنه اصطفى الرسل ووصفهم بأنهم : المصطفون الأخيار ووصف الرسول بأنه
المصطفى .
المسألة الثالثة﴾ هذه الآية تدل على بطلان قول من يقول : إن الإمامة موروثة ،
وذلك لأن بني إسرائيل أنكروا أن يكون ملكهم من لا يكون من بيت المملكة، فأعلمهم الله
تعالى أن هذا ساقط، والمستحق لذلك من خصه الله تعالى بذلك وهو نظير قوله ( تؤتى الملك
من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) .
﴿ الوجه الثاني﴾ في الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى (وزاده بسطة في العلم
والجسم ) وتقرير هذا الجواب أنهم طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين ( أحدهما ) أنه ليس من
أهل بيت الملك ( الثاني ) أنه فقير ، والله تعالى بين أنه أهل للملك وقرر ذلك بأنه حصل له
وصفان ( أحدهما ) العلم (والثاني ) القدرة ، وهذان الوصفان أشد مناسبة لاستحقاقه الملك
من الوصفين الأولين وبيانه من وجوه ( أحدها ) أن العلم والقدرة من باب الكمالات
الحقيقية ، والمال والجاه ليسا كذلك ( والثاني ) أن العلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لجوهر
نفس الإنسان والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان ( الثالث ) أن العلم والقدرة لا
يمكن سلبهما عن الإنسان ، والمال والجاه يمكن سلبهما عن الإنسان (والرابع ) أن العلم بأمر
الحروب ، والقوي الشديد على المحاربة يكون الانتفاع به في حفظ مصلحة البلد ، وفي دفع شر
الأعداء أتم من الانتفاع بالرجل النسيب الغني إذا لم يكن له علم بضبط المصالح ، وقدرة على

١٨٨
قوله تعالى: ((وزاده بسطة )) سورة البقرة
دفع الأعداء ، فثبت بما ذكرنا أن إسناد الملك إلى العالم القادر ، أولى من إسناده إلى النسيب
الغني ثم ههنا مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله (وزاده بسطة في العلم
والجسم ) وهذا يدل على أن العلوم الحاصلة للخلق ، إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده ،
وقالت المعتزلة هذه الإضافة إنما كانت لأنه تعالى هو الذي يعطي العقل ونصب الدلائل ،
وأجاب الأصحاب بأن الأصل في الإضافة المباشرة دون التسبب .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال بعضهم : المراد بالبسطة في الجسم طول القامة ، وكان يفوق
الناس برأسه ومنكبه ، وإنما سمى طالوت لطوله ، وقيل المراد من البسطة في الجسم الجمال ،
وكان أجمل بني إسرائيل وقيل : المراد القوة ، وهذا القول عندي أصح لأن المنتفع به في دفع
الأعداء هو القوة والشدة ، لا الطول والجمال.
﴿ المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى قدم البسطة في العلم، على البسطة في الجسم ، وهذا منه
تعالى تنبيه على أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف وأكمل من الفضائل الجسمانية .
الوجه الثالث﴾ في الجواب عن الشبهة قوله تعالى ( والله يؤتي ملكه من يشاء)
وتقريره أن الملك لله والعبيد الله فهو سبحانه يؤتى ملكه من يشاء ولا اعتراض لأحد عليه في
فعله ، لأن المالك إذا تصرف في ملكه فلا اعتراض لأحد عليه في فعله .
﴿ الوجه الرابع﴾ في الجواب قوله تعالى (والله واسع عليم ) وفيه ثلاثة أقوال
( أحدها ) أنه تعالى واسع الفضل والرزق والرحمة ، وسعت رحمته كل شيء .
، والتقدير : أنتم طعنتم في طالوت بكونه فقيراً، والله تعالى واسع الفضل والرحمة ، فاذا
فوض الملك إليه ، فان علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال ، فالله تعالى يفتح عليه باب الرزق
والسعة في المال.
﴿ والقول الثاني﴾ أنه واسع، بمعنى موسع ، أي يوسع على من يشاء من نعمه،
وتعلقه بما قبله على ما ذكرناه ( والثالث ) أنه واسع بمعنى ذو سعة ، ويجيء فاعل ومعناه ذو
كذا ، كقوله ( عيشة راضية ) أي ذات رضا ، وهم ناصب ذو نصب ، ثم بين بقوله ( عليم )
أنه تعالى مع قدرته على إغناء الفقير عالم بمقادير ما يحتاج إليه في تدبير الملك ،وعالم بحال ذلك
الملك في الحاضر والمستقبل ، فيختار لعلمه بجميع العواقب ما هو مصلحته في قيامه بأمر
الملك .

١٨٩
سورة البَقَرة
قوله تعالى: ((وقال لهم نبيهم )) الآية ..
وَقَالَ لَهُمْ نَبِهُمْ إِنَّءَايَةً مُلْكِةٍ أَنْ يَأْنِيَكُ النَّبُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِكُمْ وَبَقِيَّةٌ فَِّ
تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَدُرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَّكَهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةَّ لَّكُمْ إِن كُنْتُ
مُؤْمِنِينَ (٨) فَلَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْحُدِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِكُ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ
فَلَيْسَ مِنِّى وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمُهُ فَإِنَّهُ، مِنِىَ إِلَّ مَنِ آَغْتَرَفَ غُرْفَةً بِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَ جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوَ بِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مَُّدْقُواْ اللّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿ـ
قوله تعالى ﴿ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما
ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ، فلما فصل طالوت
بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فانه مني إلا من اغترف
غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم
بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع
الصابرين ﴾ .
اعلم أن ظاهر الآية المتقدمة يدل على أن أولئك الأقوام كانوا مقرين بنبوة النبي الذي
كان فيهم لأن قوله تعالى حكاية عنهم ( إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً) كالظاهر في أنهم كانوا
معترفين بنبوة ذلك النبي ، ومقرين بأنه مبعوث من عند الله تعالى ، ثم إن ذلك النبي لما قال
( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ) كان هذا دليلا قاطعاً في كون طالوت ملكاً ، ثم إنه تعالى
لكمال رحمته بالخلق ، ضم إلى ذلك الدليل دليلا آخر يدل على كون ذلك النبي صادقاً في ذلك
الكلام ، ويدل أيضاً على أن طالوت نصبه الله تعالى للملك وإكثار الدلائل من الله تعالى
جائز ، ولذلك أنه كثرت معجزات موسى عليه السلام ، ومحمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا

١٩٠
قوله تعالى: ((وقال لهم نبيهم إن آية ملكه)) سورة البقرة
قال تعالى ( وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ أن مجيء ذلك التابوت لا بد وأن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى
يصح أن يكون آية من عند الله ، دالة على صدق تلك الدعوى ، ثم قال أصحاب الأخبار :
إن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه صور الأنبياء من أولاده ، فتوارثه أولاد آدم
إلى أن وصل إلى يعقوب ، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل ، فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم
وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم ، وكانت الملائكة
تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فاذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصرة ، فلما
عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه ، فلما سألوا نبيهم البينة
على ملك طالوت ، قال ذلك النبي : إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره ، ثم إن الكفار
الذين سلبوا ذلك التابوت كانوا قد جعلوه في موضع البول والغائط ، فدعا النبي عليهم في ذلك
الوقت ، فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله تعالى
بالبواسير ، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت ، فأخرجوه ووضعوه علی ثورین
فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما ، حتى أتوا منزل
طالوت ، ثم إن قوم ذلك النبي رأوا التابوت عند طالوت ، فعلموا أن ذلك دليل على كونه
ملكاً لهم ، فذلك هو قوله تعالى ( إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ) والإتيان على هذا مجاز ،
لأنه أتى به ولم يأت هو فنسب إليه توسعاً ، كما يقال : ربحت الدراهم ، وخسرت التجارة.
والرواية الثانية ﴾ أن التابوت صندوق كان موسى عليه السلام يضع التوراة فيه ،
وكان من خشب ، وكانوا يعرفونه ، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام
لسخطه على بني إسرائيل ، ثم قال نبي ذلك القوم : إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من
السماء ، ثم إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران ، بل نزل من السماء إلى الأرض ،
والملائكة كانوا يحفظونه ، والقوم كانوا ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت ، وهذا قول ابن
عباس رضي الله عنهما ، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت ، وأضيف الحمل إلى الملائكة في
القولين جميعاً ، لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء وإن لم يحمله
كما يقول القائل : حملت الأمتعة إلى زيد إذا حفظها في الطريق ، وإن كان الحامل غيره .
واعلم أنه تعالى جعل إتيان التابوت معجزة ، ثم فيه احتمالان ( أحدهما ) أن يكون
مجيء التابوت معجزاً، وذلك هو الذي قررناه ( والثاني ) أن لا يكون التابوت معجزاً ، بل
يكون ما فيه هو المعجز ، وذلك بأن يشاهدوا التابوت خالياً ، ثم إن ذلك النبي يضعه بمحضر
من القوم في بيت ويغلقوا البيت ، ثم إن النبي يدعى أن الله تعالى خلق فيه ما يدل على

١٩١
قوله تعالى: ((فيه سكينة من ربكم)) سورة البقرة
واقعتنا ، فاذا فتحوا باب البيت ونظروا في التابوت رأوا فيه كتاباً يدل على أن ملكهم هو
طالوت ، وعلى أن الله سينصرهم على أعدائهم فهذا يكون معجزاً قاطعاً دالا على أنه من عند
الله تعالى، ولفظ القرآن يحتمل هذا ، لأن قوله ( يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ) يحتمل
أن يكون المراد منه أنهم يجدون في التابوت هذا المعجز الذي هو سبب لاستقرار قلبهم
واطمئنان أنفسهم فهذا محتمل.
المسألة الثانية ﴾ قال صاحب الكشاف: وزن التابوت إما أن يكون فعلوتا أو
فاعولا ، والثاني مرجوح ، لأنه يقل في كلام العرب لفظ يكون فاؤه ولامه من جنس واحد ،
نحو : سلس وقلق ، فلا يقال : تابوت من تبت قياساً على ما نقل ، وإذا فسد هذا القسم
تعين الأول ، وهو أنه فعلوت من التوب ، وهو الرجوع لأنه ظرف يوضع فيه الأشياء ، ويودع
فيه فلا يزول يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قرأ الكل: التابوت بالتاء، وقرأ أبي وزيد بن ثابت (التابوه)
بالهاء وهي لغة الأنصار.
المسألة الرابعة ﴾ من الناس من قال : إن طالوت كان نبياً ، لأنه تعالى أظهر المعجزة
على يده وكل من كان كذلك كان نبياً ، ولا يقال : إن هذا كان من كرمات الأولياء ، لأن
الفرق بين الكرامة والمعجزة أن الكرامة لا تكون على سبيل التحدي ، وهذا كان على سبيل
التحدي ، فوجب أن لا يكون من جنس الكرامات .
( والجواب ) لا يبعد أن يكون ذلك معجزة لنبي ذلك الزمان ، ومع كونه معجزة له فانه
کان آية قاطعة في ثبوت ملكه.
أما قوله تعالى ( فیه سکینة من ربكم ) ففيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ ( السكينة ) فعيلة من السكون ، وهو ضد الحركة وهي مصدر وقع
موقع الاسم ، نحو : القضية والبقية والعزيمة .
﴿ المسألة الثانية ﴾ اختلفوا في السكينة، وضبط الأقوال فيها أن نقول : المراد بالسكينة
إما أن يقال إنه كان شيئاً حاصلا في التابوت أما ما كان كذلك .
والقسم الثاني ﴾ هو قول أبي بكر الأصم ، فانه قال ( آية ملكه أن يأتيكم التابوت
فيه سكينة من ربكم ) أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك ، وتزول نفرتكم عنه ، لأنه
متى جاء هم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول

١٩٢
قوله تعالى: ((فيه سكينة من ربكم)) سورة البقرة
نفرتهم بالكلية .
وأما القسم الأول ﴾ وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعاً في التابوت ، وعلى
هذا ففيه أقوال ( الأول ) وهو قول أبي مسلم أنه كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى
المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام ، بأن الله ينصر طالوت
وجنوده ، ويزيل خوف العدو عنهم ( الثاني ) وهو قول علي عليه السلام : كان لها وجه كوجه
الإنسان ، وكان لها ريح هفافة ( والثالث ) قول ابن عباس رضي الله عنهما : هي صورة من
زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر ، وذنب كذنبه ، فاذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت
نحو العدو وهم يمضون معه فاذا وقف وقفوا ونزل النصر .
القول الرابع ﴾ وهو قول عمرو بن عبيد: إن السكينة التي كانت في التابوت شيء لا
يعلم.
واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن ، وهو كقوله في قصة الغار ( فأنزل الله
سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) فكذا قوله تعالى ( فيه سكينة من ربكم ) معناه الأمن
والسكون .
واحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين ( الأول ) أن قوله ( فيه سكينة )
يدل على كون التابوت ظرفاً للسكينة ( والثاني ) وهو أنه عطف عليه قوله ( وبقية مما ترك آل
موسى) فكما أن التابوت كان ظرفاً للبقية وجب أن يكون ظرفا للسكينة.
( والجواب عن الأول) أن كلمة (في ) كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه
الصلاة والسلام ((في النفس المؤمنة مائة من الإبل)) وقال ((في خمس من الإبل شاة )) أي بسببه
فقوله في هذه الآية ( فيه سكينة ) أي بسببه تحصل السكينة .
( والجواب عن الثاني ) لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من
الدين والشريعة ، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينهما وشريعتهما .
وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعاً في التابوت فقالوا: البقية هي رضاض
الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفير من المن الذي كان ينزل عليهم.
أما قوله ( آل موسى وآل هارون) ففيه قولان ( الأول ) قال بعض المفسرين يحتمل أن
يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما ، والدليل عليه قوله عليه
الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري ((لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود)) وأراد به داود

١٩٣
قوله تعالى: ((فلما فصل طالوت)) سورة البقرة
نفسه ، لأنه لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام .
والقول الثانى﴾ قال القفال رحمه الله: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون ،
لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت ، وما في التابوت أشياء توارثها
العلماء من أتباع موسى وهارون ، فيكون الآل هم الأتباع ، قال تعالى ( أدخلوا آل فرعون
أشد العذاب ) .
وأما قوله (تحمله الملائكة ) فقد تقدم القول فيه .
وأما قوله ( إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ) فالمعنى أن هذه الآية معجزة باهرة إن
كنتم ممن يؤمن بدلاله المعجزة على صدق المدعي .
قوله تعالى ( فلما فصل طالوت بالجنود ) فيه مسائل.
المسألة الأولى ﴾ اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها يظهر بتقدير محذوف يدل
عليه باقي الكلام ، والتقدير أنه لما أتاهم بآية التابوت أذعنوا له ، وأجابوا إلى المسير تحت
رايته . فلما فصل بهم أي فارق بهم حد بلده وانقطع عنه ، ومعنى الفصل القطع ، يقال :
قول فصل ، إذا كان يقطع بين الحق والباطل وفصلت اللحم عن العظم فصلا وفاصل الرجل
شريكه وامرأته فصالا ، ويقال للفطام فصال ، لأنه يقطع عن الرضاع ، وفصل عن المكان
قطعة بالمجاوزة عنه ، ومنه قوله ( ولما فصلت العير ) قال صاحب الكشاف قوله : فصل عن
موضع كذا أصله فصل نفسه ، ثم لأجل الكثرة في الإستعمال حذفوا المفعول حتى صار في
حكم غير المتعدي كما يقال انفصل والجنود جمع جند وكل صنف من الخلق جند على حدة ، يقال
للجراد الكثيرة إنها جنود الله، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ((الأرواح جنود مجندة)).
المسألة الثانية ﴾ روي أن طالوت قال لقومه : لا ينبغي أن يخرج معي رجل يبني بناء
لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا أبغى إلا الشاب
النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختار ثمانون ألفاً.
أما قوله تعالى ( قال إن الله مبتليكم بنهر ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اختلفوا في أن هذا القائل من كان فقال الأكثرون: أنه هو طالوت
وهذا هو الأظهر لأن قوله لا بد وأن يكون مسنداً إلى مذكور سابق ، والمذكور السابق هو
طالوت ، ثم على هذا يحتمل أن يكون القول من طالوت لكنه تحمله من نبى الوقت ، وعلى
هذا التقدير لا يلزم أن يكون طالوت نبياً ويحتمل أن يكون من قبل نفسه فلا بد من وحي أتاه
عن ربه ، وذلك يقتضي أنه مع الملك كان نبياً.
= ٦-١٣٢

١٩٤
قوله تعالى: ((قال إن الله مبتليكم بنهر)) سورة البَقَرة
والقول الثاني ﴾ أن قائل هذا القول هو النبي المذكور في أول الآية ، والتقدير:
فلما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم ( إن الله مبتلیکم بنهر ) ونبی ذلك الوقت هو اشمویل
عليه السلام .
المسألة الثانية ﴾ في حكمة هذا الابتلاء وجهان (الأول) قال القاضي: كان مشهوراً
من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة فأراد الله تعالى إظهار
علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا
يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو ، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال (فان الله
مبتليكم بنهر ) ( والثاني ) أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد.
المسألة الثالثة﴾ في النهر أقوال ( أحدها) وهو قول قتادة والربيع ، أنه نهر بين
الأردن وفلسطين ( والثاني ) وهو قول ابن عباس والسدى : أنه نهر فلسطين ، قال القاضي :
والتوفيق بين القولين أن النهر الممتد من بلد قد يضاف إلى أحد البلدين .
القول الثالث﴾ وهو الذي رواه صاحب الكشاف: أن الوقت كان قيظاً فسلكوا
مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً فقال : إن الله مبتليكم بما اقترحتموه من النهر.
المسألة الرابعة ﴾ قوله ( مبتلیکم بنھر ) أی ممتحنکم امتحان العبد کما قال ( إنا خلقنا
الإنسان من نطفة امشاج نبتليه ) ولما كان الابتلاء بين الناس إنما يكون لظهور الشيء ، وثبت
أن الله تعالى لا يثبت ، ولا يعاقب على علمه ، إنما يفعل ذلك بظهور الأفعال بين الناس ،
وذلك لا يحصل إلا بالتكليف لا جرم سمي التكليف ابتلاء ، وفيه لغتان بلا يبلو ، وابتلى يبتلي ،
قال الشاعر :
ولقد كفاك مودتي بتأدب
ولقد بلوتك وابتليت خليفتي
فجاء باللغتين .
المسألة الخامسة ﴾ نهر ونهر بتسكين الهاء وتحريكها لغتان ، وكل ثلاثي حشوة حرف
من حروف الحلق فانه يجيء على هذين ، كقولك : صخر وصخر ، وشعر وشعر ، وقالوا :
بحر وبحر ، وقال الشاعر :
فليس بين يديه والندى عمل
كأنما خلقت كفاء من حجر
مخافة أن يرى في كفه بلل
يرى التيمم في بر وفي بحر
أما قوله تعالى ( فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ) ففيه مسائل

١٩٥
قوله تعالى: ((فمن شرب منه فليس مني)) سورة البقرة
المسألة الأولى ﴾ قوله ( فليس منى) كالزجر ، يعنى ليس من أهل ديني وطاعتي ،
ونظيره قوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر ) ثم قال قبل هذا ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن
المعروف) وأيضاً نظيره قوله صل﴾ (( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا)) أي ليس على
ديننا ومذهبنا والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال أهل اللغة (لم يطعمه) أي لم يذقه، وهو من الطعم ، وهو
يقع على الطعام والشراب هذا ما قاله أهل اللغة ، وعندي انما اختير هذا اللفظ لوجهين من الفائدة
( أحدهما ) أن الإنسان إذا عطش جداً، ثم شرب الماء وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة
قال : إن هذا الماء كأنه الجلاب ، وكأنه عسل فيصفه بالطعوم اللذيذة ، فقوله ( ومن لم
يطعمه) معناه أنه وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم
الطيبة فإنه يجب عليه الاحتراز عنه ، وأن لا يشربه ( والثاني ) أن من جعل الماء في فمه
وتمضمض به ثم أخرجه من الفم ، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه ، ولا يصدق عليه أنه
شربه ، فلوقال : ومن لم يشربه فإنه منى كان المنع مقصوراً على الشرب ، أما لما قال ( ومن لم
يطعمه) كان المنع حاصلاً في الشرب ، وفي المضمضة ، ومعلوم أن هذا التكليف أشق ، وأن
الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض به وجد نوع خفة وراحة .
﴿ المسألة الثالثة ﴾ أنه تعالى قال في أول الآية (فمن شرب منه فليس منی) ثم قال بعده
( ومن لم يطعمه) وكان ينبغي أن يقال : ومن لم يطعم منه ليكون آخر الآية مطابقاً أولها ، إلا
أنه ترك ذلك اللفظ ، واختير هذا لفائدة ، وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف لا يشرب
من هذا النهر كيف يحنث؟ قال أبو حنيفة لا يحنث إلا إذا كرع من النهر ، حتى لو اغترف بالكوز
ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث ، لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربه متصلا
بذلك الشيء ، وهذا لا يحصل إلا بأن يشرب من النهر ، وقال الباقون إذا اغترف الماء بالكوز
من ذلك النهر وشربه يحنث ، لأن ذلك وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز معروف مشهور.
إذا عرفت هذا فنقول : إن قوله ( فمن شرب منه فليس منى ) ظاهره أن يكون النهى
مقصوراً على الشرب من النهر ، حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلا تحت النهي ، فلما
كان هذا الإحتمال قائما في اللفظ الأول ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام ، فقال (ومن لم
يطعمه فانه منى ) أضاف الطعم والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الإبهام.
أما قوله ( إلا من اغترف غرفة بيده) ففيه مسائل :

١٩٦
قوله تعالى: ((فشربوا منه إلا قليلاً)) سورة البقرة
المسألة الأولى﴾ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ( غرفة) بفتح الغين ، وكذلك
يعقوب وخلف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم ، قال أهل اللغة الغرفة
بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف، والغرفة بالفتح الفعل ، وهو الأغتراف مرة
واحدة ، ومثله الأكلة والأكلة ، يقال : فلان يأكل في النهار أكله واحدة ، وما أكلت عندهم
إلا أكله بالضم أي شيئاً قليلا كاللقمة ، ويقال : الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه ،
وحززت اللحم حزة أي قطعته مرة واحدة ، ونحوه : الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين
القدمين ، والخطوة أن يخطومرة واحدة ، وقال المبرد : غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ما في
يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء الكف أو ما اغترف به
المسألة الثانية ) قوله ( إلا من اغترف) استثناء من قوله (فمن شرب منه فليس منی)
وهذه الجملة في حكم المتصلة بالاستثناء ، إلا أنها قدمت في الذكر للعناية .
﴿ المسألة الثالثة﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه
وخدمه ، ويحمل منها .
وأقول : هذا الكلام يحتمل وجهين ( أحدهما ) أنه كان مأذونا أن يأخذ من الماء ما شاءه
مرة واحدة ، بغرفة واحدة ، بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه ، ولأن
يحمله مع نفسه ( والثاني ) أنه كان يأخذ القليل إلا أن الله تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي
لكل هؤلاء ، وهذا كان معجزة لنبي ذلك الزمان ، كما أنه تعالى كان يروى الخلق العظيم من
الماء القليل في زمان محمد عليه الصلاة والسلام .
أما قوله تعالى ( فشربوا منه إلا قليلا منهم ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قرأ أبي والأعمش (إلا قليل) قال صاحب الكشاف: وهذا بسبب
ميلهم إلى المعنى ، وإعراضهم عن اللفظ ، لأن قوله (فشربوا منه ) في معنى: فلم يطيعوه ، لا
جرم حمل عليه كأنه قيل : فلم يطيعوه إلا قليل منهم.
المسألة الثانية ﴾ قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق عن
الزنديق ، والموافق عن المخالف، فلما ذكر الله تعالى أن الذين يكوتون أهلا لهذا القتال هم
الذين لا يشربون من هذا النهر ، وأن كل من شرب منه فانه لا يكون مأذونا في هذا القتال ،
وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال ، لا جرم أقدموا على الشرب ، فتميز الموافق عن
المخالف ، والصديق عن العدو ، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش
شديد ، وقع أكثرهم في النهر ، وأكثروا الشرب ، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى ، فلم
يزيدوا على الاغتراف ، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر الله فاسودت شفاههم وغلبهم العطش

١٩٧
قوله تعالى: ((فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه)) سورة البَقَرة
ولم يرووا ، وبقوا على شط النهر، وجبنوا على لقاء العدو ، وأما الذين أطاعوا أمر الله
تعالى ، فقوى قلبهم وصح إيمانهم ، وعبروا النهر سالمين .
المسألة الثالثة ﴾ القليل الذي لم يشرب قيل: إنه أربعة آلاف، والمشهور وهو قول
الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون ، والدليل عليه أن النبي
وَ ال* قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه
إلا مؤمن ، قال البراء بن عازب : وكنا يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا .
أما قوله ( فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) ففيه
مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ لا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا
إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله تعالى في باب الشرب من النهر ، وإنما
اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان قبل عبور النهر أو بعده ، وفيه قولان ( الأول ) أنه ما
عبر معه إلا المطيع ، واحتجٍ هذا القائل بأمور ( الأول ) أن الله تعالى قال ( فلما جاوزه هو
والذين آمنوا معه ) فالمراد بقوله ( الذين آمنوا معه ) الذين وافقوه في تلك الطاعة ، فلما ذكر الله
تعالى كل العسكر ، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر ، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا
المطيعين.
﴿ الحجة الثانية) الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت (فمن شرب منه
فليس منى ) أي ليس من أصحابي في سفري ، كالرجل الذي يقول لغيره : لست أنت منا في
هذا الأمر ، قال : ومعنى ( فشربوا منه ) أي ليتسببوا به إلى الرجوع ، وذلك لفساد دينهم
وقلبهم .
﴿ الحجة الثالثة﴾ أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد،
حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو ، وإذا كان المقصود من هذا
الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في
عبور النهر .
﴿ القول الثاني﴾ أنه استصحب كل جنوده وكلهم عبروا النهر واعتمدوا في إثبات هذا
القول على قوله تعالى حكاية عن قوم طالوت ( قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) ومعلوم
أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه ، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق ، وهذه
الحجة ضعيفة ، وبيان ضعفها من وجوه ( أحدها ) يحتمل أن يقال : إن طالوت لما عزم على

١٩٨
قوله تعالى: ((قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله)) سورة البقرة
مجاوزة النهر وتخلف الأكثرون ذكر المتخلفون أن عذرنا في هذا التخلف أنه لا طاقة لنا اليوم
بجالوت وجنوده فنحن معذورون في هذا التخلف، أقصى ما في الباب أن يقال : إن الفاء في
قوله ( فلما جاوزه) تقتضي أن يكون قولهم ( لا طاقة لنا اليوم بجالوت ) إنما وقع بعد
المجاوزة ، إلا أنا نقول يحتمل أن يقال : إن طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم
تخلفوا وما جاوزوه ، سألهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك ، وما كان النهر في العظم بحيث
يمنع من المكالمة ، ويحتمل أن يكون المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة ، وعلى هذا التقدير.
فالإشكال أيضاً زائل .
﴿ والجواب الثاني﴾ أنه يحتمل أن يقال: المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين:
بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالبا على طبعه ، ومنهم من كان
شجاعا قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى .
( فالقسم الأول ) هم الذين قالوا ( لا طاقة لنا اليوم).
(والقسم الثاني) هم الذين أجابوا بقولهم ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ).
(والجواب الثالث ) يحتمل أن يقال : القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم
قالوا ( لا طاعة لنا اليوم بجالوت وجنوده) فلا بد أن نوطن أنفسنا على القتل ، لأنه لا سبيل إلى
الفرار من أمر الله ، والقسم الثاني قالوا : لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر ،
فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة ، وغرض الفريق الثاني الترغيب في
طلب الفتح والنصرة ، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر .
المسألة الثانية ﴾ الطاقة مصدر بمنزلة الإطاقة ، يقال : أطقت الشيء إطاقة وطاقة ،
ومثلها أطاع إطاعة ، والإِسم الطاعة ، وأغار يغير إغارة والإِسم الغارة ، وأجاب يجيب إجابة
والإِسم الجابة وفي المثل : أساء سمعا فأساء جابة ، أي جوابا .
أما قوله تعالى (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ) ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى لم
جعلهم ظانين ولم يجعلهم حازمين ؟ .
( وجوابه ) أن السبب فيه أمور ( الأول) وهو قول قتادة : أن المراد من لقاء الله
الموت ، قال عليه الصلاة والسلام ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله
لقاءه )) وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون
من الموت ، لا جرم قيل في صفتهم : إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله ( الثاني ) ( الذين يظنون

١٩٩
قوله تعالى: ((قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله)) سورة البقرة
أنهم ملاقوا الله ) أي ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة ، وذلك لأن أحدا لا يعلم عاقبة
أمره ، فلا بد أن يكون ظانا راجياً وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر ، إلا من أخبر الله بعاقبة
أمره ، وهذا قول أبي مسلم وهو حسن .
﴿ الوجه الثالث ﴾ أن يكون المعنى: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله، وذلك
لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعا بأن هذا العمل الذي عمله طاعة ، لأنه ربما أتى فيه بشيء
من الرياء والسمعة ، ولا يكون بنية خالصة فحينئذ لا يكون الفعل طاعة ، إنما الممكن فيه أن
يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإِخلاص .
الوجه الرابع ﴾ أنا ذكرنا في تفسير قوله تعالى ( أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من
ربكم ) أن المراد بالسكينة على قول بعض المفسرين أنه كان في التابوت كتب إلهية نازلة على
الأنبياء المتقدمين ، دالة على حصول النصر والظفر لطالوت وجنوده ، ولكنه ما كان في تلك
الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى أو بعدها ، فقوله ( الذين يظنون أنهم ملاقوا
الله) يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر ، وإنما جعله ظناً لا يقينا لأن حصوله في
الجملة وإن كان قطعاً إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن .
الوجه الخامس﴾ قال كثير من المفسرين: المراد بقوله (يظنون أنهم ملاقوا الله) أنهم
يعلمون ويوقنون ، إلا أنه أطلق لفظ على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من
المشابهة فى تأكد الاعتقاد .
أما قوله ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا ( لا طاقة لنا اليوم بجالوت
وجنوده) والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي ، والنصر السماوي ، فإذا
جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة ، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة .
﴿ المسألة الثانية﴾ الفئة: الجماعة، لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة ،
وقال الزجاج : أصل الفئة من قولهم : فأوت رأسه بالسيف، وفأيت إذا قطعت ، فالفئة
الفرقة من الناس ، كأنها قطعة منهم .
المسألة الثالثة﴾ قال الفراء: لو ألغيت من ههنا جاز في فئة الرفع والنصب
والخفض ، أما النصب فلأن ( كم) بمنزلة عدد فنصب ما بعده نحو عشرين رجلاً، وأما
الخفض فبتقدير دخول حرف ( من ) عليه ، وأما الرفع فعلى نية تقديم الفعل كأنه قيل : كم

٢٠٠
قوله تعالى: ولما برزوا لجالوت)) الآية. سورة البَقَرة
وَلَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى
أَلْقَوْمِ اَلْكُفِرِينَ
٢٥٠
غلبت فئة .
وأما قوله ( والله مع الصابرين ) فلا شبهة أن المراد المعونة والنصرة ، ثم يحتمل أن يكون
هذا قولاً للذين قالوا ( كم من فئة قليلة ) ويحتمل أن يكون قولاً من الله تعالى ، وإن كان الأول
أظهر .
قوله تعالى ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا
على القوم الكافرين ﴾ .
فيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ المبارزة في الحروب، هي أن يبرز كل واحد منهم لصاحبه وقت
القتال ، والأصل فيها أن الأرض الفضاء التي لا حجاب فيها يقال لها البراز ، فكان البروز
عبارة عن حصول كل واحد منهما في الأرض المسماة بالبراز ، وهو أن يكون كل واحد منهما
بحيث يرى صاحبه .
المسألة الثانية ﴾ أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع العوام والضعفاء
أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وأوضحوا أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا
بإعانة الله ، لا جرم لما برز عسكر طالوت إلى عسكر جالوت وأروا القلة في جانبهم ، والكثرة في
جانب عدوهم ، لا جرم اشتغلوا بالدعاء والتضرع ، فقالوا ( ربنا أفرغ علينا صبراً) ونظيره ما
حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الإلتقاء مع المشرکین ( وکأین من نبی قاتل معه ربیون
كثير ) إلى قوله ( وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا
وانصرنا على القوم الكافرين) وهكذا كان يفعل رسول الله وص له في كل المواطن ، وروى عنه في
قصة بدر أنه عليه السلام لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده ، وكان متى لقي عدواً قال
((اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم)) وكان يقول ((اللهم بك أصول
وبك أجول)).
المسألة الثالثة﴾ الإفراغ الصب ، يقال: أفرغت الإِناء إذا صببت ما فيه ، وأصله